منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

معاملة الرسول المختار ﷺ لصحابته الأبرار رضي الله عنهم

د. فاطمة سويطط

0

 مقدمة

بسم الله الذي أنار الكون وأضاءه بخلق سيد الأولين والآخرين، وجعله خاتم الأنبياء والرسل أجمعين، ورفع قدر وجعل خلقه القرآن الكريم، فكان عليه السلام شامة بين أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وكان سببا في هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى نور اليقين، صلوات ربي وسلامه عليه عدد خلقه وزينة عرشه ومداد كلماته ورضاء نفسه إلى يوم الدين.

لقد كان تعامله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضوان الله عليهم تعامل المحب، وكانت حياته عليه السلام بينهم بسيطة متساوية مع حياتهم، رحيما بهم، عطوفا عليهم، لذا سأحاول في هذه الورقة أن أستقرئ بعض المواقف والأسس التي بنيت عليها العلاقة بين الرسول الكريم عليه السلام وبين صحابته رضي الله عنهم الذين كانوا يتنافسون في الاقتداء به في ادق خصوصياته صلى الله عليه والسلام. وخير ما أستهل به الحديث هو ما أثر عن سيدنا الحسين بن علي كرم الله وجهيهما، حيث كان يسأل عن أحوال جده عليه السلام في أدق تفاصيلها.

جاء في شرح السنة للإمام البغوي: قال الحسين رضي الله عنه: سألت أبي عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه، فقال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدا، ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، لا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوليتهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام [1]“.

هذه القولة الجامعة المانعة لخصت مدار تعامله عليه السلام :

المزيد من المشاركات
1 من 25

1 – البشر والتواضع:

كان رسول الله عليه الصلاة والسلام محبا لأصحابه جميعا يسأل عن غائبهم ويتفقد احوالهم يلتقيهم بالبشر والوجه البشوش، يتباذرهم بالتحية والمصافحة، يقول جرير بن عيد الله رضي الله عنه: ” ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي”[2]، إنه الحب النبوي الفياض الذي يغمر الكل دون تمييز أو محاباة، وعن أنس رضي الله عنه قال: ” كان إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه، قام معه، ولم ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناوله إياه، فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحداً من أصحابه فتناول أذنه ناولها إياه، ثم لم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه”[3].

إنه التواضع في أزهى مظاهره، إنها الصحبة المتينة المبنية على الحب المتبادل بين المبعوث رحمة للعالمين وبين الصحابة الكرام، فالمصحوب لا يريد أن يشيح بوجهه الكريم او ينزع يده الشريفة، او ينصرف حتى يكون الصاحب هو المبتدئ بذلك، والصحابة كانوا يغتنمون كل فرصة لكي يتشبعوا ويتبركوا بالجناب الشريف.

ومن تواضعه عليه السلام جلوسه بين أصحابه دون تميز او ظهور، ومشاركته عليه السلام مأكلهم ومشربهم، وأفراحهم واحزانهم، والسؤال عن احوالهم، حتى لا يستطيع الغريب معرفته وتمييزه بين جلسائه.

2 – المشورة والتشاور:

إن طبيعة العلاقة التي كانت تربط بين المستشير المصطفى عليه الصلاة والسلام وبين المستشارين وهم الطليعة من الصحابة الذين تشربوا الإيمان، وذاقوا معاني الحب والصحبة النبوية كانت في اعلى مستويات المشورة والتشاور، وهي نتيجة طبيعة للمحبة والثقة والوفاء الذي كان يجمع الرسول المختار القائد القدوة وبين القائمين على بناء أساس المجتمع الإسلامي، فكان عليه الصلاة والسلام يستشير صحابته في أمور الدين والدنيا، ويتجاذب معهم اطراف الحديث حول العديد من المسائل، ويطرح القضية للنقاش والتشاور بين من يراهم اهل الحل والعقد، مهما كان الموقف صارما وحاسما، رغم كونه صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي، ومؤيدا من الخالق سبحانه، وبالمقابل كان  الصحابة رضي الله عنهم يصارحونه بآرائهم بشجاعة وقوة ولو اختلفوا مع اتجاهه عليه السلام.

ومن أمثلة ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم استشار الناس في أُسارى بدر فقال: «إن الله قد أمكنكم منهم». فنطق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: «يا رسول الله! اضرب أعناقهم!» فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم عاد فقال: «يأيها الناس! إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس». فعاد عمر لرأيه في ضرب الأعناق مرة ثانية. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وكرر مَقالته في أنهم «إخوانكم بالأمس» فعاد عمر لمقالته. فقام أبو بكر، فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وتقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، قال: فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء”[4]. استشارة في أمر ليس بالهين ولا السهل، ورأي جريء من الفاروق عمر رضي الله عنه وإصرار عليه، وصبر من الحبيب المصطفى وبحث عن مخرج ومشورة تلطف الأجواء وتنسخ قول عمر، أي لطف هذا وأية حكمة رحيمة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

لم تكن المشورة في الأمور العظيمة فقط، بل كان عليه السلام يستشير الصحابة في أمور كثير غير ذات بال، فقد روي عنه عليه السلام ” انه اوتي بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: من ترون أن نكسو هذه؟ فسكت القوم، قال: ائتوني بأم خالد، فأتي بها تحمل، فأخذ الخميصة بيده فألبسها، وقال: «أبلي وأخلقي”[5] هي التفاتة منه عليه السلام ليشرك أصحابه ويستشيرهم لمن يهدي الخميصة، رغم معرفته بصاحبتها، لكنه عليه أفضل الصلاة والسلام يعلم بصغر العلم قبل كبره، ويؤسس لبناء صرح المشورة بين القائد المسؤول ورعيته.

3 – المداعبة والمزاح:

من مكارم أخلاقه عليه السلام ومداعبته لأصحابه، مريدا بذلك إدخال الفرح والانشراح عليهم بين الفينة والأخرى، خصوصا عندما يشعر عليه أفضل الصلاة وازكى السلام بكلل نفس الصحابة وتعبها، لكنه عليه السلام لا يقول إلا حقا، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: “يا رسول الله إنَّك تُداعبنا! قال صلى الله عليه وسلم: لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا”[6]. وفي روايةٍ: “إِنِّي وَإِنْ دَاعَبْتُكُمْ فَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا.[7]

وقد اختلفت صيغ مزاحه صلى الله عليه وسلم بين المداعبة اللفظية والفعلية والحيل اللغوية، من أمثلة ذلك ما تحكيه كتب السيرة المطهرة ويرويه الصحابة أنفسهم، من أمثلة ذلك ما يرويه سيدنا أنس رضي الله عنه: أن رجلا من أهل البادية يقال: له زاهر بن حرام كان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الهدية فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أن زاهر بادينا ونحن حاضروه” قال: فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه والرجل لا يبصره، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت إليه، فلما عرف أنه النبي صلى الله عليه وسلم جعل يلزق ظهره بصدره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يشتري هذا العبد” فقال زاهر: تجدني يا رسول الله كاسدا، قال: “لكنك عند الله لست بكاسد”، أو قال: صلى الله عليه وسلم: “بل أنت عند الله غال”[8]، ملاطفة ومزاح يخفف عن الصحابي الجليل تعب الحياة، وردة فعل عفوية من زاهر فيلصق ظهره بصدر الحبيب عليه السلام.

وها هو طه الأمين عليه السلام يمازح امرة عجوزا جاءت تسأله ان يدعو الله لها ان تدخل الجنة، فكان جوابه عليه السلام: ” إنه لا تدخل الجنة عجوز “. فقالت: وما لهن؟ وكانت تقرأ القرآن، فقال لها: ” أما تقرئين القرآن؟ {إنا أنشأناهن إنشاء -فجعلناهن أبكارا}[9][10]

ومن مزاحه اللفظي عليه الصلاة والسلام قوله لأحد الصحابة أنت أبو الورد، ولآخر أنت سفينة ولأنس بن مالك يا ذا الأذنين، وغيره كثير، ومن أمثلة ذلك ما روي عن حميد الطويل، عن ابن أبي الورد، عن أبيه قال: “رآني النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فرآني رجلًا أَحْمَرَ، فقال: “أَنْتَ أَبُو الْوَرْدِ”؛ أي يُمازحه[11].
وعن أنس رضي الله عنه، أن رجلا أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال يا رسول الله: احملني، قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنا حاملوك على ولد ناقة، قال: وما أصنع بولد الناقة ؟! فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهل تلد الإبل إلا النوق”[12].

وها هو سيدنا الحسين يسأل أباه مرة أخرى عن أحوال جده عليه السلام، حين يخرج عند أصحباه كيف يكون حاله ! فيجيبه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا بما يعنيه ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد مهم بشره ولا خلقه. يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه. معتدل الأمر غير مختلف لكل عنده عتاد، ولا يقصر عن الحق ولا يجوزه.[13]

4 – الحكمة والرحمة :

فقد وصفه الحق سبحانه بقوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم”[14] هي الرأفة والرحمة المنبعثة من قلب القائد النبي الأمين تسري إلى القلوب فتؤلفها وتحبب إليها الإيمان، رحمة حانية وحرص شديد يريد به عليه السلام أن يحوط أصحابه بهما ليرفع هممهم لطلب الدرجات العلا من الجنة، وقد صور الحبيب هذه الرحمة والرأفة بقوله: «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجاءت الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار، وأنتم تفلتون من يدي»[15] أبوة رحيمة تدود عن من تحب، وتحرص على سلامته من كل مكروه، وترسم له طريق النجاة والخلاص الفردي والجماعي.

حكمة رفيعة هي التي كان عليه السلام يحتوي بها أصحابه حين يريد ان يرفع هممهم إلى طلب الدرجات العلى من الجنة، والكينونة معه عليه السلام، بل

طلب وجه الله تعالى، حرص كبير منه صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أصحابه بصغر العلم قبل كبره، يوجه هذا ليعيد صلاته، ويطلب من ذاك ان يصبغ وضوؤه دون إحراج أو ضجر.

وها هو سيدنا الحسين رضي الله عنه يسأل عن مجلسه عليه السلام بين أصحابه، فيجيبه أبوه بما يشفي طموحه، يقول: “لا يقوم ولا يجلس إلا عن ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه ممن جالسه، ومن سأله حاجة لم يرده بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، يتعاطون فيه بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب»[16].

هده بعض شمائله عليه الصلاة والسلام بين أصحابه رضوان الله عليهم اجمعين هي علامات نهتدي بها وهم نجوم نقتدي بهم مصداقا لقوله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: ” أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم”[17]


[1]  – شرح السنة للإمام البغوي: باب جامع صفاته عليه الصلاة والسلام: 13/273

[2]  – جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم السنن، ابن كثير القرشي، تحقيق عبد الملك الدهيش، دار خضر للطباعة والنشر، الطبعة الثانية سنة 1419هـ /1998م :2/156.

[3]  – شرح مسند أبي حنيفة ، أبو الحسن علي بن محمد الهروي القاري، تحقيق  خليل محيي الدين الميس، دار الكتب العلمية طبعة سنة 1405هـ/1985م: 1/287.

[4]  – مسند الإمام احمد، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، طبعة 1421هـ/2001م : 21/180

[5]  -صحيح البخاري: باب الخميصة السوداء: 7/148

[6]  – مسند الإمام أحمد، 14/185.

[7]  – المرجع السابق: 18/88.

[8]  – صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، طبعة: 1408ه/1988م : 13/107

[9]  – الواقعة:  37  – 38

[10]  – مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري ، دار الفكر، بيروت

الطبعة: الأولى، 1422هـ/ 2002م، 7/3063

[11]  – المعجم الكبير، أبو القاسم الطبراني، مكتبة ابن تيمية، طبعة الثانية: 22/382.

[12]  – سنن أبي داود تحقيق محمد محيي الدين ، مطبعة المكتبة العصرية، 4/300

[13]  – الإسلام غدا: الإمام عبد السلام ياسين، مطبعة النجاح ، الدار البيضاء طبعة الأولى سنة 1973م، ص: 177

[14]  – التوبة: 129.

[15]  – مسند أبي أحمد الطيالسي، تحقيق : محمد بن عبد المحسن التركي، دار هدر للنشر بمصر، الطبعة الأولى 1419/1999 ،3/333

[16]  – شرح السنة للإمام البغوي: 13/275

[17]  – الشريعة، أبو بكر محمد الآجري ،تحقيق عبد الله الدميجي، دار الوطن الطبعة الثانية سنة 1999، 4/1690

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.