منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صفات قرآنية للأسرة السعيدة

صفات قرآنية للأسرة السعيدة/د. البشير قصري

0

صفات قرآنية للأسرة السعيدة

بقلم: د. البشير قصري

نقولها بدون تحفظ، كلمة ما فيها مبالغة، ونختار لها تعبير خبير “يجب أن تكون الدعوة وأهل الدعوة منصرفين انصرافا تاما لتقويم الفطرة، ومكان المرأة المؤمنة، أما وبنتا وأختا، هو مكان الصدارة، صلاحها في نفسها وتأثيرها في الوسط الاجتماعي ابتداء من بيتها هو صلاح الأمة، المرأة الصالحة هي عماد الأمة، ليس في هذه أية مبالغة، لأنها حافظة الغيب، وهي متعهدة الأنفس”[1]، فالأسرة وامتداداتها المتولدة عبر رابطة الزواج، المراعية لأحكام القرآن، وأخلاق الإسلام تتصف بصفات تجعلها فضاء للتربية، ومنبعا للدعوة والإصلاح، وهذه ثلاثة منها كافية شافية.

أولا: الأسرة حصن وحضن

ربط القرآن بين النكاح والإحصان باعتباره منع للنفس من الوقوع في الفاحشة، وهذه الأخيرة تعني في أخص ما تعنيه إتيان الشهوة من غير محلها، لذلك أرشد الشارع الحكيم إلى المحل الصحيح وهو الزواج، فكان الزواج إحصانا، والإحصان مظنة العفاف “ومن خصائص هذا الحصن الشرعي الزواجي أن يعين الزوجين على التعفف، ويمنعهما من الفاحشة”[2]، قال الله تعالى: (اِ۬لْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ اُ۬لطَّيِّبَٰتُ وَطَعَامُ اُ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلّٞ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَٰتُ مِنَ اَ۬لْمُومِنَٰتِ وَالْمُحْصَنَٰتُ مِنَ اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمُۥٓ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِےٓ أَخْدَانٖۖ)[3].

 ثانيا: الأسرة سكن وسكينة

تأتي كلمة السكن في القرآن الكريم للدلالة على معنى مادي، ومعنى معنوي، فمن الأول قوله تعالى: (اَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنْ وُّجْدِكُمْۖ)[4]، فالبيت أي المنزل سكن للإنسان. ومن الاستعمال الثاني قوله تعالى: ﴿هُوَ اَ۬لذِے خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاۖ﴾[5]، فالزوجة سكن لزوجها. بعد أن وقفتُ على الآيات المتضمنة لإشارات ذات الصلة بالسكن والمسكن والسكينة، تبين لي أن البيت الساكِن ماديا، والزوجة المقترنة بالبيت الساكِن قلبُها يوفران للرجلِ الكثيرِ الحركة الجسدية والقلبية والسعي طلبا للرزق ملاذا متكاملا “للتزميل” أي سكن مادي حجري وآخر معنوي بشري، ولنا أن نتدبر سكون وسكينة قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم لما آوى مضطربا فزعا إلى زوجه خديجة رضي الله عنها قائلا: «زملوني زملوني»[6]، فالسكن يحقق الاستقرار، والسكينة تزيد في الإيمان، وبهذا تصير الأسرة فضاء للتخلق.

ثالثا: الأسرة رحم ورحمة

يعتبر القرآن الكريم خلق الرحمة وسلوك التراحم مقصدا وشرطا ضروريا لاستمرار العلاقات الأسرية على مختلف مستوياتها، فإذا كانت الأسرة تتأسس على علاقات الرحم، فإنها تتقوى وتستمر بالتراحم، فالرحم بمفهومه الواسع محدد بيولوجي، بينما التراحم محدد قيمي يضفي على الأسرة طابعها الأخلاقي والإنساني.

والآية الأولى من  سورة النساء تكشف بوضوح هذا المعنى الذي يربط التقوى والتوحيد والتراحم، ﴿ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ اُ۪تَّقُواْ رَبَّكُمُ اُ۬لذِے خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاٗ كَثِيراٗ وَنِسَآءٗۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَ اَ۬لذِے تَسَّآءَلُونَ بِهِۦ وَالَارْحَامَۖ﴾، يقول الدكتور فريد الأنصاري معلقا على هذه الآية: “وتقوى الرحم راجعة إلى حفظ حقوقها الشرعية، وصيانة أحكامها التكليفية المنوطة بها تعبدا لله رب العالمين، فهي إذن شعيرة يعبد الله بها أصالة، باستمرارها يستمر الدين، وبانقطاعها ينقطع”[7]، هذه دعامة أخلاقية كبيرة، من ثمرة التحلي بها واكتسابها وشيوعها في البيت الأسري أن تجعله سكنا ومحضنا للتربية، وكلما قويت آصرة الرحم كان التراحم أشد وآكد طلبا، ويبدأ التراحم من العلاقات الرحمية ليتعداه للعلاقات الإنسانية، ومن ثم “فإن الاجتماع الأسري في الإسلام يتأسس على الرحم، ويقوم على التراحم، وكلما تخلق المرء بأخلاق الرحمة انعكس ذلك على آصرة الرحم فزادها صلابة وقوة”[8].

   فليس ادعاء القول بأن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية المؤهلة لتعمير الأرض، فإذا كانت الخلافة نيطت بالإنسان، فإن من شروط الاستخلاف أن تتم تنشئة هذا الإنسان في ظروف اجتماعية إنسانية، وقد تقرر أن الأسرة في المنظور القرآني منبع الصلات الاجتماعية الصلبة، ومن ثم “كانت الأسرة هي الحصن الحامي للاستخلاف والضامن للعمران، وذلك بترسيخ التأنس والابتعاد عن التوحش”[9].


[1] – ياسين، عبد السلام، سنة الله، مطبعة الخليج العربي، تطوان، الطبعة الثانية، 2005م، ص275.

[2] – تلوت، تلوت، جميلة، مقصد الأسرة في القرآن: من الإنسان إلى العمران، ضمن مقاصد القرآن الكريم3، مجموعة بحوث، تحرير ممد سليم العوا، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، الطبعة الأولى، 2018م، ص295.

[3] – المائدة: 5

[4] – الطلاق: 6

[5] – الأعراف: 179

[6] – انظر: صحيح البخاري، حديث رقم: 4957

[7] – الأنصاري، فريد، الفطرية بعثة التجديد المقبلة من الحركة الإسلامية إلى دعوة الإسلام، دار السلام، القاهرة، الطبعة 1، 2009م، ص216

[8] – تلوت، مرجع سابق، ص299.

[9] – تلوت، مرجع سابق، ص305.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.