منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإنسان المذهل في زمن كورونا: نساء ورجال التعليم

رشيد الذاكر

0

كل شيء تذخره فهو غال ونفيس، لكنه مهما غلا في قيمته ونفاسته: فهو مُعرض للتلف والضياع، إلا أمرين اثنين: إذخار العلوم، والعمل الصالح، والثاني لا يكون إلا حيث يوجد الأول: أعني أن العلم هو الداعي: للعمل الصالح، ولهذا كان العلم أسمى مذخر، وأعلى مفتخر، ولذلك لم يطلب الله تعالى من الناس إخراج شيء سواه {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام: 148] كما لم يطلب الزيادة من شيء سواه: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] إذا تقرر هذا: فلو أردت أن تفتش عن معدن الوجود، وعن أيقونة الحركة، في المجتمع البشري: فأمامك خيار واحد فقط: وهو أكثرهم نفعا للناس فبقدر العطاء الذي يصدر عن الإنسان تجاه أخيه الإنسان، تعظم قيمته ويعلو شانه في العلاقات الإجتماعية، وقد عبر عن هذا المعنى منطوق الأثر «الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ».
وإذا تحقق هذا ورمت البحث عن الفرد الأكثر نفعا للبشرية: فهو الإنسان المعلم، فعليه تدور الحياة كلها.
ثم تعال معي عزيزي القارئ: إلى زمن كورونا، الفيروس الذي أقلق العالم أجمع وأوجب على الناس الدخول إلى منازلهم، خوفا من تحطيم هذا الكائن المجهري للوجود البشري، على حد تعبير تلكم النملة الخالدة عندما أحست بالخطر: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } [النمل: 18] وهكذا دخل الجميع إلى المنازل والدور، ومنهم طبعا أيقونة الحياة: أقصد المعلم، الذي دخل إلى بيته لكن دون أن يفارق طلابه وتلامذته.
ففي الوقت الذي يجلس العديد من الناس في منازلهم، وقد أرهقهم الجلوس والروتين، يجلس الأستاذ والأستاذة: مربين معلمين للتلاميذ والطلاب، ساعين جهد المستطاع في تقريب المعارف والعلوم، وتيسير فهم الدروس والمقررات، وذلك أنه إن استطاع الفيروس أن يُدخلنا المنازل فلن يستطيع أن يوقف مسارنا العلمي والتعليمي.
ولأجل هذا دخل السادة الأساتذة رجالا ونساء إلى ميدان التدريس عن بعد وقد أتخذ هذا الأمر طريقتين:
– دروس رسمية تقدم من طرف الأساتذة تحت إشراف مباشر لوزارة التربية الوطنية سواء في قناة الرابعة، أو على عدة مواقع إلكترونية مثل موقع (telmidtice.men.gove.ma)وهي جهود ينبغي أن تُشكر وتحفظ في الذاكرة التعلمية للدولة المغربية.
– دروس خاصة: تأخذ طابعا تفاعليا بين التلاميذ وأساتذتهم بشكل مباشر، وتعتمد في الغالب على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وتساب، تليكرام…) وإنك لا تكاد تجد أستاذا – وخاصة أساتذة الثانوي (الإعدادي والتأهيلي) ليس لهم وسلة للتواصل مع تلاميذته.
كل هذا العمل: إنما يعبر عن روح الإنسانية والشعور بالمسؤولية تجاه المهنة، والتلاميذ، والوطن، ويحرك هذا الشعور قول الله تعالى {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] فإذا كان رجال الأمن لهم حركة في الخارج لضبط سلوك الناس وحمايتهم من هذا الداء، وهو عمل مشكور، فإن نساء ورجال التعليم لهم حركة من الداخل، يعلمون الأبناء ويحمونهم من الشعور بالملل بسبب الجلوس في المنازل.
فللجميع تحية إكبار ومودة، وألف سلام ومحبة، ودمتم في رعاية الله وحفظه: واعلموا جميعا أن: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.