منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شيءٌ عُجابْ

شيءٌ عُجابْ

0

شيءٌ عُجابْ

لسنوات طويلة ظلَّ أمر عبادة الأصنام يثير عجبي ودهشتي!
كيف يمكن لإنسان يفكّر ويتحرّك أن يقدّس حجراً جامداً لا يملك أيّ صفات تستحق التقديس!
ما هي اللوثة التي أصابت العقل البشري في ذلك الزمن وجعلته يهوي إلى مدارك الجهل؟
لا بدّ أنّ هناك الكثير من الدراسات والأبحاث التي درست تلك الظاهرة وقدّمت لها التحليلات والتفاسير الممكنة, قرأت بعضاً منها ثمّ توقفت عن التفكير في الأمر بسبب طارئ أهم.
لا تتدخّل في السياسة.
جُبِلَ الناس على الاختلاف, فما نراه خيرا ربما يراه غيرنا شراً, مع ذلك هناك حد أدنى من المعايير الأخلاقيّة لابد أن يتفق عليها البشر من أجل تعايش أفضل.
السياسة هي في الأصل:” فن إدارة شؤون الناس بما يحقق مصالحهم”, وتعبير سياسة جاء من الفعل ساس, ساسَ الخيل : رعاها واهتم بتوفير طعامها وشرابها ونظافتها وقام بتدريبها لينتفع بها. لا يمكن لسائس الخيل أبدا أن يقوم بتجويع الخيل أو حبسها أو إهانتها بالضرب أبدا.
فالسياسي هو من تحمّل أعباء إدارة شؤون مجتمعه على اختلاف انتماءاتهم بشكل يوازن به بين مصالحهم على قدر المقدّرات المتاحة والممكنة بما يجعل حياتهم أفضل.
ما قام به يوسف عليه السلام من إدارة الأزمة في بلاده أنقذت البلد من مجاعة, وهذه سياسة صائبة. أما ما قام به ماو تسي تونغ في 1958 عندما أمر بقتل عصافير الدوري وتسبب قراره بمجاعة أودت بحياة 45 مليون شخص , فهو أيضا سياسة ولكن سياسة غير صائبة.
يمكن للسياسي الذي هو بشر أن يصيب أو يخطئ لا شك في ذلك ولكن بكل الأحوال فإنّ نتيجة سياسته مهما كانت لا تقدح في نزاهته طالما القصد منها هو تقديم الأفضل وإن أدّت إلى غير ذلك.
أمّا عندما تقوم السلطة المستلمة لزمام الأمور بالاستيلاء على مقدّرات البلد والتصرف فيها لمصلحتها الخاصّة أو مصلحة فئة دون أخرى , كما يحصل في بعض بلدان العالم , هنا الأمر ليس سياسة وإنما هو ” نهب , سرقة , ترويع, استغلال . هنا النشاط الذي تمارسه هذه السلطة لا يندرج تحت مسمى سياسية بأي حال, والذي يقوم به ليس سياسيّا وإنما متسلطا ومغتصباً وفاسداً.
السياسة أن تفرض قانون ضمان صحي , أن تقدم خطة أمن غذائي يضمن للناس أقواتهم, أن تقدم خطة أمن معرفي وثقافي يضمن للناس حفظ حضارتهم ,أن تضع خطة اعمار, خطة تشغيل وتوظيف , صناعة , تجارة, أن توقع معاهدات تؤمن للناس حاجياتهم وسلامهم وأمنهم , هذه سياسة بغض النظر عن نجاحها أو فشلها.
أمّا عندما تأتي إلى مورد زرق للناس في مجتمع ما وتحجزه عنهم وتتصرّف فيه بطريقة تضيّق عليهم معيشتهم , هذا السلوك لا علاقة له بالسياسة وإنما هو إفساد , تحت أي سلطة تمّ , سواء دينية أو دنيوية.
حروب الولايات المتحدة الأمريكية حول العالم هي عدوان وليست سياسة .
إبادة الهنود الحمر ودثر حضارتهم , عدوان همجي لا علاقة له بالسياسة .
حرب الأفيون التي شنتها بريطانيا على الصين , اعتداء واجرام وليس سياسة.
تهجير وترويع الناس الأمنين وسلب ممتلكاتهم لا يمكن أن يسمى سياسة وإنما إرهاب واعتداء واجرام .
استغلال الدول الأوروبيّة لمقدّرات وثروات الدول الأخرى هو سلب ونهب واعتداء وليس سياسة.
استئثار بعض السلطات الحاكمة بموارد بلادهم والتصرف فيها بشكل سيء, هو فساد وليس سياسة.
وإذا كنت ترى أنّ كل ما سبق سياسة فلا بدّ لك أن تراجع معاييرك الأخلاقيّة لأنها فاسدة, طالما أنّك تساوي بين الظالم والمظلوم , والجاني والضحيّة وهذا لا شك أمرٌ منافٍ لغاية الخلق التي هي ” أن يقوم الناس بالقسط” , والناس هنا كلّ الخلق بغض النظر عن أي معايير.
أمر مفهوم بالطبع أن يكون الفرد العادي عاجزاً عن مواجهة شراسة الفساد , ولكن الغير مفهوم أن يسوّغ عجزه بقلب المفاهيم وتسمية الأشياء بغير أسمائها.
إن لم تمتلك القدرة على تغيير الباطل فأضعف الإيمان أن تُقرّ بقلبك أنه باطل لتنجو من إثم مودّة من حادّ الحق والعدل. أمّا
من يدّعي أنه يزهق أرواح من أجل إنقاذ أرواح أخرى هو مجرم أو ظالم أو إرهابي لكنه بكل تأكيد ليس سياسيّ.
المهم ,إذا كنت ماتزال مصرّا على إطلاق لقب ” سياسة” على كل ممارسات الظلم والإرهاب والفساد , ستقنعني بأنّ عبادة الأصنام لم تكن أمراً عجيباً إلى الدرجة التي كنت أعتقدها, لأنّ ما تقومُ به أكثر عجباً وأشدّ غرابة !!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.