منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاستدلال العقدي

0
اشترك في النشرة البريدية

   لا يمكن أن يماري دارس أو متخصص بدراسة العقيدة والفكر الإسلامي، أو من له أدنى بصيرة أو معرفة بعلم الكلام والفلسفة الإسلامية، في ما أولاه العلماء من عناية بالغة بمبحث الاستدلال، إذ هو الطريق الأمثل لتحصيل المطلوبات، والمنهج الأوحد للوصول إلى الحقائق والمعلومات، وترسيخ المعتقدات وتثبيت اليقينيات، فهو يمثل قطب رحى العلوم الإسلامية، حتى غدا الاستدلال عند هؤلاء _ العلماء _ بمثابة الإبصار والرؤية.

ولما كان الهدف من الاستدلال هو إقامة الدليل سواء كان قطعيا او ظنيا على ثبوت قضية ما أو نفيها، كان من الضروري بناؤه على البرهان، بغض النظر عن طبيعة البرهان أقياس هو أم تمثيل ام استقراء…

وإذا كان التفكير العلمي الصحيح هو ذلكم التفكير المنظم القائم على مجموعات من المبادئ والأسس، التي يجب الالتزام بها، فإن الاستدلال المنضبط الذي يؤدي إلى استنتاجات واستنباطات صحيحة، هو ذلكم الاستدلال القائم على مجموعة من الأسس والقواعد، التي تمثل معيار انضباطه، ويرجع إليها في الحكم على صحة الاستدلال أو فساده وبالتالي صحة القضية أو فسادها.

ولما كان من المحتمل أن يقع من المستدل الزلل أو الخطأ أو الغفلة والنسيان، فيحسب ما ليس بعلة علة، وما ليس بدليل دليلا… فيستنتج نتائج من مقدمات يدعي قطعيتها وليس لها من البرهانية نصيب …
لما كان الأمر كذلك، كان لابد من أسس وقواعد تنظم هذا الاستدلال وتجعله صالحا، والاستدلال الصحيح كما هو معلوم، هو الاستدلال الذي يؤدي إلى استنتاجات واستنباطات صحيحة.

من هنا جاءت فكرة هذا البحث، ومما دفعنا إلى البحث أكثر، هو أن البحوث التي تقدم قلما تهتم بموضوع ” الاستدلال العقدي ” بصفة عامة، فلما رأينا هذا الجانب مغفلا، ارتأينا التطرق لهذا الموضوع ، فوجدناه فرصة سانحة ، وجب اغتنامها والذي حاولنا فيها جاهدين ملامسة الواقع، بمعنى أن هذا البحث لم يأت من باب الترف الفكري .

 

المزيد من المشاركات
1 من 22

أولا: مفهوم الاستدلال العقدي.

 

  • مفهوم الاستدلال العقدي

إن لفظة الاستدلال مصدر على وزن استفعال، وهو وزن دال على الطلب، فالاستدلال إذن هو طلب الدليل المرشد إلى المطلوب، فالاستدلال عملية عقلية فطرية مبنية على صحة المعرفة بقضية ما، أو بطلانه، فينتقل العقل بما لديه من مادة معلومة ليولد منها علما بقضية مجهولة.
ومن رحمة الله بالإنسان، ومن تمام حكمته أن خلقهم على طبيعة مستعدة للاستدلال ومحاولة التعرف على الحقائق.

وإذا كان الحديث عن الاستدلال في المجال العقدي فطبيعة الحال ستضيق طبيعة العملية الاستدلالية لتشمل قائمة من مصادر المعرفة والتلقي إضافة إلى مسارات معينة لمنهجية الاستدلال.
يمكن القول أن الاستدلال العقدي هو طلب الدليل الموصل إلى تحقيق القول في قول عقدي بحيث يصل الناظر إلى قناعة بصحة هذا القول أو بطلانه أو رجحانه.

 

  • الغرض منه

الأصل أن الغرض من وراء عملية الاستدلال هو تحصيل القناعة الذاتية بالقضية المستدل لها، فإذا حصلت هذه القناعة الذاتية أمكن استعمال المادة الاستدلالية لب القناعة بذات القضية للغير، مع مراعاة ما يمكن أن يمثل أحد المعاني المضمرة في بنية الاستدلال خصوصا في الأنماط الاستدلالية التي تجري مع المخالف، وهذا المعنى المضمر لماهية العمل الاستدلالي هو محاولة كل طرف أن يثبت التلازم بين ما يمكن أن نعبر عنه بالمعطى والدعوى، أي محاولة كل طرف بيان الارتباط بين المعطيات التي يتفق عليها الطرفات، والموضوع محل الدعوى.

فحين يجري الجدل في مسألة عقدية يتفق فيها الطرفات على تعظيم الوحي مثلا فإن كل طرف سيسعى في إثبات أن هذا المعطى المتفق عليه وهو الوحي دال على دعواه، فلو جرى ذات الجدل في ذات الموضوع مع طرف لا يعترف بمعطى الوحي لتغير النمط الاستدلالي جذريا وانحاز إلى معطيات أخرى تكون موضعا مشتركا بين الطرفين.

فجوهر الاستدلال إذن هو محاولة توسيع الأرضية المشتركة في المدعي انطلاقا من الأرضية المشتركة في المعطى، وتنحصر أغراض الاستدلال العقدي في شيئين اثنين :

  • الاستدلال للبرهنة لصحة المطلوب .
  • الاستدلال لمحاججة الخصم وإبطال قوله .

 

ثانيا: الاستدلال العقدي: الأهمية  والأخطار

 

  • أهمية الاستدلال العقدي
    تنبع أهمية الاستدلال العقدي من جملة أمور، نذكر منها:

 

  1. من أهمية المجال العقدي ذاته:
    فلعلم الاعتقاد شرف وأهمية تستتبع ضرورة حرصا زائدا على تصحيح مسالك النظر فيه، ومناهج الاستدلال له، طلبا لتصحيح التصور وتقنيته من التصورات الباطلة وشوائب الانحراف.
  2. توفير أداة الوصول إلى المعتقد الحق:
    وفرز المعتقدات الصحيحة من الباطلة، وبغير هذه الأداة سيكون اللجوء حتما إلى مجرد الدعاوى الفارغة والتي تفتقد بداهة كافة القيم المعيارية التي يمكن أن يعرف من خلالها الصواب من الخطأ والحق من الباطل
  3. توفير أدوات وآليات الإقناع بصحة التصور العقدي:
    فإن مفهوم إقامة الحجة على المخالفين في البحث العقدي ليس مفهوما تسليميا محضا، يستسلم فيه الأضعف لسطلة القوي، أو يذعن طرف لمجرد البهرجة اللفظية ولحن القول، وإنما هو مفهوم مأخوذ من لفظه بإقامة الحجة والبرهان والدليل على صحة المعتقد الذاتي وبطلان معتقد المخالف.
  4. تحقيق العبودية لله تعالى بإقامة المعتقد على الحجج والبراهين لا على التقليد المحض:
    أو المتابعة لدين الآباء والأجداد، فإن هذه مقامات مذمومة شرعا، فليس القصد هو مجرد موافقة المعتقد الحق دون سلوك الطريق الموصل إليه، بل من تمام العبودية سلوك الطريق المفضي إلى المعتقد الحق.
  5. تمام الموافقة للسنة النبوية، فليس من قصد الشارع كما سبق مجرد موافقة الحق:
    وإنما من قصده أن يصادفه الانسان بطريقه الصحيح، فحقيقة موافقة أهل السنة لا تكون بمجرد موافقتهم في شيء من تفاصيل المعتقد، وإنما تكون أصالة بموافقتهم في مناهجهم.
  6. تحقيق وحدة الصف واجتماع الكلمة:
    وذلك بالتوافق على منهج الاستدلال الشرعي، وقد بين الله تعالى حالة التلازم بين المنهج الاستدلالي وحالة الاجتماع وعدم التوافق، يقول تعالى ” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا[1].

 

  • آثار الإخلال بالاستدلال العقدي

إن الاخلال بالاستدلال العقدي تترتب عليه آثار وخيمة نذكر منها:

  1. دخول الخلل على التصور العقدي ذاته:
    إذ الاخلال في عملية الاستدلال مفض إلى دخول قدر من الخلل في التصور العقدي، وقد يفضي إلى تصور مغلوط أو منقوص عما يريده الشارع، بل قد الأمر إلى حالة من العجز عن الاستدلال على أظهر الأصول العقدية.
  2. توليد حالة الاضطراب والحيرة العقدية:
    فالاضطراب في البنية الاستدلالية لا يقيم تصورا عقديا مرشحا للبقاء والاستمرارية، بل يخلق حالة من حالات التوتر والاضطراب العقدي، وهي حالة تحمل صاحبها على التردد في مواقفه العقدية والترحل من موقف عقدي لآخر.
  3. أن الخطأ في المسلك الاستدلالي يفتح المجال للمخالف العقدي:
    للاستطالة والتسلط على المخطئ، بل ويفتح له المجال للاستطالة على الحق ذاته.

 

ثالثا: الاستدلال العقدي : ” مقدمات ومنطلقات، البنية والمنهج

  • مقدمات ومنطلقات

مما ينبغي التركيز عليه كمسلمة في الاستدلال العقدي جملة من المقدمات التي يجب استحضارها قبل الخوض في تفاصيل العملية الاستدلالية، وهي أشبه بالشروط الإيمانية والأخلاقية التي يجب أن تتوافر في النفس لينتج صاحبها استدلالا عقديا محكما، مجموعة مقدمات وهي كالآتي:

  1. وجوب تجريد النفس عن الهوى في العملية الاستدلالية:
    فمعلوم أن للهوى تأثير بليغ في حرف بوصلة البحث العلمي والعملية الاستدلالية سواء، فتحمل الباحث شعر أو لم يشعر إلى نتائج وخلاصات بحثية باطلة، والواجب أن يكون الدليل هو القائد نحو المعتقد لا أن تقلب المسألة فتذلل الأدلة لموافقة المعتقدات المسبقة _ الأهواء _.
  2. ضرورة تعظيم الدليل والإذعان لدلالته:
    وهو مكمل للمعنى السابق ومقترن به في نفس الوقت، فبعد تخلية النفس من أهوائها ينبغي تحلية تعظيم الدليل ليكون طريقا نحو تحصيل المعرفة العقدية المطلوبة، وهو مقام أخلاقي وإيماني شريف يمثل دين الإسلام بالاستسلام للوحي، وإظهار تمام الانقياد والخضوع لتقريراته، ويقول الامام الأوزاعي في هذا الشأن ” من الله الرسالة، وعلى رسوله التبليغ، وعلينا التسليم” [2]ويقول السيد قطب مبينا فضل الله علينا بهذا الوحي، ومبينا واجبنا اتجاهه: ” لقد جاء النص القرآني ابتداء لينشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم… “[3]
  3. صدق اللجأ إلى الله وتطلب هدايته:
    فعلى الباحث العقدي أن يكثر من الدعاء لنفسه بالتوفيق، ويظهر افتقاره إلى الله وطلب معونته في الاستدلال على الحق، ويتوكل عليه سبحانه، فإن الهداية للحق، وإقامة الاستدلال الصحيح بيده سبحانه وحده، وقد أرشد سبحانه عباده إلى طلب الهداية منه جلا وعلا.

 

  • البنية والمنهج

مما ينبغي ملاحظته في عملية الاستدلال أنها عملية مركبة، تستدعي عملا ذهنيا مركبا، يراعي عدة معطيات للتوصل إلى النتائج، وهذه المعطيات تمثل أصولا منهجية تمثل لب العملية الاستدلالية، وعليها يقوم بنيانه، وأهم هذه الأصول الداخلة في بنية العملية الاستدلالية ما يلي:

  1. تحقيق التصور السليم للمسألة محل البحث:
    فأولى خطوات الاستدلال يبدأ من المسألة محل البحث، بتحقيق تمام التصور لها، ليقع الاستدلال على موضعه الصحيح.
  2. فرز مصادر الاستدلال وتمييز رتبها:
    فمعلوم أن لكل مجال معرفي مصادره الاستدلالية الخاصة به، فمن المهم في البحث العقدي فرز وتمييز مصادر المعرفة والتلقي الملائمة للبحث العقدي من جهة، وتمييز المصادر المناسبة لخصوص المسألة العقدية المبحوثة من جهة أخرى، ويمكن القول أن دائرة الإثبات في المجال العقدي عموما أضيق من مجال الاثبات في مجالات شرعية أخرى.
  3. ضبط العلاقة بين مصادر الاستدلال المعتبرة:
    فمن أصول عملية الاستدلال أيضا ضبط العلاقة بين مصادر الاستدلال العقدي، وهي علاقة توافقية في الأصل تفضي إلى نتيجة عقدية موحدة، يشكل فيها الوحي المركز وتجور بقية المصادر في فلكها.
  4. ضبط أدوات الفهم لمصادر الاستدلال:
    من الأسس المنهجية التي يقوم عليها المنهج الشرعي في الاستدلال بعد ضبط مصادر التلقي، بالتعرف على المعتبر منها والملغى، ومعرفة رتبها، وضبط العلاقة بينها، ضبط أدوات الفهم لهذه المصادر، والتعرف على المنهج الشرعي للاستدلال، وهي أدوات معيارية توزن بها العملية الاستدلالية، يبين في ضوئها مدى صواب أو خطأ عملية الاستدلال.
  5. جمع الأدلة الشرعية في المسألة العقدية المبحوثة:
    فمن الأسس التي يقوم عليها المنهج الشرعي السليم في الاستدلال جمع جميع الأدلة الواردة في المسألة، إذ لا تتضح المسائل والأحكام حتى تستوفى جميع النصوص الواردة فيها، فلا يكفي لاستنباط حكم عقدي الاعتماد على نص واحد للمسألة، وإغفال النظر في النصوص الأخرى، بل لابد من النظر في جميع النصوص الواردة في الموضوع.
  6. مراعاة دلالة السياق في عملية الاستدلال:
    مما ينبغي التركيز عليه في عملية الاستدلال العقدي مراعاة دلالة السياق للدليل العقدي، فاللفظة لا يصح الاستدلال بها مجتزأة دون النظر والتأمل في سياق النص بهيئته المركبة، إذ السياق يضفي على اللفظة معنى لا يتحصل بالنظر المجرد إليها، ومراعات سياقات النصوص أحد الفوارق المنهجية بين الاستدلال العلمي الراسخ، وبين الاستدلال غير العلمي الذي يفضي بصاحبه إلى الزلل والخطأ، يقول الإمام الشاطبي كاشفا عن أحد معالم الرسوخ العلمي : ” لكن يعلم الراسخون المراد منه من أوله إلى آخره ويعتبر ما ابتنى عليه زل في فهمه وهو شأن من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشك أن يزل…”[4] ، ومما لا شك فيه أن مراعات سياقات النصوص في البحث العقدي معنى شديد الحضور والأثر في التأصيل العقدي.

 

رابعا: منهج الاستدلال في القرآن الكريم

 

  • منهج الاستدلال في القرآن

من يتدبر معظم آي القرآن الكريم يتبين له وبوضوح تام أنه قد تضمن منهجا واضحا للبرهنة العقلية على أمهات مسائل العقيدة، فتلك حقيقة يؤكدها علماء الإسلام قاطبة، بل حكى البعض الإجماع على أن في القرآن الكريم أدلة يحتاج إليها في  إثبات مسائل العقيدة وأصولها.

وقد أكد على هذا ” الإمام السيوطي ” أنه ما من برهان إلا وله دلالة، ومن أشهر المسالك التي سلكها القرآن الكريم في البرهنة على مسائل العقيدة هي :

  1. الأقيسة العقلية وهذه تتضمن عدة مسالك للبرهنة:
    القياس الاقتراني:   وهو  كما عرفه ابن سينا  قول مؤلف من  أقوال  إذا سلمت لزم عنها قول آخر، بالذات  اضطرارا  وهذا  القول  الآخر _ النتيجة _ليس مصرحا به ولا بنقيضه في المقدمات[5]، وكمثال على هذا النوع من القرآن الكريم نجد قوله تعالى
    المقدمات : من أول سورة الحج إلى ” وأنبت من كل زوج بهيج ”
    النتائج : من قوله ” ذلك بأن الله هو الحق ” إلى قوله تعالى ”  وأن الله يبعث من في القبور

هنا مقدمتان ونتيجة: لأن اتباع الهوى يوجب الضلال، والضلال يوجب سوء العذاب، فأنتج أن اتباع الهوى يوجب سوء العذاب.

وهناك عدة أنواع من الأقيسة العقلية المعتمدة في القرآن الكريم، كالقياس الاستثنائي، والقياس المضمر،  وقياس الخلف، وقياس التمثيل…، إلا أن القياس الاقتراني هو المشهور والمعمول به في مسائل البرهنة على العقيدة في القرآن الكريم.

  1. خصائص المنهج القرآني
    للبراهين القرآنية كما أشار إلى ذلك العديد من المتكلمين والفلاسفة فضلا عن علماء السلف من الخصائص ما يميزها عما عداها من براهين الكلام والمنطق ويمكن إجمال هذه الخصائص فيما يلي:
  • أن البراهين القرآنية تتميز بالسهولة والوضوح: وقد أكد هذه الحقيقة علماء المسلمين من مختلف الفرق والطوائف.
  • أن البراهين القرآنية توافق الفطرة وتناسب جميع العقول: فالقرآن الكريم هو كتاب دعوة وهداية وهو وحي الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم لتبليغه لجميع البشر في كل مكان وزمان، ولما كانت طبائع الناس متفاوتة ومشاربهم متباينة، وقدراتهم على النظر والتفكر والتأمل مختلفة، كان لابد من البرهان.
  • من خصائص المنهج القرآني كذلك أن أدلته برهانية يقينية: ومعنى أنها برهانية مبنية على قواعد البرهنة العقلية السليمة، فمقدماتها صحيحة وبالتالي نتائجها يقينية، فليس هناك ما هو أوضح من دلالة الأثر على المؤثر والفعل على الفاعل.

 

خلاصة

بالتأمل في ثنايا هذا البحث وبعد أخذ فكرة شاملة حول موضوع ” الاستدلال العقدي ” من بدايته إلى نهايته، نرى أنه من الواجب التنبيه على أهمية تجديد مبحث الاستدلال وتحديثه، ثم تفعيله، وذلك بتعميق رؤيتنا إلى ممارسات الأئمة الكرام في هذا المبحث لتتعزز في نفوسنا الثقة في تلك المسالك الاستدلالية ونتعرف على عمق المنهج المعرفي في المجال العقدي، ولتتوفر لنا تلك الأدوات المعرفية الضرورية التي تمكننا من ممارسة الفعل الاستدلالي المحكم والصحيح.

ومن المفيد أن نشير أيضا، أن طرق الاستدلال الكلامية لم تلق قبولا لدى فئة من علماء المسلمين تمثلت خاصة في مدرسة المحدثين والفلاسفة، وذلك لوجود هفوات وثغرات وفجوات في هذه الأدلة، ولأنها تفتقد إلى صفة البرهانية اليقينية، كونها لا تنحى منحى الطرق الاستدلالية التي جاء بها القرآن الكريم، ولأن جل هذه الأدلة تنتهي إلى تقسيمات وتفريعات ودقائق يعجز عن فهمها الخواص، ناهيك عن عوام الناس.

وقد اعترف علماء الكلام أنفسهم بأن تلك الأدلة بعضها لا يرقى لليقينية، واعترفوا كذلك بعدم نفعها، ومجاراتها للمنهج القرآني.

وقد لا نغالي إذ قلنا بأن هذه الأساليب قامت بدور خطير في الدفاع عن العقيدة في مواجهة الملحدين، وقد أتت هذه الأساليب استجابة لمتطلبات البيئة وتلبية لحاجات العقل آنذاك.

لكن في عصرنا الحالي، والذي أصبح العقل يمثل السيد على الإنسان لم تعد هذه الطرق تفي بالغرض سيما مع المخالفين، فوجب علينا الانتقال من الدليل الكلامي النظري إلى الدليل العلمي التجريبي سواء في الفيزياء الذرية أو الفيزياء الفلكية أو الفيزياء الكمية وما يلحق ذلك من علوم كالكيمياء والجيولوجيا والبيولوجيا …

والمتأمل في القرآن الكريم يجده قد ضم بين دفيته آيات في الكون وبدء الخلق والأطوار التي مر منها…، وإذا كان الكثير من مفكرينا اليوم في غفلة من هذه الحقائق، فإن جل المفكرين القدامى تنبهوا إليها، وانطلقوا بهدي القرآن وإرشاده إلى استكشاف نظريات علمية نالوا بها من التقدير ما هم أهل له، والقرآن الكريم قد بين مسائل العقيدة وبرهن عليها برهنة عقلية على وجه يبهر ذي العقول ويحيرهم كما جاء في تعبير المتكلمين، وأن براهينه _ القرآن الكريم _تتسم بالسهولة والبساطة والوضوح وتؤدي إلى اليقين العقلي.

لائحة المصادر والمراجع

  • ابن سينا الهداية تحقيق الدكتور محمد عبده الطبعة الثانية مكتبة القاهرة
  • البرهان في علوم القرآن ، بدر الدين الزركشي لمتوفى: 794 ه تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم عدد المجلدات 1
  • خصائص التصور الإسلامي ، سيد قطب
  • الاعتصام للشاطبي عدد المجلدات 4 تحقيق  مشهور بن حسن آل سلمان

 

 

 

[1] سورة آل عمران الآية 105

[2] البرهان في علوم القرآن ، بدر الدين الزركشي ج 2 ص  180

[3] خصائص التصور الإسلامي ، سيد قطب  ص 14

[4] كتاب الاعتصام للشاطبي ج  2 ص 9

[5] ابن سينا الهداية تحقيق الدكتور محمد عبده الطبعة الثانية مكتبة القاهرة ص 91

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.