منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كورونا COVID 19 وفرز أخلاق البشر

عبد الغني اسراوي

0

 

تصدير:

تعد القيم والأخلاق من الثوابت الراسخة لفرز النفوس، وبها يرتهن تَمَيُّز الإنسان وتفَضُّله على سائر المخلوقات، وإذا تجرد هذا الكائن الذي اصطفاه الله تعالى لخلافته في الأرض من القيم والأخلاق، فإنه ينسلخ من إنسانيته، ويفقد مقومات التميز التي حباه الخالق سبحانه بها. ولعل تقلب حوادث الدهر يمكن اعتباره اختبارا لمدى صدق هذه القيم وثباتها. ولذلك حاولت الحضارة العربية الإسلامية بناء منظومتها الأخلاقية على أس متين ثابت هو مصدر التشريع الإسلامي عامة، وركناه الثابتان؛ كتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والتسليم.
ولعمري إن هذه السمة هي التي تضمن لقيم الأمة ثباتها واستقرارها مهما تحولت بها الظروف، وتقلبت عليها نوائب الدهر. وفي المقابل نجد بعض الحضارات التي بنيت على أسس مادية محضة سرعان ما تنسلخ من جلدها بمجرد زوال الأسباب التي من أجلها وضعت مقاييسها للأخلاق والقيم. وفي ضوء هذه المفارقة نحاول في هذا المقال رصد بعض ملامح الثبات والتحول في الأخلاق والقيم في المنظومة الحداثية الغربية مقارنة بالبنية الأخلاقية في المرجعية الإسلامية، ومستثمرين ما أفرزته مواجهة جائحة كورونا من مواقف وإجراءات في مجموعة من البلدان التي سنعتمد بعض المشاهد الإعلامية المرتبطة بها عينات للدراسة والتحليل.

منظومة الحداثة في مواجهة كورونا:

تنزيل نسخة معدلة ذات جودة عالية لمجلة منار الهدى العدد التاسع عشر

اشرأبت الأعناق مهللة بإشراق شمس الحداثة الغربية التي بشرت العالم بعهد جديد يقطع مع كل البنى المهترئة التي لا تقدر قيمة الإنسان، ولا تكفل حقوقه الضرورية. فاستبشر الناس خيرا بدنو التخلص المزعوم من قيود التقليد، وإعادة الاعتبار للفئات الهشة التي عانت الويلات إبان الحروب والأوبئة. ولم تنحصر رقعة الحداثة في منبتها عند الغرب، بل امتدت لتضع إرث جميع الحضارات على المحك، وآمن الجميع «أن الحداثة إلى حد ما قدر هذا العصر» على حد قول المفكر المغربي محمد سبيلا، ولم تكن الحضارة العربية الإسلامية في منأى عن هذا الزحف، بل إن العديد من المفكرين هرولوا للتشكيك في قدرة الموروث الثقافي للأمة في قيادتها إلى بر الأمان في ظل تلكم التقلبات المتلاطمة أمواجها. فووجهت القيم الأصيلة بنظرة انتقائية تؤمن بما يواكب الفتح الجديد فحسب.
ولعل سنن الكون تقتضي أن «دوام الحال من المحال»؛ فالمنظومة الحداثية التي كان ينتظر أن تقود العالم إلى مرفأ الأمان، سرعان ما انكشفت هشاشة قيمها وأخلاقها مع ظهور وباء كورونا المستجد، فقد هبت الرياح الشرقية لهذه الجائحة من الصين، وأيقنت البلدان المتقدمة أنها آمنة مستقرة بفضل ما بنته خلال مسارها الحداثي، فلتعصف كورونا كما تشاء، فإنها ستظل في الصين، وربما تصيب غيرها من البلدان التي تفتقد لمقومات المناعة اللازمة. غير أن كوفيد تسعة عشر حقق نبوءة المفكر الكندي مارشال مكلوهان (Marshall McLuhan) القرية الكونية في العام 1962م، فقد تنكر الفيروس الخفي لكل الأعراف والمواثيق الدولية بشأن الحدود الجغرافية، وانطلق في مسيرته ينخر أوصال الدول تباعا، ولعل في امتداده من الصين إلى إيران تجسيد للعلاقات الديبلوماسية القوية بين البلدين، وحين حط الرحال بإيران، لم تصمد أمامه حضارة فارس. ثم سار نحو روما لا يبقي ولا يذر، وهناك لم يوقفه شرطي ولا حارس، فسدت الطرق والمسالك نحو روما بعد أن كانت تقود إليها من كل حدب وصوب. وما هي إلا أيام حتى خضعت بلدان أوروبا وتهاوت تباعا. أما شمال إفريقيا وجنوبها، وبلاد الخليج العربي، والعراق الشام، فقد كانت فيها الخسائر أقل بكثير وبدرجات متفاوتة. وأخذت العزة أمريكا شمالها وجنوبها، فتوهم حكامها أن لهم من الماديات ما يقيهم وأهاليهم شر البلوى؛ فذكرها الفيروس أنه «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» كما قال نعيمة.
وخلاصة القول إن تدبير الأزمات لا يحتاج إلى العدة والعتاد، وإن كانا لازمين، ومن باب أولى يحتاج إلى إنسان يؤمن بحقيقة وجوده، ويستحضر زاده من القيم والأخلاق التي تخول له مناعة شاملة. ويظل التقدم العلمي مؤشرا دالا على القوة والمنعة، لكن شريطة أن يقرن بالأدب وحسن الخلق تجاه النفس والآخر والكون من حولنا.

قيم الحداثة بين الثبات والتحول:

لعل جائحة كورونا التي ضربت العالم أجمع مع نهاية السنة الماضية، وامتدت طوال الأشهر التي انقضت من السنة الحالية، تظل أكبر اختبار عرفه عصر الحداثة والعولمة. ومعلوم أن الأزمات تكشف معادن الأفراد في علاقتهم بجماعاتهم الصغرى والكبرى معا؛ وتتمثل الجماعة الصغرى في الأسرة والعائلة، أما الجماعة الكبرى فتشمل الجوار والحي والمدينة، ثم الدولة التي تنوب عن الأفراد في نسج العلاقة مع دول أخرى، مما يجعلنا أمام ارتباطات كونية تشمل الإنسان ومحيطه الحيوي. وفي سعينا إلى تقويم قيم الحداثة، نبدأ بما أفرزه التقدم الرأسمالي المتوحش من إضرار بالأرض وغلافها الجوي، مما تسبب في عدة اختلالات على مستوى النظام الكوني عامة. فلا غرو إذن أن ينظر ذوو الألباب إلى أن محنة كورونا قد تحمل في طياتها منحا كثيرة أهمها فترة الراحة البيولوجية التي استفادت منها جميع مكونات البيئة، وتكفي متابعة قصاصات الأخبار للاطلاع على زرقة سماء نيودلهي بالهند في مشهد غير مألوف، أو ملاحظة الهدوء في جميع شوارع العواصم العالمية، فضلا عن توقف الطيران، وتخفيف نشاط الملاحة البحرية، واستراحة مراكب الصيد…
ويحتل الجانب الاجتماعي مكانة الصدارة في ضوء ارتفاع نسب الإصابة بوباء كوفيد تسعة عشر عبر العالم، وما نجم عنه من فرض للحجر الصحي وحظر التجول في مختلف المناطق المنكوبة أو التي تتوخى التخفيف من حدة الانتشار. فانقطعت العلاقات المباشرة بين الناس، وأصبح الاجتماع واللقاء الحميمي مدعاة للتوجس والخوف، بعدما كان عربون محبة ووفاء. بيد أن الصورة التي أود تسليط الضوء عليها بهذا الخصوص تتصل أكثر بالروابط الاجتماعية. إذ هناك من يستثمر مثل هذه الفترات العصيبة لتمتين علاقاته بالمحيط القريب والبعيد، فضلا عن التعبير عن سمو الأخلاق والقيم التي تشبع بها بين أحضان أسرته ومجتمعه. وعلى النقيض من هذه الصورة المشرقة تظهر بعض المواقف النشزة التي تعكس هشاشة القيم التي تشربها الفرد في محيطه، أو نزوعا فرديا نحو الخسة والدناءة. وبين هاتين الصورتين تتراءى مشاهد الاستقرار والثبات في الأخلاق من جهة، ومشاهد التحول والاندثار من جهة أخرى.
لقد تشبعنا في ثقافتنا الأصيلة على استدعاء قيمنا الإيجابية في مواجهة الأزمات التي تحدق بنا فرادى وجماعات. ورغم امتداد المادية المتسلطة التي قست معها بعض القلوب، إلا أن مثل هذه الظواهر تجلي المعدن الأصيل للإنسان المسلم الذي تشبع بقيم التضحية والإيثار وحسن الجوار؛ نبراسه في ذلك هدي النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. وقد اخترت ثلاثة من الأحاديث التي ترسم معالم الأخلاق التي تنبني عليها علاقاتنا في ما بيننا داخل المجتمع عموما. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ««إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وقال عليه أفضل الصلاة والتسليم: «مَا يُؤْمِنُ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ طَاوٍ إِلَى جَنْبِهِ». وقال صفوة خلق الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ المُنْكَرِ». إن من يستنير بمثل هذه التوجيهات السامية مهما تغيرت ظروفه، فلا بد أن يستشعر حقيقة وجوده وقيمته الحقيقية التي تذكره أنه إنسان مسؤول تجاه كل ما يحيط به. ولقد أثبتت هذه المحنة أن الخير متجذر في هذه الأمة، حيث عشنا العديد من المظاهر التي تعزز الانتماء للوطن، وتناسلت مشاهد إعلامية تجسد التماهي بين الحكام والمحكومين، فضلا عما تداولته منصات التواصل الاجتماعي من رسائل صوتية ومن فيديوهات توضح نوعية الخطاب الذي واكب الأزمة، وكله مؤشر على الإحساس بالذات وبالآخر، علاوة على ما وازى كل الإجراءات الاحترازية من فتاوى استباقية تنم عن يُسر ديننا الحنيف وتكاليفه التي لا تترك للمكلفين مجالا للتعلل بالاستحالة أو الصعوبة؛ وذلك خدمة للمقاصد العليا للشريعة السمحة.
وبالعودة إلى ما كانت تبشر به الحداثة والعولمة من سيادة للحقوق والعدالة الكونية بغية خلق مناخ تُحترم فيه كرامة الإنسان، فمن المؤسف أن هذه الأكذوبة انكشفت، وأضحت وَهْما وسرابا. وأول ما يمكن التوقف عنده في هذا الشأن ذلكم الإرهاب النفسي الذي مورس، عن قصد أو عن غير قصد، على كبار السن في مختلف المنابر الإعلامية. ولم يتوقف الأمر عند حدود الترهيب، بل امتد ليصبح واقعا معيشا بعد تناقل مجموعة من الفيديوهات التي تبين أن بعض البلدان التي كانت توسم بالمتقدمة، تسحب الأسرة من تحت المسنين لإعطاء الفرصة للشباب أو الصغار لأنهم عماد المجتمع في المستقبل، وأن المسن مودِّع للحياة بينما الصغير مُقْبل عليها.
ومن الصور المؤلمة في هذا الباب نبأ وفاة والد الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند في إحدى دور العجزة، وخروج السيد الرئيس بعد ذلك لشكر العاملين بالمؤسسة الذين تكفلوا بالوالد منذ سنة، وأنه يأسف لكونه لم ير وجه والده إلا بعد مضي يوم على الوفاة. وهذا قد يبدو مشهدا عاديا في مجتمع تسوده المادية المطلقة التي لا مجال فيها للعواطف. لكن نسي هؤلاء أن الإنسان جسد وروح وأن الكرامة حق للجميع، وأن المواثيق الدولية التي تنادي بحقوق الإنسان جاءت لتحمي الفئات الهشة. لكن ما دمنا نقبل وضع الصغار منذ ولادتهم في دور الحضانة، فلا بأس أن نقبل وضع الشيوخ في دور العجزة، وإذا ظهر السبب بطل العجب، فالفراغ العاطفي الذي أصبحنا نشاهده في مجتمعاتنا هو الذي أفرز انتشار العنف وكثرة العاهات النفسية.
ولا شك أن عجوزا عاش حياته يقدم التضحيات لبلده وأبنائه لن يستسيغ حرمانه من حق العلاج أو من حق الاستمتاع بالدفء العائلي من حوله في آخر أيام عمره؛ وهذا مظهر لخرق حقوق الإنسان سيظل وصمة عار في جبين الرأسمالية المتوحشة المنسلخة من هويتها الإنسانية. وهناك مشهد آخر أقل ما يقال عنه كونه مقززا، وهو المتعلق بدعوة طبيبين فرنسيين على الهواء مباشرة في إحدى القنوات الفرنسية الإخبارية إلى تجريب اللقاح المفترض ضد فيروس كورونا على الأفارقة، ضاربين عرض الحائط كل التشريعات الكونية التي تدعو إلى المساواة بين سائر البشر في الحقوق والواجبات، بل وينكؤوا جراحا قديمة متصلة بالعنصرية التي عانت ويلاتها الشعوب المضطهدة في العالم باسم التبشير بالديمقراطية والعدالة، ويتناسوا إسهام أبناء إفريقيا في تمثيل فرنسا في كل المحافل الدولية التي لولاهم لما سمع لها ذكر بين البلدان.
وصحيح أن المجتمعات العربية الإسلامية قد تشهد بدورها انزلاقات أخلاقية من ذوي النفوس المريضة الذين يعبرون عن مواقف تتنافى والمبادئ السامية التي بنيت عليها هوية الأمة وحضارتها، فتجدهم يتسابقون لاحتكار السلع، أو الزيادة في الأسعار، لكن بادرت معظم البلدان إلى سن قوانين وعقوبات زجرية، دون إغفال جانب التوعية، خصوصا أن في مثل هذه الظروف تتعلق سلامة الفرد بسلامة المجتمع ونجاته.

خاتمة:

تلكم التفاتة تذكر الطين الأسود أنه طين، وتنبه الغافل إلى أن ما فوق التراب تراب، لذلك وجب الاعتزاز بالقيم الأصيلة المبنية على أس متين لا تجرفه العوادي. وأن اللبيب من يقوم بغربلة ما يتوصل إليه البحث الإنساني في شتى المجالات، ويأخذ منه دون الوقوع في الاستنساخ والتقليد، شريطة تكييف كل جديد مستحدث مع ثوابت الهوية الحضارية للأمة ومقوماتها التي من دونها لا تقوم قائمة لأبنائها مهما اجتهدوا في الانسلاخ منها.


المراجع

أبو بكر بن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت،مكتبة الرشد – الرياض، ط1، 1409ه.
نعيمة ميخائيل، الغربال، ط 15، 1991م، نوفل، بيروت، لبنان.
السنن الكبرى، البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت/ لبنان، ط 3، 1424 هـ/2003م.
سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي، تحقيق،أحمد محمد شاكر وآخرون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي- مصر، ط 2/1395هـ-1975م..
سبيلا محمد، دفاعا عن العقل والحداثة، منشورات الزمن، ع 39.
McLuhan، M. 1962. The Gutenberg Galaxy، The making of typographic man. London، Routledge.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.