منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

َنعْيٌ في الفيس بوك (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

كان كريم يظن أنه إذا اشترى شقة ودكانا في بلده المغرب ..سيُعيد كرامته ومعها سيُعاد كبرياؤه بعد أن تنازل عنهما لزوجته الأجنبية العجوز مقابل حصوله على أوراق الإقامة و الجنسية..
كان يظن أنه إذا بعث مبالغ مالية و هدايا فاخرة سيُخْرس الألسن التي تلوك سيرته في غيابه طول السنة..
كان يظن أنه إذا بعث والدته إلى العُمرة واشترى لأخيه سيارة رباعية الدفع للاستعمال الأسَري سيتخلص من ألسنة الأقارب والأصدقاء وهي تسخر من أوراقه التي تجاوزت الخمسين سنة ..
كان كل حلمه أن يعود إلى المغرب بعد وفاة زوجته العجوز و الاستفادة من إرث مريح.. فيشتري ضيعة فلاحية مجهزة بكل أدوات الراحة.. يقيم فيها بقية عمره ..ويتزوج بفتاة مغربية يستعيد معها كل ما ضاع منه..وهو لا يدري إن كانت فحولته ستسعفه حينئذ أم لا ؟؟..
كان كريم قمّة الكرم ..اسم على مسمى .. كريما مع الجميع ..بهداياه ..بعطاياه ..بابتساماته ..و بزياراته .. بصلة الرحم ..كلما حلّ بالمغرب..في العطل الصيفية ..مع حرمه المصون..
في فاتح أبريل 2020..ولم تكن كذبة أبريل..رأى أحد أصدقاء الطفولة ..صورة كريم في الفيس بوك.. مع تعزية من الجالية المغربية بإيطاليا.. تقول ..
” بعد صراع مرير مع فيروس كورونا بأحد مستشفيات ميلانو الإيطالية ..يلتحق المهاجر كريم سندس صباح اليوم بالرفيق الأعلى ..كريم مهاجر مغربي من الدار البيضاء ..وسيدفن بالديار الإيطالية ..لأن حدود كل الدول مغلقة ..ومدن كل الدول مغلقة وبيوت كل الدول مغلقة..ولا مجال لنقل جثمانه الى المغرب..ولهذا نتقدم بأحر التعازي الى زوجته الإيطالية فينسيتا و أسرته المغربية بالمغرب..وإنا لله وإنا إليه راجعون..”
حين قرأ المنشور أحس بالارتباك ..وشعر بالاضطراب ..واحتار في الامر..أيصدق الخبر؟؟ أم هي مجرد كذبة ابريل؟؟..فعاد الى التعليقات ..عندئذ تأكد من صدق وفاته وهو يقرأ تعليقات أصدقائه و هم يتحدثون عن ملابسات وفاته أيام الحجر ..
في مساء ذلك اليوم زار أسرته لتقديم واجب العزاء في هذه الفاجعة ..فأصيب بصدمة أخرى..أنّ أسرته لا علم لهم بمرضه ولا بوفاته ..وتركهم يتساءلون..وتسلل منسحبا..
كادوا يُصابون بالجنون والاسئلة تتقاطر عليهم من كل صوب..
كيف يحدث هذا دون علمهم ؟..لماذا لم تتصل بهم زوجته ؟.. وأصدقاؤه أين اختفوا ؟؟..
كيف يموت هو و تعيش زوجته العجوز ؟،؟،؟ كيف يقتل الفيروس شابا في ريعان شبابه و لا يفتك بامرأة تجاوزت الخمسين من عمرها ؟؟؟..وغيرها من الأسئلة ..
بعد بحث مضن بين الأرقام ..وبعد جهد جهيد من الاتصالات ..تبلغهم زوجته فينسيتا بوفاته وأنه دفن بإيطاليا لأن الظروف فرضت ذلك.. و لأنه يحمل الجنسية الإيطالية ..
قضوا أياما بين صعود و هبوط ..قضوها مشْيا ذهابا و إيابا بين وزارة الخارجية المغربية و السفارة الإيطالية ..الى أن حصلوا على شهادة الوفاة و أوراقه التبوثية ..ورسالة تعزية ومواساة من السفارة الإيطالية ..
وحين مات اكتفى المعزون بتقديم التعازي عبر الهاتف..معتكفين ببيوتهم وكأنه لم يفعل فيهم يوما صنيعا ..وهو الذي كان جيبه و صدره مفتوحا للجميع..ويده ممدودة دون حساب..
مسكين كريم لم يحظ بمأتم لا في ايطاليا و لا في المغرب ..لأن كورونا منعت الاعراس و المآتم وصلاة الأعياد..هذا ما كانت تردده والدته كلما تقدم احدهم بتعزية عبر الهاتف..مضيفة ..مسكين كريم عاش مهملا في حضن وطنه ومات بعيدا عن بلده..و يدفن في ارض المهجر .. غريبا كنبتة زُرِعَت في غير أرضها..مسكين كريم جرى خلف الدنيا ولم يترك خلفه ذرية تدعو له بالرحمة ..مسكين كريم حصّل على شواهد جامعية..فلم تنفعه في أي مباراة.. ولم يوفق في الحصول على أي وظيفة..حينئذ فضل الهجرة السرية..وعاش عالة على تحفة تاريخية سميت مجازا زوجته..مسكين..والله ِمسكين..
كل من سمع بخبر وفاته شعر بالحزن و تعاطف معه ..حتى جيرانه الايطاليين تعاطفوا معه وقد جاء في تدوينة احد جيرانه في العمارة الذي تقع شقته قبالة شقة كريم..يقول فيها
” وفاة كريم المغربي كان خسارة للقريبين منه وصدمة للجميع ..حين فُرِض الحجر الصحي ..اعتكفت زوجته في البيت .. واعتزلت الناس.. أما كريم فظل يخرج ويدخل مستهترا بحياته دون كمامة حتى صادف الفيروس في طريقه..لأنه لم يكن يصدق بوجود حقيقي لفيروس قاتل اسمه فيروس كورونا كوفيد 19..ولما أصيب به.. ظل يصر على إخفاء مرضه وعدم الاعتراف به ..الى ان تفاقمت حالته.. حتى دخوله الى المستشفى لم يكن يعلم به احد من أصدقائه..”
مات كريم وهو يعتقد انه بعد مدة سيخرج من المستشفى ..وخرج فعلا لكن جثة في صندوق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.