منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“كاكا وبَّابَّايا” (قصة قصيرة)

فيحاء نابلسي

0

الأرض الطّيبة مثل النفس الطّيبة لا تخذِل غرسها أبداً”، قالها أبي ملء فيهِ وهو يرنو بإكبار إلى شجرة البَّابَّايا في حديقتا والتي اوشكت ان تتجاوز الطابق الثالث من البناء. رمقتني أمي بنظرة ذات مغزى ولَزِمَت الصمت اجتناباً للجدال، مدارية ضحكة أعادت إلى خاطري ذكرى خيبة كبيرة أصابتنا بعد انتظارنا ثمرة البابايا سنوات خمس ونحن نرقبها تتعالى على أشجار حديقتنا متسائلين بفضول عمّا ستكون عليه مذاق هذه الفاكهة الغريبة.لم تفلح جميع المقالات التي قرأها أبي عليناعن فوائد البَّابَّايا الكثيرة ومنافعها الرهيبة,في إقناعنا بتناولها، خصوصا وأنّ أوانَ نضجها جاء في موسم الكاكا، عشق الفاكهة وسحر المذاق, تلك الكرات الأرجوانية بقوامها الطّري ومذاقها العسلي الذي يتسلل إلى القلب، والذي جعل البَّابَّايا التي تعوزها الحلاوة والطراوة، خياراً غير مقبول.

كان أبي يعجبه كل ماهو نافع ومفيد في حين كانت أمي لا تقبل إلا ما تُحِب. ولهذا السبب كان نصيب ثمار البَّابَّايا التوزيع على الأهل والجيران، بينما تبقى ثمار الكاكا متربعة على مائدتنا طوال موسمها القصير. كانت تلك إحدى الحكايات التي رويتها لأكرم خلال إحدى محادثاتنا الطويلة. عندما ترتبط بعلاقة خطبة عبر الأثير,تجد المجال مفتوحاً لكثير من الحكايات والسِير, ولأن الأحاديث مثل الطرقات تأخذنا أحيانا إلى أماكن لانريد الوصول إليها, فقد شطحت بي مخيلتي يومها وقلت لأكرم، بأني أرى الناس مثل الكاكا والبابايا، بعض الناس لا نُعيبُ فيهم خلقاً ومع ذلك لا نقبلهم من دون سبب واضح، فسألني بعفوية حذرة:” وكيف أبدو أنا لك ؟ كاكا أم بَّابَّايا؟”كهبة ريح تصفع النافذة فجأة وتباغتك ببرد غيرمتوقع، جاء سؤاله صادماً.خرجتُ من المحادثة وقتها وعدتُ بعد ساعات متعللّة بانقطاع الكهرباء، وظل السؤال عالقا بعدما أقنعت نفسي بمقولة جدتي ” لا نذمّ ولا نشكر لبعد سنة وست شهور.”على الرغم من أن خطبتنا تمت عبر الانترنت، إلاّ أنّها كانت خطبة أهل تقليدية تماما، فقد كنت العروس التي رشحتها جارتنا لإبن صديقتها المقيم في ألمانيا والذي يريد عروسا من بنات البلد.

كان أكرم واحداً من الشباب الذين أبحروا في مراكب الموت سعيا وراء مستقبل بات مفقودا في وطنهم، شاب وسيم من عائلة محترمة وعلى خلق ودين، في بداية الثلاثين من عمره، يكبرني بخمس سنوات، الفارق العمري الذي يبدو لي مثاليا للغاية. لم نترك شيئا لم نتحدث فيه، تكلمنا في الدين والسياسة، في الفن والأدب، عن مغامرات الطفولة ومشاغبات المراهقة، عن الماضي والحاضر والمستقبل، وحتى تلك التساؤلات الوجودية التي تحيكُ في نفس الإنسان ولا يجرأ على الافصاح بها لأحد، كان لها من أحاديثنا نصيب. أمضينا كل يوم معاً ساعات من الليل والنهار,يفتح أكرم محادثة الفيديو لأراه وهو يتناول فطوره، يطبخ ، يتسوق, يهرول في شوارع نظيفة مشجرة، يستقل القطار ذاهباً إلى عمله أوعائداً إلى البيت. حفظت تفاصيل حياته كلها, وحالما كان يغلق الكاميرا مودعا, كنت أعيد الشريط في بالي ، أمرر تلك المشاهد مفسحة مكانا فيها لنفسي لأكون جزءا من حياته أشاركه أحداثها وتفاصيلها. وهاقد مضت السنة وشهورها الستة، وجاء أكرم إلى بيروت لنلتقي وجها لوجه ونتممّ إجراءات الزواج . لم يرغب في دخول سوريا تجنباً ل سينٍ وجيمٍ وأشياء أخرى. بينما كان أكرم يتقدّم باتجاهنا، كنت أتساءل بدهشة إن كان هذا هو نفس الشخص الذي كان وجهه يملأ شاشة جوالي ويجعل وجهي يشرق بهجة !هل ثمة فارق بين الشخص والصورة ؟ تردّد السؤال في بالي سارقاً مني لهفة اللقاء الأول! تداركتُ بابتسامة عريضة بدّدت البرود الذي أشاعه ارتباكي, مستدعية في بالي اللحظات الأولى لوصول أبي من سفر طويل وكيف أستغرقُ دقائق لأكسر هالة الغياب وأستعيد إلفة ملامحه.لم يكن اللقاء الثاني أكثر انفراجا، لم أرَ منه سوءا، ولكن شيئا ما يجول في صدري يُشعرني وكأننا قطبين سالبين لحجري مغناطيس يتنافران كلما اقتربا! أيُّ هالة تضفيها تلك البلورة السحرية على الصورة لتشحنها بكل ذلك الألق! حتى إذا ما انزاحت غلالة الأثير بدا لنا شخصا آخر!آه! الآن! وبعد كل العقبات التي تخطيناها لنصل إلى هنا، ,مئات الأختام والتوقيعات التي طُفنا الدوائر الحكومية في سباق محموم للحصول عليها، ساعات الانتظار الطويلة على الحدود وصبرنا على نزق الضباط وعجرفتهم، الآن يحلو لي أن أتفلسف عن الهالات والمشاعر والأحاسيس؟ ولكن كيف أنزع عن نفسي هذا الاحساس الذي يتلبسني الآن جاعلا قلبي يرتجف كإبرة بوصلة طائشة لاتستقر على اتجاه! أطلُّ من نافذة غرفتي في الفندق المطلِّ على البحر، أتأمّلُ الفرجة في صخرة الروشة تتدفق عبرها الأمواج، وأمواج من البشر تروح وتجيء على الكورنيش, لوحة متحركة لحياة لايوقفها شيء . يتماهى المشهد أمامي وتنتصب في مخيلتي شجرة البابايا بطولها الفارع وثمارها المتدلية كالثريا، أشعر بمذاقها في فمي فأنفض رأسي بانزعاج !حسنا، فليكن بَّابَّايا! أليست بَّابَّايا في اليد خير من كاكا في علم الغيب! وما أدراني أن الأقدار ستسوق إلى طريقي الكاكا التي أحبها !أي خيبة أمل سأصيب بها الجميع وأخمد فرحتهم ! انقر بأطراف أصابعي على صدغي تحايلاً على صداع يُثقِلُ رأسي، أعترف لنفسي, لم أذق طعم النوم منذ ليالٍ ثلاث, منذ وصولي إلى هنا. غدا سنتوجه إلى السفارة لإجراء المقابلة, ذاك الموعد الذي فزنا به دوناً عن أناس كُثر يتحرقون لهفة لهكذا فرصة !أغمض عيني فأرى حقيبة أحلامي التي وضّبتها تنفتح وتتسرب منها قطعة وراء قطعة كل الأمنيات التي حِكتُها في سنة ونصف, شوارع نظيفة …. بيت دافئ … ماء .. كهرباء, ساعات هانئة، سماء آمنة ، سلام وأمان …أراها فارغة تماما فأعيد مَلأها بسقطِ متاعٍ خلتُ يوما أني رميته بعيداً!أكوام القمامة على قارعة الطرقات، ساعات العتمة الطويلة، طوابير الخبز والوقود وصناديق الإعانة ، متسولون يفترشون الأرصفة ! والكثير الكثير من العناء للوصول إلى ما يبقينا على قيد الآدمية.أحزم حقيبة الخيبة وأعيد تشكيل الصورة التي بدأت تبدو واضحة رغم قتامتها.أقبض على جوالي كمتهمٍ متلبس بالجريمة ، أعيد تمرير المحادثات, ألاف وألاف الكلمات، رموز تعبيرية، قلوب تنبض ، ورود وزهور، وجوه ضاحكة، حزينة، ذاهلة، عبارات وكلمات …. وها هو السؤال العالق كمنطاد يتأرجح في الهواء ينتظر الهبوط.” وكيف أبدو أنا لك؟ كاكا أم بَّابَّايا؟”أنقر على سهم إعادة الإجابة ، وبتنهيدة أفرغت رئتي من كل الهواء, ألامس بأطراف أناملي المرتجفة حروف أصعب كلمة كتبتها حتى الآن : بَّ ا بَّ ا ي ا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.