منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عودة منير الى الحي (قصة قصيرة)

نور الدين النبهاني

0
اشترك في النشرة البريدية

مسك منير بيد ابنته وخرج مطأطأ الرأس وكله خَجَل وحسْرة..بعد أن رفضت مديرة المؤسسة منحه شهادة انتقال ابنته الى مدرسة عمومية إلا بعد أن يسدد ما عليه من ديون.. و هي مصاريف ثلاثة أشهر ..اعتذر ..توسل ..لأنه لا يملك مالا ..وأنه عاطل عن العمل منذ اجتياح الجائحة ..
عند خروجه من الادارة خائبا ..فوجئ بالعديد من الآباء يرغبون في نقل أبنائهم الى مدارس عمومية بمناسبة الدخول المدرسي ..شتنبر2020..لا يختلف حالهم عنه كثيرا..
في الطريق طلبت منه ابنته أن يحكي لها شيئا عن والدتها التي ماتت بسرطان الثدي ..منذ سنة ..فهي تحب أن تسمعه وهو يحكي لها عنها ..وظل يحكي لها طول الطريق ..ان والدتها المقيمة فوق السحب تراقبهما ..ترافقهما ..بل تبتسم لبثينة ابنتها اذا قامت بعمل جليل ..وتحزن اذا أسأت بثينة التصرف..ابتسامتها كانت رسالة محبة.. تحيي الورود اذا ذبلت و تبهج القلوب اذاحزنت..
وظل يحكي لها الى ان وصلا الى بيتهما ..لعله بالحكي يحاول نسيان همومه..
لم يبق هناك ما ينيرلمنير دربه في ظروفه الراهنة ..لا مصباح و لا شمعة ولا قنديل..بعدما كان صاحب وكالة سياحية للاسفار ..يسكن في شقة راقية بحي كاليفورنيا..و سيارة رباعية الدفع..وزوجة جميلة و أنيقة تمسك حسابات الوكالة..كل ممرات دروبه اصبحت مسدودة و الانارة فيهم باهثة..
قبل الجائحة بسنة سيدخل في دوامة الانكسارات ..حيث أصيبت هاجر زوجته بسرطان الثدي ..صرفا كل مدخراتهما على العلاج..لكن لما بُتِرَ لها ثديها الأيسر ..لم تستحمل شكلها ..بعدما أصبحت بوجه شاحب و ملامح ذابلة وعيون حزينة..بلا شعر في الرأس ولا رموش في العينين..وبثدي واحد إضافة الى آلام العلاج الكيماوي..وهي التي كانت تتباهى بشعرها الطويل الأملس والمتموج أحيانا ذي اللون الأشقر..وقوامها الممشوق و جمالها الاخاد وأناقتها الملفتة للنظر..تتحول اليوم الى بقايا امرأة.. ..
كل عبارات التشجيع التي كانت تُقال لها .. تتلاشى أمام احساسها أن ابتسامتها متسخة بتراب و غبار الحزن و ملطخة بدماء عملية بتر الثدي..فامتنعت عن استقبال الزائرين لها ..ورفضت التجاوب مع الأطباء..تدهورت نفسيتها ودخلت في حالة اكتئاب حاد ..ورغم المصاريف الباهضة و تكثيف مدة العلاج ..إلا أنها لم تصمد طويلا أمام هذا المرض ..وفارقت الحياة ..رحلت و تركت خلفها ابنة عمرها لا يتجاوزسبع سنوات ..
حين حلت جائحة فيروس كورونا أواخر شهر مارس..واغلقت الدول حدودها برا ..بحرا..وجوا..اضطر منيرالى اغلاق الوكالة و تسريح العمال..وظل يقتات من بيع التحف التي كان يقتنيها رفقة زوجته من أغلب الدول السياحية التي كانا يتعاملان معها او يزورانها ..كل اصحاب “البازارات ” يعرفونه و يشترون منه تلك التحف بثمن بخس..كان يعلم ذلك لكن ليس امامه حل آخر..
حين نفدت التحف ..واشتدت الازمة عليه باع السيارة..وبثمنها ظل يعيش و يدبر اموره مع ابنته ..والديون تتراكم عليه مع الايام ..حتى الأبناك بعد جدولة تلك الديون لم تؤجلها إلا اربعة اشهر ..
لم يبق امامه إلا بيع الشقة..وتسديد الديون التي عليه ..والعودة الى بيت والدته العتيق بالحي المحمدي..الحي الذي ولد و تربى فيه..لينقل ابنته الى مدرسة الحي التي درس بها ..ابنته التي كانت تدرس في مدرسة خصوصية باهضة التكاليف مابين مصاريف التعلم و النقل المدرسي ووجبة الغذاء..
سيعود الى حيه ليبدأ من الصفر ..بسبب رجل صيني كما يعتقد ..أكل وطواطا مريضا و هاهو بلا ذنب يدفع الثمن ..وعليه أن ينطلق من جديد كما فعل اول مرة..
منير ابن حي شعبي ..من أسرة فقيرة..تربى يتيم الأب..بعد حصوله على الإجازة في العلوم الإقتصادية اشتغل بعدة شركات سياحية ..فكسب خبرة كبيرة وعلاقات متشابكة ..وحين التقى بهاجر..قررا إنشاء وكالة سياحية خاصة بهما بعد زواجهما ..
نجح المشروعان ..مشروع الزواج و مشروع الوكالة ..وعاشا في رغد ..وحققا أمانيهما ..لولا مرض هاجر المفاجئ..وموتها ..ونزول الجائحة كالصاعقة ..هنا انقلبت حياته رأسا على عقب ..وعاد من حيث انطلق..وفي رقبته مسؤولية طفلة تفتقد الحنان و تشعر بالفراغ كبير واشتياق أكبر لوالدتها..
باع الشقة وكثيرا من أثاثها الرفيع ..سدد ديونه..ونقل الباقي الى بيت الاسرة..حيث استقر مع ابنته في بيت والدته التي استقبلتهما بالاحضان ..
ظلت والدته الحاجة حليمة تعيش في بيتها العتيق بالحي المحمدي وحيدة..منذ هجرة ابنتها فاطمة الزهراء الى كندا بعد زواجها من زميلها وإقامتهما مع الحاجة لمدة ثلاث سنوات..لكنهما رحلا رفقة ابنتهما شيماء..
سفر فاطمة الزهراء جعل الحاجة حليمة تحس بالوحدة اكثر من الوحدة التي كانت تشعر بها حين ترملت و هي في عز شبابها ..لما توفي زوجها مخلفا لها مسؤولية طفلين صغيرين منير و فاطمة الزهاء ..فشمّرت عن ساعديها ..واشتغلت حتى حققت فيهما كل ما تتمناه ..
بعودة ابنها و حفيدته ..عادت لها الحياة والبهجة و الابتسامة ..واستعادت احساسها باهميتها و بمسؤوليتها تجاه الابن و الحفيدة في كل ما يحتاجانه..
أصبحت كلما دخلت صباحا الى غرفة منير التي اعتكف بها ..تراه ممددا على السرير ينظر الى السقف طويلا..ويفكر مليا ..تخاطبه مشجعة
-” اصبر يا ولدي ..الصبر مفتاح وعلاج ..ولا تنسى ان الله مع الصابرين ..ماضاقت حلقاتها إلا و فرجت رحمة منه بنا ”
يجيبها بصوت منخفض يكاد يكون همسا
-” ما عدت املك الا الصبر ..سأصبر مرغما في انتظار الفرج”
أما والدته فكانت في غاية السعادة لأن ابنها عاد الى حضنها ..عاد رفقة حفيدتها..وملآ عليها البيت حسا و حركة و أنسا
هي كل ما تتمناه من دنياها أن يعيش ابنها تحت جناحيها و الحفيدة في حضنها ..والباقي لا يهم بالنسبة لها.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.