منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رأس المال الحقيقي|أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي الدكتور حسن محمد أحمد محمد

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

0

رأس المال الحقيقي|أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

يمكنكم تحميل الكتاب من الرابط التالي: 

“الاقتصاد الإسلامي وأثره في ترسيخ مفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية”

 

إن جمع الأموال واكتناز الثروات ليست بالأمر الصعب أو، على الأقل، ليست بالأمر المستحيل، ولكن الأمر الأكثر صعوبة هو أمر إدارة ذلك المال وتنمية تلك الثروات، سواء قلَّت الأموال أو كثرت؛ ولذلك فمن الضروري والمهم جدًا وجود قدر عال من الإنسجام والتفاهم، بل والاندماج، بين رأس المال والمعرفة العلمية، وهو ما يمكن تسميته برأس المال الحقيقي، وهو ذلك النوع من التنمية الذي يعتمد على الإنسان، أولاً وأخيرًا، فالإنسان هو القوة المحركة والطاقة الفعالة التي تدفع عجلة الاقتصاد وتحركها فمن المعروف أنه مهما بلغت قيمة الأرض ورأس المال، كعنصرين في العملية الانتاجية فإن أثرهما ينعدم بدون جهود العامل الذي يحركها ويوجهها لتحقيق هدف انتاجي محدد ومعين[1]، وتمثل كل من دولتي بريطانيا واليابان نموذجين حقيقيين للدول التي تعتمد اعتمادًا كليًا على الاستثمار في الإنسان أولاً وقبل كل شئ، لاسيما وأن الطبيعة لم تهبهما، من الموارد الطبيعية، إلا جزرًا صخرية، وبالرغم ذلك فهما يحتلان مرتبة متقدمة جدًا بين الدول المتقدمة اقتصاديًا، وليست هناك من شك في أن العامل الرئيس الذي ميز الدولتين عن سواهما هو اهتمامها بالإنسان كعنصر رئيس في مجال الاقتصاد، حيث تركزت الجهود حول زيادة الانتاج الذي يتطلب زيادة في الاستثمار، بما يتطلبه من خلق الموارد الجديدة، واقامة المصانع والوحدات الانتاجية، واستغلال الموارد الطبيعية؛ الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي على نمو اقتصاد هذين الدولتين التين أصبحتا نموذجًا ممتازًا للاقتصاد المتقدم، وفي مثل هذه الدول المتقدمة تحصل الأموال من المدخرات، أي الأموال التي يستقطعها الناس من دخولهم، ولا ينفقونها، حيث تتراوح نسبة الادخار في هذه الدول بين 15-30 في المئة، بينما لا تتجاوز نسبة الادخار، إن وجدت، في الدول الفقيرة 2-5 في المئة[2]؛ لذلك كان الاهتمام بالتعليم، منذ القدم وحتى اليوم، من أولويات كلا الدولتين، فمنذ زمن بعيد كانت الرحلة في طلب العلم والمعرفة طلبًا عزيز المنال، وهدفًا سامٍ لطلاب العلم، حيث تشير البحوث والدراسات إلى الأعداد المتزايدة من الطلاب الذين ينتقلون من بلادها إلى أخرى طلبًا للعلم، خلال العقود الحديثة، وقد أوضحت إحصائيات منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو 1997م)، أن 1502040 طالبًا وطالبة، من الطلبة الأجانب هم في مقدمة الدول الخمسين المستقبلة للبعثات، بزيادة تعادل ما نسبته 13% بالمقارنة بالعام السابق، كذلك أوضحت المنظمة أن أعداد الطلاب الذين يرتحلون في سبيل التعليم، في السنوات القريبة الماضية، قد ارتفعت بنسبة 300%، ومن المتوقع زيادة هذه الأعداد الهائلة في الأعوام المقبلة، وتعود تلك الزيادة إلى تحسن الأحوال السياسية والاقتصادية في الدول المرسلة وكذلك المستقبلة للبعثات الدراسية[3]. والناظر إلى دولة كبريطانيا يجد أنها توجه عناية خاصة بالطلبة الوافدين إليها للتعليم وتفتح لهم الأبواب مشرعة لتلقي العلم والمعرفة في مدارسها وجامعاتها، ويرجع احتياج المؤسسات التعليمية البريطانية، إلى الطلبة الوافدين إلى سببين: أولاً، لأنها تؤمن بأهمية التدويل في اضافة المزيد من القيمة الثقافية والتعليمية لتلك المؤسسات. وثانيًا، لأنها في حاجة للقيمة النقدية المتراكمة والتي يدفعها الطلاب[4].

* جدول يوضح نسب الطلاب الوافدين إلى بريطانيا لتلقي التعليم في مدارسها وجامعاتها[5].

الموقعالنسبة%
الاتحاد الأوربي43
دول آسيا29
أفريقيا7
أمريكا الشمالية6
أمريكا الجنوبية6
أوربيين من خارج الاتحاد الأوربي1
أستراليا1

اقتصاد المعرفة:

هنا يتجلى لنا دور برامج الذكاء الاصطناعي؛ والتي تختلف عن البرامج الإحصائية، لأنها تعتمد على فكرة (تمثيل المعرفة)، إذ إنها تعبر عن تطابق بين الواقع والاستدلال عليه عن طريق الحاسبات الآلية، وبهذا فهي تمزج بين الموارد المالية، من جانب، والمعرفة العلمية (scientific knowledge) من جانب آخر، في بوتقة إدارة المال بشكل علمي ومعرفي؛ ولتنميته ولتجنب المخاطر في ذات الآن[6]، وهو ما يمكن أن نطلق عليه رأس المال الفكري؛ والذي يتميز بقراءة المستقبل والتخطيط المسبق له؛ فالإنسان المتمدن يتميز بسداد الرأي …، أو قل إنه يتميز ببعد النظر (الذي يتنبأ بما سيقع قبل وقوعه)[7].

وتتجلى أعظم فوائد علوم المستقبل في المنهج الجديد وهو فرع معرفي مستحدث يهتم بالدراسات المستقبلية أو دراسات المستقبل، وهو منهج تقني (Technological Curriculums)، يقوم على المزج بين مجالين هما، المناهج (Curriculums) والتقنية (Technological)، مما جعل من السهل على طلاب الطب أن يقوموا بعمليات تطابق، تمامًا، العمليات الحقيقية التي تجرى في غرف العمليات الواقعية وقد يتوفى المريض دون أدنى تأثير نفسي سلبي لموت المريض الافتراضي، ولكن الطالب سيتألم لفشله في أداء مهمته كما أنه سيفرح إن تمكن من اجتياز الامتحان، كذلك صار من الميسر على صناع الأسلحة الفتاكة معرفة أثر أسلحتهم المدمرة في العالم الافتراضي قبل أن يعمدوا إلى تجريبها في العالم الواقعي، وقد سبق لعلماء الفضاء أن اختبروا تلك العربة التي سارت على كوكب المريخ في العالم الافتراضي المتخيل أولاً ومن ثم تم إطلاقها وإرسالها إلى العالم الحقيقي. كذلك تعمل الدراسات المستقبلية على قياس قدرات الطلاب ومدى تمكنهم من الاستفادة مما اكتسبوه من المعارف؛ ويتم ذلك من خلال وضع الطالب في موقف جديد لم يمر به أثناء دراسته، أو إعطائه مسألة لم تكن من بين المنهج المقرر عليه في حجرات الدرس، ومن ثم يُنظر إلى مهارته وإمكاناته الابداعية على اجتياز الاختبار، وقد طبق هذا النوع من القياسات والاختبارات في مجال الطيران، الطب، الفضاء …، فكانت النتائج مبهرة حيث تمكن خبراء التعليم وعلماء التربية من تقديم العديد من النماذج العلمية المبدعة والتي تمتلك قدرات خلاقة وبصير نافذة تستطيع من خلالها النفاذ إلى المستقبل البعيد واستشراف آفاقه[8].

إن جلّ، إن لم يكن كل، الواقع المعاش اليوم؛ كان خيالاً بالأمس القريب، نذكر من ذلك: الطيران، الاتصالات، الاستنساخ، معرفة نوع الجنين، أطفال الأنابيب، نقل الأعضاء، الوصول إلى القمر والكواكب القريبة، القضاء على العديد من الأمراض …، وغير ذلك كثير فرحم الغيب ملئ بما هو متوقع وغير المتوقع.


[1]/ حسين عمر: مبادئ علم الاقتصاد، ص: 56، دار الفكر العربي، (القاهرة) 1989م.

[2]/ نفس المصدر، ص: 36.

[3]/ بيتر اسكود: عولمة التعليم الجامعي، ص: 35، ترجمة خالد العامري، دار الفاروق (القاهرة) 2007م.

[4]/ بيتر اسكود: عولمة التعليم الجامعي، ص: 39، ترجمة خالد العامري، دار الفاروق (القاهرة) 2007م.

[5]/ المصدر السابق، ص: 37.

[6]/ علي محمود عباس: الثورة التقنية ومستقبل الاقتصاد، ص: 73، مركز الدراسات الاستراتيجية 2014م

[7]/ برتراند رسل: تاريخ الفلسفة الغربية، ج1، ص: 46، ترجمة: زكي نجيب محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب (مصر 2012م.

[8]/ دين كيث سايمنتن: العبقرية والابداع والقيادة، ترجمة: شاكر عبد الحميد، ص: 99، سلسلة عالم المعرفة، العدد: 176، الكويت 1990م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.