منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فتح مكة عبر وعظات

بن سالم باهشام

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

مقدمة

في تاريخ الإسلام أيام مجيدة، تتطلع إليها النفوس لما فيها من دروس وعبر، وما تحتويه من زاد تستطيع الأمة إن أحسنت الأخذ به أن ترتقي، وتستعيد عزها المفقود، ومجدها التليد.

وفتح مكة أحد تلك الأيام التي يشهد التاريخ على عظمتها وسموها، ففي ذلك اليوم، أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قيماً عليا، سبق بها حضارات العالم أجمع، ومن المناسب قبل أن نتحدث على تلك القيم، أن نؤكد عبقرية القائد المجاهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تلك العبقرية التي تجلت في هذا الفتح وفي مقدماته، ولذا فإن ربنا جل وعلا اعتبر الفتح من يوم صلح الحديبية الذي قبِله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن دخل مفاوضات مع قريش للصلح، وانتهت بصلح الحديبية، والذي من أهم بنوده:

*هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات.

المزيد من المشاركات
1 من 21

*أن يرجع المسلمون إلى المدينة هذا العام، فلا يقضوا العمرة إلا في العام القادم.

*أن يردّ الرسول صلى الله عليه و سلم من أتى مسلما من قريش إلى مكة، و ألا ترد قريش من أتاها مرتدا من المدينة.

*من أراد أن يدخل عهد قريش دخل فيه، و من أراد أن يدخل في عهد محمد صلى الله عليه وسلم دخل فيه. وخالف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الصلح، كبار أصحابه الذين كانوا يريدون دخول مكة، ولم يستسيغوا أول الأمر هذه الهدنة بهذه الشروط، لاعتقادهم أن بنودها فيها إهانة للمسلمين، فأنزل الله وقتها على رسوله صلى الله عليه وسلم: “إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً.” وقد ظهرت نتائج صلح الحديبية الإيجابية، منها:

* أنه أثناء هذا الصلح تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم لنشر الإسلام، بعد أن أمِن جانب قريش.

* وتفرغ المسلمون لتسوية الحساب مع يهود خيبر الذين نقضوا عهودهم التي كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* وتم دخول قبائل كثيرة إلى حلف المسلمين، وعلى رأسهم قبيلة خزاعة.

* وكان صلح الحديبية سببا في فتح مكة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 35

أهمية تعليم الأبناء المغازي وأثرها على تكوين الشخصية السوية

كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يقدّرون للسيرة النبوية قدرها، ويتواصون بتعلّمها وتعليمها لأبنائهم، فكان علي بن الحسين ـ رضي الله عنه ـ يقول: ” كنا نُعلَّم مغازي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما نعلم السورة من القرآن “. وكان الزهري يقول: ” علم المغازي والسرايا علم الدنيا والآخرة“. وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ: ” كان أبي يعلمنا المغازي ويعدّها علينا ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها “.
وها نحن في هذا الحجر الصحي بسبب فيروس كورونا كوفيد 19 المستجد، قد رجعنا إلى الأصل، وهو أن تسعنا بيوتنا، ونلتف مع أبنائنا، فلنجعل من السيرة النبوية عموما ومن المغازي خصوصا، برنامجا نتفقه فيه مع أبنائنا لنعرف أمجادنا الذين اعتزوا بدينهم فأعزهم الله تعالى، فما أحرانا أن نغرس في قلوب أبنائنا من صغرهم ـ وبأسلوب يناسب أعمارهم وعقولهم ـ حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وذلك من خلال تعليمهم السيرة النبوية المطهرة.

الوقائع التاريخية لغزوة الفتح.

كان فتح مكة في رمضان 8 هجرية، وسببها أن صلح الحديبية أباح لكل قبيلة عربية أن تدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاءت، أو تدخل في عقد قريش، فارتضت بنو بكر أن تدخل في عقد قريش، وارتضت خزاعة رغم كفرها أن تدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي تلك السنة الثامنة من الهجرة، إذ لم تمر على معاهدة صلح الحديبية إلا سنتين، حتى اعتدت بنو بكر على خزاعة، فقتلت منها نحو عشرين رجلا، وأمدت قريش بني بكر بالمال والسلاح، فلما بلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم غضب غضبا شديدا، وتجهز لقتال قريش، إلا أنه لم يرد أن يخبر الناس عن وجهته، ليس خوفا من قريش، وإنما حقنا للدماء، لئلا تستعد قريش، فتستباح حرمة البلد الحرام، وتمتلئ أرجاؤه بأشلاء القتلى، فكان يريد عليه الصلاة والسلام أن يدخلها سلما دون حرب، ولكن الصحابي البدري “حاطب بن أبي بلتعة”، أرسل كتابا سرّيا إلى كفار مكة، يخبرهم فيه بتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر الكتاب، فأرسل إلى المرأة التي تحمله، بعض أصحابه ليفتشوها، فعثروا على الكتاب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله أما إني لمؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرءا ليس لي في القوم القرشيين من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه. فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لعشر مضين من رمضان (10 رمضان)، مثل هذا اليوم الذي نحتفل فيه بهذه الذكرى العظيمة، وفي الطريق أفطر صلى الله عليه وسلم، وأفطر الناس معه، لِما لقوا من الجهد والمشقة في سفرهم، لأن المسافة ما بين مكة والمدينة هي 453،9 كم، وكان عددهم حين خروجهم من المدينة عشرة آلاف، ثم انضم إليهم في الطريق عدد من قبائل العرب، وفي (مرّ الظهران)، عثر حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان واثنين معه، فأسروهم وجاؤوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان، وقال العباس- الذي لقيه الرسول في الطريق مسلما مهاجرا إلى المدينة-: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا يفتخر به، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، ثم وصل الجيش مكة، فأعلن منادي الرسول صلى الله عليه وسلم: من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، واستثنى من ذلك خمسة عشر رجلا، عظمت جريرتهم في حق الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وهو راكب راحلته، مُنحن على الرحل، حتى لتكاد جبهته تمس قتب الراحلة شكرا لله على هذا الفتح الأكبر، ثم طاف الرسول صلى الله عليه وسلم بالبيت، وأزال ما حولها من أصنام بلغت ثلاثمائة وستين، ثم دخل الكعبة وصلى ركعتين فيها، ثم وقف على بابها، وقريش تنظر ما هو فاعل بها، فقال فيما قال ساعتئذ: «يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 92] اذهبوا فأنتم الطلقاء».

ثم اجتمع الناس حول الصفا ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فجلس إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم على الصفا، وأخذ بيعتهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، فبايع الرجال أولا، ثم النساء، ولم يصافح واحدة منهن، وكان فيمن بايعهن هند زوجة أبي سفيان التي أهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دمها فيمن أهدر يوم الفتح، فلما علمها، عفا عنها بسبب بيعتها، لأن الإسلام يجُبّ ما قبله.

وفي يوم الفتح، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يؤذن لصلاة الظهر على ظهر الكعبة، فاستعظم ذلك الحاضرون من قريش، ولم يسلموا بعد، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد ذلك عمدا لسر عظيم وحكمة بالغة.[كتاب السيرة النبوية دروس وعبر، مصطفى السباعي، ص99 – 102 المكتبة الشاملة الحديثة].

العبر والعظات من فتح مكة

إذا كان حدث فتح مكة قد مضى وولى، فإن الدروس والعبر والعظات من هذا الحدث لا تنقضي، بل تبقى الاستفادة من الحدث في كل زمان ومكان، من هذه العبر والعظات:

1 – ينبغي على القائد المسلم أن يكون بعيد النظر، قادراً على استشراف ما لا يستطيعه غيره، وتلك من أهم ميزاته صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا فليقتد المقتدون، وليدرك الجميع أن القيادة فن ينبغي على المتصدر له أن يُحصّله قبل الولوج إلى ميدانه.

2 – من مظاهر تلك العبقرية، للقائد المسلم، خطة فتح مكة، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخفى نيته، بل ووجهة الجيش عن أقرب المقربين إليه، وهي زوجته عائشة، وأبوها أبو بكر الصديق رضوان الله عليهم، بل إنه مارس ما نسميه خطة خداع استراتيجية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة أحد أصحابه، يسمى “أبو قتادة” إلى مكان آخر بعيداً عن مكة، يسمى “بطن إضم”، وذلك حتى تنقل الجواسيس هذا، فلا يعلم أحد شيئاً عن وجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقيقية.

3 – منذ أفصح صلى الله عليه وسلم عن وجهته، وهو يبث برسائل السلم والعفو بين أصحابه، ليؤكد أنهم فاتحون وليسوا غزاة، ناشرون للإسلام، وليسوا متشوقين للدماء، عائدون إلى مكة يحملون الخير، وليسوا منتقمين لثأر شخصي عند كل منهم. ولذلك عهد عليه الصلاة والسلام إلى قادته حين أمرهم أن يدخلوا مكة، ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم. وبقي النبي صلى الله عليه وسلم مصراً على نياته السلمية بعد الفتح أيضاً، فقد أصدر العفو العام عن قريش قائلاً: “اذهبوا فأنتم الطلقاء“. ولذا غضب صلوات الله وسلامه عليه، غضباً شديداً حينما قتلت “خزاعة” وهي إحدى القبائل المتحالفة مع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من قبيلة تسمى “هذيل” على سبيل ثأر كان بينهم، مما أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعله يشتد على خزاعة كثيراً حتى قام خطيباً، وأعلن عدم رضائه عن هذا الفعل تحت أي مسمى، بل ودفع إلى هذيل دية الرجل.

4 – إن القيم لا تتجزأ، وإن دم الواحد كدم الأمة كلها، وإن أصحاب القيم الحقيقية لا تضيع لديهم الحقوق مهما كان أصحابها، حتى لو اختلفوا معهم ديناً وعرقاً وجنسية.

5 – وهذا موقف آخر يدل على إعلاء النبي صلى الله عليه وسلم لتلك القيم الإنسانية التي أقرها الإسلام ورغب فيها، فها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، يطلب منه أن يعطيه مفتاح الكعبة، ليجمع بنو هاشم شرف الحجابة مع السقاية، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرفض ذلك، مع أن مفتاح الكعبة شرف لا يدانيه شرف عند العرب، ويبعث إلى عثمان بن طلحة، وهو من كان من قديم في الجاهلية، هو وقومه يتولون مفاتيح الكعبة، ويعطيه المفتاح قائلاً كما يروي ابن هشام: “هاكَ مِفْتَاحَك يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرّ وَوَفَاءٍ“.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.