منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الزور والنفاق وضررهما على الأفراد والمجتمعات

أحمد المتوكل / الزور والنفاق وضررهما على الأفراد والمجتمعات

0

مقدمة

الإسلام دين الأخلاق الرفيعة، ارتضاه الله لعباده ليغرس الأخلاق الحسنة والسجايا الحميدة في نفوسهم، ليَحيَوْا حياة طيبة، ويُبْعِد عنهم ما ألِفُوهُ من أخلاق الجاهلية المنحطة، التي تهلك الإنسان وتُفسد فطرته، وتلوث سمعته، وتفقده مروءته، وتزيل عنه ما يميزه عن عالم الحيوان، ولقد انحصرت مقاصد البعثة النبوية في إتمام بناء صرح الأخلاق والفضيلة، و إلى ذلك يشيرُ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))1.

وبابتعاد الناس عن عهد النبوة وأخلاق الرسالة الإسلامية سَقط الكثير منهم في الأخلاق المرذولة الدنيئة التي أضرت بالفرد والمجتمع، وسببت خسائر كبيرة لَحِقَ ضررُها الإنسان والحيوان والجماد، ولقد انتشر بيننا اليوم الكثير من أخلاق الجاهلية انتشارا واسعا، وَُوجد من يُشيعها ويحميها ويدافع عنها، وينفق من أجلها، لأنهم يَحيَوْنَ بها ولها، وتوفرت الوسائل والإمكانيات التي تساعد على ذيوعها، ففسدت الكثير من الذمم، وقَلَّتِ المروءات وصفات الرجولة، حتى كاد صرح الفضيلة يتخرب.

وفي هذا الموضوع سأتكلم عن الزور والنفاق وأضرارهما على الأفراد والمجتمعات:

 شهادة الزور:

 إن كثيرا من المسلمين سكتوا عن قول الحق والعمل به، وانتشرت بينهم شهادة الزور، حتى عدوها ذنبا هينا وهي من كبائر الذنوب، قال الله عز وجل:{فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به}2، ولقد مدح الله عباده الصالحين الذين يبتعدون عن هذه الكبيرة فقال:{والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما}3، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم عدها من الكبائر، وشهادة الزور هي أن تشهد على شيء بشهادة كاذبة مُخالِفةٍ لما هو عليه، كأن تشهد لسارق بأنه غير سارق، ولفاسد بأنه إنسان صالح، ولظالم بأنه ولي، ولقد مدح الله المؤمنين الصادقين المخلصين فقال:{والذين هم بشهادتهم قائمون}4، أي يشهدون بالحق على القريب والبعيد، وعلى العدو والصديق، ولا يكتمونها ولا يزيدون فيها ولا ينقصون منها، بل يؤدونها على وجهها الكامل، كي تُصان حقوق الناس وتُقضى مصالحهم، لأنهم استجابوا لله لما قال لهم:{يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أ قرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون}5.

 النفاق:

 قال الله عز وجل:{إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولئك هم الكاذبون}6، وقال سبحانه:{إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب}7، وإن الرسول عليه الصلاة والسلام عدَّ الكذب من أوصاف المنافقين حينما قال: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أتمن خان))8.

لقد كثر في مجتمعات المسلمين الكذابون الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، والذين يدَّعُون ما ليس فيهم، قوالين غير فعالين، يَسْحَرون الناس بخطاباتهم المنمقة، وعباراتهم المزوقة، لا يُحسِنُون غير الأقوال، ويُرَوِّجون الأكاذيب تلو الأكاذيب، حياتهم مبنية على الكذب والنفاق والغش، ولقد عُرف هذا الزمان بزمان الكذب والوعود الفارغة، واللعب بالعقول والعواطف، وتخديرها بوعود لا يتحقق منها إلا الشيء القليل القليل، ولقد ارتفعت نسبة الكذابين الذين يتاجرون في قضايا أمتهم، الناكثين لعهودهم، الحانثين في حلفهم، المتآمرين على مستقبل بلدانهم سرا وعلانية، المشاركين في نهب أموال أمتهم، المُصِرين على تمزيق وحدتها ومحاربة دينها، ولقد خاف الرسول صلى الله عليه وسلم من مثل هؤلاء الأشخاص إذا تولّوا أُمور أمته من بعده، وحذّر منهم غاية التحذير، لِمَا فيهم من خطر بالغ على الإسلام والمسلمين فقال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان))9 ، وسببُ خوفِ الرسول عليه الصلاة والسلام على أمته من المنافق المزوَّق الظاهر المخرب الباطن، لأنه يخفي الباطل، ويُظهر الحق فينخدع الناس بظاهر قوله، ويسحرهم بلسانه وبيانه، ونيتُه تفتل في حبل المكر، وقلبه يفور بالغدر، وفؤاده خاو من اليقين والصلاح، فالمنافق الجاهل ليس وراءه خطر، إنما الخطر من المنافق الحلو اللسان المخرب الجَنان.

وإن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر المنافقَ العليمَ اللسانَ خطرا محدقا بالأمة، ناقضا لقواعد وأصول وجودها وأمنها وسلامتها، ومن خلال أسلوب الحديث النبوي البليغ يتبين لنا مدى خطر المنافق وضرره على الأمة، ولذلك حذر الرسول منه أمته، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:”حذَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل منافق عليم اللسان”10.

وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((إن أمام الجيل وفي حديث -إن بين يدي الساعة- سنين خداعة، يُكَذّبُ فيها الصادق، ويَصدَّقُ فيها الكاذب، ويُخَوّنُ فيها الأمين، ويُؤتمنُ فيها الخائن، ويتكلم فيها الرُّوَيِبضَةُ، قيل وما الرويبضة؟، قال: الفاسق يتكلم في أمر العامة، وفي رواية: -التافه الحقير يتكلم في…-))11، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخُلف من بعدهم خُلُوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل))12، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم نبأه الله أن أوضاع أمته سيتولاها أناس يعملون بغير هُدىً ولا كتاب منير، يفعلون ما لا يؤمرون به في كتاب ولا سنة، وأنه سيتولى أمورَ المسلمين سفلة فسقة رويبضات، ذراري طائشون، عن الشر لا يتورعون، وإلى المعالي لا يتطلعون، تذوق الأمة الويلات بسبب خفتهم وطيشهم، فهذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، والأمر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله: “يا قوم: الإسلام يبكي ويستغيث! يدُه في رأسه من هؤلاء الكذابين الفجار من هؤلاء الفُساق أهل الضلال من اللابثين ثياب الزور، المدّعين ما ليس فيهم”.

إن المؤمن الصادق الحاذق لا يشهد الزور، ولا يكذب، ولا يُخلف الميعاد، بل هو تقي زكي ذكي، لا ينخدع بأقوال وأفعال أهل النفاق الكاذبين الناكثين الغشّاشين، ولا يغتر بوعودهم الزائفة، وأيمانهم المغلظة، قدوتُه في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان من شدة ذكائه وحيطته لا يثق حتى في نفسه التي بين أضلاعه، كان شعاره الدائم: “لست بالخِبّ ولا الخِبُّ يخدعني”، والخِبُّ هو الخدََّاع المكّار الخبيث، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((لا يُلدغُ المؤمن من جحر مرتين))13، ومعناه أن المؤمن لا ينبغي أن يُخدع ويُستغفل مرة بعد مرة ولا يفطن، فينبغي لمن ناله الضرر من جهة أن يتجنبها حتى لا يقع فيها مرة أخرى.

قال ناصح أمين: ا تُخدعوا بِتَمَائِمِ الشيطان                 ومُزخرفات الزور والبهتان

قامت لنصر الله أُسْدُ محمد               فَتَحَشَّدَتْ زمر من الأعوان

علوا المنابر وانْبَرَوْا بفصاحة                   يتملقون موائد  السلطان

ما أنكده من عيش، وما أشقاها من حياة نحياها! عصر كثر فيه دعاة الباطل قليلو المروءة، عديمو الحياء، الغشاشون الخدّاعون المنافقون، مُروجو الأكاذيب، يعاهدون الناس بعهود ووعود هم أول من يعلم أنه لن يتحقق منها شيء، لا يُحسنون إلا الأقوال التي تَسْحَر العقول الضعيفة، وتأسر القلوب المتذبذبة، من أجابهم إلى دعاويهم شاركهم في وزرهم، ومن سكت عن جرائمهم كان مثلهم، ومن صَدَّقهُم فيما يدعون شاركهم في كذبهم.

سيُسْفع بالنواصي الكاذبات                تمطت بالنوادي الخاطئات

يُزور بعضهم قولا غرورا                ويلبَسُ من مُسوح المكْرُمات14

ذئاب في ثياب لو تراهم                 نُكوسَ الرأس من بعد الممات

في هذا الوقت ينْشُط سوق الكذب، وتُرَوَّج أفكار الكذابين، ويُصَدِّق المغفلون وُعودَهم، وتُنصَب شباك الاحتيال بلُحُون القول ومعسول الكلام، وهِبَات الكرم وعطايا الجود، ألا وإن من أعظم أنواع الكذب، الكذب على الأمة والشعوب، وتخدير عقولهم بعبارات رنّانة طنّانة، واللعب بعقولهم وعواطفهم، ووعْدِهِم بوعود زائفة، وتمنيتهم بأُمْنيات لا يتحقق منها لمن يرجوها إلا كما يتحقق لمن يجري وراء السراب، وأي تزوير أخبث من الكذب على المسلمين وقلب الحقائق عليهم ولفّها في وعود خيالية، فتضيع معها الحقوق، وتُبَدَّدُ الثروات، وتتعطل المصالح وتفسد الأوضاع، وتتعقد الأزمات، ويُشَرَّدُ المستضعفون، ويزداد الشر استفحالا.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن خيركُم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يُستَشهدون، ويخونون ولا ُيؤتَمنون، وينذُرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن))15.

اللهم جنبنا الزور والنفاق، واحفظنا من السقوط في فخاخ المزورين، وجنِّبْنا الانخداع بكذب الكاذبين، آمين يا رب العالمين.


 

1- رواه مالك في الموطأ وأحمد والحاكم والبيهقي عن أنس بن مالك.

2- سورة الحج الآيات: 30 -31
3- سورة الفرقان الآية: 72
4- سورة المعارج الآية:33
5- سورة المائدة الآية:8.
6- سورة النحل الآية:105
7- سورة غافر الآية:28

8- رواه البخاري عن أبي هريرة.

9- رواه الطبراني في الكبير عن عمران بن حُصَين، قال الحافظ المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح، انظر المنتقى من الترغيب والترهيب للقرضاوي حديث رقم:87

10- رواه أحمد والبزار والهيثمي ورجاله موثقون، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح

11- رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى عن أنس

12- رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود.

13- رواه مسلم عن أبي هريرة

14- المسوح: لباس أهل الصلاح من الرهبان

15- رواه مسلم عن عمران بن حصين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.