منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السياق القرآني عند ابن عاشور وأثره في قبول الأحاديث وردّها

2
اشترك في النشرة البريدية

لاشك أن “دلالة السياق” من أظهر وأقوى الدلالات البلاغية في فهم النص وإبراز معانيه، وقد أكد علماء التفسير القرآني على الأهمية البالغة للسياق  في الكشف عن مقاصد الخطاب الرباني، باعتباره آلية منهجية فعالة توصل إلى ما يتغيّاه المفسر والمتدبر للقرآن الكريم.

لذا نجد أهل التفسير يعمدون إلى البحث والكشف عن القرائن والمؤشرات المحيطة بالآيات القرآنية، حيث يسبرون أغوار ما سبق الآية وما يلحقها بحثا عن إشارة ما من داخل الخطاب تساعد على حسن الفهم وجلاء الغموض،كما أنهم يبحثون في أمور خارجية عن الخطاب مثل الزمان والمكان وعناصر الواقع المختلفة ومناسبات أو أسباب النزول علَّهم يقفون على ما يساعد على ترجيح معنى على آخر، أو تقييد مطلق أو تبيين مجمل أو تخصيص عام أو تجلية مبهم…ولاشك أن من أهم أصول التفسير الواجب مراعاتها ما أشار إليه الإمام الشافعي في كتابه المؤسس لمدونات أصول الفقه “الرسالة” ضمن ما عنونه ب”باب الصنف الذي يبين سياقُه معناه” وتناول فيه آيات جرى فيها اعتماد السياق القرآني لتحديد معنى بعض الألفاظ المشتركة التي لها أكثر من معنى .

وفي هذا المقال أحاول الوقوف عند نموذجين من نماذج توظيف السياق القرآني عند العلامة ابن عاشور، تظهر من خلالها أهمية السياق في إثبات الفهم السليم  ورد المعنى السقيم، وإن اعتضد بأحاديث تنسب للنبي صلى الله عليه وسلم

النموذج الأول : مفهوم “المستقدمين والمستأخرين”  في سورة الحجر: 

هل المقصود بهم المتقدمين والمتأخرين في صفوف الصلاة ؟ أم المتقدمين والمتأخرين في الزمن التاريخي ؟

المزيد من المشاركات
1 من 39

قال تعالى في سورة الحجر :{ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين، وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم} [سورة الحجر : الآيات 24 إلى 25]

قال ابن عاشور في التحرير والتنوير:  “لما ذكر الإحياء والإماتة وكان الإحياء- بكسر الهمزة- يذكر بالأحياء- بفتحها-، وكانت الإماتة تذكر بالأموات الماضين تخلص من الاستدلال بالإحياء والإماتة على عظم القدرة إلى الاستدلال بلازم ذلك على عظم علم الله وهو علمه بالأمم البائدة وعلم الأمم الحاضرة فأريد بالمستقدمين الذين تقدموا الأحياء إلى الموت أو إلى الآخرة، فالتقدم فيه بمعنى المضي وبالمستأخرين الذين تأخروا وهم الباقون بعد انقراض غيرهم إلى أجل يأتي. والسين والتاء في الوصفين للتأكيد مثل استجاب ولكن قولهم استقدم بمعنى تقدم على خلاف القياس لأن فعله رباعي… وقد تقدم في طالع تفسير هذه السورة[1] الخبر الذي أخرجه الترمذي في جامعه من طريق نوح بن قيس ومن طريق جعفر بن سليمان في سبب نزول هذه الآية. وهو خبر واه لا يلاقي انتظام هذه الآيات ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة. “[2]

فهو يشير رحمه الله بذلك إلى ما رواه الترمذي[3] من طريق نوح بن قيس الجذامي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر (أي من صفوف الرجال) فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله تعالى: ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين.

من هذا النموذج ، يتبين أن ابن عاشور دفع الحديث الذي اعتبره السيوطي في الإتقان دليلا على استثناء الآية المذكورة من كونها مكية كباقي السورة، حيث قال في : ” ينبغي استثناء قوله: {ولقد علمنا المستقدمين} الآية، لما أخرجه الترمذي وغيره في سبب نزولها وأنها في صفوف الصلاة “[4]. معتمدا على سياق الآيات المرتبط بالإحياء والإماتة والبعث والحشر ، فأكد أن الخبر (لا يلاقي انتظام الآيات) ، وبذلك يكون قد أنكر اعتبار الحديث المذكور دليلا على سبب نزول الآية.

النموذج الثاني : توهين روايات الغرانيق لتنافيها مع السياق اللغوي والسياق التاريخي والسياق المقاصدي :

قال تعالى : {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19، 20]

قال ابن عاشور : “وبما تلقيت في تفسير هذه الآية من الانتظام البين الواضح المستقل بدلالته والمستغنى بنهله عن علاته، والسالم من التكلفات والاحتياج إلى ضميمة القصص ترى أن الآية بمعزل عما ألصقه بها الملصقون والضعفاء في علوم السنة، وتلقاه منهم فريق من المفسرين حبا في غرائب النوادر دون تأمل ولا تمحيص، من أن الآية نزلت في قصة تتعلق بسورة النجم فلم يكتفوا بما أفسدوا من معنى الآية حتى تجاوزوا بهذا الإلصاق إلى إفساد معاني سورة النجم”

وقال : “فذكروا في ذلك روايات عن سعيد بن جبير، وابن شهاب، ومحمد بن كعب القرطبي، وأبي العالية، والضحاك وأقربها رواية عن ابن شهاب وابن جبير والضحاك قالوا: إن النبيء صلى الله عليه وسلم جلس في ناد من أندية قريش كثير أهله من مسلمين وكافرين، فقرأ عليهم سورة النجم فلما بلغ قوله: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19، 20] ألقى الشيطان بين السامعين عقب ذلك قوله: “تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى” ففرح المشركون بأن ذكر آلهتهم بخير، وكان في آخر تلك السورة سجدة من سجود التلاوة، فلما سجد في آخر السورة سجد كل من حضر من المسلمين والمشركين، وتسامع الناس بأن قريشا أسلموا حتى شاع ذلك ببلاد الحبشة، فرجع من مهاجرة الحبشة نفر منهم عثمان بن عفان إلى المدينة، وأن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يشعر بأن الشيطان ألقى في القوم، فأعلمه جبريل عليه السلام فاغتم لذلك فنزل قوله تعالى:{وما أرسلنا من قبلك} الآية تسلية له. ”

ثم بعد تأكيده على أن أسانيد القصة واهية ، وأنها “قصة يجدها السامع ضغثا على إبالة، ولا يلقي إليها النحرير باله” ، أضاف إلى ذلك مخالفتها للسياقات القرآنية :

  1. فالروايات التي نسبت القصة لابن عباس خالفت السياق الزماني والتاريخي للسورة لأن “ابن عباس يوم نزلت سورة النجم كان لا يحضر مجالس النبيء صلى الله عليه وسلم.”[5]
  2. وهي تخالف السياقات الموضوعية ،لأنها “أخبار آحاد تعارض أصول الدين لأنها تخالف أصل عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا التباس عليه في تلقي الوحي. ويكفي تكذيبا لها قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] وفي معرفة الملك. فلو رووها الثقات لوجب رفضها وتأويلها فكيف وهي ضعيفة واهية.”
  3. وهي تخالف السياق اللغوي والدلالي لسورة النجم ،”فكيف يروج على ذي مسكة من عقل أن يجتمع في كلام واحد تسفيه المشركين في عبادتهم الأصنام بقوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} [النجم: 19] إلى قوله: {ما أنزل الله بها من سلطان} [النجم: 23] فيقع في خلال ذلك مدحها بأنها «الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى» . وهل هذا إلا كلام يلعن بعضه بعضا. وقد اتفق الحاكون أن النبيء صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم كلها حتى خاتمتها {فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم: 62] لأنهم إنما سجدوا حين سجد المسلمون، فدل على أنهم سمعوا السورة كلها وما بين آية {أفرأيتم اللات والعزى} [النجم: 19] وبين آخر السورة آيات كثيرة في إبطال الأصنام وغيرها من معبودات المشركين، وتزييف كثير لعقائد المشركين فكيف يصح أن المشركين سجدوا من أجل الثناء على آلهتهم. فإن لم تكن تلك الأخبار مكذوبة من أصلها فإن تأويلها: أن بعض المشركين وجدوا ذكر اللات والعزى فرصة للدخل لاختلاق كلمات في مدحهن، وهي هذه الكلمات وروجوها بين الناس تأنيسا لأوليائهم من المشركين وإلقاء للريب في قلوب ضعفاء الإيمان.”[6]

 

هذا، وإن كتاب التحرير والتنوير غني بمثل هذه التحقيقات العلمية المتكئة على دلالة السياق بمختلف أنواعه وتفاصيله، وهي تحقيقات تتغيى تنزيه التفسير القرآني عن الأقوال الباطلة والمذاهب المنحرفة.

 

[1] محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ)، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»،الناشر : الدار التونسية للنشر – تونس،سنة النشر: 1984 هـ،14/06.

[2] التحرير والتنوير ، 14/40

[3] سنن الترمذي ، كتاب التفسير ، باب : ومن سورة الحجر .

[4] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، الطبعة: 1394هـ/ 1974 م، 1/60.

[5] التحرير والتنوير ، 17/304.

[6]  التحرير والتنوير ، 17/303-305.

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
2 تعليقات
  1. عبد اللطيف بافقير يقول

    ملاحظة : محمد بن كعب القرظي، وليس (القرطبي) .

  2. عبد اللطيف بافقير يقول

    ملاحظة: محمد بن كعب القرظي وليس (القرطبي).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.