منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حديث؛ “تـداعي الأمم على أمة الإسلام”.

بقلم عبد الحفيظ الإدريسي.

1

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

سنحاول في هذه الصفحات أن نتدارس حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم، له أهميته في بيان “تداعي الأمم”، فهو جامع للكلم وفصل الخطاب بموجز العبارات وأدقها وأشملها وأنسبها “ويختزل النبي صلى الله عليه وسلم الأحداث التي تقع على مدار مساحة زمنية ومكانية كبيرة جدا، يختزل هذا في أقل عدد ممكن من الكلمات”{1} وفي مجالات ونواحي مختلفة سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية.

1- نص الحديث:

المزيد من المشاركات
1 من 11

عن ثوبان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أوَمن قلة نحن يومئذ؟ قال: “بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن”، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: “حب الدنيا وكراهية الموت”){2}.

2- تخريج الحديث:
أخرجه أبو داود في سننه 222/4حديث رقم: 4227. والإمام أحمد في مسنده 270/1، حديث رقم: 21890. وابن أبي شيبة في مصنفه 7/464. والطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم: 2412. وابن أبي عاصم في الزهد، 244/2، حديث رقم: 260.

وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 24/448. وابن أبي الدنيا في العقوبات حديث رقم: 1. ورواه الطيالسي في مسنده،222/2 حديث رقم: 2801. وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء، 202/2 حديث رقم: 628، المتقي الهندي، في “كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال”، 10/22. والبيهقي في دلائل النبوة، 6/ 144.

3- شرح الحديث:{3}

– يوشك الأمم أن تداعى عليكم: يقرب فرق الكفر وأمم الضلال الاجتماع ودعاء بعضهم بعضا

– كما تداعى الأكلة إلى قصعتها: يتناولون منها بلا مانع ولا منازع فيأكلون عفوا صفوا

كثير: أي كثير عددا وقليل مددا.

– ولكنكم غثاء كغثاء السيل: ما يحمله السيل من زبد ووسخ شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم.

– ولينزعنَّ المهابة: ليخرجن الخوف والرعب.

– وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن: وليرمين الله في قلوبكم الضعف.

– حب الدنيا وكراهية الموت: وهما متلازمتان فكـأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين.

4- المنهج النبوي في تأطير الحديث:

هذا الحديث الشريف من المداخل الأساسية التي يمكنها أن تعيننا على التحديد الصحيح والدقيق لنقطة الانطلاق في التغيير الحضاري الراهن للعالم، فللحديث منطقية ومنهجية خاصة في تفسير الظاهرة الاجتماعية فقد توصل إلى استخراج القانون الذي يحكم الظاهرة الإنسانية. إذا لم يكن تكهنا، بل وعي مستوعب في عالم الأسباب وفهم مستنير للسنن الإلهية، واستخدام ناجح للمنهج الذي يشكل وعيا تاريخيا مستقبليا، ينتج عن إدراك عميق للنفوس البشرية وللحركة الاجتماعية عموما، وبل ويلمس الجانب الاقتصادي كذلك. وهذا الحديث فيه بيان ونصحيح ووصف لحال الأمة الإسلامية، إنه يقرر أمرا غاية في الأهمية إذا ما أراد المسلمون عزهم والحياة الكريمة، وحسن العقبى عند لقاء ربهم جل وعلا، خطاب للأمة الإسلامية جمعاء، حكومات وقادة، شعوبا وأفرادا، ولا شك أن ما يحفظ هيبة المسلمين أن يكونوا مجتمعين، ولن يكون لهم اجتماع ما لم تكن لهم قيادة، ولن تكون قيادة ما لم تكن طاعة.

يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعا في كامل قواه الدينية والاجتماعية والاقتصادية في زمانه ومكانه. الاستثناء هو كيف أن الصحابة استغربوا الأمر ولم يستوعبوه ليس لجهلهم ولكن لنظرتهم الواقعية وهم آنذاك في موطن عزة وغلبة ونصر وتمكين في الأرض. ولكن من يأتي يدرك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته سوف يعتريها حالة من الضعف. كما تدرك التبيان والاختلاف بين حال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.

إن الناظر في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم يرى “أنه لم يعان من الثنائية، بين هدايات الوحي ومدركات العقل، بين التعامل مع السنن الجارية”{4}. ولفهم واستيعاب الحديث النبوي الشريف يجب أن نضعه في سياقه الزماني والمكاني وإدراك مقاصد المنهج في كل مرحلة والتعامل مع هذا المنهج من خلال العصر والتعامل مع العصر بواقعية وحركية. وهدفنا في دراسة هذا الحديث تحقيق أمرين اثنين لابد منهما في كل مشروع للنهوض الحضاري واستيعاد العافية.

أولهما: فقه المنهج النبوي بعد التأكد من ثبوته، من حيث النقل والحفظ، لأنها المرحلة الأولى والأساس التي يقوم عليها البناء.

ثانيهما: فقه التعامل مع المنهج تطبيقا على الواقع، الأمر الذي يقتضي فقه الواقع الإقليمي، والعالمي، والإنساني، واستطلاعاته{5}.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مستوعبا خصوصية التخطيط لحل المآزق العالمية التي تلته والمأزق العالمي الراهن.يمكن أن نلتمس من هذا الحديث جوانب الخلل والضعف في حياتنا النفسية والعقلية والسلوكية والعمرانية والتربوية وجوانب القوة والتمكين في الأرض استمرارا للعزة الإسلامية،من خلال عدة أبعاد نقتصر منها على الأبعاد التالية:

البعد التوحيدي:

يتجلى في قوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل ما الرهن، قال: “حب الدنيا وكراهية الموت”. فالدين والتوحيد غيب بحب الدنيا والجري وراء الملذات والشهوات فإن حب الدنيا يلزم كراهية الموت. وحب الدنيا ضمنيا وإعطائها أكثر مما تستحق يغيب الدين وإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تنتصر على عدوها فلتطلق الدنيا لأنها من أسباب الذل والهوان، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلالا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم”{6}.

البعد التنظيمي:

اكتمل البناء البشري النسبي الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم وحافظ عليه الخلفاء الراشدون المهديون بحفظ الله. وانتهت الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثين سنة. وقوله: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم”: يعضضه قوله عليه السلام: “لتنقضن عرى الإسلام عورة عورة، فكلما انتقضت عورة تشبن الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”{7}. ونحن نستمع إلى مبلغ الوحي النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا في زمانه بزماننا من ماض مؤسس عن لاحق مخرب مهدم مفتت، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى”{8}. كان جسم الأمة قبل الصدمة الاستعمارية كيانا رثا باليا ضعيفا، كانت قابلية الاستعمار، كما يقول مالك بن نبي، تنادي بحالها من يملأ فراغ الضعف بالقوة، كانت التجزئة السياسية أمرا واضحا مزمنا وشكل ظلم الحكام للرعايا قابلية للتجزئة الاستعمار استحكاما.”فأي وزن في السياسة والأخلاق يرجى من المسلمين ما دام التعبير عن مطامحهم بين أصالة مفقودة وعصرية ممتنعة؟”{9}

البعد النفسي – التربوي:

لكل سبب مسبباته فكذلك الوهن فهو: “وصف للأمراض الطارئة على الأمة لما غيب العدل في المجتمعات الإسلامية وقتل مبدأ الشورى وأصبحت جثة هامدة لأرواح فيها والعدل والشورى ممتنعان ما لم نعالج العلة الكامنة في النخاع”{10}.

فالأزمة هنا أزمة كامنة في عالم النفوس وامتدت إلى عالم المجتمع ثم انتشرت في عالم الثقافة وعالم التاريخ والرسالة النبوية في هذا الحديث في حقل البناء الحضاري، حيث يتبين منهج كشف العائق وكشف السنن وكيفية تركيبها لتصبح ثقافة اجتماعية حية تتجسد فيها قيم الوحي ومعاييره ونظمه الحياتية المتنوعة والشاملة لحياة الناس الدنيوية والأخروية، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصف حال الأزمة الإسلامية، يقدم العلة الحقيقية للظاهرة المرضية مرجعا إياها إلى مصدرين أساسيين:

الأول:” التحول الجاري في نفسية الأعداء، أي المجتمعات والثقافات التي تعادي الإسلام قديما وحديثا (الغرب واليهود) والتي سعت وتسعى إلى إنهاء الوجود الحضاري للإسلام كمعامل حاسم وأساسي في إحداث التوازن الكوني إجتماعيا وهذه التحولات جعلت من هذه النفسيات تكتسب مناعة وقدرة على مواجهة قوى الأمة والعمل للفتك بها.

الثاني: التغيرات الجارية في نفسية الأمة (فردا ومجتمعا) الذي أرجعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى فاجعة العصور والدهور، ومعضلة النفوس، والعقول، وآفات الحضارات والثقافات، وهي: “حب الدنيا وكراهية الموت”{11}.

ما ورد في الحديث النبوي الشريف سنة عن سنن الله في الخلق ورؤية واضحة للمأزق العالمي الراهن الذي تشكل من التحول النفسي والذي تم في نفسية صانعي الحضارة الحديثة لما في ذلك الجانب العقلي والفكري والمنهجي والعمراني والثقافي والتكنولوجي والسياسي والاجتماعي والتربوي. والتحول الفلسفي الذي تم في نفسية الإنسان المسلم بها في ذلك جوانب الفعالية الثقافية الثلاثة: العقل والقلب والروح{12}.

وضعنا الحديث النبوي إذن أمام حوار صادق بين المجتمع الإسلامي الوليد الذي كان في أحسن الظروف؛ انسجاما وفعالية اجتماعية وبين المجتمع الإسلامي في مستقبل الأيام، إلى أن يشاء الله. وفيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لمرجعية توجيهية وتبيين للخطاب الإلهي، والحديث يقدم المساعدة الإلهية الأولية اللازمة لبناء حضارة العصر الإسلامية العالمية وذلك بتحديده للمشكلة الإنسانية المعيشة.

خـاتمــة:

أتاح لنا الحديث فرصة عظيمة واختصر لنا زمنا طويلا قد نقضي فيه كأمة ويقضي فيه غيرنا من الحضارات القادمة قرونا متطاولة بعلومهم الإنسانية والاجتماعية، ليصلوا إلى تحقيق النتيجة المذهلة التي توصل إليها الحديث منذ قرون، فقد حدد لنا رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم موقع المرض العضال الذي خلق حضارتنا وهو بصدد إسقاط الحضارة الغربية، ثم قدم لنا الحل، في منهج قاعدي لتركيب حضاري يؤهل الإنسانية للدخول إلى العصر العالمي.

فهذا الحديث يقدم منهجية لعالم التاريخ وعالم النفس، وعالم الاجتماع والمفكر المسلم، لأنه يوفر عنهم تكاليف تأسيس منهجية لدراسة أزمة الأمة الحضارية على حد تعبير مالك بن نبي رحمه الله.

والحمد لله رب العالمين.

————————-

الهوامش:

1- من: “ملامح الإعجاز في السنة النبوية في حديث تداعي الأمم على الأمة” أبو جهاد الأنصاري (شبكة أنصار السنة. موقع إلكتروني. تاريخ النشر 25/03/2016).

2- عون المعبود شرح سنن أبي داود، شرف الحق عبد العظيم آبادي، تحقيق أبو عبد الله النعماني الأثري، كتاب الملاحم، رقم الحديث: 4297. (دار ابن حزم، ط: 1، 1426هـ/2005) الصفحة::1848.

3- المرجع السابق. الصفحة: 1849 و1850. (بتصرف).

4- المنهج النبوي والتغيير الحضاري. برغوث عبد العزيز مبارك، (كتاب الأمة. عدد 43). الصفحة:32.

5- نفسه الصفحة: 36.

6- رواه أبو داوود، عن ابن عمر رضي الله عنهما. حديث رقم: 3464. (وهو حديث صحيح بطرقه).

7- رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه.

8- كتاب العدل؛ الإسلاميون والحكم، للأستاذ عبد السلام ياسين. (الطبعة الأولى، 1420ه 2000م). الصفحة: 46.

9- نفسه. الصفحة: 41.

10- نفسه. الصفحة: 49.

11- المنهج النبوي والتغيير الحضاري. (مصدر سابق). الصفحة: 88.

12- نفسه. الصفحة: 90.

تعليق 1
  1. أمينة الأزهري يقول

    وفقك الله أستاذ عبد الحفيظ ويسر لم دروب العلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.