منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أثر الظرف المكاني في قيمة الخطاب

0

    لكي يتجنب الخطيب الاصطدام بمكان خطابه ينبغي أن يعرف أمرين أساسيين: الأول: طبيعة الأعراف السائدة، والثاني مستوى المدنية:

1-طبيعة الأعراف السائدة:

لا يحتاج الخطيب من يذكره بأن العرف أصل من أصول الفقه عند جمهور الأصوليين، ولاسيما المذهب المالكي، والعرف المقصود هنا ليس العرف الذي ينبني عليه التشريع، لأن الفقهاء اشترطوا لذلك العرف: ألا يخالف أصلا شرعيا، وأن يستمر عليه الناس جيلا بعد جيل، وأن يندرج تحت أصل شرعي، والفقهاء اشترطوا هذه الشروط لأن غرضهم بناء الحكم الشرعي على الأحكام، وليس هذا هو غرض الخطيب، بل غرضه أن يتسلل إلى قلوب الناس وعقولهم برفق، وينقلهم من ضيق المعصية إلى رحب الطاعة، ومن كدر البغضاء إلى صفاء المحبة، ومن الفرقة إلى الوحدة وهكذا، وليس مناسبا أن يتطرق الخطيب للأحكام الفقهية على المنبر حتى ولو كانت له الأهلية لذلك، إلا ما يتعلق ببعض الإشارات في بعض المناسبات فيثير من ذلك ما لا خلاف حوله.

فالعرف بالنسبة للخطيب هو الوضع المستقر في المكان الذي يلقي فيه خطابه، سواء كان الوضع شرعيا أم مخالفا، فيجب على الخطيب أن يراعي ما استقر في نفوس الناس ولا يصدمهم بالحق جملة فيدفعهم لرفضه، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم[1] لهذا السبب، وتفصيل الوضع السائد على ثلاثة أحول: وضع  يجهل الخطيب قيمته ولا عهد له به. وضع مخالف لما يراه الخطيب في فروع الدين، وليس خارجا عن الشرع بالكلية. وضع مخالف للشرع رأسا.

-الأول: وضع جيد لكن الخطيب لا يعرفه فمن الصلف أن يرقى الخطيب المنبر ليحذر الناس من أمور لا يعرفها، والله تعالى يقول: “ولا تقف ما ليس لك به علم”[2] وقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فعل خالد بن الوليد عندما قتل ناسا يعلنون إسلامهم يقولون: “صبأنا”[3] وهي كلمة ذم للمسلمين حينها، لكنهم لا يقصدون الإساءة، وفسق القرآن الكريم في سورة الحجرات عقبة بن أبي معيط حين كاد يورط الصحابة في قتال بني المصطلق لما خافهم على نفسه لعداوة بينهم في الجاهلية، ونورد هذه الأمثلة للتوضيح:

المزيد من المشاركات
1 من 82

-يبدأ بعض الناس الذين يعانقون الإسلام بتغيير أسمائهم، ويختارون أسماء عربية، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يغير أسماء جميع الصحابة بعد إسلامهم، وإنما يغير الأسماء التي تحمل مدلولات شركية أو سلبية كعبد شمس وحزن.. وقبل أن يتحدث الخطي عن الأسماء يجب أن يعرف دلالة الاسم الأعجمي. ومراعاة المقام تقتضي أن تبقى أسماء الناس كما هي في عرفهم فذلك أدنى أن يستأنسوا بالإسلام.

-إذا تناولت السبحة فلا تقل للذاكرين بها إنكم تعدون حسناتكم، والأولى أن تعدوا سيئاتكم، لأنك تتهم الناس بأمر لا يخطر ببالهم وهم يذكرون الله تعالى، والأولى الحديث عن الغفلة عن ذكر الله تعالى جملة لا بالسبحة ولا بالأصابع، لا فرادى ولا جماعات.

-إذا تحدثت عن القبور فلا تتهم الناس بعبادة القبور، لأنه لا يوجد مسلم يعبد القبور، ولكن يمكن إن توفرت الشروط أن تتحدث عن تعظيم القبور مع أن الحي أولى بالتعظيم.

-الحصاة التي يسجد عليها الشيعة يعتقد كثير من الناس أنها مجرد تبرك بتراب كربلاء، والصحيح أن الفقه الجعفري يوجب على المصلي مباشرة الأرض بالوجه، فالجعفرية من الشيعة يأخذون معهم هذه الحصاة ليسجدوا عليها عملا بالرأي الفقهي السائد عندهم.

الثاني: وضع مخالف لمذهب الخطيب: فالخطيب ينبغي أن يعرف بأن جهده لا ينبغي أن يهدر في تحويل الناس من مذهب لآخر، بل في تعليم الناس ما يجهلون، ومساعدتهم على الامتثال لما يعرفون، وهذا لا يعني أن تكون للفقيه آراء تخصه، لكن ما لم يكن وضع الناس مخالفا كلية للشريعة فليس من مهمة الخطيب استهدافه بالتغيير، لأنه إما يرفضه الناس فيسقط خطابه جملة، وإما يقبله البعض ويرفضه آخرون فتكون فتنة، وحتى إذا تمكن من تحويلهم لرأي بعد آخر فالتاريخ سيعلمهم أن الخطيب كان يدور بهم في حلقة مفرغة، ونتوقف عند هذه الأمثلة:

-في المغرب أهدر جهد كبير ومال كثير وعداوات سوداء تمخضت عنها أمور لا يمكن أن نصفها إلا بالفارغة، منها: تحويل القراءة والحفظ برواية ورش إلى الحفظ والقراءة برواية حفص، تحويل الناس من الحفظ باللوح إلى الحفظ بالمصحف، تحويل الناس من الحفظ بالمساجد إلى الحفظ بدور القرآن، وبغض النظر عن التوظيف السياسي الذي يقف وراء هذا العمل يمكن لأحد منا أن يتساءل: ما الفرق بين حامل لكتاب الله برواية ورش في المسجد أو المدرسة العتيقة وعبر اللوح والقلم والصمخ وهذا الذي يحمل القرآن برواية حفص عبر المصحف؟ ما ذا لو قدمنا تلك الأموال لأئمة المساجد وحفزناهم على تعلم التجويد وتخريج أكبر عدد من الحفظة؟ كيف ستكون مساجدنا لو رممنا المدارس العتيقة وأجزلنا عطاء العلماء المهمشين في الجمال الذي يحملون علوما كثيرة؟ ماذا لو صرفت هذه الأموال لمحو الأمية وتأسيس مستشفيات في الجبال…؟ ألا يكون الوضع أحسن مما هو عليه ونحن لا نستطيع اليوم فض الاشتباك بين العامة في أمور كبيرة حول السنة والبدعة لا قبل لهم بها؟

-إذا كان الخطيب مشبعا بالتصوف فلا ينبغي أن يحمل الناس على خصائص الطريق الذي اختاره، وإنما يخاطب الناس بعموم الدين وما جرى به العمل في المساجد، ومن الجهل أن يخلط في خطابه بين السلفية والإرهاب أو العنف. فليس كل ذي لحية طويلة أو منقبة حاملا أفكارا متطرفة، فهذا تحريض على فئات من المجتمع اختاروا مذهبا معينا، وهؤلاء لا نعيب عليهم إلا كونهم أجبروا الناس على الدخول فيما دخلوا فيه، واقتحموا به المساجد التي هي بيوت الله لعامة عباده، ومؤسسات عمومية يحكمها الأمر الجاري به العمل في البلد.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

وقد أنكر العلماء قديما إنكار الأمور الخلافية، قال السيوطي: “لا ينكر المجمع عليه وإنما ينكر المختلف فيه.

الثالث: وضع مخالف للشرع رأسا: فهذا وضع يجب على الخطيب أن يستهدفه بالتغيير، لكن يجب أن يتعرف الخطيب قبل تناول الموضوع عن حجم المخالفة والأطراف المستفيدة منها والأسباب التي تجعل الناس متعلقين به.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.