منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الترتيب في المعاجم اللغوية قديما وحديثا

0
اشترك في النشرة البريدية

الترتيب لغة: “جعل كل شيء في مرتبته. ورتبه ترتيبا: أثبته[1]

اصطلاحا: “الطريقة أو المنهج الذي يتبعه المعجمي في تنظيم الثروة اللفظية من مورفيمات وكلمات وتعابير اصطلاحية وسياقية وعرضها في المعجم بحيث يستطيع القارئ، أو مستعمل المعجم المطلع على تلك المنهجية العثور على بغيته بسرعة، أي من غير أن يضيع وقتا أو يبذل جهدا[2]

  

إن قضية ترتيب مداخل مدونة اللغة، وتنظيم موادها ومعلوماتها، هي من أهم القضايا التي عرفها تاريخ المعاجم العربية، فعلى أساسها اختلفت المدارس وتعددت الاتجاهات، و تعدد كل هذه الاتجاهات كان في مقدمة أسبابه وأهمها البحث عن حل أفضل لمشكلة التنظيم والترتيب، والبحث عن هذا إنما كان غرضه التيسير على القارئ، ولا يتحقق مطلب التيسير إلا بتبسيط النظام وإحكامه، ولهذا بذلت جهود جبارة في تأليف معاجم ضخمة من حيث سعة المدونة وكثرة المواد ومع ذلك وقع الانصراف عنها لصعوبة نظامها وشدة تعقيده، وأن قسما كبيرا من جهود الشراح والنقاد والمستدركين قد وجهت لتقويم ما ألف والتبصير بما فيه من عيوب، أهمها و أخطرها عيوب الخلط والتشويش، لذلك كلما قرأنا مقدمة لمعجم لغوي وجدنا فيه نقدا لمعجم أسبق منه يتناول فيه مشكلة التنظيم والترتيب.

وإذا أردنا تصنيف أنواع هذا الخلط التي عرفها المعجم العربي القديم، لوجدنا أنها في الغالب تؤول جميعها إلى نوعين اثنين:

المزيد من المشاركات
1 من 36

ا. خلط في ترتيب المداخل.

ب. خلط في ترتيب المعلومات والمعاني.

والنوع الأول له صورتان:

1ـــ الخلط في الترتيب الخارجي:

ونعني به أن ترد المادة في غير بابها  المعتاد بأن  يتقدم أو يتأخر ذكرها من المكان الذي من المفروض أن توضع فيه.

وللكشف عن هذا التضارب والاختلاف في مسألة الترتيب، نستعين بنصوص من معاجمنا العربية من أجل رصد موضوعي لهذا الخلط، وسنقتصر في أمثلتنا على ناحيتين أساسيتين في القضية وهما:

  • الخلط باعتبار التجرد والزيادة
  • الخلط باعتبار الهمز والإعلال

1ــ 1 ــ الخلط في الترتيب باعتبار التجرد والزيادة

ومما ينشأ عنه الاضطراب والاختلاف بين المعاجم في ترتيب المداخل ويؤدي إلى كثير من التكرار داخل الكتاب الواحد قضية المجرد والمزيد. فالكلمة إذا اختلف فيها الصرفيون  هل هي مجردة أم مزيدة؟ أو اختلفوا في الحرف المزيد فيها، انعكس أثر خلافهم هذا على صفحات معجم اللغة، فترى هذا يصنفها في باب والآخر يصنفها في باب ، وقد تصنف في أكثر من موضع مراعاة لهذا الخلاف.

فمن أمثلة الاختلاف حول الحرف المزيد، نجد أن  الفيروزآبادي (ت729ه ) صاحب القاموس المحيط احتار في نون بعض الوحدات المعجمية، و لذلك  نجده قد كررها في موضعين، أي أنه حينا كان يعتبر النون فيها أصلية وحينا زائدة،  ومن أمثلته :

ـــ  عنصر    في    عصر            و      عنر

ـــ  عندل     في    عدل               و      عنل

ـــ  عنصل   في     عصل            و       عنل

ـــ  صنتوت  في    صنت            و        صنت

ـــ  الكنبث   في     كبث             و       كنث

ـــ جعندل    في    جعل              و       جنل

وهذه المواد حين تتكرر يعاد ذكر شروحها وتعريفاتها والمعلومات المتعلقة بها.

 

ولقد حاول مؤلفو “المعجم الوسيط” أن يعالجوا قضية التجرد والزيادة أثناء ترتيب المواد، من خلال وضعهم مجموعة من القواعد :

  ” 2ــ يستغنى عن النص على الأصول السامية وغيرها في المعجم الوسيط، مالم تكن الكلمة معربة مثل (إبريز) و (إبزن) و(أتون) فيذكر أصلها، ويترك ما عداها “للمعجم الكبير”، ويحفظ ما أعد من إشارات إلى أصول بعض الكلمات في جزازات[3] خاصة لهذا المعجم.

   3ــ يتبع نظام الإحالة في الكلمات التي يصعب الاهتداء إلى أصلها، فكلمة (أب) أو (يد) توضع في موضعها قبل الكلمات الثلاثية ثم يكتب بعد تعريفها: ” انظر(أبو)” أو: “انظر (يدو)” وكلمة (إبزيم) توضع بعد كلمة (الإبزن) ويكتب أمامها ” انظر(بزم)” وكلمة (إبليس) توضع بعد مادة (أبل) ويكتب بعدها ” انظر (بلس)”   وهكذا.

  4ــ الكلمات الأعجمية التي لا يعرف أصلها توضع في مكانها حسب الحروف الأبجدية بغير إرجاعها إلى أصل.”[4]

 

  1ــ 2ــ الخلط في الترتيب باعتبار الهمز والإعلال

والمقصود من هذا ذلك الارتباك والخلط الذي وقع فيه أئمة اللغة بسبب عدم التمييز بين  الهمزة الأصلية والمنقلبة عن واو أو ياء .

وفي هذا السياق يقول أحمد فارس الشدياق(1304ه): ” وأكثر ما يزلق فيه أئمة اللغة من حيث إيراد الألفاظ هو ما كان فيه الهمزة التي هي أول الحروف، والنون التي هي أخفها وأرخمها وأحلاها. فمزلقة الهمزة أن بعضهم يراها أصلية، وبعضهم يراها منقلبة عن حرف علة.”[5]

  ولعل أبرز مثال على اضطراب المعاجم العربية وتأرجحها، وما وقع فيها من خلط في ترتيب الألفاظ التي يجهل أصلها في الاشتقاق، فاختلف في شأنها العلماء، هو ما نراه في لفظ (أثأ) فبعضهم صنفها في (ثأثأ) كالخليل(175ه)، وتبعه الجوهري(ت400ه):

مادة (ث أ ث أ) معجم (مختار الصحاح)

واقترح الصغاني  في (التكملة) أن تصنف في (ثاء) لأنها معتلة الوسط فهي من باب (أفاء) و(أجاء) المزيدين بهمزة في الأول، وأصلهما (فاء) و(جاء). وبعضهم صنفها في(أثأ) كما فعل صاحب القاموس المحيط:

 

معجم (القاموس المحيط) مادة (أ ث  أ)

ومن الخلاف ـ أيضا ـ الذي نتج عنه اضطراب المعجميين اختلافهم في (ثبة). فالذي اعتبر أصلها من (ثاب) المعتل الوسط ذكرها في هذا الموضع، أي في باب الباء، والذي اعتبر أصلها (ثبا) معتلة الأخير ذكرها في أبواب المعتل  كما فعل الجوهري والفيروزبادي، ومنهم من ذكرها في الموضعين معا كما فعل صاحب اللسان:

( باب الباء, فصل الثاء المثلثة)                        (باب الواو والياء من المعتل،

فصل الثاء المثلثة)                                

 

ولقد سلك (المعجم الوسيط) نفس منهج (لسان العرب)، فقد ذكر (ثبة) في مادة (ث ب ي) ثم أعاد ذكرها في مادة (ث و ب)، إلا أنه لم يكرر التعريف، بل أحال عليه.

 2ــ الخلط في الترتيب الداخلي:

ونعني به الخلط في ترتيب المداخل الفرعية التي تشتمل عليها المادة الأصلية أو المدخل الأساسي. فالمعاجم العربية الاشتقاقية كما هو معلوم تعرف نوعين من المداخل:

ا. مداخل كبرى أو رئيسية، وهي المواد التي يشتق منها مثل(ك ت ب) ، (ق ر أ).

ب. مداخل فرعية أو صغرى وهي مجموع المشتقات التي تندرج تحت كل مادة أساسية أو مدخل كبير مثل ( كتب ــ كاتب ــ مكتوب ــ يكتب ــ مكاتبة ــ … الخ) فهناك ازدواجية في المداخل عكس المعاجم الأوروبية. وما يهمنا هنا أننا نعني بالخلط الداخلي عدم إحكام الترتيب بين صور الأفعال وصور الأسماء، وسائر المشتقات. فالغالب في المعاجم العربية أنها تحشر داخل المادة الواحدة ( المدخل الكبير) هذه الصور العديدة (المداخل الفرعية) من غير ترتيب ممنهج. فأحيانا تقدم الأفعال، وأحيانا يكون السبق للأسماء، وتارة يقدم المزيد وتارة المجرد، وقد يكون البدء بما هو مفتوح الأول وبعده المضموم أو المكسور، وقد يكون العكس، وتارة يقدم المذكر ويؤخر المؤنث وتارة تعكس الآية، وقد تؤخر أسماء الأعلام إلى النهاية.

وسنعرض هنا لترتيب المشتقات التي جاءت من مادة (ع ر ب)في معجم (لسان العرب)، محاولين بذلك أن نعطي مثالا للمادة التي يعرضها، وطريقة ترتيبها:

1 ــ عَرَب: (فَعَل) (اسم)       2 ــ عُرْب: (فُعْل) (اسم)         3ــ عُرَيْب:(فُعَيل)(تصغير) 4 ــ عَاربة: (فاعلة) (اسم)     5 ــ عَرْباء: (فعلاء) (اسم)      6ــ مُتَعَرِّبة: (متفعلة)(اسم)    7 ــ مُسْتَعْرِبة:(مستفعلةَ)(اسم) 8 ــ عَرَبي: (فَعَليّ)(نسبة)       9ــ أَعرابي: (أفعالي)(نسبة) 10 ــ أعراب: (أَفْعَال) (اسم)  11 ــ أعاريب: (أفاعيل)       12 ــ عُروبة: (فُعُولة)(اسم)

13ــ عُروبية: (فعولية)(اسم)    14ــ تَعرَّب: (تفعل)(فعل)    15ــ التعرُّب:(التفعل)(اسم) 16 ــ العَربيَّة: (الفعلية)(اسم)   17ــ عَرَبة(فَعَلة)(اسم)       18ــ العربات: (الفعلات)(اسم) 19ــ عَرَباني: (فعلاني)(اسم)   20ــ أَعْرَب(أَفْعَل)(فعل)     21 ــ عرَّب:(فَعَّل)(فعل)     22 ــ الإعراب:(الإفعال)(اسم) 23 ــ  التَعريب: (التَعْريب)(اسم) 24 تعرُّب:(تعرُّب)(اسم)

25 ــ استعرَب:(استفعل)(فعل) 26 ــ استعرابا: (استفعالا)(اسم) 27 ــ مُعرِب:(مفعل)(اسم)         28 ــ عَرُب: (فَعُل)(فعل)     29 ــ عَروب: (فَعُول)(اسم)     30 ــ عَرابة: (فَعالة)(اسم) 31 ــ عَرِ ب: (فَعِل)(فعل)    32 ــ عَرِيب: (فَعِيل)(اسم)

33 ــ عِراب        34 ــ أَعْرُب         35 ــ الإعْرَابة         36 ــ العِرابة

37 ــ مُعَارَبة       38 ــ العَرِب         39 ــ العَروب          40 ــ العَرَبة

41 ــ العارب      42 ــ العِرب       43 ــ العَرَّاب          44 ــ العُرْبان

45 ــ العَرْبون     46 ــ العَرَبون     47 ــ عَرْبَنَ              48 ــ عَرُوبة

49 ــ العَبْرَب       50 ــ عبربية      51 ــ العَرَاب            52 ــ يَعْرُب” [6]

من الملاحظ حول ترتيب مداخل هذه المادة:

ـــ أنه ابتدأ في الترتيب  بالاسم، لكنه لم يسر على منهج واحد فيما ينبغي الابتداء به، فهو تارة يبدأ بالاسم كما هنا وتارة بالفعل.

ـــ أنه لم يقع ترتيب شيء من الأفعال والأسماء فيما بينها، فهو هنا قد بدء بالمزيد         ( أعرب ــ عرَّب) قبل المجرد (عَرُب)، وبدأ بالاسم المفتوح (عَرَب) قبل غيره (عُرْب) وقد يفعل عكس ذلك في مواد أخرى.

وهذه الملاحظات تكاد تنسحب على جميع المعاجم القديمة. يقول أحمد فارس الشدياق في نقده لمعاجم اللغة العربية نتيجة هذا الخلط الموجود في ترتيب المشتقات: ” ثم إني بعد هذا أستميح  الإجازة من أهل اللغة الذين يهمهم تهذيب دواوينها وإبراز مستورها ومكنونها، وأقول إن: من أعظم الخلل وأشهر الزلل في كتب اللغة جميعا قديمها وحديثها، ومطولها ومختصرها، ومتونها وشروحها، وتعليقاتها وحواشيها، خلط الأفعال الثلاثية بالرباعية والخماسية والسداسية وخلط مشتقاتها. فربما رأيت فيها الفعل الخماسي والسداسي قبل الثلاثي والرباعي.”[7]

ونتيجة ما لوحظ من خلط المعاجم العربية القديمة واضطرابها في ترتيب المداخل الفرعية (المشتقات) قام مجمع اللغة العربية بالقاهرة بوضع منهج سار عليه في تأليف (المعجم الوسيط) وهي أن يراعى في الترتيب الخطوات التالية:

      “1- تقديم الأفعال على الأسماء.

         2– تقديم المجرد على المزيد من الأفعال. 

        3- تقديم المعنى الحسي على المعنى العقلي والحقيقي على المجازي. 

4- تقديم الفعل اللازم على الفعل المتعدي.

5ــ رتبت الأفعال على النحو التالي :

(أ) الفعل الثلاثي المجرد :

1- فعَل يفعُل كنصر ينصر 

2- فعَل يفعِل كضرب يضرب 

3- فعَل يفعَل كفتح يفتح 

4- فعِل يفعَل كعلم يعلم 

5- فعُل يفعُل كشرف يشرف 

6- فعِل يفعِل كحسب يحسب 

( ب ) ورتب الفعل المزيد ترتيبا هجائيا على الوجه الآتي :

الثلاثي المزيد بحرف :

1- أفعل كأكرم 

2- فاعل كقاتل 

3- فعّل ككرّم 

الثلاثي المزيد بحرفين :

1- افتعل كانتصر

2- انفعل كانكسر 

3- تفاعل كتشاور

4- تفعّل كتعلم 

5- افعلّ كاحمر 

 الثلاثي المزيد فيه بثلاثة أحرف :

1- استفعل كاستغفر 

2- افعوعل كاعشوشب 

3- افعالّ كاحمارّ

4- افعوّل كاجلوّذ 

(ج) الرباعي المجرد: دحرج

 الرباعي المزيد بحرف :

      تفعلل كتدحرج 

وأما ما ألحق بالرباعي من أوزان فقد ذكر منها ما رأت اللجنة إثباته مع الإحالة عليه في موضعه من الترتيب الحرفي للمواد ( فكوثر ) مثلا تذكر في (كثر) موضحا معناها وفي ( كوثر ) محالة على مادة ( كثر) ……وهكذا 

و( مضعف الرباعي ) فصل عن مادة الثلاثي وذكر في موضعه من الترتيب الحرفي مثلا (زلزل ) كتبت في مادة ( زلزل ) و( زلّ ) كتبت في ( زلل ) وهكذا”[8]

 

2ــ 2 ترتيب المعاني والمعلومات:

كما رأينا في ما سبق الخلط في ترتيب المداخل المتفرعة عن المادة الأصلية، وقع الخلط أيضا في ترتيب نوع المعلومات والشروح والتعاريف التي تقدمها المعاجم اللغوية في كل مدخل من هذه المداخل الصغرى.

ومن تجليات الخلط في ترتيب المعاني، أن يرد جزء من المعنى في بداية المادة الواحدة (المدخل الكبير) ثم تأتي باقي المعاني منفصلة عن المعنى الأول و ذلك بإيراد مجموعة من المعلومات وأسماء الأعلام…، وهذا مما انتقد فيه الشدياق أصحاب المعاجم العربية. ومن الأمثلة التي أوردها في الموضوع أنه قال:     ” ففي مادة (عرض) التي هي في القاموس[9] أكثر المواد اشتقاقا و تشعبا، ذكر الجوهري المعارضة التي بمعنى المقابلة بعد المعارضة التي  بمعنى المجانية بثلاثة وثلاثين سطرا. وصاحب (القاموس) أورد (احتمل الصنيعة) أي: تقلدها في أول المادة، ثم (احتمل) أي اشترى الحميل للشيء المحمول من بلد إلى بلد في آخرها، وبينهما أكثر من ثلاثين سطرا… ولهذا أنصح مطالعي كتب اللغة أن لا يقتصروا على فهم اللفظ في موضع واحد، بل لابد لهم أن يطالعوا المادة من أولها إلى آخرها. لا جرم أن هذا التخليط والتشويش في ذكر الألفاظ يذهب بصبر المطالع ويحرمه من الفوز بالمطلوب، فيعود حائرا بائرا”[10].

ومن باب الاختلال ـ أيضاـ في مسألة ترتيب المعاني تقديم المعنى المجازي على المعنى الحقيقي، يقول الشدياق  : ” ومما أحسبه من الخلل أيضا: تقديم المجاز على الحقيقة او العدول عن تفسير الألفاظ بحسب أصل وضعها، مثال ذلك لفظة (كتب). فإن الجوهري ابتدأ هذه المادة بقوله: (الكتاب معروف). وصاحب القاموس بقوله: (كتبه كتبا وكتابا: خطه) ومثله صاحب المصباح والزمخشري مع أن أصل (الكتب) في اللغة للسّقاء[11]. كتب السقاء أي خرزه بسيرين، وهو من معنى الضم والجمع، ومنه (الكتيبة) للجيش، ثم نقل هذا المعنى: كتب الكتاب, وحقيقة معناه: ضم حرف إلى حرف…”[12].

ولقد وضع مجمع القاهرة اللغوي مبدأ ” تقديم المعنى الحسي على المعنى العقلي والحقيقي على المجازي”[13]، وذلك من أجل ترتيب المعاني داخل (المعجم الوسيط) وفق منهجية تراعي أسبقية المعاني في الوجود. إلا أن مسألة الفصل بين الدلالات المجازية والحقيقية ليس أمرا هينا، يمكن الحسم فيه بالحدس والتخمين والجهد الفردي. بل الأمر يحتاج إلى (معجم تاريخي تطوري)، لذلك يمكن القول بأن من الأهداف الكبرى التي جاء بها (معجم الدوحة التاريخي): مسألة الفصل بين الدلالات المجازية والحقيقية  واستعمالاتها، وذلك من خلال رصد التطور التاريخي لدلالات الألفاظ العربية عبر عصورها المختلفة. وإذا تم تحقق هذا الهدف[14] فسيكون مرجعا مهما، يمكِّن المعاجم العامة من السير على منهج سليم أثناء ترتيبها لمعاني الوحدات المعجمية.

وليس مشكل ترتيب معاني الألفاظ هو المشكل الوحيد الذي يبحث له عن حل أثناء تأليف معاجم اللغة، بل هناك أيضا قضية ترتيب أنواع المعلومات الخاصة بهذا اللفظ  (المدخل)، باعتباره دليلا ((Signifiant من أدلة اللغة. وهذه المعلومات في الغالب هي:

  • معلومات املائية: إذ أول ما يقدمه المعجم لقارئه هو الطريقة الصحيحة التي يرسم بها اللفظ في عرف أصحاب اللغة ومستعمليها.
  • معلومات صوتية: وكما أن المعجم هو الحجة في طريق رسم الألفاظ فهو أيضا الحجة في طريق نطقها النطق الصحيح. إلا أن هذا الأمر لازال مقصورا على المعاجم الأوروبية الحديثة، حيث تلجأ لتحقيق هذا الأمر إلى استعمال الكتابة الصوتية العالمية (API)، ولعل من أسباب ذلك أن التباين الموجود بين طريقة رسم الألفاظ وطريقة نطقها في هذه اللغات أكثر بروزا وأكثر خطورة من التباين الموجود في لغتنا العربية.
  • معلومات نحوية وصرفية: والمقصود هو ذكر نوع الكلمة بين بقية أنواع الكلم الأخرى فيقال : هل هي إسم أم فعل أم حرف ؟ ومن أي نوع من الأسماء أو الأفعال أو الحروف…
  • معلومات اشتقاقية: وهو في المعاجم العربية التنصيص على أصل اللفظ إذا كان أجنبيا دخيلا ، أو كان منحوتا من كلمات أخرى مثل ( بسمل ــ حوقل ــ عبشمي…).
  • معلومات تاريخية: وهو التنصيص مثلا على أن هذا اللفظ (محدث) أو (مولد) أو (اسلامي) أو (مجاز).
  • معلومات حول مجال الاستخدام ومستواه: ومثال ذلك التنصيص على أن هذا اللفظ: ( فصيح ــ أفصح ــ مولد ــ عامي ــ لغة ــ لغية ــ لهجة ــ رذل …الخ)  

.

ولقد اهتم مؤلفو المعاجم العربية بإيراد هذا النوع من المعلومات، وإن لم يكن ذلك بشكل مطرد ومنظم. إذ أنهم كثيرا ما أهملوا ذكر معلومات تعويلا منهم على الشهرة من جهة، ومن جهة ثانية لم يلتزموا بترتيب محفوظ لهذه الأمور فيما بينها.

مما ذكر يظهر جليا حجم التجديد الذي جاءت به الصناعة المعجمية العربية الحديثة، ممثلة ب (المعجم الوسيط)، في قضية ترتيب الوحدات المعجمية وترتيب معانيها ومعلوماتها. وهذا التجديد كان دافعه التبسيط والتسهيل على مستعمل المعاجم العربية، نظرا لحجم الرصيد اللغوي ((Le Lexique الضخم، الذي تتميز به لغة الضاد.

لائحة المصادر والمراجع

ــ مجلة مجمع اللغة العربية ، مطبعة وزارة المعارف العمومية ـ 1953،

ــ ابن منظور الأفريقي، لسان العرب،

ــ مجلة اللسان العربي. ، مجلد19. 1982،

ــ أحمد فارس الشدياق، الجاسوس على القاموس، دار النوادر ــ 2012،

ــ مقدمة (المعجم الوسيط)،

 

[1] ـ ابن منظور. لسان العرب، مادة (ر ت ب )

[2] ـ مجلة اللسان العربي. ، مجلد19. 1982،

[3] ـ  يقصد بها الجذاذات.

[4] ـ مجلة مجمع اللغة العربية ، مطبعة وزارة المعارف العمومية ـ 1953، 7/57.

[5] ـ أحمد فارس الشدياق، الجاسوس على القاموس، دار النوادر ــ 2012، ص 33.

[6] ـ ابن منظور، لسان العرب، مادة (ع رب).

[7] ـ أحمد فارس الشدياق، الجاسوس على القاموس، ص 10.

[8] ـ مقدمة معجم الوسيط.

[9] ـ يقصد القاموس المحيط.

[10] ـ أحمد فارس الشدياق، الجاسوس على القاموس، ص 10.

[11] ـ وعاء من جلد يتخذ للماء واللبن.

[12] ـ  أحمد فارس الشدياق، الجاسوس على القاموس، ص 11.

[13] ـ  مقدمة (المعجم الوسيط).

[14] ـ وهو أمر يبدو محال التحقق، وذلك بالنظر إلى حجم  ما وصلنا  من النصوص العربية، و حجم ما هو مخطوط لم يحقق بعد، ونحن نعلم أن مؤلفي معجم الدوحة التاريخي اقتصروا على الاستعانة بالنصوص المحققة فقط.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.