منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رسالة الى السيد الوزير (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

أنا مواطن مغربي من العامة، حباني الله بكل شيء، وهبني عقلا متنورا،وقلبا مرهفا، ونفسا تواقة،كلما أدركت شيئا تاقت الى ما هو أفضل منه. درست فتفوقت،اشتغلت وحلمت كغيري ببيت يأويني، وسيارة تنقلني الى مقرعملي… ثم تحقق الحلم بعد طول انتظار ، وكثير من الصبر والتضحيات. فرحتي لا توصف وأنا أرى أولادي يطلون من النوافذ الخلفية، والسيارة تشق بنا احدى الطرق القريبة من سكناي،يصيحون بملء أصواتهم، يصفقون ويزغردون، ابتهاجا بامتلاكهم حلم العمر، وزوجتي المسكينة التي ذاقت الأمرين من زحمة المواصلات، أراها وبريق السعادة يشع من عينيها والفرحة تكاد تنهشها انها حقا لحظات سعيدة، تستحق أن يفني المرء فيها ما تبقى لديه من عمر .
أنا الآن أسير على الطريق،ونغمات الموسيقى تنبعث هادئة وشجية، توقظ الأحلام وتدفع للتأمل. سيارات تقبل من الجانب الآخر،تبعث اشارات ضوئية تنذر بخطر محدق. علي أن ألتزم الحذر. راقبت عداد السرعة، وحزام السلامة. الأوراق وكافة اللوازم متوفرة، لكن رعشة قوية بدأت تدب في جسدي، شيئا فشيئا الى أن تملكته كله. تذكرت صباي ،حين كنت أرى دركيا أوشرطيا،فارتعش وألوذ بالفرار،وأختفي في أقرب منزل ،ثم كيف لازمني هذا الخوف من كل من يرتدي زيا رسميا ،حتى أكملت دراستي واشتغلت،ولم أتحرر منه الا بشق الأنفس . بدأت أقترب من حاجز الدرك.يداي ترتجفان ،قلبي تزايدت نبضاته،عقلي يكاد يطير.ماذا أفعل لأنجو من هذه الورطة ؟هل أوقف السيارة،وأركنها خارج الطريق،وأنتظر رحيل رجال الدرك؟أم أستدعي أحد الزملاء،ليقود السيارة؟أم أقتل الخوف وأقتحم الحاجز دون تردد؟لم أدر الا وأنا أمام الحاجز، وجها لوجه.الدركي منتصب وسط الطريق ،ببذلته الأنيقة والمخيفة، يلوح بيديه وصفارته. كم هو سعيد ببذلته ومنصبه. الكل أصبح يخشاه بعد القانون الجديد.حثى الأثرياء منهم.أعلنت الاشارة كي انعطف يسارا. تلمست حزام السلامة وحقيبة الأوراق ،وجيبي.وقفت أنتظر اشارته.لم يعرني انتباها.بقيت جامدا كالصخر.قلبي لم يتوقف عن النبض. أنفاسي تتصاعد. ماذا يريد مني هذا الوحش المخيف؟لأضغط على الدواس،وليكن ما يكون.أدرت المفتاح ،وضغطت على الدواس،لكن المحرك لم يشتغل . أدرته ثانية ،وثالثة. يداي ترتجفان.رجلاي أصبحتا باردتين كالثلج.الدركي يعطيني اشارة المرور،والسيارات من خلفي تنبهني لاخلاء الطريق. شل عقلي عن التفكير.أيقنت أن غرامة كبيرة تنتظرني.العيد على الأبواب وأنا بالكاد وفرت ثمن الأضحية.من أين لي أن أدفع الغرامة؟ الدركي قادم نحوي .تورد خداي حتى أصبحا كحبتي طماطم.نظرت الى أعلى وتنفست نفسا عميقا.قدم الدركي التحية،وخاطبني بلهجة آمرة:تحرك، ألم أعطك الاشارة ؟ بقيت صامتا،مشدوها. الكلمات لاتريد أن تخرج من فمي. أدرت المفتاح ثانية، فلم يجب . أمسك المفتاح وأداره. عجبا،وكأن المفتاح هو أيضا يخشاه. مد يده بتودد وقال :تفضل.مع السلامة.بقيت مندهشا،أحقا لم أرتكب مخالفة، ولم يدون الدركي لي محضرا؟ أكملت الطريق وأنا أتعمد نفسا عميقا.

عند مدخل المدينة، تراءى لي حاجز للشرطة، انطلقت نبضات قلبي من جديد، لكن دون الأول. حاولت أن أكبح خوفي وأعبر، لكن الشرطي تقدم نحوي وأعطاني اشارة التوقف. أدى التحية،رفع طربوشه بيده، ثم قال: الأوراق. مددت يدي الى الحقيبة، قدمت له الأوراق، الواحدة تلو الأخرى. تفحصها جيدا. ركز على بطاقة التعريف. نظر الي نظرات متتالية. طلب مني تشغيل المصابيح، وماسحات الزجاج. تفحص العجلات. سألني عن قنينة الاطفاء وعلامة العطل. تفرسني مرة أخرى. نظر الي شزرا،وقال: حين طلبت منك أن تركن سيارتك لم تشغل السينيال. صمت. تفكرت قليلا وقلت: لم أدر هل شغلته أم لا. تصنع الغضب وقال: لم تشغله.اناأكذب؟قلت:كلا،ولكني لم أدر حقاهل شغلته أم لا. أحنى رأسه ثم رفعه،وقال: سادون لك مخالفة. صحت دون أن أشعر: مخالفة ؟ أي مخالفة ارتكبت؟ قال :عدم استعمال السينيال يعتبرمخالفة،والمدونة الجديدة للسير تنص على دفع غرامة قدرها…قاطعته قائلا: أنت أمرتني بالوقوف ففعلت ، فحصت كل شئ فوجدته على أتمه.قاطعني قائلا: لكنك ارتكبت مخالفة لعدم استعمال السينيال، وهي تستوجب دفع الغرامة. القانون صريح في ذلك. تذكرت صباي وخوفي من المخزن تذكرت توالي المواسم حيث يكون المصروف مضاعفا:رمضان، والدخول المدرسي،والعيد. تذكرت واجب التأمين ،والضريبة،والفحص التقني…أحسست بظلم فظيع في بلد الحق والقانون.صرخت بأعلى صوتي: قانون؟ أي قانون ، هذا الذي يسلب الناس أرزاقهم بدون موجب؟ وهل تطبقون هذا القانون على الجميع أم تستثنون ذوي الجاه والنفوذ؟ ارتكبت مخالفة،قد أكون حسب قانونكم،لكني لم أوذ أحدا، ولم أتسبب في حاذثة أو أعرقل السير. فما موجب دفعي للغرامة؟ القانون ليس سيفا مسلطا على الرؤوس، أو هوى لصاحب سلطة أو جاه. القانون أمن وأمان وسكينة، يجب أن يكون من المواطن ويعود فضله عليه، فيحفظ مصالحه، ويقضي حاجاته،ويراعي ظروفه،وأن يتحلى بالمرونة والرحمة ما دام واضعه بشرا يصيب ويخطئ، وقديما قيل: لأن تخطئ في العفو خير من ان تخطئ في العقوبة. قاطعني قائلا: هذا ليس من شأني، أنالست الوزير.أنا أنفذ القانون وحسب .لقد ارتكبت مخالفة.وعلي أن أدون لك محضرا. ثم ابتعد عني وأخرج سجلا وبدأ في عمله. نظرت اليه نظرات يأس وأسف،وقلت:أنت تنفذ القانون. أجل.لكنك انسان مثلي،يصيبك ما يصيبني، وتعاني مما أعاني منه. ستنتزع من رزقي ظلما وبغير حق، في الوقت الذي ، أنا واسرتي في أمس الحاجة لكل درهم. نعم سأدفع الغرامة، وسأنقصها من ضيقي. سنتألم ونجوع ونصبر، لأننا تعودنا على الصبر، وسأحرص على ارضاء واضع القانون ومنفذه. لكني لن أخشاك أو أخشاه، بل أقاضيكما ان اقتضى الحال. وسأكتب الى السيد الوزير رسالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.