منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمي أكبر من الجامعة

0
اشترك في النشرة البريدية

صعد المتخرج إلى المنصة من أجل تسلّم الوسام. أوقف المسؤول أمّه امتثالا للأعراف و”النظام”. استشاط الطالب غضبا فنزع ملابس التكريم، مصحّحا بروتوكولات التنظيم لما عانق أمه و قبّل رأسها ثم صاح: ‘ أمي أكبر من الجامعة’. صفّق له الجميع ولسان حالهم يردد: ‘هي أكبر من الجامعة يا بطل، هي أكبر من جدرانها وزخرفة أبوابها وسطوحها. هي أكبر من الزرابي والكراسي والمكيفات والمختبر. هي أكبر من السيارات الفارهة المترامية في جنبات الكلية والمرأب. هي أكبر من المسؤول والعطر الباهض الثمن المرشوش على الزي والقماش. هي أكبر من الشهادة الورقية المختومة بخاتم من كان طفلا فرعته أمّ ليتسلق أدراج سُلّم الحياة من لعب، ثم لهو، ثم زينة فتفاخر بالأولاد وتكاثر في الأموال وتغير في الأحوال’.

من حق الرجال أن يذرفوا الدموع وبخشوع في مواقف كهذه حتى وإن انهمر شعر اللحية على خدودهم أو سال الشارب على شفاههم. من حقهم البكاء حتى وإن تفتّلت عضلات أجسامهم وخلايا عقولهم. بل، من حقهم النواح علنا رجاء لا تضحكن يا معشر النساء.

مخطئ من يظن أن مشاهد البطولة لا يمكن أن تُوثّق إلا في ساحات الوغى وأمام العسكر والآليات. مخطئ من يظن أن البطولة ‘ركمجة’ في العواصف الهوجاء والليالي الظلماء. مخطئ من يظن أن البطولة مجرد عنف وقوة وشجاعة وصبر و جلد. البطولة الحقة يا روادها هي خفض لجناح الذل للوالدين والدعاء لهما. البطولة الحقة  يا طلابها هي أن تموت أقساطا في طلب رضاهما وعفوهما.

أن يرقّ قلب ابن وطلاّب لمشهد كهذا هو انتصار للأمومة والإنسانية كلها. هو انتصار لمنطق يميز بين القانون وروح القانون. حروف القانون أخبرت بعضنا بأن طلب الإمتثال الصلب والخشن يعلمنا الحيلة والتمرد والخداع ، أما دروب الواقع فهي دوما تعلمنا بأن البون شاسع في التطبيق والتنزيل في وسط المتناقضات، فتارة أنت مطالب باحترام صغائرتضمنتها المذكرات وفي أماكن وأحايين أخرى يكون من المسموح لغيرك بخرق كبائرنصّت عليها البلاغات، وفي كل أنت تحت رحمة مزاج الساهر على الحق والإزدواجية المقيتة في التعامل مع أبناء البلد. وهكذا فإن طامتنا الصغرى في العديد من الأقطار والأمصار هي أننا نقرأ النص بمعزل عن السياق. أما طامتنا الكبرى فهي وضع الأثرياء والوجهاء فوق الدساتير، فيما يرزح الفقراء تحتهم بصمت لأن المكائد تُحاك والصوت خافت والسمت مؤشّر و الثياب رثّة وأرقام الهاتف إن وُجد فيها المسحوقون من بسطاء الناس ليس إلا .

لقد خرجنا عن الموضوع شيئا ما وبقصد لأن مجرد الوقوف عند المشهد يُنسينا بعض الخيوط الخفية. وحتى نكون منصفين حق الإنصاف، فإننا نؤكد وبصراحة بأننا مسؤولون أيضا عن الكثير من أوضاعنا ومآسينا. ما معنى أن يُجلس مدرّس أبناء الموظفين أمامه – الحمد لله أن أمثال هذا المدرس قليلون- فيغدق عليهم من كريم معاملاته وابتساماته؟ وكأن الفقير الجالس هناك في الصف الأخير في غير حاجة إنسانية ماسّة إلى صدقة الإبتسامة ونبل الإهتمام. وكأنه مسؤول عن فقره والظروف الهشة التي عجنت شخصيته ليميل إلى فرط الصمت و الإنعزال. هب أن الطالب المذكور أعلاه كان ابن مسؤول في الكلية أو سلك من أسلاك الشرطة. هب أنه كان ابن مسؤول رفيع في القطاع. على أي، تصور وتخيل مادام الخيال فسحة للتفريغ شرط أن لا تبوح به. فقط تخيل، وإياك أن تنسج أفكارا تصبها في قوالب لغوية محاولا أن تقرأ الواقع بنقد يتجاوز المشهد ليسبرالأعماق.

المزيد من المشاركات
1 من 49

ختاما، دع الطالب الفلسطيني وأمه يمرّان إلى المنصة أيها المسؤول. دعهما معا فتتويجه تتويج لها ولنا أيضا، لا تفسد الفرحة ولا تحرق الكبد. دع النجاح يمرّ فيعانق المنصة لعله يصبح غصّة في حلق أعداء أبناء الهامش. دع الشاب يُتوج عسى أن يصبح معلّما أردنيا حرّا شريفا بحق لاقى من الحيف ما لاقى فصاح في فيديو آخر مؤثرا: ” أنا الوطن، أنا البلد…”. تتعدد التجارب والأفراد، وتختلف حركاتهم وسكناتهم وتبقى الحقائق مدوية. الأم أكبر من الجامعة والمحيط والمدرس هو الوطن، هو البلد، هو التاريخ، هو الجغرافيا. موتوا بغيظكم وبعقوق الأم والمعلّم والبلد يا جنود أجندات بلا زيّ وبلا حذاء.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.