منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“روح المسجد” وإعادة التأسيس للمستقبل من منظور منهاجي

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

يحتل المسجد مكانة مركزية في بنية النص الديني الإسلامي سواء في القرآن أو السنة أو السيرة النبوية إذا اعتبرنا السيرة نصا دينيا حركيا متجسدا في الواقع المادي الملموس. فقد جاءت الآيات على قلتها فاصلة في العديد من القضايا، جاءت معرفة بالإيمان الحقيقي من خلال تمييز عمار المسجد الحقيقيين وتحديد وصفهم ونعتهم، والقول بأن المساجد لله  يعبد فيها  ويذكر فيها اسمه ولا يذكر فيها اسم غيره، والقول بظلم من يمنع عباد الله من مساجد الله. كما يحتل المسجد مكانا متميزا في وعي ووجدان المسلمين عامتهم وخاصتهم يتجلى ذلك في مظاهر التعظيم والتوقير والتشييد والبناء. لكن مشاعر الصدق وصدق المشاعر لا تخدم المسجد إن اغتاله بطش الباطل وسيطر عليه. نعم قد ألف المسلمون كتبا كثيرا ودراسات متميزة يدور موضوعها حول المسجد لامسته من زوايا متعددة. لكن التنظير لكيفية إعادة إحياء دور المسجد واسترجاع مكانته المركزية الرمزية في حركة الحياة الاجتماعية والسياسية والإيمانية ما زال ضئيلا. و في الكثير من الأحيان يفتقد إلى  العمق التدافعي، بحيث لا يستحضر القوى المضادة التي تخطط للمسجد في اتجاه غير ما حد له وشرع في الوحي والسيرة العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ينقصها الانتظام في مشروع تجديدي. و تتميز في هذا الباب تقعيدات الإمام المجدد عبد السلام ياسين في نظرية المنهاج النبوي بمقاربة نوعية تستدعي منطق التدافع بين مشروع يسعى إلى تحييد المسجد عن الحياة العامة وإفراغه من معناه على مستوى الحياة الإيمانية الخاصة للأفراد، وبين مشروع إسلامي يرمي ويروم إعادة المسجد إلى موقعه الطبيعي من الحياة الخاصة للأفراد و العامة للمجتمع.

و يتجلى تميز مقاربة الإمام ياسين للموضوع المسجدي في استدعاء المفهوم في صيغ تركيبية، من  قبيل: “روح المسجد”، “روحانية المسجد”، “تربية المسجد”… مما أثرى المنظومة الفكرية التصورية للمشروع الإسلامي.

و من تم استند تحليلنا في هذه الورقة على فكر الرجل و تراثه المكتوب المكنون في تصوره المنهاجي الذي لامس موضوع المساجد برؤية تأصيلية تجديدية لا تنفصل أبدا عن النظرة الشمولية للتغيير.

المبحث الأول: نقد واقع مؤسسة المسجد

المزيد من المشاركات
1 من 18

لعل الناظر في واقع المسلمين، أو بالأحرى في حال الدين في حياة المسلمين ومدى حضوره وهيمنته على واقع الشعوب المسلمة، تأسيسا وتأطيراِ وتوجيها وإرشادا، لا يخطئ النظر أنه لم يعد له الحضور المفترض. لذلك فإن الشريعة وهي جزء من الدين لا الدين كله، قد تقلصت في الأذهان والعقول والوعي الفردي والجمعي قبل أن تتقلص في الواقع حكما يعمل به، حتى أن الإنسان لا يخطأ في الحكم باختلاط الشريعة وتعاليم الدين بالأعراف الاجتماعية والتقاليد التاريخية الموروثة الخاصة بكل مجتمع على حدة؛ إذ يظن بعض أفراد ذلك المجتمع أن سلوكاتهم هي من صميم الدين بدافع الجهل والتعصب في بعض الأحيان؛ سواء أكان هذا التعصب للتقاليد بدافع الدين أو تعصبا للدين بدافع التقليد. وإن من بين مظاهر تقلص الشريعة في وعي المسلمين أو بحسب ما يخطط له من يردون للشريعة أن تتقلص وتنسحب من الحياة العامة ومحاولة إقناع المسلمين أن الدين هو “ما بقي في المسجد من وعظ وتذكير”[1]. إن هذه العبارة أو التمثل على وجه التحديد هي ما تحاول الأنظمة المعرفية والسياسية، الغافلة عن الله تعالى المغفلة عنه سبحانه وتعالى، ترسيخه في أذهان الناشئة وتربيتهم عليه، ولعل هذا التمثل الذي يكتسي الطابع الإيديولوجي الموجَّه والموجِّه يجد صداه في معركة التدافع الفكري، حول مفهوم الدين عموما ومفهوم الشريعة على وجه الخصوص، بين الإسلاميين و اللائكيين، الذين لا يرون ولا يرغبون أن يروا في الدين والتدين شيئا آخر سوى كونه “تديُّنا زَهَاديّا رهبانيا يقبع في ركن المسجد ليسبح ويحوقل ما شاءت له استقالته بين يدي الفضلاء الديمقراطيين الخبراء بشؤون الدنيا، القادرين عليها .. وللمسجد و أهل المسجد مهمة التكفل بتكفين الأموات”[2]. إن هذه التحولات التي طرأت على مؤسسة المسجد هي نتيجة عوامل متعددة منها الداخلي المتمثل في بنية الأنظمة الاستبدادية التي تؤسس حكمها على المشروعية الدينية، أو خارجي متمثل في إدراك القوى الاستعمارية للدور المحوري لمؤسسة المسجد ومدى قدرته على التأثير في حياة المسلمين ووعيهم بقيمته الإستراتيجية حيث “إن المسجد عبر التاريخ الإسلامي لم تقتصر وظيفته على الجانب الروحي فقط بل يتعدى ذلك إلى كل مجالات حياة الناس ومنه كانت تدار الدولة ومن محرابه كانت تصدر القرارات المصيرية للدولة”[3]. لكن بفعل سنن التحول التاريخي الاجتماعي “دار الزمن دورته فتقلص ظل المسجد عن المجتمع وانعزل عن حياة الناس وفارقته معظم وظائفه التي كان يضطلع بها فخرج القضاء من المسجد وفارقه روح المسجد .. خرج التعليم عن المسجد وخرج التشاور والتناصح بين المسلمين وخرج إعداد الجيوش المحاربة عن المسجد ففارقته روح المسجد لقد أراد أعداء الإسلام أن يصبح المسجد كنيسة”[4]. بعدما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤسسة محورية حيث كان “دار ندوة يجتمع فيها بالمسلمين يشاورهم في أمور دينهم ودنياهم ويعرض عليهم كل ما يتصل بأمورهم من سلم وحرب”[5]. وفي فترات معينة مركز الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية حيث أن “العديد من المؤشرات تؤكد العلاقة الوثيقة بين المسجد والممارسات السياسية في المجتمع الإسلامي ففي أعقاب كل فتح كان المسلمون يقيمون مسجدا كبيرا يختارون له موضعا مميزا في وسط المدينة مجاورا لمقر الحاكم أو ما كان يعرف بدار الإمارة في كثير من الأحوال كان يشيد الجامع كجزء من دار الإمارة .. وهذا التلاحم البنائي يعكس المفهوم الإسلامي الراسخ بأن الحاكم يمثل ذروة السلطة الدينية والسياسية معا في المجتمع الإسلامي”[6]. قد نفهم الفراق بين المسجد ووظائفه لكن ما لا يفهم هو كيف يغض المفكرون الطرف والنظر عن الفاعل في كل هذه الأشياء كيف انعزل وخرج في حين الأولى أن نقول عُزل وأُخرج بفعل فاعل يحدد بوضوح ودقة. إن استحضار التمثلات الفردية للمسلمين ونخبهم عن الدين والمسجد ودوره المختزل في الصلاة تؤدى في مساجد “تفتح فتراتٍ قصيرةً يخطَف المسلمون فيها ركيعات، ثم تُغلق كما تغلق السجون”[7]، أدركنا حجم الكارثة التي تحل بمؤسسة مركزية في بناء النظام الإسلامي بمختلف أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية والعلمية والقيمية والفنية والجمالية وأدركنا معه ما يمكنه أن يهدد النظام الإسلامي ومكامن اختراقه و الإجهاز عليه في وقت تحرص فيه الأنظمة الاستبدادية على تعويض الفقر في المعنى بإغناء جانب العمارة والهندسة في حين أن “وظيفة المسجد تتنافى مع الضخامة والإسراف في الزينة”[8]. إن هذا التوصيف الذي يعطيه الأستاذ ياسين لوضعية المساجد يحمل مدلولا واقعيا ينسحب على الحدث المسجدي والفعل المسجدي ومحاولة محاصرته وقمع حريته في القيام بالأدوار والمهام المنوطة به في واقع المسلمين، هو الأليق بالسياسات الدينية المنتهجة من قبل القائمين على الشؤون الدينية، كما أن هذا الفعل المتمثل في محاصرة المسجد وتضييق الخناق عليه هو بمثابة سياسة واعية ودالة من جانبهم، تتوخى تحييد الدين عن الحياة العامة وإفراغ المسجد من محتواه القيمي الرسالي التنظيمي التوجيهي داخل المجتمع. بل إن روح التهريج التي تسود المسجد جراء الاجتراء على حرمته وإفراغه من محتواه المفترض أن يتحقق به أفضى إلى العجز عن قيام هذه المؤسسة المحورية في البناء العمراني بدورها التربوي ورفع عنها “معنى المسجدية فيها، بما يليق بالمسجد من حُرمةٍ وذكْر لله وسَمْتٍ وطمأنينة، غائب. بل روح السوق بها أشبه”[9]. سوق وسجن هي الأوصاف التي أفضت إليها السياسات الاستبدادية بكل شيء حتى الفضاء الذي يمارس فيه الإنسان المسلم عبادته ويترجم فيه امثتاله لخالقه ولما أمره به ابتداء. إن هذا الوعي والتصريف العملي للإدراك بأهمية المسجد يجعل منه في ظل الأنظمة المطلقة فضاء محدود الأدوار إذ “تنحصر وظيفة المسجد في دائرة ضيقة لأن هذا الاستثمار الجغرافي للفضاء الحيوي لا يمكن طبعا أن تقبله مثل هذه الأنظمة التي تعتبر المسجد وتربية المسجد سلاحا في يد “المتعصبين، أعداء العقل،المجرمين”[10]، ذلك أن المسألة كما هي في الأذهان والواقع تعكس صراعا بين منظومتين، بل أقول تدافعا بين منظومتين متناقضتين الأولى تروم إخضاع الدين وفق منطقها الاستبدادي المتحكم في كل شيء، حتى في تفاصيل الحياة العامة والشخصية للأفراد دون استثناء، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ التحكم في مؤسسة المسجد مقدمة ومدخل أساسي للتحكم في الحياة العامة والإبقاء عليها “خارج المسجد لكيلا يفسدوا (عمار المسجد) على الدولة توجيهها للدين. حياة المجتمع الاقتصادية والسياسية واليومية والثقافية والترفيهية لا دخل فيها للدين بتاتا”[11]. المسجد مليء بالخطب والمواعظ لكنه في انفصام تام عن واقع الحياة المعيشة. أركان وشرائع وشعائر تعبدية تملئ زوايا المسجد وأركانه على علاتها الناشئة عن الفقه العاجز عن إدراك معنى الفقه في عمقه وحقيقته الدينية، كل هذا “والحركة خارج المسجد تعج بنشاط لا يمت إلى الإسلام بصلة، إلا من حيث استمرار الناس بالاعتقاد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان من عمل فردي يختلط صلاحه بفساد الغادين الرائحين على غير قصد سام، وجهاد بان”[12]. قصد سام وجهاد بان هكذا يتصور الأستاذ ياسين المحددات العملية او الموجهات العملية. المسجد بؤرة جوهرية في صراع الحق مع الباطل ولأجل هذا “انتبه الحكامُ المَكروهُون إلى خطر المسجد، ووعاظه، ومعلميه عليهم، فهي محاصرة، لا تُفْتَحُ منابرُها إلا لِلْبُوم الكئيبِ، ينوحُ على خرابِ ذِمَمِ عُلَمَاءِ القصور، بمنثوراتِ خطَب الإطراء، وأسْجاع مديح الأمراء”[13] ولأجل إحكام القبضة والسيطرة على المسجد الذي يعتلي فيه الخطيب المنبر يقدس فيه السلطان والحاكم ليجعل من شخصه محورا بدل الله الذي أمر ألا يعبد معه سواه، وتكتمل فصول هذه الطامة حين تصادف هذه العقيدة خطيبا  وقد ملأ خوفا إلى مشاشه، يقول الأستاذ ياسين “والمسجد يُؤَممه حكام الجَوْر لتخطب على منابره خطب منكرة يُقدس فيه الحاكم العبقري”[14] الذي تشهد في بعض الأحيان صفحات التاريخ بفشله في أبسط المعارك بله القضايا المصيرية الكبرى، خطب تصنع من الوهم البطولة والمجد. إن الغالبية العظمى ما تزال تحت ما يسميه الأستاذ ياسين “قبضة الإيديولوجية الرسمية المسجدية”[15] لمَاَ انفكت ولما تحررت همومها من الجسمانية لترقى إلى الروحانية التي تبحث عن الخلاص وتشرئب إليه وتتلمس طريقه في المساجد التي لا تزال قابعة في قبضة “الإيديولوجية الرسمية المسجدية”. لذلك يرى الأستاذ ياسين انه من اللازم “أن تُعْمَرَ المساجد ويذكر فيها اسمُ الله لا اسمُ الأصنام. ويعادُ للمنبر حرمتُه”[16]  وقد شدد على هذه الحقيقة والوظيفة غير واحد شعورا منهم وإحساسا بالدور الذي بدأ يسند إلى مؤسسة المسجد ويقحم في الحسابات السياسية المؤسسة على شرعية باطلة مزورة يقول احد المفكرين: “إن أهم ما وجد له المسجد هو ذكر الله وعبادة الله وتوحيده عز وجل”[17] ويقول في موضع أخر من نفس الكتاب:” وظيفة المسجد في المجتمع أن يذكر فيه اسم الله”[18]، ولا جل تحقيق هذه المطلب يتعين تحرير المنبر من كل سلطة مادية تخنقه وتحد من مهامه المنوطة به يقول الأستاذ ياسين: “وليس من اللائق شرعا ولا من الجائز أن يكون العالم في المسجد أجيراً للدولة، إذ أنَّ تلك الوظيفةَ أنبلُ وأشرفُ من أن يدخلَها اعتبارُ العِوَضِ الدنيويِّ”[19].

المبحث الثاني: المسجد مؤسسة للتربية وحفظ الفطرة

       تشكل التربية مفهوما ووسيلة وغايات ومقاصد وأهداف اهتماما مركزيا في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين. فما من موضوع يطرقه وما من قضية يتناولها إلا وموضوع التربية يشكل القاعدة الأساس والمنطلق الأول الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتجاوزه الإمام ياسين في تفكيره ومقارباته، اعتبارا منه لأهمية الأمر في حل المشاكل والمعضلات الإنسانية المعاصرة، بل وفي كل زمان ومكان ولأهمية الموضوع عند الأستاذ ياسين فإنه يرى أن العملية التربوية بما هي ربط ووصل للإنسان المخلوق بخالقه هي عملية يفترض أن تكتنف الإنسان منذ نعومة أظافره وصباه، كما اهتم بالبيئة التي يفترض أن تتم فيها عملية التربية والمحافظة على الفطرة وعلى سلامتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو هريرة :”ما من مولود إلا يولد على الفطرة”[20]، يقول الإمام ياسين معبرا عن الاهتمام بتربية النشء في مختلف المراحل وتعليقه قلبا وقالبا بالمسجد:” إن لا يأت إلى المسجد تلامذة المدرسة وطلبة الجامعة، يأت إليهم المسجد”[21]،  فهذا القول يبين مكانة تربية النشء في مختلف مراحل العمر، كما يبين الدور الحركي للمسجد، ولا يخفى ما في هذا القول أيضا من نقد خفي مبطن لوضعية المساجد في عصرنا هذا، خاصة في ظل تأميم الدولة لهذه المؤسسة الحيوية المصيرية في حياة الفرد والمجتمع والدولة والأمة على السواء. انه دور دعوي شكلا ومضموما لا دور يقتصر على جعل المسجد فضاء من جدران يأوي إليه الناس عندما يرغبون في أداء الشعائر التعبدية. دور ينبأ برسالة المسجد يحملها إلى الإنسان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ولأهمية الأمر فإن الأستاذ ياسين يرى أن أولى الأماكن التي ينبغي أن يعلق بها الطفل وان تكون خطاه الأولى إليها هي المسجد ويقوم بهذا الدور والمهمة الوسط العائلي لا يستثنى من ذلك من هم دون الآباء فالعم والخال وغيرهم مسئولون عن هذه المهمة التي تفضي إلى صون فطرة النشء والمحافظة عليها من أسباب التشويه والضياع يقول الأستاذ ياسين :”أول خُطى الطفل إلى المسجد. يأخذ بيده إليه أبوه وعمه وأخوه”، بل ويجعل من هذه الخطوة التربوية النفسية مناسبة تحظى بما يليق من الأهمية في ترتيب أولويات أبناء الأسرة بل الأسرة نفسها، وما ذلك إلا انعكاس لقيمة الأمر في قلب وذهن ووعي الوالدين وكل من حضر وسمع هذه الخطوة، ولمزيد من إحاطتها بكثير من الأهمية والاهتمام يقول الأستاذ ياسين بجعلها “مناسبة يُحتفل بها في الأسرة، ويُلْبَس الطفل لباس الأعياد، ويصور ليحتفظ في ذاكرته بحدث مهم في حياته. كان أجدادنا رحمهم الله أفضل مِنا وَلاءً للقرآن، يختِم الطفل ختمة كاملة فيركب فرساً ويُزف كما تُزَف العُرسان، احتفاءً به أن حفظ من آيات الله. ويختم نصف ختمة وربعها وعشرها فيُفعَل به من البِر والاحتفال”[22]، هكذا بحكم خبرة الإمام ياسين التربوية يرى بضرورة إعادة إحياء ما اندثر من الأعراف المحبوبة الحسنة التي تساهم في تشكيل وصياغة شخصية الطفل وتربيته على مقتضيات الإيمان والفطرة السليمة. وتستمر هذه العملية وهذا الاهتمام في كل المراحل التي يمر منها الطفل فهو صبي وصبية “في حجر التربية الأسَرية، واليافِعُ لَمَّا تنتفخ فيه أنانية من يعرف كل شيء عن كل شيء، يمكن أن يعَلّم الطريق إلى المسجد، ويُعلم ما هو الوضوء وما هي الطهارة وما هي قدسية العبادة، وما هي مدارج الدين ومراتبه[23]. لم يفت أوان التربية مهما تقدم المرء في مراحل العمر في تقدير الإمام ياسين “ما لم تنتفخ فيه أنانية من يعرف كل شيء عن كل شيء” فهذه العبارة تحمل دلالة خطيرة ومفتاحا لفهم الموانع والمعيقات النفسية لعملية التلقي وإسماع الفطرة ومعه الوعي بكيفية اجتناب أسباب هذه الأنانية. إن تربية الطفل على السماع والقبول والتشرب لهي من أولى الأولويات التي ينبغي أن تحظى باهتمام كبير في الخطاب الإسلامي، إذ لا معنى للحديث عن إصلاح وتغيير كل شيء في صمت مطبق عن تغيير وإصلاح أهم شيء و هو نفس الإنسان منذ أن يكون طفلا يافعا فمراهقا فشابا فكهلا فشيخا. يشير الإمام ياسين إلى عامل أساسي يكمن في التشويش على الفطرة وعلى تربية المسجد وعلى الشخصية الإيمانية عموما وهو التقاليد الاجتماعية التي لا تمت في بعض الأحيان إلى الأعراف الإسلامية بل تزاحمها وتعوقها عن أداء وظائفها، وتساهم في التشويش على بناء شخصية الطفل بما يؤثث ذاكرته في مرحلة الطفولة إذ ذكريات الطفولة تتدخل في تحديد طبيعة ونمط الشخصية في المستقبل، فمن شاء أن يقف على نقاط القوة أو نقاط الضعف عند كل شخص فما عليه إلا أن يتعرف على أصل ذلك في تاريخ الذاكرة ومنعطفاتها ولحظاتها المفصلية، يقول الإمام ياسين: “ذكريات الطفولة مؤسِّسَاتٌ للشخصية، نربطها بالمسجد والقرآن، لا نترك المناسبات الاجتماعية تنسج ثوبها”[24]، وفي هذه العبارة ما يفيد عدم السماح للمناسبات الاجتماعية الفاقدة للمعنى والغاية والرسالة في بعض الأحيان، والمغرقة في التقليد في كثير من الأحيان، أن تلف ذاكرة الإنسان وتحجبها وتمنعها من أن تتسرب إليها أحداث إيمانية فطرية تكون مقوما من مقومات الشخصية في المستقبل.

المسجد إذن حلقة أساسية في عملية التربية وصيانة والفطرة وصياغة الشخصية، ولما كان هذا الأخير بهذه الدرجة والأهمية فانه يتعين أن يباشر مهمة عمارة المسجد قولا وحضورا رجل الدعوة، ينزل إلى العامة في المسجد يخطب فيهم ويخاطبهم بما يصلح فطرتهم ويقوم اعوجاجها. إن عملية التربية هي في الأساس مخالطة وتشرب واقتباس لا تعال مغرور على حد تعبير الأستاذ المجدد. يقول في هذا الشأن موجها خطابه لصاحب المنبر رجل الدعوة المكلف والمسئول عن حماية وحفظ إيمان وآخرة الأمة وأفرادها: “من موقِعهِ في المسجد وسَط حلقة العلم والذكرِ والوعظ يُسْمِعُ رجلُ الدعوة كلمة الله إلى الإنسان. لا مِن الأعالِي النخبويَّة المغرورة”[25] ، إن البناء الفردي ينعكس بالقطع و الحتم على البناء الأسري، وكم من المشاكل والمعضلات الأسرية والاجتماعية التي يبحث لها الخبراء النفسانيون والاجتماعيون والقانونيون عن الحلول لكن في شرود تام عن حقيقة المرض والعلة، التي تكمن بالأساس في اختلال موازين الفطرة لما أبعدت عن راحة المسجد وطمأنينة المسجد وسكينة المسجد وروحانية المسجد ففي”المسجد وفي مجالس الإيمان تُشِعُّ الكلمة الحقُّ على الأسرة فتحييها، وعلى العامَّة والخاصَّةِ”[26]، إن كلمة الحق هاته كلمة لقاء الله ومحبة الله والشوق إلى لقائه وحق الجنة والنار والصراط والبعث والنشور هي كلمة لا تقتصر فقط على منبر المسجد بل تسري روح المسجد وروح الدعوة في جميع أوصال الحياة العامة وفي جميع مفاصلها ف”يُسمِعُ الواعظ المربّي في المسجد، والأستاذ المعلمُ في المدرسة والجامعة، والأم والأب، والرفيق الصاحِب، والحاكِم المؤمن من منبر سلطته ومن مَجلِسِ حكمه، ويُسمع كل مؤمن وكل مؤمنة، النداء الفطريَّ”[27] هي وحدها الكفيلة بإعادة التوازن إلى الشخصية. فالمسجد حلقة أساسية من حلقات بناء الإنسان الفطري إلى جانب مؤسسات أخرى تشتغل مع المسجد في إطار تكاملي ينهض في مجموعه سببا في بناء الشخصية المومنة. أما إن كان الحال كما هو اليوم في مساجد هي أشبه بالسجون دارا والأسواق حالا، على حد وصف الإمام ياسين، فإن الإنسان سيكون عرضة للتشتت والانفصام بين خطابين خطاب مسجدي بارد في ظل أنظمة استبدادية لا هاجس عندها سوى الاستمرار في التحكم في رقاب ومصائر العباد وبين خطاب وحركة في المدرسة و الأسرة والمجتمع لا صلة له بالدين من حيث هو خطاب موجَّه وموجِّه لفطرة الإنسان وعقله وفكره وروحه وشعوره ونفسه وحركته، فإذن التربية بمفهومها الشامل عند الأستاذ ياسين لا ينهض المسجد بمفرده للقيام بها بل هي عملية متكاملة متداخلة ومتجانسة بين عناصر مجتمعية شتى. وعلى هذا المنوال يستمر مفهوم النقد لدى الأستاذ ياسين في كل مراحل البناء المنهجي وأيضا النفسي والفكري، فما من عملية بنائية تأسيسية إلا وتسبقها عملية نقد ونقض للقديم التاريخي والمعاصر الذي كبل الإنسان وحجب عنه مستقبله الحقيقي وكل ما/من أراد للإنسان العيش في الماضي لا في المستقبل. وما تم شيء خليق بان ينقل الإنسان إلى المستقبل سوى التربية المسجدية التي ترفع عن الإنسان كلكله وترفعه من حضيض المادة لكي يسافر سفره الروحي إلى عالم السعادة المثلى. يعود الإمام ياسين إشفاقا منه على الفطرة والنشء وليؤكد من جديد على ضرورة الاهتمام بالمراحل الأولى للتربية ومن جملتها الاهتمام بخطى الطفل وهو صغير إلى المسجد وبإسماعه صوت الفطرة والإيمان  في المهد قبل أن يشب عن السماع فيقول :”إذا لم تُرضع الأم طفلها الإيمان مع الألبان، ولم يَقُدْ الأب خطى أبنائه الأولى إلى المسجد، ولم تُلَقِّن الأسرة كلمة التوحيد للصبي أوّلَ ما يلْهَجُ بالنطق، ولم يُرَدِّدْ معه الأخ والعم والخال والمـذرِّر آيات الله في غضاضة العمر، ولم تتعهده بالوصية الإيمانية القَرابة والجوار، فقد فاته إبَّان الحرث”[28]، مما يجعله عرضة في مرحلة من مراحل عمره لسماع “صوت الأستاذ الفيلسوف الملحد فتتلجلج كلمات الإلحاد في نفس خَلاَءٍ. وتلك نفس ذهبت فطرتها أدراج الرياح، وشتتتها أيدي السافيات شَذَرَ مَذَرَ”[29].

وليست التربية خطبة وتوجيه لفظي فقط على أهميتهما وعلى ضرورتهما في العملية التربوية لكنهما عنصرين من بين عناصر أخرى قلما يلتفت إليها المنشغلون بالدعوة والحركة الإسلامية ولعلها تشكل إضافة تجديدية من قبل الإمام المرشد حين جعل من التربية المسجدية أس البناء الإسلامي خطابا وممارسة ودعوة تسبق في الأهمية والاعتبار العناصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل هو حاضر فيها موجه لها وغاية لها ابتداء. ومن جملة ذلك عملية المجالسة المسجدية حيث تلتف القلوب المومنة وتلتئم على مائدة الإيمان لكي “تسري من قلب طاهر لقلب طاهر آيات الصدق ما بين رجال مومنين ونساء مومنات فتلتئم البيئة الروحية الجامعة المسجدية”[30]، ف”المسجد أمثل مكان للعثور على الصحبة المثلى”[31]. نجد الإمام ياسين في هذا المقام يمعن في ممارسة عملية التجديد لوسائل تربية الإيمان في القلوب، إذ يتجاوز بالعقل الفهم السطحي والتمثل التسطيحي للإيمان وكيفية اكتسابه القائم على مجرد تلاوة وسماع النصوص الحرفية الجافة من السطور، ليحول نظر المنشغل بهذا السؤال إلى عملية هي في العمق الطريق الأمثل لاكتساب الإيمان وتربيته في القلوب إنها طريق الصحبة والملازمة والمجالسة والتشرب، قلبا من قلب، مادة الإيمان ومادة الصدق في الإقبال على الله تعالى ورجاء مغفرته وعفوه ورحمته ورجاء ما عنده وما يعده للمومنين المخلصين والأكبر والأعظم من هذا وذاك الظفر بالمولى الكريم سبحانه وتعالى، وقد بسط الإمام نظريته السلوكية السلطانية الإحسانية القرآنية النبوية الجهادية في كتابه “الإحسان” بسطا شافيا وافيا كافيا. ومن جملة المفاهيم التي يحرص على تجديدها المسجد نفسه بحيث يتجاوز بالمتلقي المعنى التقليدي الجامد للمسجد إذ يعتبره البعض مجرد مكان لا يحمل دلالة أخرى غير العمارة المادية المشيدة بمواد معينة، ناسيا وغافلا المعنى الحقيقي للمسجد، والمسجد بهذا الوصف لاغير لا يعدو كونه “وِعاء يبقى فارغا لولا روح حب الله ورسوله، وروح الوَلايَة في الله ورسوله”[32]. ويضيف الأستاذ في موقع آخر كون “روح المسجد هي الإيمان بالله واليوم الآخر” إذن نحن أمام ثلاث محددات أساسية تعطي لذلك البناء العمراني معناه المسجدي لتكون فيه الحياة.  تبدأ التربية من المسجد أولا ثم الأم والمدرسة والجامعة ليستكمل مشروعه التحرري النفسي والعقلي من شراك الهوى والفلسفات الملحدة في دين الله والنفس الأمارة بالسوء، بعد أن يحصن بالتربية. لذلك يلح الأستاذ ياسين على الأمر بقوله:”الدعوة شأنها الأول العظيم هو تربية الأجيال من “إخواننا” ابتداء من تربية الأم لتكونَ الأم نموذجا صالحا للطفل، ويكون الطفل غرسة مباركة، ليكون مسجدا أُسس على التقوى من أول يوم”[33]. ثم بعد ذلك التربية هي “التربية مُرَبٍّ بحاله ومقاله. التربية مسجد وحلقات علم وذكر. التربية أم مؤمنة، ومدرسة، وجامعة، وتلفزيون وإذاعة وصحافة. التربية عضْوٌ في جماعة المسلمين يُحِبُّ ويُحَبّ، يَنْصُرُ ويُنْصَر، يشارك في عمَل كل خير، ويَجْفو وينكر بالقلب واللسان واليد كل منكر. التربية قرآن يُتْلى ويعمل به”[34] ثم التربية أيضا “دخول في حيطة التكليف، وتَسَرْبُلٌ بسِربال الشريعة، في كَنَف الشريعة”[35]. هذا التوسيع للمفهوم الضيق للتربية الذي ينطلق من المسجد هو نقد وإعادة نظر للتمثل السائد عن التربية والذي تكرس مع التربية الصوفية التي تعتبر أن مجالها الحقيقي لا يتجاوز علاقة الفرد بربه، وكذلك التصور اللائيكي الذي يحصر التربية في مجال العبادات وفي علاقة الإنسان بربه فقط فهذا التصور للتربية عند الإمام المجدد يغطي مجالات الحياة من جهة الفاعلين المتدخلين في عميلة التربية لذلك فعندما تملأ روح المسجد كل هذه الأركان والعناصر فإن المسجد يصبح له مدلول أبعد وأعمق من البعد المادي المنحصر في الجدران الإسمنتية. لذلك فان التربية المسجدية التي يسعى الإمام إلى إيجادها هي التربية التي يرفع معناها الإنسانَ، ويحمل الإنسانُ معناها بروحه وفي عقله وفي كل جوارحه إلى مرافق الحياة العامة. تربية تحمل الإنسان على الجد في الحياة الدنيا ولتوجيه هذا القصد فقد قال منبها ومحذرا من الانزلاق في الفهم :”ولا تحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الميامين كانوا رجال غدوة إلى المسجد وأخرى لساحة القتال، والأيام بين ذلك فارغة. بل كان العمل الدائب، والسعي الكاسب نشاطهم العادي اليومي”[36]. يسعى الإمام إلى رفع ما يبدو في ظاهر الأمر متناقضا جراء ما تكرس من الفهوم المعوجة عن التربية محاولا إعادة التوازن بين تربية المسجد والسعي خارجه إذ يقول :”ففي المسجد نستوطن الزمن الأخوي المطمئن، لكننا حين نخرج إلى الشارع ونعود إلى البيت، نستنشق هواء الزمن الحديث. لذا يجب على المسلم -بعد الخشوع والتضرع- أن يشمر عن ساعده ويكدح لكسب لقمة عيشه. فإن المجتمع المسلم محتاج إلى حد أدنى من الرفاهية المادية ليضمن بالمعاش الكريم الراحة الخلقية والروحية لرجاله ونسائه”[37]. وليس التوازن المطلوب عملية تلفيقية تبعث النفس على الاطمئنان بضمها لإطراف مختلفة من ضروب الحكمة وصهرها في مجموع واحد، بل التوازن زيادة على الجمع هو عملية آكدة في ترتيب ذلك المجموع وإعطاء كل عنصر منه المكان اللائق به في سلم الأولويات القيمية والوقتية، فلا تغمر مياه الحركة اليومية العادية ولا مياه الفكر والسبح العقلي أرض التربية اليابسة من بلل الغفلة بفعل انبساط أشعة الحقيقة، بل المنطلق والأصل أن تكون التربية مقدمة وحاضرة وسيدة في كل تلك العمليات والمجالات، إذن التوازن المطلوب هو حضور للتربية مع الفكر وحضور للتربية مع الحركة وحضور للتربية مع العمل السياسي حضور مؤسس وحضور داعم لأهداف التربية وغاياتها. إن السؤال المركزي الذي يبثه الإمام ياسين هو”كيف نحرره بالتربية المسجدية من ربقة سلطان هواه؟”[38]، بل كيف السبيل إلى تعبئة أمة وقلب العالم إذ “تعبئة أمة قَلْبُ عالم. كيف تقلبين العالَمَ وأنت لما تتوبي توبة الذي ربط نفسه بعمود المسجد لزلة زلها! ربطُ جسم عصَى لتُرْبَط نفسٌ أمَرَتْ بالمعصية”[39]. وكيف السبيل إلى صناعة “جيل قرآنيٌّ مَسْجِدِيٌّ القرآن الرسالة والمسجد عاصمتها.”[40]. إذن الرهان على المسجد المربي رهان استراتيجي كبير ومهمته كبيرة جدا.

المبحث الثالث: المسجد وإعادة بناء المنظومة التعليمية

     لا غرو أن  عملية التعليم من أهم الأسئلة التي يتعين على كل مشروع مجتمعي أن يضعها في صلب اهتماماته ومقدمتها، لأن عملية التغيير لا تتم إلا بتغيير نمط التعليم، أو بتعبير آخر فإن تغيير المجتمع والإنسان وإعادة صياغة شخصيته وفكره وشعور لا تتم إلا من خلال بوابة التعليم ونافذته، إلى جانب الأدوات الأخرى المؤثرة كالإعلام وغيره, لذلك فعملية التعليم تكون نافعة وذات جدوى إذا كانت في سن مبكرة جنبا إلى جنب مع عملية التربية، يقول الأستاذ ياسين: “يبدأ التعليم من السن المبكرة مع التربية. ليست التربية الوجدانية القلبية الإيمانية شيئا يترعرع خارج حقل التعليم، أو شيئا يسقى من ماء التربية مستغنيا عما تجود به قنوات التعليم؛ فإن للنفس والوجدان مسالك مشتركة مع العقل والفكر والحواس”[41] لأن المواقف الفكرية تتداخل مع الإحساس والشعور وتترعرع جنبا إلى جنب فكما تسلك المعارف عن طريق التلقين كذلك تسلك عن طريق التشرب الوجداني معاني التربية من “القدوة المربية -الأسرة والمعلم والمناخ المسجدي- التأثير الأعمق. ويأتي التعليم مباشرة بعد ذلك”[42]. وهي عملية مسترسلة لا تقف عند حدود سن معينة كما يقول الإمام المجدد: “ولا يقف التأثر التربوي عند التسع سنوات الغضة من حياة الطفل كما لا يقف التعلم، بل هو وظيفة متبادلة بين الأحياء، يؤثر كل في كل ويتأثر مدى الحياة”[43]، هذا التصور للتربية على المستوى الوجداني يفترض قبل هذا تصورا لنمط العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد بدء بالأسرة والزوجين ثم الجوار ثم العلاقات المهنية والإنسانية عموما،  لكنه- أي الإمام المجدد- يضع بين يدي هذا التوجيه توجيها آخر لا يقل أهمية عنه، إن لم نقل انه الأساس في العميلة التربوية حيث يقول عن كون الإنسان من شأنه أن “يتأثر مدى الحياة. بيد أن السنوات الغضة والطفولة والشباب الباكر أمثل قابلية”[44].

فإذن العملية التربوية وتنشئة جيل قرآني مسجدي لا تتسنى إلا من خلال التعليم الذي يجعل من روح المسجد ومضمون القرآن قاعدة لبناء منظومته من حيث المنطلقات والوسائل والأهداف والمقاصد والغايات، يقول الأستاذ ياسين :”إن كان المسجد مركز إشعاع التعليم، والقرآن غذاء الصبي الأول، وزاده كل حياته فستنبعث فينا أجيال مصونة إن شاء الله، لن تستفزها المحرضات، ولن يغريها الكسب. بل تكتشف في سن مبكرة أن لا عيش إلا عيش الآخرة، وأن الجهاد في سبيل الله هو الخطة المثلى، والهدف والمشروع، الصالح للنفوس الكريمة. والقرآن الكريم تتشربه الشخصية الغضة الفطرية هو وحده يعطي النفوس كرامتها، ويهديها فطرتها”[45]. ففي هذا النص يبين الإمام ياسين النتائج العملية التي تتخطى مستويات الدنيا إلى الآخرة بحيث لا يقر قرار الإنسان منذ نشأته وطفولته إلا و هم الآخرة نصب عينيه، فيدرك أنه مجرد عابر سبيل من هذه الحياة الدنيا، وعلى أساس هذه القاعدة  يتشكل موقفه من الدنيا ومن الموت خصوصا حيث تصير نظرته إلى الموت باعتباره قدرا مرغوبا لأنه قنطرة إلى حياة أبدية سرمدية مؤجلة في الدار الآخرة حيث الجزاء ولا عمل. هذه الأهداف لا سبيل إلى تحقيقها إلا إذا كان القرآن هو المحور الذي تدور عليه المعارف والمدارك التعليمية سواء منها النظرية أو العملية أوالتطبيقية أو التجريبية أو المنهجية الأداتية، أساسها المؤسس والموجه للتذكير بالله وباليوم الآخر. هذا هو عمق المنظومة التعليمية في التصور الإسلامي وروحها، وهذا هو خط سيرها واتجاهها فإن لم يكن كذلك فلا شك أن الإنسان هو الذي سيحل محل هذه الغايات ويصير وفق هذا المنظور مركزا من حيث ذاته ولذاته، لا من حيث معناه بل ينحدر إلى دركات البهيمية ويفقد الإنسان معناه وفق هذا التصور عندما تصير متعته الجسدية غاية ليس من ورائها غاية أخرى. وليس من ورائها معنى يقصد وغاية تنشد. لم تكن المنظومة التعليمية في الماضي رهنا بيد الدولة، فقد”استخدمت الجماعة مساجدها معاهد للتعليم لأن العلم دائما من اختصاص الجماعة .. فكانت الجماعة تتكفل بمعاش المعلمين …”[46]. وكانت وسيلة التكفل بالتعليم هي نظام الوقف الإسلامي، تقول إحدى الباحثات “فالأوقاف هي الأداة العملية التي كانت تسهر على أداء المساجد والمدارس والزوايا بمهامها الدينية ورسالتها العلمية”[47]. وتضيف “لقد ساهم في هذه الأوقاف محسنون من الرجال والنساء ومن الأغنياء الموسرين وأفراد الطبقة الوسطى”[48]. لذلك فإن الوضعية الأسلم، هي تحرير التعليم من نفوذ أهل السلطة،حتى يصير: “المسجد في عين دائرة التعليم”[49].و هذا الاتجاه يقتضي تغييرا جذريا في بنية السلطة وأهدافها وأدوات اشتغالها ابتداء. فعلى مستوى الإنفاق على التعليم والتطوع للتعليم و إلى “عهد قريب كان المتمولون من المسلمين في بلادنا يعتبرون من البر كفالة طالب العلم ورعايته وتمويله. لا تزال في بوادينا بقية من تعظيم قارئ القرآن والدارس. النساء يرونها قربة إلى الله أن يطعم من صنعهن قارئ القرآن، والرجال ينفقون على المسجد والقائمين على المسجد”[50]. إن الارتكاز على الفضاء المسجدي من شأنه أن يغير البواعث رأسا على عقب، إذ بإمكان المسجد وروحانيته أن تحدث نقلة نوعية على مستوى تعبئة الجهود والطاقات والإمكانات المادية والمعنوية، لأن المسجد يبسط سلطانه الأخلاقي على المسلمين المقبول اختياريا دون إكراه، بل “إن الكلمة المقروءة والمسموعة تنطلق من داخل المسجد لها تأثير في النفوس وتوجيه لكل عمل بناء في حياة البشر”[51].

أمام هذا التصور يضع الأستاذ ياسين بين يدي المتلقي تنبيها يجنبه عواقب الفهم التبسيطي للمقترح إذ يقول :”وقد يقرأ قارئ قصة التعليم المسجدي التطوعي، فتسبق إلى ذهنه الصورة التقليدية لأطفال على الحصير البارد تصول عصى المؤدب على رؤوسهم”. فإذا كان الأستاذ ياسين على وعي تام وإدراك كامل بقيمة العملية التعليمية عندما تكون في أحضان المجتمع المسجدي فإن هذا لا يمنعه من إدراك حدود الإمكانات والمناخ الذي كانت تتم فيه العملية التعليمية لذلك فانه يقترح زيادة على الرصيد الروحاني الذي يتيحه الفضاء المسجدي رصيدا آخر يتمثل في المباني الصالحة والقمينة باستيعاب احتياجات المتعلم في مختلف مراحل تعليمه طفلا ويافعا وشابا، حيث يقول:”للمسجد حرمة وروحانية تتناسب ومجالس الوعظ، ويصلح فيها الحلق العامة.لكن تعليم الأطفال، وتدريب الأطفال، وتربية عقول الأطفال، يصلحها الحرمة والروحانية، ويصلحها المبنى الصحي، والمجال الحيوي للرياضة، والمشغل للتداريب العملية، ووسائل التعليم التي أصبح الحاسوب آلة مهمة من آلاتها. قصدي إذن أن يسود التعليم حرمة المسجد، وروحانيته، وفضيلة التطوع والبذل السخي والمسؤولية الأخلاقية. لا أن تضم بناية المسجد مرافقه المحدودة ما لا يحد من حاجات تعليم الأطفال واليافعين والشباب”[52]. هذه المعنى والمبدأ القائل بضرورة جعل المسجد محورا للحياة بمختلف أبعادها لا يعني بالضرورة تحريك المؤسسة التعليمية في اتجاه المسجد، إن كان هذا غير ممتنع، بقدر ما يعني توطين المسجد ودوره في المؤسسات التعليمية، وإعطائه المكانة اللائقة به في التوجيه والتأطير وصياغة الأهداف التربوية التعليمية، لا أن يجعل منه تراثا لا يعدو حدود الاستئناس بالموروث الثقافي الذي لا يعني للنشء شيئا آخر سوى كونه مكانا مهجورا للعبادة. لكنه في الواقع هو :”أول مدرسة في الإسلام تبني الرجال وتصنع الأبطال وتعدهم خير إعداد وعن طريقه يقوم كيان الأمة الروحي كما انه الأساس يدعم وجودها المادي”[53].

إذا كان الأستاذ ياسين قد عالج القضية من زوايا متعددة خاصة منها ما اقتضاه سياق الموضوع المرتبط بالمسجد فقد عالج قضية جوهرية في المنظومة التعليمية وهي قضية المعلم نفسه الذي يعتبر قطب الرحى في العملية، إذ لا حديث يتسنى دون الحديث عنه وعن وضعيته. فإطلالة مستعجلة في التاريخ العلمي تنبأ بمكان المعلم في بنية المجتمع وإلى عهد قريب “كان العالم في مسجده مركز إشعاع إليه يهرع السائل”[54]. لكن هذا العالم/المعلم بهذا الوصف، وكونه كذلك “العالم الرباني القدوة، والمعلم الميداني المحاذي المتطلع، ينبغي أن لا تنازع دنياه آخرته. ينبغي ألا يكون مبعثرا مشتت الذهن منشغلا بهموم البيت والخبز والدرهم. صلاح دنياه مع آخرته، وصلاح آخرته بصلاح دنياه يتوقفان فيما يتوقفان على ضمان العيش الكريم له. كيف ينفق من علمه وخلقه من هو موزع في همومه اليومية منبث غير مضموم ؟”[55]، يعالج الأستاذ ياسين في هذا المقام سؤال يعترض العملية التعليمية وهو سؤال الوضع المادي للمعلم بالمفهوم الواسع للمعلم لا المفهوم الوظيفي الإداري الحالي. ذلك أن الصلاح المفترض في العالم رهن بوضعيته المادية فالصلاح والمشروع الصلاحي الشخصي تعترض سبيله عناصر التشويش المادي المتعلق بظروف المعاش للعالم فمتى تحرر العالم من التفكير  في هم المعاش أمكنه ذلك من تحرير إرادته وإطلاق طاقاته في تحصيل العلم والتقوى معا، ومتى كان هذا العالم  متحررا من الضغط المعاشي دون أن تبرز قدرته ومؤهلات على الانتصاب للقدوة أدركنا انه واقع تحت ضغط عوامل نفسية أخرى تجره في اتجاه يخلد به إلى أرض الشهوات هذا إن كان قد تلقى سمعا وسماعا يخاطبه من جهة فطرته ويدعوه إلى صلاحه من الأساس. ومبعث الاهتمام بهذا السؤال يكسب مشروعيته من النتائج المترتبة على وضع الفطرة وتربية النشء في أيدي لم تصب من الأمانة نصيب، لذلك فإن المجتمع الإسلامي أو أحرى الضمير الجمعي في الماضي قد أدرك إن لهؤلاء العلماء “حاجات معاشية كفاهم إياها البذل العام”[56] وعليه فإنه من المتعذر أن “ننتظر من عالم المسجد، ومعلم الميدان أن يقودا جهاد التعليم وهما في حضيض الحاجة، هات واعمل لآخرتك ولا تسألنا عن دنياك!”[57] وواضح هنا أن الأستاذ ياسين لا يقصد بالذكر معلم المسجد فقط بل يقصد كذلك ما يسميه “معلم الميدان” لكنهما يلتقيان في جبهة واحدة هي جبهة البناء المستقبلي للشخصية المؤمنة ولشخصية الأمة ككل.

أما عن مادة التعليم المسجدي فإن كل حديث عن إصلاح مختلف الجوانب من المنظومة التعليمية لن يكون ذا فائدة في مجتمع مسلم إلا إذا كان القران هو المضمون التعليمي، ويؤكد الإمام ياسين على هذه الحقيقة بقوله: “إن المسجد والتطوع والمسؤولية الأخلاقية، وصلاح ما بين المعلم والمتعلم إن هي إلا وعاء يبقى كالفارغ معطلا إن لم يشغله مضمون قرآني، وشغله الإسلام الفكري المقارن الذي يباري الجاهلية على أرضيتها، ويخجل أن ينطق بالغيب أن يذكر الله والدار الآخرة” ويضيف قائلا: “لا يلبث إصلاح سطحي أن يتلاشى وقعه إن تناول القشر ولم يستفرغ اللب الموروث ليحيى في المنظومة التعليمية الإعلامية روح الإيمان المتجدد”[58]. هذا التصور المنبني على التأكيد على المنطلقات التعليمية يركز بالأساس على روح التعليم دون أن يغفل العناصر الأخرى الهامة والمكملة للعملية التعليمية  في الوقت نفسه، ومن جملتها بل من أسها أن يكون طلاب العلم هم من عمار المسجد “الذين يحافظون على الصلوات وذكر الله وطلب العلم فيه”[59].

قضية أخرى عالجها الإمام ياسين هي عملية الاختيار لرجل التعليم سواء أكان في المسجد أو في الميدان إذ يقول :”في قمة الخيار، وخيار الخيار، وخير الناس يستوي، وينبغي أن يستوي، العالم الرباني المتطوع في مسجد جماعة المسلمين. ويدنو من القمة ويتطلع إليها، ويجلس إليها المعلم الميداني المشتغل في مدرسته ومعهده وجامعته”، ويضيف بقوله:”فإذا تقرر أن كفاية العلماء والمعلمين أساس، فلنلتمس عند ذلك لهذه الخدمة الجليلة أي الناس خير”[60]. كما ينتقد الأستاذ ياسين طريقة فرز واختيار الأساتذة والمعلمين إذ يقول :”الفرز بمباريات وامتحانات تقيم المحصول المعرفي وحده غرر وضرر”. وفي المقابل يرى أنه “لما يخترع البشر وسيلة لفرز الأخيار أفضل من الاستماع لشهادة الناس فيهم. وفي ديننا الحنيف مبدأ التعديل والتجريح. “كيف نعدل العلماء والمعلمين ؟” سؤال عن الوسيلة”[61]، ومبرر ذلك عند الإمام “وإنه لآكد من عدلية الشاهد عند القاضي عدلية من نستأمنهم على فلذات أكبادنا وعلى مستقبل الأمة. كيف يشهد فيهم، وكيف يعاد النظر في صلاحيتهم فإذا كان الأستاذ يطرح هذه التصورات فبالمقابل يعي تماما السياق الذي يفترض أن تندرج فيه هذه الإجراءات الاختيارية من هذا النوع والقبيل التي تنسجم مع تطلعات المجتمع في المحافظة على فطرة النشء من الضياع في أيدي غير مبالية، يقول الأستاذ ياسين: “هذه أسئلة لا تتناسق مع إجرائيات التوظيف الإداري، وامتحانات التأهيل ومباريات الوزارة”[62]. نعم هي تصورات ومقاربات لها “الجواب عنها الجواب الإسلامي (الذي) يأتي في سياق التغيير العام حين تكون المشاركة العامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشورى وحرية الرأي، وواجب النصح أخلاقا يفرضها على الضمير المسلم دينه”[63]. عالم المسجد لا تنحصر أدواره في التعليم فقط بل هو نصير بالأساس لعملية النهوض الحضاري إذ “لا تصفق يد السلطان الإسلامي وحدها حتى تتعرض لها بالاستجابة والتعاون الميداني يد القرآن متمثلة في عالم المسجد، ومعلم الميدان، ومعهما عامة المسلمين وخاصتهم، لهما السلطة الأخلاقية والهيبة والتبجيل والشعبية والمحبة. إن شاء الله. له الحول وله الطول”[64].

المبحث الرابع: روح المسجد وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي

لأهمية المسجد على مستوى الآثار التي تخلفها التربية المسجدية؛ إذ المسجد هو المركز الذي تدور عليه مفاصل الحياة الاجتماعية صدورا عنه وورودا إليه. عرفت العصور الماضية سواء في المغرب أو غيره من البلاد العربية ظاهرة التمحور حول المسجد لأنهم كانوا “أقرب إلى السنة بعمارتهم المسجد يعقد فيه النكاح، وتُعلن الخِطبة، ويخرج منه العريس”[65]، هذه العادات بالمفهوم الشرعي لا بالمفهوم الاجتماعي تشكل في ارتباطها بالمجسد خروجا منه دلالات كبيرة جدا حيث يحمل هذا السلوك الاجتماعي دلالة التأسيس على أساس التقوى المتين. ولأهمية هذا السلوك الاجتماعي يقول الأستاذ المجدد آملا أن ترجع هذه العادات في دولة الإسلام  حيث “تعود إلى المسجد مركزيته في دولة الإسلام ووظائفه. في بنايته العامة وما حولها من مرافق”[66]. لا يزاحم المسجد إلا السوق ومنطقه، هذا المنطق الذي حور حياة المسلمين وحولها وجعلها لا تقيس السلوكات إلا بقيم السوق ومنطقه. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعود للمسجد مركزيته في دولة الإسلام إلا إن هيمنت قيم المسجد على مفاصل الحياة العامة. مدخل رئيس هو تغيير القيم الموجهة داخل المجتمع، يبدأ من تغيير مراكز الحياة بحيث يتم “تركيز الحياة اليومية على المسجد بحيث يكون الهامش هو السوق، والمسجد هو القبلة لا المصنع، والوقت وقت الصلاة”[67]. أولى القيم التي تعيدها مركزية المسجد هي المساواة بين المواطنين حيث تلغى الفوارق الطبقية النفسية قبل الفوارق الطبقية الاقتصادية صف الصلاة والمساواة أمام رب العالمين والشعور الحقيقي بالعبودية بعيدا عن كل الاعتبارات المادية، كل هذه المشاعر يفترض أن تتحقق بمجرد الورود على بساط المسجد وفي صف الصلاة مع المصلين المتوجهين بصلاتهم لله رب العالمين. “كانت الصلاة في المسجد وسيلة لتعارف المومنين وإزالة الحقد والغل في قلوبهم وهدم الفوارق الاجتماعية فيما بينهم وتبادل المنافع فيما يعود عليهم من خير”[68] على رأي احد الباحثين  المعاصرين، ويضيف ممعنا في التأكيد على أهمية الأبعاد العملية في مقاربة قضية المساواة بين البشر قائلا:”ان الدعوة إلى المساواة والإخاء البشري لا تخرج عن كونها نظريات إذا لم تطبق عمليا في حياة المرء وفي تفكيره”[69]. هكذا يكون اللقاء في المسجد لقاء يحمل إلى جانب الوحدة التعبدية معنى الوحدة والمساواة الاجتماعية، فلا فضل بين مواطن وآخر إلا بالتقوى والتقوى محلها القلب كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأساس هو المساواة كيفما كانت وضعية الإنسان الاجتماعية وظروفه الاقتصادية، وكذلك الاستواء في صف الصلاة  في المسجد من شأنه أن يزرع في نفوس الأغنياء الإحساس بما يعيشه ويعانيه إخوانهم في العقيدة من المسلمين ذوي الحاجة والفاقة بخلاف من شرد بأنانيته وعجرفته وتكبره عن صف الصلاة وعن الصلاة من الأساس أنى له الشعور والإحساس بما يعانيه المسلمون الآخرون ممن ليسوا مثله رفاهية ورخاء، يقول الأستاذ ياسين: “المسلم الحق يصلي، ويؤديها في المسجد مع جماعة المسلمين أينما حل وارتحل. فهو مسلم في مسجد الصين ولو كان زنجيا. إخوانه هم المسلمون الصينيون الذين معه في صف الصلاة”[70], فعلى بساط المسجد تذوب كل الفوارق اللونية واللغوية والعرقية، تذوب تحت وحدة العبودية لله تعالى، ثم بعد ذلك لا ضرر ولا ضرار في اعتزاز ثانوي لا يشوش على الانتساب الأصلي الذي يفترض فيه أنه مقدم على جميع الانتماءات مهما كانت طبيعتها. هكذا يكون المسجد عاملا أساسيا من عوامل تذويب عناصر الفرقة وكسر أسوار الانتماءات الضيقة اللونية واللغوية والعرقية التي تفرق أكثر مما تجمع، تُضعف أكثر مما تقوي، في الوقت الذي تحتاج فيه الأمة إلى مزيد من عناصر القوة بعدما أنهكتها عوامل الضعف والفرقة وتطاول عليها أمدها قرونا عديدة. كما أن الإسلام يدعو أهله انطلاقا من البساط المسجدي إلى الانفتاح على الإنسان كل الإنسان باعتبار مخلوقيته لله تعالى وباعتبار معناه، بخلاف الانتماءات الضيقة التي تدعوه إلى الاقتصار على ذاتية الإنسان وطينيته وشتان بين الطين والمعنى.

يعتبر الأستاذ ياسين أن السعي إلى المسجد هو من جملة السلوكات الاجتماعية؛ يعطي لحركة الإنسان المومن إلى المسجد بعدا اجتماعيا تخرجه من التصور التقليدي لمعنى العبادة والعبودية التي ترتد بصاحبها إلى زوايا الانقباض والانكماش، وهو تصور حركي للإسلام يختلف جذريا وكليا مع التصور السكوني للإسلام الذي يتجلى أول ما يتجلى في عدم الاهتمام بقضايا المسلمين وبمعاشهم اليومي يقول الأستاذ: “على المسلم والمسلمة في كل يوم تطلع عليهما فيه الشمس إلزام بالمشاركة في العمل الاجتماعي، أهمه المشي إلى المسجد للصلاة حيث تنعقد خمس مرات في اليوم أواصر الأخوة”[71]. فهذه الأخوة المفقودة المنشودة التي يُضَغضغ بها الشعور والإحساس وتبقى حلما في الأذهان، وتناجي عواطف وأحلام المحرومين المقموعين، وتبقى خطابا نظريا رغم كونه مستلهم من الإسلام الشريعة والعقيدة  لابد وأن تتلمس طريقها العملية ابتداء من العلم التعبدي الذي يعتبر  “المسجد هو مرتكز ترابط جماعة الإسلامية وهيكلها المادي الملموس فلا تكتمل الجماعة إلا بمسجد يربط بين أفرادها بعضهم ببعض”[72].

هذا التصور الذي يطرحه الأستاذ ياسين يسعى في العمق إلى إعادة صياغة الروابط الاجتماعية وإعادة بناء الأسس التي تقوم عليها بحيث يتحول المسجد إلى المركز الذي تتأسس عليه، ثمتمتد ظلال المسجد التربوية والروحية إلى حمل هموم المسلمين والبحث الجاد والفعال عن معالجة قضاياهم عبر “المساهمة في الإصلاح بين الناس، ومساعدة المحتاج، وإغاثة الملهوف، وتيسير العسير على المسلمين”[73]. إن هذا التصور يطرح قضية معانقة المشاكل الاجتماعية؛ إذ الواقع يشهد بعكس ذلك عدا مبادرات متفرقة مشتتة لا يمكنها بدلالتها الرمزية أن تحل معضلة كبرى كمعضلة الفقر، ناهيك عن المبادرات الانتهازية تجاه الفعل الاجتماعي التي تفضي في صورتها الاستغلالية إلى إفراغه من المضمون الإيماني التكافلي وتزج به في أتون الاستغلال السياسوي.

إن محورية المسجد التي تقتضي تكاثف الجهود بذلا وعطاء وتنظيما من شأنها وحدها أن تعيد الاعتبار للدور الفعال للمسجد حين يكون منطلقا لعلاج ما فسد من علاقات اجتماعية وعلى رأسها التفاوت الفاحش في ظروف العيش ومستوياته. هذا الدور المفترض للمسجد ولتربيته أن تقوم به لا بد وأن يجد له انعكاسا في تربية الدعاة من جهة الوعي، لكن كيف بهم إذا خرجوا من محراب التربية و “من مسجد تربيتهم ومجالس إيمانهم إلى مجتمع يعج بالخرافات، ومقدسي الخرافات، ودعاة الزنا على رؤوس الأشهاد؟”[74]. يشير كلام الإمام هذا إلى قضية التناقضات التي تفرض نفسها بين التربية المثالية أو التربية على المثاليات والمبادئ السامية في إطلاقها دون أن تتسلح بأدوات التنزيل والتكييف اللازم لكي يتجنب من يتربى صدمة “الفجوة الأخلاقية” والهوة القيمية. سؤال ملح يتعين على الدعاة أن يعيدوا صياغته من أجل نشر قيم الفضيلة و قيم التكافل والتعاون والتآخي في المجتمع بدل تفشي قيم الأثرة والأنانية والفردانية، حيث “في المسجد يعرِض هذا على الفقيه والواعظ والأخ الناصح مشكلةً يجد لها رأيا، ويُلمِّحُ هذا لحاجة فيأتيه العَوْنُ، ويمرَض ذاك فيدلِفُ إلى بيته الإخوان، ويتَأَيَّم هذا فيجد من يُزوجه، ويُرَحَّل ذاك في تجند من يدبر له مأْوىً، ويحمل جنازة بيت الآخر مومنون متطوعون”[75]. كما وجب تصحيح الاعتقاد الخاطئ في حق الدعاة و”من يظن أن الخارجين من المسجد لتطهير الساحة هم ملائكة نازلون من السماء، بارئون من كل عيب”[76]. وهذا خطاب تأسيسي لنظرة المجتمع للدعاة و تنبيه لهم ألا يقدموا أنفسهم على أنهم ملائكة الرحمن النازلين من السماء المعصومون الذين لا يخطئون لأن ذلك تغليط وأي تغليط يعرض مشروعهم للفشل، ثم “إنما هم بضعة من ذلك المجتمع الذي كان من حين في سرد مظاهر دائه. أبناء بيئة وبناتها. يتكون من خلال جهادهم في نشر الدعوة، أنفسهم موضوع للعلاج أثناء غشيانهم الساحة”[77]. فهذا تحذير لكيلا يظن الدعاة القادمين من مسجد التربية بأنهم استعلوا وتجاوزوا مرحلة التربية وأنهم أصبحوا أساتذة للمجتمع ومربوه، بل هم معنيون بالتربية في المقام الأول. ومن خبرة الأستاذ ياسين بالميدان يصف الحالة وصفا تشبيهيا دقيقا من طرف خفي حيث يقول:” إذا كان الفاحص يستر وجهه لكيلا يرى المصاب على حالة مرضه، وكان المعالج يرى المصاب وعلى عيني المعالج منظار ملون بلون الورد لكيلا يلوث بصره بلون القيح فيضطر لتلويث يده وثيابه. وإذا كان التشخيص خطأ أو مغالطة للنفس، فالعلاج شعوذة مهما كان الدواء الموصوف ناجعا في إطلاقه”[78].

إن سؤال الدعوة والإصلاح المجتمعي يقتضي منا إعادة طرح قضية المرأة على بساط السؤال والمذاكرة وذلك لأن الحديث عن الإصلاح في غياب الحديث عن المرأة إلى جانب الرجل لهو ضرب من التيه وسوء التقدير لمكانة المرأة ودروها في عملية الإصلاح الاجتماعي و دورها في إعداد وتنشئة “الجيل القرآني المسجدي”. يعيد الإمام المجدد طرح هذا السؤال في أفق إحياء التصور النبوي لموقع المرأة في خريطة المجتمع المسلم، و في المسجد على وجه التحديد إذ يقول متسائلا: “هل تدخل المومنات في جامعة المسجد مع إخوانهن المومنين، أم هن فيه ضيفات ناسكات هامشيات، يحضرن الجُمَع ثم يرجعن إلى بيوتهن ليَقبعن فيها. تُلْغَى شخصيتهن، ويشطب على رقمهن في عالم الأحياء من الجمعة إلى الجمعة، ويحاصَرْنَ في علاقات التفاهة؟ “[79]. إن هذا التساؤل لا يخفي النقد المباشر لما آل إليه وضع المرأة في ظل زمن الانحطاط الاجتماعي الأخلاقي والاستبداد السياسي الذي أجهز على كل المقومات البنائية للمجتمع المسلم والشخصية المسلمة حيث انحدر الكل ورجع الكل من حيث البناء وطبيعة العلاقات الاجتماعية إلى نقطة ما قبل البناء النبوي في المدينة؛ حيث ساهم الجميع في حركة المجتمع حسبما تسمح به ظروفه وطبيعته ومقدراته. وبنظرة مستشرفة للمستقبل يتساءل الأستاذ ياسين: “فما مكان المرأة في المسجد وفي معاني المسجد وتربية المسجد، وما حظها من الاسترواح برَوْح المسجد ورُوحه يومَ يطهر الله المسجدَ من الإسلام الرسمي والخطيب الموظف والواعظ البارد والإمام الجاهل؟”[80]. و للإجابة على هذا السؤال يعود الأستاذ ياسين للمرأة التي تربت في حجر النبوة ليواجه به الفقه المتحجر ويدفع به في وجه باطل الفهم المتبلد لنص الوحي أو “الفقه المنحبس” بتعبير الإمام نفسه، الفقه الذي لا يرى في المرأة سوى ذلك المخلوق الذي يجب حبسه في البيت. إن إثارة هذا الإشكال يكتسب مشروعيته أولا من ضرورة إعادة الفهم وبناء الوعي لهذه القضية على أسس القرآن والسنة والسيرة النبوية العطرة للدفع أولا في وجه الأطروحات الحداثية التي ترى في الإسلام وشريعته المسؤول الرئيس عن وضعية المرأة وما آلت إليه في القرون المتأخرة. وهذا لا يعفينا من القول  بضرورة إعادة النظر في الفقه الموروث المؤثث منذ نشأته بمعطيات قرون الاستبداد وتسلط السيف على الرقاب وفي مقدمتها رقبة العقل الفقهي المسؤول عن الفتوى لتأطير حركة الفرد والمجتمع والدولة على السواء. و مما ترسخ في سلوك الصحابة ويتعين إحياؤه من جديد هو أن المسجد كان دائما “جامعة شعبية يلقى فيها الدروس والمواعظ للرجال والنساء على السواء يأخذ كل على قدر إمكاناته الذهنية واستعداداته الفكرية ولكل منهما الرجل والمرأة الحق في السعي إلى المسجد”[81]. ولم تكن المرأة كما مهملا يتفرع لهموم البيت بأبعاده الضيقة لا تحضر المسجد ولا ترتاد فضاءاته، بل “كان للمرأة دور مميز في حضور المسجد ومشاركة الرجل في أداء العبادة والاستفادة من وظائف المسجد كما يستفيد منها الرجل على حد سواء”[82].

لقد كان المسجد بالنسبة إلى الأستاذ ياسين هو المنطلق الذي يمكن من خلاله تجديد الفهم لقضية المرأة؛ إذ قدم نموذج السيدة عائشة رضي الله عنها من خلال مشاهدتها للحبشة وهم يلعبون بالمسجد، وبين كيف أن اللعب الحبشي هو قنطرة عابرة من المثال إلى الفهم والتمثل الصحيح لقضية المرأة. وتزداد القضية أهمية عندما يكون المشرع الأول حاضرا شاهدا يتابع ويعاين المشهد في جو ومناخ تأسيسي تأصيلي تشريعي يفتح للمسلم آفاقا لإعادة تشكيل الوعي وممارسة عملية النقد للتصورات الموروثة عن فقه الانحباس. يقول الإمام المجدد: “كيف تربت هذه الفذة من نساء الإسلام؟ تلك الشابة التي كانت تحب اللهو فيقف لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تشبع نهَمَها من الفُرجة على الحبشة وهم يلعبون في المسجد، كيف نشأت؟ كيف ترعرع إيمانها؟ كيف انفعلت مستبشرة مُنزجرة بآيات الله تتلى طرية في بيتها؟ نقرأ ملابسات ذلك التنزيل الحي عسى أن يتجدد لنا بالمحاذاة والإتباع إيمان، وتتحقق لنا توبة، وتسمو لنا همة، وتُقْلِع لنا إرادة من حضيض حب الدنيا والشهوات إلى أوج اختيار الله والرسول والدار الآخرة[83].  يتابع الأستاذ ياسين المشهد متعقبا إياه بالأسئلة الاستفزازية التنويرية التحريرية التوجيهية لمن لم تتسن له فرصة الحضور لزمن التشريع غضا طريا، أو فاتته فرصة اللقاء بالفهم السليم للقضية قائلا: “أفتحتاج الدلالة اللفظية في حديث البخاري عن الزوج تتفرج وعن الأَمة تقود الإمام الأعظم باليد إلى استنباط وتأويل وشرح؟ في متناول كل مسلمة لها نصيب من العلم باللغة أن تقرأ النص وتدرك معنى حبشة تلعب، ومعنى المسجد، ومعنى زوج تتكئ على منكبي زوجها، ومعنى جارية تحرص على اللهو وتتفرج حتى تسأم والزوج صابر لها موافق راض”[84]، ولنا أن نتساءل عن سبب تخصيص المرأة المسلمة بهذه الأسئلة من طرف الإمام ياسين فلعل الخطوة الأولى في هذا الصدد هي كسر قيود الجمود وبعث روح الإتباع  للنص والسيرة النبوية ولأهل بيته عليه الصلاة والسلام يبدأ من إعادة تشكيل وعي المرأة بذاتها وحدود الحلال والحرام والمباح والمندوب والمكروه فيما تفعل وتترك، إن هذا النص مفعم بروح المساءلة والنقد والخلخلة للتجربة التاريخية لسلوك المرأة ابتداء من الفهم ومرورا بالتنزيل المتفاعل مع عناصر شتى  إما ممهدة له أو مهددة له. دلالة أخرى لا تقل أهمية عما سبق هي كون المشهد تجري أطوراه التي يختلط فيها ما هو لهو بما هو تشريع في مكان هو المسجد بكل ما له من دلالة إيمانية تعبدية واجتماعية سياسية، وتجري أطوار المشهد في سياق تغمره روح المسجد وأخلاق المسجد وغايات المسجد الجهادية والترويحية. إذن هناك امتزاج بين الغايات بشكل تكاملي لا يغلب بعضها على البعض الآخر وكل هذا يجري في جو مفعم بروح المسجد. إن الاختلاط في الرؤية منشأه هو الفهم التسطيحي الذي لا يتصور الأشياء إلا من خلال المقارنة مع النماذج الطاغية التي تبسط منطقها وفلسفتها الموجهة لها، لذلك يأتي الحكم منحبسا في بعض القضايا من جراء التأثر والانفعال بهذا الموقف المتشنج الرافض للحق، لوجود صورته على نحو مخالف لما تمليه غيرة العقل الفقهي على الدين، في حين أن الواقع هو مجرد اشتباه وتشابه بين أمرين في الصورة لا في الحقيقة وقس على هذا باقي القضايا التي تقابل بالرفض المطلق لوجود صورتها واختلاف منطقها ومنطلقها. أسئلة ودلالات مطروحة على بساط الفهم والعلم عساها تستفز العقل الخامل الخامد تحت الموروث الفقهي لأزمنة الانحطاط السياسي.

يتابع الإمام المجدد المشهد يتعقبه بكلام تنويري قائلا: “رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الأعظم، الزوج الراعي المعلم الذي يسن للأمة ويوصينا ربّنا عز وجل أن نتخذه أسوة حسنة، هاهو ذا تتكئ الزوج المصونة عائشة على منكبيه، وتتفرج على حبشة يلعبون. وأين؟ في المسجد. ثم لا تنتهي الفرجة بملل الزوج الرسول القدوة حتى تكون الزوج الحريصة على اللهو كما أخبرت عن نفسها في حديث البخاري هي التي تسأم. هكذا تُعامل أم المؤمنين وعليها ما ليس على النساء”[85]. ثم بعد هذا النموذج يطرح الأستاذ المجدد نموذجا آخر يخاطب به العقل المتحجر من كلا الجانبين سواء بسواء، رجلا وامرأة، نموذج يعيد النظر في علاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل من حيث تواصلهما في قضية من قضايا الشأن العام أو الشأن الخاص، في إطار روح المسجد حيث يقول الإمام المجدد: “كل مسلمة في متناولها أن تدرك معنى أَمة، ومعنى تأخذ بيده، ومعنى تنطلق به أينما شاءت. وهو أمر آخر غيرُ مصافحة الرجل للنساء التي ورد الحديث الصحيح بمنعها”[86].

فهذه نماذج يقدمها الإمام المجدد لتجديد الفهم ولبناء موقف نقدي، أو موقف ابستمولوجي بلغة العلوم الإنسانية، موقف نقدي يتخذ مسافة لازمة من الموروث التاريخي المتراكم عبر القرون لكي يعيد للعقل علاقته المتجددة بالأصل التشريعي القرآني السني، أو على الأقل لإعادة طرح السؤال من جديد، ويؤكد الإمام المجدد في الكتاب نفسه -تنوير المومنات- على أن القضية ليست مطروحة للاجتهاد بل الأمر مطروح لاجتهاد التنزيل والفقه والعمل بالأساس. إن المعضلة لا تكمن في وجود الفقه المتنور المتحرر من غلواء التقليد وغلو الجمود بقدر ما ترتبط المسألة في بعض الأحيان لا في غالبها بمن يقول هذا الحق/الفقه الوارد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف يقوله وهو المعول عليه في ضبط التوازن الاجتماعي واستقراره، فما تفيد جعجعة  تهدم أكثر مما تبني. يقول الأستاذ المجدد بتبصر: “فبأي إقدام حكيم تخاطب أصناف البشر دون أن تتخذ نغمة توفيقية متنازلة منهزمة، دون أن تعدُوَ وتتشنج وتمزق أحشاءك كمدا وعجزا ؟ ولعل في القوم قلوبا كبيرة لا تكون معها البلاهة، بل النباهة وقبول الحق إن نطق بالحق حكماء”[87].

إن المسجد مفهوما ودلالة ومكانا يشكل نقطة أساسية في تصور الإمام لإعادة بناء الوعي والفهم والفقه في العديد من القضايا الاجتماعية. ولعل هذه الخاصية الفكرية المنهاجية ذات مسحة تجديدية.

هناك قضية أخرى لا تقل أهمية عما سبق، وهي قضية الفنون وما يتعلق بها من مفاهيم الجمال، التي أصبحت تحتل مكانا بارزا في قيم المجتمعات، بل أصبحت عنصرا هاما موجها للذوق العام، و تستدعي بلورة خطاب فني جمالي يكون مُعبرا عن أشواق الإنسان الحقيقية في جميع أبعادها المادية والمعنوية ومَعبرا إلى استعادة السؤال حول قيمه الروحية. إن هذا الوعي راسخ ومتمكن في فكر الإمام المجدد إذ يقول في هذا الصدد: “دولة القرآن تدخلُ حربا شاملة مع الجاهلية منذ إعلان قيامها، ومن واجهات هذه الحرب الإعلامُ بكل أسلحته. فمَنْ كان يظن أن بوُسْعنا أن نُسْكِتَ كل نأْمَةِ لنترك المجالَ للمنافس الهاجم على أمواج اللاسلكي واللازر والأقمار الصناعية فإنما يريد لنا الهزيمةَ. ودع من يسارعُ إلى الاتهام بالترخص والتهاون في الدين حتى يأتينا الله وإياه بوُسْعِ من كان يستمع إلى “بانت سعاد” في المسجد ويُثيب عليها ويكافئ. صلى الله على من علمنا أن هذا الدينَ يُسرٌ. ثم هاكَ الفقهَ”[88]. “بانت سعاد” بكل ما تحمل من دلالات العشق الآدمي والهمس في أذن مركز الفتنة الدنيوي الأنثوي والابتلاء الخلقي التكويني يقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. من جديد يطرح الإمام المجدد المسجد حاضنا وفاعلا بروحه في كل مفصل من مفاصل الحياة في كل أبعادها وجميع مستوياتها. إنها معركة البقاء أو الفناء حين تكون الأرض التي تجري عليها الحرب بين الحق والباطل، هي أرض المفاهيم والأدوات المنهجية للتحليل والقراءة وإعادة البناء من جديد، إنها الجرأة الاقتحامية التاريخية لتجديد مفهوم المسجد وروح المسجد وجعله أداة منهجية منهاجية للتحليل والفهم والفقه والفتوى، جرأة وشجاعة تخرج بالخطاب الإسلامي من عنق زجاجة التقليد لأطر التفكير وأدوات التحليل الواردة إلينا من الثقافات الأخرى والسياقات الحضارية المغايرة. إنها رحلة البحث عن الأصالة والخصوصية التداولية بمنطق مفهوم “المجال التداولي” وبمنطق مفهوم “المقام التداولي”[89] معا. معركة تجديد وإعادة الروح إلى المسجد الحاضن المربي الموجه المراقب لا مسجد الخمول والنطق بكلمة الزور والتقديس لغير الله تعالى. يقول الإمام المجدد: “وقد جاء كعبٌ بنُ زهير رضي الله عنه تائبا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده في مسجده الشريف قصيدة “بانت سعاد”، وفيها من الغزَلِ ما يضيق به المُتَزَمِّتُ لولا أنه صح أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه وخلع على الشاعر التائبِ بُرْدته على عادة العرب فيمن يمدحهم. وكان لهذه البُردَةِ تاريخ يشهد لمكانة الشاعر المدافع عن الإسلام، المادحِ لدين الله ورسوله”[90]. هذه المواقف تشكل أرضية خصبة مناسبة لبناء وعي متجدد يكون المسجد هو محوره وغايته ووسيلته و”على هذا نقيس كل ما من شأنه أن يؤثر من قول بليغ، أو خُطبة فصيحة، أو تشخيص أو قصص، فكان من الوسائل الضرورية للدعوة”[91]. اللغة المستعملة اليوم في التواصل الثقافي ليست لغة واحدة بل هي لغات لا تمثل فيها الكلمة إلا جزء يسيرا من لغات التواصل اليوم، ولكل زمان بيانه إن لم يكن الدعاة على قدر كبير من النباهة والإدراك للغة العصر وبيانه فإن الدعاة سيغردون خارج سرب المجتمع بكل تأكيد، وإن كانت لغة الكلمة تجد لها صدى في أذان وقلوب البعض مكانا، فليس من الضروري أن تجده عند البعض الآخر. هذه اللغات تأخذها بحذر وتمكن واستشراف يد الدعوة من حيث كونها وسيلة خادمة لها ولأهدافها ما لم تعارض قاعدة أخلاقية مقررة، أو أساس شرعي قطعي لا مجال فيه للظن.

المبحث الخامس: روح المسجد ونقد الثقافة السياسية اللائيكية

لا يجادل عاقل ملم بأدنى المعطيات التاريخية في أن العقل السياسي العربي المعاصر قد صيغ وفقا لمنطق غربي بخلفية استعمارية استكبارية. فليس من الغرابة أن يتجاوب بعض بني جلدتنا مع المخططات الاستعمارية المباشرة و غير المباشرة. ينطبق هذا على النخبة السياسية المتسلطة على رقاب معظم الشعوب الإسلامية، “الاستعمار الخارجي والداخلي الذي لا يقيم وزنا لشيء يسمى الدعوة ولشـيء يسمى المسجد ومؤسسة المسجد إلا أن يكون المسجد مربضا للراكعين الساجدين الرعيّة المسلوبة الحق”[92]. ولعل في هذا إشارة قوية إلى مسألة غاية في الأهمية وهي كون الثقافة السياسية التي يفكر ويتحرك بمقتضاها العقل السياسي العربي هي ثقافة غريبة عن البيئة العربية بكل معطياتها الدينية والاجتماعية والحضارية، وفي هذا إدراك للتناقض الحاصل بين بنيتين مختلفتين وكذلك يفسر هذا حجم الإخفاق الكبير الذي ينعكس جراء توظيف بنية ثقافية سياسية في بيئة تختلف عنها تمام الاختلاف. لقد أدرك الاستعمار الغربي أنه من المداخل الأساسية لبث روح الشلل في جسم الممانعة والمقاومة هو القاموس السياسي التداولي وتغيير بنيته ومفرداته وعلى رأسها الصلاة والمسجد والإيمان بالله واليوم الآخر، وقد انخرط في هذا المسلسل نخبة مغربة ابتلعت الطعم ظنا منها أنها تعمل على تحديث القاموس، فإذا هي وسيلة لتخريب النسيج الاجتماعي السياسي ابتداء بتخريب بنيته الاصطلاحية، يقول الأستاذ ياسين متحدثا عن هذه الاستراتيجية: “ارتطم الاستعمار بالذاتية المسلمة فوجد مقـاومة باسلة رغم غثائية المسلمين التي جعلتهم قَصعةً تُؤكل، جعلت فيهم قابلية الاستعمار ثم تمكن العدوّ في بلاد المسلمين، فعمل رُويدا رُويدا بالقهر تارة وبالكيد أخرى على تطوير سياسة فصل الدين عن الدولة وفصل الشرع عن القانون ليبقى السلطان خالصا له، ولينزويَ الشرع في خانة “الأحوال الشخصية”، والقرآنُ في ركن المسجد، لا تحركُ تلاوتُه ساكن الانقياد السياسي للحاكم الكافر”[93]. فإذن مكان ومكانة الشرع بما هو مفاهيم أولا وبما هو قوانين في المقام الثاني كانا هدفا للتخريب الاستعماري. لكن نحتاج إلى رحلة فكرية أبعد غورا لأجل الوقوف على حقيقة العقل السياسي الغربي وبالتبع العربي الذي يسير في ركابه، يقول الإمام ياسين متحدثا عن نشأة وولادة العقل الغربي مقارنا بينه وبين العقل الإسلامي: “هكذا ولد العقل المسلم في فناء الكعبة، في المسجد الحرام. وهكذا بدأ تاريخ الإسلام وتاريخ العقل الإسلامي. ولد العقل المسلم في المسجد، وولد العقل الفيلسوف في الساحة العامة. في ساحة المشائين اليونان على جوانب الأكورا”[94]. إذن نحن بصدد مسارين مختلفين لا مجال للقاء بينهما على صعيد المنطلقات البنائية والغايات الاستشرافية، فإذا كان الأول يستند في منطقه ومنطلقه على الوحي والخضوع الإرادي لله تعالى ويمتح مقتضيات الهداية من أسبابها الشرعية المعلومة من نص الوحي، فإن الثاني ولد في الساحة العامة حيث تضرب البشرية بثقلها المادي و أطنابها الفكرية، ولا آفاق ترجى من وراء ظلمانية الجسد البشري والعقل المتخرص في الآفاق البشرية المرتد إلى جسمانيته. يسجل الإمام المجدد الاختلافات الجوهرية بين العقلين فيقول: “بدأت من المسجد بمكة ومن الساحات العامة بأثينا وروما مسيرتان للعقل البشري. وكان للمولودين شأن في التاريخ، هو نفس الشأن الذي نحن بصدده”[95]. يعتقد الإمام ياسين من خلال مقاربته للقضية السياسية أن الباب الصحيح هو بيان المولد والنشأة لكل من الأصلين السياسيين حيث يقول :”لا خلاص لنا من أوهام السياسية والحداثة والعقلنة وإعلانات حقوق الإنسان ما لم نتبين بالفحص المعمق أي إنسان هو الإنسان، وأي حق هو الحق لدى هذا المولود وذاك”[96]. فإذن تحليل وتفكيك بنية العقل السياسي العربي المعاصر وفهم حالات التقاطب الفكري السياسي يبدأ من هناك من تحليل ظروف النشأة ورصد سياقات التطور والتشكل التي أفضت إلى ما نراه اليوم. نعم “خرج العقل المسلم من المسجد إلى الساحة، ودخلت الساحة في العقل الآخر دخولا متمكنا. فلما جاءت النصرانية إلى روما وأثينا وسائر ديار الغرب وردت والمكان عامر بالساحة وعقلية الساحة. زاحمت النصرانية لتتصدر الحياة، فلم يتأت لها شيء من ذلك إلا بعد أن أوسعت للحضارة الفنونية اليونانية وللفلسفة الآثينية وللعقلية القانونية الرومانية، ورحبت بها واحتضنتها، واتخذت منها آلة ولباسا وهيأة ومظهرا. واحتضن الوحي الإنسان المسلم، وكيف آلة العقل المعاشي، وصبغه بصبغة الله”[97]. بدأ هذا العقل السياسي بتحييد الدين من الشأن العام وأصبحت المواطنة على قاعدة الانتماء التاريخي والجغرافي، وأصبح الدين شأنا خاصا “تنمحي شيئا فشيئا نظرة التقدير التي كانت تحيط بالمتدينين. تنمحي، بل يستهان بها، ليعَوّضَ التدين والصلاة قيم أخرى. التحرر من النظرة الدونِ التي يلقيها المغربون على رواد المسجد هو تحرر من مخلَّفات الإعجاب بالرجل العصري الفرنسي الإسباني الذي سكن الوطن زمانا، فلما انْسحب جسما بقيت روحه وعقليته ساكنين فينا، في بعضنا، المنساق لا يزال، المنهزم نفسا، المقلِّد لغالبِ أمسِ الاستعمار وحاضر القوة والثروة والعلوم والمخترعات. منهزم مقلد بحكم قانون تقليد المغلوب للغالب”[98]. إن القصد عند الإمام ياسين هو محاولة تخليص العقل السياسي من عقدة الانهزام أمام الآخر المتقدم ماديا المتخلف أخلاقيا وروحيا، وأولى الناس بخوض هذه المعركة هم أهل المسجد المتصدين لبناء أو إعادة بناء مجد الأمة من جديد لكن على شرط الإيمان وعلى شرط قاموس سياسي قوامه مفردات الإيمان. إنها معركة مفاهيمية لا تقل شأنا عن باقي المعارك الأخرى الحيوية والتي تتصدرها في القائمة معركة غلبة نفس الإنسان الفرد المتصدي لتجديد العمل السياسي وتجديد الثقافة السياسية. إن التأسيس لمشروع إسلامي مستقبلي ينطلق من البحث عن جذور العقل السياسي الإسلامي واستعادته الوعي المستلب بذاته، ويفيد كذلك في تكييف عملية التغيير والبناء مع المعطيات التداولية الخاصة بالحضارة الإسلامية. وأولى تجليات هذه الأصالة هي بناء نموذج للحكم الإسلامي نظري على قاعدة النظام الشوري من حيث المبدأ والسياق فالأستاذ ياسين لم يكن يستعمل الشورى بوصفها آلية لتدبير الاقتراح والاختلاف والحسم في القضايا المعروضة للنظر، بل يستعملها في المقام الأول باعتبارها عنوانا للنظام الإسلامي، بجانب عناوين أخرى موازية ومحاذية لها والتي ضمها السياق القرآني دلالة وتأكيدا على العمق الإيماني لمنظومة البناء السياسي الإسلامي، ولا شك أن أولى هذه العناوين هو المسجد بل هو المحور الذي تدور عليه تلك العناوين. فإذن نحن أمام تشكيل جديد للثقافة السياسية التي تصاغ في المسجد وتبنى بين أركانه وفي مناخ روحانيته وروحه ليخرج العقل السياسي إلى الميدان حاملا لروح المسجد بكل ما تعنيه من دلالات سبقت الإشارة إليها. إن هذه المحاولات الفكرية التأسيسية من قبل الأستاذ ياسين تتأتى باتخاذ المسافة بين الذات والواقع السياسي بحمولته الفكرية والفلسفية في أفق استيعابه وتفكيك مفرداته ومفاصله وغاياته ومنطلقاته في اتجاه نقده ووضعه في مرآة التصور الإسلامي للفكر والممارسة السياسية، القائم على الخصوصية العقائدية والإيمانية والتاريخية والحضارية والاجتماعية.

يعكف الأستاذ ياسين في محراب النقد وتقليب النظر في مفسدات التصور الإسلامي بحثا عن الحصانة والأصالة، لبناء موقف ابستيمولوجي يعيد النظر في المفاهيم والشعارات السالبة المدعومة بالسلطة والإعلام، تصحيحا وتقويما  وتنويرا وتحريرا للعقل المسلم وتنبيها له من الوقوع في شراكها. يقول الإمام ياسين متحدثا عن شعار تخليق الشورى: “ينادى بتخليق الشورى لتسلم الشورى من المعايب، ولتصلح للناس معايشُ، ولتتوفر للناس شروط تعايش. لا غير. وإذا بالوضع مقلوبا مسلوبا. الدين لصلاح الدنيا، والأخلاق لسلامة المعاملة بين الناس. وإذا نحن قد اقتربنا مسافات من شعار اللائيكية. الدين لله والوطن للجميع. الدين لله والديمقراطية للجميع. ما بين هذه و”الدين لله كي يسلَم المواطنون وتضمن حقوقهم” إلا لفظة أو لفظتان، وما بين إسلامية تخَلّق الشورى بالتربية المسجدية من أجل سلامة دنيا الناس لا غيرُ إلا خطوة أو خطوتان.”[99]. هذا الوعي واليقظة الواضحان في فكر وتنظير الإمام ياسين يضعان أمامهما هاجس الذوبان في الثقافة السياسية السائدة فإذا التصور الإسلامي ضائع في أتونها. إن شدة النقد وحدته في بعض الأحيان من قبل الأستاذ ياسين تكتسب مشروعيتها مما فعلته وتفعله الثقافة اللادينية بالعقول. يعبر عن هذه الحقيقة بقوله: “أينما ولّيْنا وجدنا ما فعلته اللاييكية بعقولنا وتفعل. في شريعة الله صلاحٌ لدنيا الناس، لا شك في ذلك ولا مراء”[100]. ولا مراء أن التوازن هو ديدن الإمام ياسين في كل الأحوال فلا الرغبة في تحقيق روحانية الإنسان ومعناه تمنعانه من الاهتمام بجانبه المادي، لذلك فإن حدة النقد هذا لا تمنعه التوازن الفكري التصوري المطلوب. إنه النقد الهادئ القوي المتوازن غير المنفعل. هذا التميز لا يحرص عليه الإمام ياسين فقط في الفكر والتصور، بل هو صنو الممارسة أيضا إذ نجده يبحث عن الوضوح وأول ما يبحث عن وضوحه هو معنى كلمة مسلم، وما معنى كون الإنسان مسلما، يقول الإمام ياسين: “كما يحرص الفضلاء الديمقراطيون بربرا وعربا وتركا وفرسا على اللف والدوران في قاموس المصطلح السياسي، نحرص نحن على توضيح المبهَم من الدين لنعلم ما المسلم، وما العلم الذي به نكشف عن وجه الناس لنعلم من هو المسلم، ومن هو منا، ومن هو من غيرنا. نعرف هل هو مسلم أو غير مسلم. كيف نشهد لأحدهم بالإسلام ونزكيه فنصوّت له ونرفعه إلى سُدَّة الحكم وهو لا يُرى أبدا في المسجد !تصرفنا بجهل إن فعلنا. خُنّا العهد المسجدي. إنما نشهد لمن هو منا، ونزكي المسلمين المؤمنين”[101]، إذن نلاحظ أن المسجد حاضر دائما في البناء العقلي الفكري، وحاضر في البناء السلوك، وحاضر في معايير التقويم وتزكية الشخص أو الأشخاص الذين نريد أن نعطيهم فرصة حكم رقابنا نحن المسلمون, حاضر لمعرفة من ينتمي إلينا ومن هو دخيل متسلط على الرقاب بقوة السيف. إذن المسجد محوري في بناء وتركيب العملية السياسية ابتداء من التصور وانتهاء بالحكم وممارسة السلطة. إذن المسألة اختلاف جوهري بين نظامين عقليين واختلاف بين نظامين سياسيين، فالنظام الشورى لا يمكن صياغته بعقلية لائكية منفصلة عن جذور النظام الشوري وأصوله وسياقه، لأن العقل المسلم والقاعدة الاجتماعية المبنية على أصول إسلامية بإمكانهما وحدهما صياغة وتطبيق النظام الشوري، هذه أولى معالم نظام الحكم الإسلامي الشوري، وهذه أولى نقاط الاختلاف بين المسارين السياسيين الإسلامي واللائيكي، يقول الأستاذ ياسين عن القاعدة لبناء النظام الحكمي الشوري وما الآلية الممكنة لجمعهم على المشروع الشوري:”لن تجمَعُهم وتصوغ منهم القاعدةَ الحيةَ للشورى إلا تَربيَة المسجد، تجمع الجهود المبعثرة، وتقرب الشُّقة بين المتفاوت، وتُكَتّل وتُجَمِّعُ وتُجنِّسُ وتؤلف المتنافر المتناقض والمتباعد. من وراء المستضعفين الطبقَةُ الوسط المؤهلة بما لديها من معرفة محصَّلَةٍ وخبرة وإمكانيات، تجيءُ مع المستضعفين لتتجانس في بوتقة الإيمان. والموعدُ المسجدُ”[102]. فإذا كان لكل نظام سياسي قاعدته فان قاعدة النظام الشوري هو التكتلات الإسلامية الذين تجمعهم تربية المسجد ومن وراءهم الطبقة الخبيرة بتدبير شؤون الدولة والموعد المحدَّد المحدِّد الجامع هو المسجد في صف الصلاة. إن بنية النظام السياسي الشوري لا ترتكز فقط على العلاقات المؤسساتية القانونية كما هو الحال في بنية الأنظمة اللائيكية، بقدرما  هو نظام يرتكز على الأبعاد التواصلية القائمة بين العقول والقلوب معا، التي تبنى داخل المسجد ف”جماعة المسلمين الخارجة من محضِنها التربوي الروحي في المسجد تكتمل في النظام السياسي الشوري. من تحت النظام الشوري تلاحم قَبْلِيٌّ، وتراحُمٌ، وتوادٌّ، وبذل، ومخالَقَةٌ، وحماية للمظلوم، وتناه عن المنكر، وتآمر بالمعروف، وفعل للمعروف، وتكافل اجتماعي، وشعور بالوحدة في الله، وولاءٌ في الله. وكل ذلك دينٌ، وكل ذلك تحْرسه ذمة كل مسلم ومسلمة، ويرعاه حِرص كل مسلم ومسلمة على سلامة مصيره الأخرويِّ من التّبِعات”[103]. المسجد واسطة عقد النظام السياسي الشوري و”ركن مهم من أركان الشورى وسياقها القرآني وشروطها المؤسِّسة. اجتهاد علمي شوري ينير الطريق، و”تخليق” وتربية بالصلاة والتلاوة والذكر. الصلاة ركن من أركان الإسلام، فهي بذلك أسٌّ من أساس الشورى. الصلاة مكانها المسجد”[104]. هذه الثقافة السياسية الأصيلة البديلة عن اللائيكية تقابل بعنف من قبل اللائيكي الحاكم أو المتحزب حيث الكل “يصرُخون من فئة تدخل الدين في السياسة، وتنقُل المعركة إلى المسجد، وتكتَسح الساحة السياسية، وتربح الانتخابات، وتدخل البرلمان”[105]. هذا الاعتراض هو واحد من تجليات الثقافة السياسية اللائيكية الضاربة بأطنابها في العقل السياسي العربي لكن الإمام المجدد يذهب إلى موقف الاقتحام لا الدفاع ليعيد طرح السؤال على الآخر ولا يضع نفسه في موقع المساءلة إذ يقول :”لكن تعالوا أولا نصحِح الخُطى الأولى. أفي مذهبكم هذا المتجدِّدِ فريضة الصلاة؟ إذاً نلتقي في المسجد لنتحدث حديث الوَلاية بين المومنين. أم مذهبكم إسلام فكريًّ نظري فلسفي تراثي؟ إذاً نَذَرْكُم في سِجـالٍ مع نظرائكم في الثقافة المغربين المطحونين، يكفينا منكم أن تتصدَّوا لنظرائكم في الفلسفـة بما معكم من سلاح الجدل”[106]. لا يدع الإمام المجدد الفرصة للآخر الدخيل ثقافيا لكي يهجم بفكره على الفكر الأصلي يفرض عليه السؤال والجواب ومنطقهما يصوره على أنه الدخيل المغترب، وهذا الحذر المنهجي نجده حاضر دائما في سياق المعركة الفكرية وفي سياق إعادة تشكيل الثقافة السياسية والدفع في وجه الثقافة اللائكية عند الإمام المجدد، المعركة التي تحيد الدين عن ساحة التدافع السياسي وتفرض منطقا ولغة وقاموسا سياسيا تتحاكم إليه، وهو الدخيل عن مجالنا العربي الإسلامي. وهكذا يطرح الإمام جملة من البديهيات التي يفترض أن تؤسس للانتماء السياسي وعلى رأسها مفردات الإيمان، ولعل هذا المنطق من شأنه أن يبين ويكشف عن مدى غربة العقل السياسي عن محيطه وعن ثقافته السياسية الوطنية الإسلامية، يقول الأستاذ ياسين: “عندما تنتمي إلى حزب من الأحزاب السياسية التي تعالج الفتنة بأعظم منها لا يسألونك عن عقيدتك ولا عن المسجد والصلاة وسائِر المحطات الإيمانية الجامعة ومنها مجالس الذكر وحلق العلم”[107].  في عرف الثقافة السياسية اللائكية “التكتُّل السياسيُّ اجتماعُ شخصيات مكتملةُ الذات في رأي نفسها، لا يُسأَلُ زيْدٌ وعمرو هل صلى الصبح في المسجد، أو لِمَ رضيَ بمنكَرٍ وسخِط معرُوفاً في نَفْسه وأهله ومجتمعه .أما التحزبُ لله فهو وَلايَةٌ في الله، وتميُّزٌ وتآمُر بالمعروف وتناهٍ عن المنكر في خصوصية الجماعة التي ترشح نفسها لقيادة حكومة أمة”[108]. بخلاف الثقافة الوطنية الأصيلة فإنها تخاطب المواطن وتقول له:”مسلم أنا ومسلم أنت. فالمسجد وصف الصلاة يجمعنا، لا الحانة اللذاتية، ولا مسرح الفن الخلاعي، ولا نادي الإلحاد الثقافي، ولا ميدان الصراع على الهوَيّات والعصبيات : أنا شلح وأنت عربي قبل كل شيء”[109]. يقول الإمام المجدد مخاطبا رواد هذه الثقافة خاصة من لا يقبل احتكار الإسلاميين للدين :”لابد من العودة إلى المسجد لتلاوة القرآن من جديد وسماع الموعظة حتى نستعيد الثقة بالله، ونتعاهد بصدق على التجند تحت لواء الإسلام المقدس. أولسنا جميعا مسلمين؟”[110] .إذن الثقافة السياسية الوطنية الإسلامية هي ثقافة تدل على الوحدة لا على الشتات، ثقافة تدل على الدنيا وعلى المصير الأخروي لا على الشتات والتيه، ثقافة تجمع ولا تشتت. منطق ثقافي سياسي هو قرين اللائيكية “إن طالب بخصوصيات قومية وطنية وهوَية وأصالة لا يعمق السؤال لتستعمل مصطلحاتُه كلمات التوبة والاستقامة والطاعة والانقياد للشريعة”[111]. الثقافة السياسية السائدة لها منطق آخر “وأخلاق مبنية على أساس “المسلمة الدوابية” الإباحية، وفِكر مرجعيته نسبية تعترف أن لا حقيقة هنالك مُطلقة: فلا تقل الله والقرآن والرسل واليوم الآخر والصلاة والمسجد والعهد الذي بيننا وبينهم”[112]  ثقافة دخيلة تفرض على الأصيل الانسلاخ من عقيدته ومبادئه، ثقافة  لا تومن بالاختلاف رغم كونها تزعم أنها مؤسسة على روح الديمقراطية التي تومن بالاختلاف عقيدة وسلوكا. “مؤسسة المسجد (وغيرها من المؤسسات) تلك مجالات رجال الدعـوة. وتلك مواطن تأسيس، بل إعادة تأسيس، دولة القرآن”[113]، فعملية إعادة التأسيس في نظر الإمام المجدد لا تنطلق من الميدان فقط بل من المسجد أولا حيث البناء على أساس متين ووفق تصور متكامل لا يغيب مفردات النظام السياسي القائم على الشورى فلسفة للحكم وآلية للقرار ووسيلة لتدبير الاختلاف. هذا البساط الفكري العملي التأسيسي ليس منفردا بل هو متناسق متسق، ليس بوسع المقتنع به الراجع إلى دينه وإسلامه  بنظامه السياسي حتى يأتيه من بابه وبابه هو تعلم أبجديات الإسلام والصلاة والطهارة  والعمل بها، هكذا يزج الإمام بالإنسان في أولى مراتب الإسلام حتى يعلم المقبل أن الأمر درجات وتعبد وارتقاء ومسؤولية، يقول الإمام ياسين:”أما التائب توبة سياسية، والمقتنع بأن المستقبل السياسي إسلام، وأن عزة المسلمين بغير الإسلام وهم من الأوهام، وأن تعبئة الأمة الإسلامية بنداء غير نداء الإسلام صيحة في واد، فذلك يصعب أن يُصغي حتى يعلَم ويتعلم ما علاقة الطهارة والوضوء بالمستقبل الإسلامي. إن كان يدرك بالحِسِّ السياسي أن المسجدَ الشعبيّ هو المكان لتعبئة الشعب”[114]. هذه التوبة السياسية التي يتحدث عنها الإمام يؤصل لها بمفهوم قرآني هو “الكلمة السواء” ويفصل في هذا المفهوم بقوله :”سماء الكلمةِ السوَاءِ ما بين العبد وربه. توبة واستجابة وإيمان وعمل صالح. أرض الكلمة السواء ما بيني وبين أرباب مستكبرين في الأرض، واجِبٌ عليّ أن أكفُر بهم، وأن أقاتِل بغْيَهم. ولا قدرة لي على قتالهم لأُفرِدَ الله ربي بالعبادة إلا بتحزّبٍ لله يبْني قوة سياسية، قِوامها المستجيبون لله، التائبون إلى الله مثلي، الخارجون من المسجد لمقاومة الباطل، الملتحمون جسداً واحداً بوشائج ما أمر الله به أن يُوصَل”[115]  لكن هذه اللحمة أو الكتلة الرافضة لمنكر التسلط الحكمي تتكون ابتداء في المسجد حيث “تُنسج الخيوط الأولى في كساء الوَلاية بين المومنين، لا تُعوِّض مُبْرَمَ سَداها وتماسُكَ لحمتها علائقُ الزَّبانة السياسية ولا تُقارِب، وحاشا”[116].

إن هذه جولة قصيرة في الفكر السياسي للإمام المجدد عبد السلام ياسين تروم بيان كيفية التصدي للثقافة السياسية  اللائكية، وكيفية الحرص على هدم المفاهيم السياسية الواردة من السياق الحضاري الغربي، وكيف تقابل بالمفاهيم القرآنية الأصيلة نقدا وردا وهدما في أفق بناء ثقافة سياسية أصيلة بديلة تستند في بناء مفاهيمها على القرآن والسنة وجميع المفردات المرتبطة بهما، إما اشتقاقا علميا أو تفريعا عمليا. لا أعتقد أن المقام وهذه السطور تسمح بالاستفاضة في تفصيل جزئيات النظرية السياسية أو حتى في تفصيل المفاهيم السياسية والحراك الفكري الذي تخوضه تلك المفاهيم لبيان التصور السياسي الإسلامي،. وأيا ما كان الحال فإن روح المفاصلة والمزيالة هي السمة البارزة في منطق الإمام المجدد في كل ما نظر له حيث حرص منذ البداية أن يجعل التميز عنوانا له والوضوح شعارا له حيث يقول :”لا نحوم ونتقشّرُ إن أُعْجبْنا بالآلياتِ الديمقراطية، وحريةِ الديمقراطية، ووسَاطَةِ الديمقراطية في حل العلاقات والصراعات الاجتماعية السياسية، ولم نقل كلمة العمق، كلمة علاقة العبد بربه، كلمةَ مصير العباد إلى ربهم، كلمةَ ارتباط الشورى في الحكم بالصلاة في المسجد، كلمةَ ارتباط الزكاة والصدقة بالشورى”[117]. لكن هذا الوضوح وهذا التميز في بناء الخطاب السياسي الإسلامي لا يكفي وحده لحل الأزمة لذلك فإن الأستاذ ياسين يقول: “الذي يُخرج أمة الإسلامِ من الدائرة المغلقة، ومن العُقْمِ والعجز في التطبيق، هي إرادة قوية لجماعة مسلمين أقوياء. إرادة سياسية تخترق الحوافز، قِوامُها وروحُها تَربيةٌ ومسجد وصلاة وعبادات وطاعات. قوامها وروحها وجندها المؤمن والمؤمنة وقد نبتا مَنْبِتا حسنا في مشاتل الإيمان، وتابا إلى الله وعملا صالحا”[118]. ويضيف قائلا :”هذه العلاقات الوثيقة الصادقة المُشارِكة تُؤَسَّـسُ وتُبنى خارج الحلبة السياسية وطيلة الوقت لا في المواسم الانتخابية…تؤَسَّسُ وتبنى في المسجد”[119]. لذلك فإن الحل الإسلامي من المسجد يبدأ كما يقول الأستاذ ياسين.

المبحث السادس: “الثقل الاستراتيجي للمسجد”

     هكذا نطق وكتب الإمام المجدد للدين وهو يرصد مكانة المسجد ومركزيته في البناء المجتمعي المستقلبي لا تلهيه ولا تشغله الأحداث الدائرة رحاها في أزمنة الأزمة عن الانشغال بالتنظير للأفق الموعود النبوي الذي تحقق جزء كبير منه ونعيش الشطر التاريخي ما قبل الأخير في عصرنا هذا، الحديث المعروف الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل والمعروف بحديث الخلافة على منهاج النبوة، كتب الإمام وهو ينظر من “أعالي التاريخ” مسلحا باليقين التام في الموعود النبوي، موقنا بقدرة الله تعالى في كونه وخلقه وبإدراكه للسنن التاريخ في المجتمعات البشرية إخبارات  تحققت وأخرى ندب الإمام نفسه ليكون مجددا لها بل ابتعثته العناية والقدرة الإلهيتين لكي يضع معالم و صوى البناء المستقلبي ويحدد طرائق الاستعداد لها دون أن تحجبه عن تلك النظرة مدلهات الأحداث اليومية. كتب يقول متحدثا عن مركزية المسجد في بناء المجتمع الإسلامي ومكانته بين المسلمين وأولويته لدى القيادة المسلمة يقول:”لقد دشن النبي صلى الله عيه وسلم عهد الهجرة بالمدينة ببناء المسجد، وساهم في هذا العمل بيديه الشريفتين، حاملا اللَّبِن، غير عابئ بالغبار المتطاير عليه، مما يدل على الثقل الاستراتيجي للمسجد في حياة مجتمع مسلم حريص على مساهمة جميع أفراده في الإنجازات العامة”[120].  هذا البناء الذي ساهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد مأوى للعبادة و الزهادة وطلب النجاة في الآخرة بل كان المسجد على “عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين عرين أسود، ورياض جهاد، ومدرسة جامعة، ومقر قيادة أركان جند الله، ومجلس شوراهم. ذلك أن بيت الله أحق البيوت أن ينطلق منها ويرجع إليها ويتجمع فيها ويتآلف جند الله”[121]، ولكون المسجد كان دائما “مركز إشعاع ومنه انطلقت نهضة المسلمين منه ثم نسف الثقافة الجاهلية التي سيطرت على عقول الناس زمنا طويلا ومن المسجد ثم بناء حضارة الأمة”[122].

إذن هذا هو الدور المركزي للمسجد في الحياة العامة قبل الحياة الخاصة، فلم يوجد المسجد لكي يكرس الأبعاد الفردانية كما هو الشأن في واقع المساجد اليوم، اللهم ما كان من النزر القليل في بعض التحركات التضامنية وما زال المسجد ملجأ إلقاء الحاجة عسى أن يجد صاحب الحاجة القلوب الرحيمة التي تعطف وتأوي وتتصدق بما تجود به النفس، وإلا فإن المسجد في صورته على عهد النبوة والخلافة الراشدة قد رسم مثالا يحتذى به في البناء الفردي والاجتماعي والسياسي. فما كان المسجد معطلا عن أداء أدواره المنوطة به وما كان المسجد بيد حاكم يصرف فيه خطاباته على رؤوس الأشهاد، لذلك يقول الإمام المجدد :”تحت حكم الجبر ينبغي أن يكون تحرير المسجد من الإسلام الرسمي مطلبا أساسيا”[123]، لأن “المسجد مكان اللقاء بالشعب، ومدرسة التربية العامة، ومجالس الإيمان”[124]. لكن سطوة الدولة الجبرية بالاصطلاح النبوي ما تزال تبسط قبضتها على المساجد وبخاصة “منذ برهن المسجد عن حيويته حين صدر عنه وخرج منه المؤمنون المجاهدون في إيران، وزلزلوا دعائم الطاغوت والاستكبار”[125] ومنذ ذلك الحين سرى الاهتمام بالمسجد من قبل الأنظمة الفاقدة للشرعية الشعبية لما يمثله من حلقة حيوية في جمع كلمة الشعب ومكانا للتعبئة العامة، لذلك “اشتدت الوطأة على عمار المساجد. وطرأ على دول الجبر اهتمام ملح بالمساجد والصلاة وخطبة الجمعة. ونشأت عند رواد الفتنة حساسية إسلامية، يبادرون إلى الحج والصلاة على التلفزيون والتأكيد على إسلامهم”[126]. وأضفى هذا الإحساس والشعور ما يلاحظه “المغربون كيف يستجيب الشعب لنداء المسجد، وكيف تستعجم عليه لغة المثقفين المغربين”[127]. لذلك فهم يتساءلون لِيُربِكوا الرأي الشعـبي”هل الشورى والعدل بديل للديمقراطية أو إضافة إليها أو نسخـة منها أو تحسين لنماذجها أو علاج لأمراضها”[128]. يعي الإمام المجدد جيدا هذه اللعبة التي تروم خلط الأوراق والتشكيك في المفاهيم لذلك نجده في كل مرة يرجع لكي يقرر المفاهيم الأصيلة في غير تردد الخجل والوجل من يختبئ بدينه وعقيدته وإيمانه، ويقدم الإجابة الأصيلة يدفع بها بوضوح في وجه الاعتراضات اللائيكية فيقول في بيان لا يقبل التردد:”ونجيب نحن بأن العدل والشورى هو دين الأمة الذي تحترمه، وأمل الأمة الذي يَـبْرُق في خيالها، ووعدُ الله ورسـولهِ الذي تُصَدِّقه”. يقدم الإجابة العلمية الإيمانية بوضوح لا يقبل التنازل عن شبر واحد من ارض المفهوم لأنه يعي جيدا أن أي تنازل هو على حساب دين الأمة، ولا يخشى في ذلك لوم لائم ولا عذل عاذل، لا يخشى كل تلك الأوصاف والنعوت التي تجعل من بعض مفكري الإسلام  يبحثوا عن صيغ توفيقية تلفيقية لكن يرضوا الفكر الآخر ولكي يكيفوا المفاهيم مع أخرى واردة من مجال حضاري غير مجالنا الحضاري الإسلامي، ويحمل العلماء المتصدين للدعوة مسؤولية كل الاختلالات في فهم الدين وفي الحصار المضروب على الحركة الإسلامية فيقول: “فإن كان في تصديق الأمة للأمل، وفهمِها للدين، وثقتها بالوعد، فتور فهو ناتج عن تقصيرنا في التبليغ، وعن الحصار المضروب على الحركة الإسلامية التي يراها أعداء الإسلام وأصدقاؤه ومراقبوه “القوة الوحيدة” ذات المصداقية التاريخية فيما مضى وفيما هو آت”[129].

فالواجب إذن في تقدير الإمام المجدد هو أن يتم تركيز “معركتنا في الطلب بحقنا في مساجد الله. لا حق لأحد أن يمنعنا من ذكر الله فيها. لا حق لهم أن يخربوا روح المسجد ورسالة المسجد مع تزويقه وتأثيثه”[130]. واعتبر ذلك أولوية كبرى بقوله:” فاسترجاع حقنا في عمارة المسجد من أولويات معاركنا. وأثناء هذا وبعده تعاد للمسجد الحياة الإيمانية، والسنة والعلم. ويعاد له مكانه كالمركز الأول في حياة المجتمع الإيمانية والسياسية والتوجيهية”[131]. ورغم ما ذكر في هذا المقام وفيما سبق فإنه لا يعزب عن وعي الإمام الإكراهات الوقتية المتمثلة في التوسع الديموغرافي لكي يضع نصب عين المتلقي وفي وعيه هذا الإكراه فيقول: “لا نستطيع في هذا العصر، عصر الاكتظاظ السكاني، والمزاحمة الإعلامية في الفضاء، وعلى الأمواج، وعبر القارات، وعن طريق الكواكب الصناعية أن نوقف عجلة السرعة ودولاب الحركة لندعو الناس جميعا إلى هدوء المسجد وروحانيته. فنحمل عبر الأثير وشاشة الإعلام، إلى الناس في بيوتهم دعوة الإسلام، وبشرى التجديد. لكن يبقى المسجد هو المركز الحي”[132]. فما لا يستطيع المسجد أن يصله تقوم بأدائه روح المسجد نيابة عنه في جميع الوسائل المتاحة، هذا لكي لا يتصور أحد أن الأمر مجرد كلام لا يستحضر معطيات الواقع في عملية التنظير وبناء التصورات. ولما كان المسجد بهذه الأهمية فقد تعين على الدعاة العلماء عمارة المسجد ف”هو المؤسسة الدعوية الأولى، بيت الله منه وفيه وإليه ينطلق الجهاد ويخطط ويأوي”[133] وهو كذلك ” محضن الرجال، ومدرسة العلماء، ومحراب المتبتلين، ودائرة قيادة الجهاد، ومجلس الشورى والإيمان”[134] يضيف الإمام ياسين: “ومن المسجد تنطلق الفضائل، وتتوحد الجهود. قبلة واحدة، وقرآن واحد، وإرادة متعاونة، وعبء مشترك… خمس صلوات تجمع، وجمعة وخطبة، ونظام لا يتقوقع في الذات الخاصة، وسريان الدعوة من الأقرب إلى الأقرب. في المسجد يعقد لواء الجهاد، ومن قدسيته وجامعيته يكتسب الميثاق قدسية وجامعية”[135]. وبناء على هذه الأهمية والأدوار المنوطة بمؤسسة المسجد فقد تعين “إحياء الدور الشرعي السُّني للمسجد ونفخ روح جديدة فيه ليستأنف وظائفه من جديد والمتمثلة في “تنمية المجتمع وهي وظيفة عامة شاملة –وهو– بهذه الوظيفة قائد التغيير والتطوير والتقدم والداعي إلى الصلاح والإصلاح للأدوار الاجتماعية والاقتصادية”[136].  ف “لابد أن يصبح المسجد -محل العبادة وبيت الله المقدس- من جديد مركز انطلاق الحياة النشطة، بدل أن يبقى مَحبِساً تغلق أبوابه فور انتهاء الوقت الضئيل المخصص للصلاة. لابد أن يُحرَّر المسجد الذي أصبح بتدبير من اللائكيين المتسلطين علينا بوقاً للدعاية الرسمية، فاستحالت خطبة الجمعة قصيدة يترنم بها صوت هرِم رتيب في  مدح ذوي السلطان”[137]. أمر لازم منتحتم، فيه ومنه تعاد الصياغة يؤكد هذا المعنى في كل مناسبة وفي كل سياق لبيان مركزيته في البناء المستقبلي للإسلام ومجده يقول : “لابد إذن من إحياء دور المسجد وتفريغ الوقت الكافي لكي يتمكن المومنون مجتمعين من الانتعاش الروحي خمس مرات في اليوم، خمسة مواعيد محددة يجدد فيها المومن طاقته، وإلا تشتت في غمرة الغفلة عن الله، وتاه في دروب الزمن السائب، ثم ارتمى في أحضان الارتخاء والغفلة”[138]. يطرح الإمام ياسين بين يدي مستقبل المشروع الإسلامي تحديا خطيرا فيقول: “فمتى ترك الدعاة المسجد وعَمَروا دواوين الحكومة واندمجوا وهم قلة في النوع والعـدد مع الطبقة الطَّموحِ سرقتهم الطبيعة الحركية، وأعجبهم نشاط المساعدين الخبراء، فلا يستفيقون- إن استفاقوا يوما- إلا وقد أصبح “الحل الإسلامي” مركبة للطموح الاقتصادي الاجتماعي”[139]. فيصبح “”الحل الإسلامي” طامة كبرى على الدعوة إن انخرط الدعاة بكامل عدَدِهم وتحولوا مديرين ووزراء ومستشارين وتركوا المسجد، وتركوا صحبة الشعب، وتركوا تربية الأجيال، وتركوا مجالسة المسلمين”[140]. فهذه تخوفات وتوجسات مشروعة تطرح لكي تتلافى بين يدي المشروع الإسلامي في كل مكان وفي كل مكان لما في ذلك من خطورة تذويب الدعوة الحاملة للرسالة إلى الإنسان، وعليه فإن “العودة إلى المسجد وإلى القرآن ستمكننا من الالتقاء بالنموذج المثالي للحياة الجماعية التي غابت عن حياتنا ولم تبقَ حية إلاَّ في ثنايا النصوص وفي قلوب الأتقياء والتقيات”[141]. فالمسلم “يعيش إسلامه كاملا يتردد على المسجد للصلاة والتخشع، هذا المكان المقدس الذي ينطلق منه المجاهد ليدافع عن قيمه والعامل لكسب قوته. المسجد هو المكان الذي تفيض منه الطاقة المُعَبِّئة الضرورية لشحذ الهمم وإعدادها للمشاركة في إعادة البناء”[142]، ولا يكفي في ذلك “تغيير مراكز اتخاذ القرار لا تكفي لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لأن إصلاح النظام السياسي، وفك تمركزه، لا يمكن وحدهما أن يضمنا الشغل للشباب العاطل إذا لم يصاحبهما إصلاح عميق للذهنيات وتحسيس تشارك فيه بقوة السلطة السياسية الإدارية والمؤسسة المركزية المتمثلة في المسجد”[143]. إن المسجد بما هو مكان تجتمع فيه أنشطة متعددة متنوعة تبتدئ بالإيمان تعلما وتشربا والعلم مذاكرة ومجالسة وحمل الهموم الاجتماعية والسياسية والعمرانية بصفة عامة فإن المحور الذي تدور عليه كل تلك الأنشطة هو الفطرة الإنسانية وحول سؤال كيف نحفظ الفطرة لكي لا تتعرض للضياع والتشويه، و”الفطرة كلمة قرآنية تدل على الأرضية النفسية للكائن البشري. هذه الفطرة، هذه الأنا الباطنية والطبيعة الأولية القبلية الكامنة في أعماق كل واحد منا، هي موطن الإيمان والثقة بالله. لكن إذا ما شوهها المحيط العائلي والبيئة الثقافية فلن تستعيد عافيتها إلا بالمبادرة الحانية لعمار المسجد”[144]، هذا على المستوى الفردي أما على المستوى الجماعي فمن شأنه “أن يلقن العلم ويدفع للعمل ليرتفع بمستوى الناس علميا وفكريا وماديا لتحقق له مكانة الاستخلاف في الأرض عن الله سبحانه وتعالى”[145].

إن الآفاق التي ترجى من المسجد ومن تربية المسجد وروح المسجد لا تقف عند حدود التحديات القطرية التربوية الاجتماعية السياسية التعليمية، بل هي تحديات وطموحات تشرئب إلى آفاق بعيدة ترمي بظلالها على الأوطان الإسلامية المشتتة و تخطبها للوحدة القرآنية في “شكل التنظيم الوحدوي الملائم، وبعد أن تمهد السبيلَ جيلاً بعد جيل تربيةُ المسجد”[146]. فكما أن المسجد يوحد الأبدان والأديان في صف الصلاة كذلك يوحد الأوطان حين “تكون هذه الأجيال المباركة إن شاء الله من أهل النور، وتكون صنوا للجيل القرآني الأول، وتكون عماداً للخلافة الثانية إن كان كل فرد فرد، ذكرا أو أنثى، تتمثل فيه الرجولة التي تمثلت في الأولين. ووصف الرجال في سورة النور، وصف أهل الهداية الذين هداهم الله لنوره، هو أنهم أهل مسجد، وأهل ذكر وتسبيح بالغدو والآصال، وأهل صلاة وزكاة، وأهل خوف من الآخرة، وأهل ترقب ورجاء في الله العظيم الكريم”[147] .

المراجع:

– الإسلام والحداثة، عبد السلام ياسين، ترجمة مجموعة من الأساتذة ـ الطبعة الأولى ـ 2000.

– الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، عبد السلام ياسين،

– إمامة الأمة، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة و النشر ـ الطبعة الأولى ـ 2009.

– تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، دار البشير للثقافة و العلوم ـ طنطا ـ الطبعة الأولى بمصر.

– محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى ، عبد السلام ياسين، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، الرباط، الطبعة الأولى ، 1994م.

– المساجد، حسين مؤنس، عالم المعرفة، الكويت، 1981م، عدد 20.

– المسجد إنشاء ورسالة و تاريخا جاد الحق علي جاد الحق، مطابع الأوفست، القاهرة، 1996م.

– مكانة المسجد ورسالته،  منصور الرفاعي عبيد، الطبعة الأولى ، 1978م.

– مكتبات المساجد، مكي بن نسيب السباعي، ترجمة هاشم فرحات، الرياض مركز فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2006م.

– المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، عبد السلام ياسين، الطبعة الثانية ، 1989.

– المؤسسات التعليمية بمدينة الجزائر أثناء الفترة العثمانية، زهرة زكية، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، 2000م.

– مؤسسة المسجد الرسالة الحضارية والوظيفة الاجتماعية، عبد العالي معكول، مطبعة أميمة، الطبعة الأولى، 2012م.

–  حوار الماضي والمستقبل ، عبد السلام ياسين ، مطبوعات الأفق ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى، 1997.

– حوار مع الفضلاء الديمقراطيين  ، عبد السلام ياسين ، مطبوعات الأفق ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى،  1994م .

– حوار مع صديق أمازيغي ، عبد السلام ياسين ، مطبوعات الأفق ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى،  1997 م .

– رسالة المسجد، عبد العزيز، محمد اللميم، الطبعة الأولى ، 1987م.

– سنة الله، عبد السلام ياسين، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ،2005م.

– الشورى والديمقراطية، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ، 1996م.

– العدل : الإسلاميون والحكم  ، عبد السلام ياسين ، مطبوعات الأفق ، الدار البيضاء ،  2000 م .

– في الاقتصاد : البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية ، عبد السلام ياسين ، مطبوعات الأفق ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى، 1995 .

[1]-المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، عبد السلام ياسين، ص 202.

[2]– حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، عبد السلام ياسين، ص4.

[3] – مكانة المسجد ورسالته،  منصور الرفاعي عبيد، 1978م، ط1، ص 93.

[4]– مؤسسة المسجد الرسالة الحضارية والوظيفة الاجتماعية، عبد العالي معكول، مطبعة أميمة، 2012م، ط1، ص 110.

[5]– رسالة المسجد، عبد العزيز، محمد اللميم،  1987م، ط1،  ص 141.

[6]– مكتبات المساجد، مكي بن نسيب السباعي، ترجمة هاشم فرحات، الرياض مركز فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2006م، ص47.

[7]– الشورى والديمقراطية، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، 1996م، ط1.ص79.

[8] – المساجد، حسين مؤنس، عالم المعرفة، الكويت، 1981م، عدد 20، ص 33.

[9]–  الشورى والديمقراطية، ص 329.

[10]– الإسلام والحداثة، عبد السلام ياسين، ص 347.

[11]– الشورى و الديموقراطية، ص 329.

[12] – في الاقتصاد الضوابط الإيمانية والبواعث الشرعية، عبد السلام ياسين، ص177.

[13] – إمامة الأمة، ص 175.

[14] – الشورى و الديموقراطية ، ص 79.

[15] – الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، عبد السلام ياسين، ص 19.

[16] – إمامة الأمة ، ص 175.

[17] – مكانة المسجد ورسالته، ص79.

[18] – نفسه، ص 89.

[19] – إمامة الأمة، ص 175.

[20] – أخرجه البخاري (رقم  1292).

[21] – تنوير المومنات، 2/259.

[22] – نفسه.

[23] – الشورى والديمقراطية، ص 99.

[24] – تنوير المومنات، 2/259.

[25] – حوار الماضي والمستقبل، ص 144.

[26] – نفسه.

[27] – حوار الماضي والمستقبل، عبد السلام ياسين، ص144.

[28] – العدل الإسلاميون والحكم، ص 454.

[29] – نفسه.

[30] – الإسلام والحداثة، ص297.

[31] – نفسه.

[32] – تنوير المومنات ، ص 2/108..

[33] – العدل ، ص 63.

[34] – محنة العقل المسلم، ص 49.

[35] – حوار الماضي والمستقبل، ص 15.

[36] – في الاقتصاد، ص 287.

[37] – الإسلام والحداثة، ص 281.

[38] – العدل، ص 297.

[39] – تنوير، ص 2/304..

[40] – نفسه، 2/230.

[41] – حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 167.

[42] – نفسه.

[43] – نفسه.

[44] – حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 167.

[45] – المنهاج النبوي، ص 213.

[46]– المساجد، ص35.

[47]– المؤسسات التعليمية بمدينة الجزائر،  ص 116.

[48]– نفسه، ص125.

[49]– حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 139.

[50] –  حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 140.

[51]– مكانة المسجد ورسالته، ص 99.

[52] – نفسه، ص 151.

[53] – المسجد إنشاء ورسالة وتاريخا، جاد الحق علي جاد الحق، مطابع الأوفست ـ القاهرة 1996م.د ط.ص 12.

[54] – نفسه، ص 140.

[55] – نفسه، ص 171.

[56] – حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 172.

[57] – حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 172.

[58] – نفسه، ص 152.

[59] – نفسه،ص 80.

[60] – نفسه، ص 172.

[61] – نفسه.

[62] – نفسه.

[63] – حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 172.

[64] – نفسه، ص 172.

[65] – تنوير المومنات، 2/231..

[66] – نفسه.

[67] – نفسه، 1/90.

[68] – مؤسسة المسجد، ص 85.

[69] – نفسه.

[70] – حوار مع صديق أمازيغي، عبد السلام ياسين، ص 77

[71] – الشورى والديمقراطية، ص160

[72] – المساجد، ص 34.

[73] – الشورى والديمقراطية، ص 160.

[74] – محنة العقل المسلم ،ص 68.

[75] – العدل الإسلاميون والحكم، ص 578.

[76]– محنة العقل المسلم، ص 109.

[77]– نفسه.

[78]– محنة العقل المسلم، ص 109.

[79] – العدل، ص169.

[80] – نفسه.

[81]– رسالة المسجد، ص117.

[82]– رسالة المسجد، ص95.

[83] – تنوير المومنات، 1/132..

[84] – نفسه، ص 1/48.

[85] – تنوير المومنات،1/48.

[86] – نفسه، ص 1/48..

[87] – محنة العقل المسلم، ص 19.

[88] – إمامة الأمة، ص 200.

[89] – يطرح أستاذنا الفيلسوف المجدد الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه “تجديد المنهج في تقويم التراث” مفهوم “المجال التداولي” باعتباره آلية لفهم التراث، لكننا بعد أن استقرأنا المشروع الفكري للإمام المجدد عبد السلام ياسين ألفيناه يستوعب عنصرا آخر إلى جانب مفهوم  “المجال التداولي” عنصر الزمن والأحوال، لذلك وجدنا أنه من اللازم والضروري إدخال وإضافة مفهوم آخر لفهم وتقويم التراث هو مفهوم “المقام التداولي” حتى تتسنى الرؤية الواضحة، ويتسنى إدراك العلاقة الجدلية القائمة بين المعرفة العلمية والمعرفة السياسية. أقصد بمفهوم “المقام التداولي” القول المتعين في لحظة تاريخية، إذ لكل لحظة قول، لذلك فهو آلية لفهم ما قيل من اجتهادات سابقة لعلماء المسلمين. و يتعين البحث في مدى موافقة الفعل والاجتهاد لمطلوب ومراد الشارع في اللحظة الزمنية المعينة أو ما يسمى بواجب الوقت الشرعي التكليفي، لا واجب الوقت الموافق لإرادة المكلف. وكيفما كان الحال فإرادة المكلف إن وافقت إرادة الشارع فالمطلوب إرادة الشارع وإن خالفت إرادة الشارع فالمطلوب تصحيح إرادة المكلف لتوافق إرادة الشارع. فنكون إذن أمام موقف الموافقة لأمر الشارع ومراده فنسمي هذا “المقام التداولي التعاضدي” لأنه يعضد الأمر الشرعي بالتنزيل، ويعتضد الاجتهاد التكليفي بالنص من الوحي، أو مخالفة أمر الشارع اجتهادا لموافقة مراد وإرادة المكلف فنسمي هذا “المقام التداولي التعارضي”، لأنه يعارض مطلوب الشارع لموافقة إرادة المكلف.

[90] – نفسه، ص199.

[91] – تجديد المنهج في تقويم التراث، 199 .

[92] – العدل، ص 578.

[93] – نفسه، ص 471.

[94] – محنة العقل المسلم، ص 16.

[95] – نفسه.

[96] – نفسه.

[97] – نفسه، ص17.

[98] – الشورى والديمقراطية، ص 22.

[99] – الشورى والديمقراطية، ص95.

[100] – نفسه.

[101] – حوار مع صديق أمازيعي، ص 184.

[102] – العدل، ص 553.

[103] – الشورى والديمقراطية، ص 99.

[104] – نفسه.

[105] – العدل، ص15.

[106] – نفسه، ص577.

[107] – نفسه، ص 496.

[108] –  حوار الماضي والمستقبل، ص 81.

[109] – حوار مع صديق أمازيغي،ص 176.

[110] – الإسلام والحداثة، ص 294.

[111] – الشورى والديمقراطية، ص 176.

[112] – حوار مع صديق أمازيغي، ص 185.

[113] –  الشورى والديمقراطية ، ص 99.

[114] – نفسه.

[115] – نفسه، ص 189.

[116] – العدل، ص 433.

[117] – الشورى والديمقراطية، ص 349.

[118] – حوار مع صديق أمازيغي، ص 128.

[119] – العدل، ص 344.

[120]–  الإسلام والحداثة، ص 258.

[121] – المنهاج النبوي، ص  53.

[122] – المنهاج النبوي، ص  92.

[123] – المنهاج النبوي، ص53.

[124] – نفسه.

[125] – نفسه.

[126] – المنهاج النبوي، ص 263.

[127] – العدل ، ص 540.

[128] – نفسه.

[129] – نفسه.

[130] – المنهاج النبوي، ص 263.

[131] – نفسه، ص 264.

[132] – نفسه، ص 264.

[133] – المنهاج النبوي، ص 81.

[134] – نفسه، ص 263.

[135] – محنة العقل المسلم ، ص 74.

[136] – المسجد إنشاء ورسالة وتاريخا، ص 28.

[137] – الإسلام والحداثة، ص 258.

[138] – نفسه، ص 260.

[139] – العدل، ص 349.

[140] – نفسه، ص 437.

[141] – الإسلام والحداثة، ص 295.

[142] – نفسه، ص 260.

[143] – نفسه، ص 349.

[144] – نفسه، ص203.

[145] – مكانة المسجد ورسالته، ص 96.

[146] – نفسه، ص 325.

[147] – سنة الله، ص 261.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.