منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القدس الشريف ـ وثيقة تاريخية تأبى النسيان ـ

1
اشترك في النشرة البريدية

تقديم

إن  مكانة القدس في العقيدة الإسلامية عظيمة جدا، حيث أن النظر إلى هذه المدينة  كالنظر إلى المسجد الحرام والمدينة المنورة، فهي مدينة الأنبياء، ومدينة الإسراء والمعراج، وهي الأرض التي بارك الله سبحانه وتعالى فيها وحولها، واختارها مسرى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

1ـ فضائل بيت المقدس من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية :

إن المتتبع لذكر القدس في القرآن الكريم ليجد ما يؤكد قدسيتها، فهي أولى القبلتين ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد نص الله تعالى على بركة أرض بيت المقدس وما حوله من خلال قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾[1] .إن أعظم تكريم لبيت المقدس  تبقى هذه الآية الكريمة، ففي معرض حديثه عنها  يقول “شهاب الدين أبو العباس السيوطي” « فلو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية وبجميع البركات وافية، لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه مضاعفة. وأن الله تعالى لما أراد أن يعرج بنبيه صلى الله عليه وسلم إلى سمائه جعل طريقه عليه تبينا لفضله، وليجمع له فضل البيتين وشرفهما وأن الطريق من البيت الحرام إلى السماء كالطريق من بيت المقدس»[2]. وتبقى معجزة الإسراء والمعراج هي المرجعية الأولى لقدسية المدينة عند المسلمين‏، ‏ومن تم‏ فإن الخطاب الديني لذكرى الإسراء والمعراج يعد في المقام الأول سنداً قوياً للحق الإسلامي في القدس، فالقدسية هنا تأتي «بمعنى الطهر والمباركة وسمي بيت المقدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب. وقيل سماها مقدسة لأنها طهرت من الشرك وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين»[3].

والقدس الشريفة بأقصاها الذي باركه الله في كتابه الحكيم وشرفه في أديانه السماوية، تحتل المكانة الثالثة من حيث الأهمية والبركة. ولولا الأهمية العظمى والمكانة الكبرى لهذه المدينة لما ربط سبحانه وتعالى رحلة الإسراء والمعراج بها، فقد ظلت حاضرة في وجدان المسلمين وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . وهي قبلة المسلمين في الصلاة، وهي الأرض المباركة والمقدسة. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم مجد بيت المقدس وحض المسلمين على الرباط فيه، فقد روي عن « ابن عساكر عن الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد قال: قال: ابن عساكر: إن الله بارك ما بين العريش والفرات وخص فلسطين بالتقديس»[4].

المزيد من المشاركات
1 من 6

ويمكننا الوقوف على مكانة القدس والأقصى من خلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرغبنا في الصلاة في بيت المقدس لأن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة في غيره، فقد جاء في الأحاديث المتواترة عن ميمونة ـ مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنها قالت(أنبئنا يا رسول الله عن بيت المقدس، قال: أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه، قالت: أرأيت إن لم نطق نأته؟ قال: فمن لم يطق ذلك فليهد إليه زيتا يسرج فيه، فمن أهدى إليه كمن صلى فيه) [5].  فقد نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس نظرة تختلف عن البقاع الأخرى وربط زيارة بيت المقدس بزيارة المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف  (عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا».) [6]. يضاف إلى كل هذا صخرة بيت المقدس فقد أشار ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليها بأنها الصخرة المباركة التي وقف عندها ، لذلك كانت صخرة بيت المقدس محط أنظار العلماء وأبناء الأمة الإسلامية فأصبحت القدس أولى القبلتين عندما صلى الرسول الكريم والمسلمين نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا.

وعلى الرغم من تحول القبلة من بيت المقدس، ظلت تحتل مكانة بارزة في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم  وفي وجدان المسلمين. وقد اكتسبت مكانتها الدينية والتاريخية منذ أن كرمها صلى الله عليه وسلم بزيارته، ليدخلها فيما بعد الخليفة “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه فاتحا أبوابها لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخها وتاريخ الإسلام بها. وقد كان اسم هذه المدينة حاضرا وبشكل قوي في الحياة العربية والإسلامية، فنادرا ما نقف على مصدر من مصادر التاريخ العربي الإسلامي لم تذكر فيه مدينة القدس، فهي حاضرة بشكل قوي في أذهان العلماء وفي مدونات المؤرخين وفي مخيلة الشعراء، حاضرة في تلاوة القرآن وفي حديث الرسول الكريم.

وقد حظيت المدينة في ظل الحكم الإسلامي باهتمام حكام المسلمين ليصل الاهتمام أوجه «بإعادة بناء المسجد الأقصى وتشييد قبة الصخرة في أبهى عمارة إسلامية في عصر بني أمية، كما حرص بعض الخلفاء على أخذ البيعة في بيت المقدس اعترافا بقدسيتها»[7].

2ـ وثيقة سيدنا عمر بن الخطاب التاريخية:

إن هذا الاهتمام تجسد في وثيقة تاريخية، ستظل شاهدة على عظمة الإسلام وتسامحه مع الديانات الأخرى. فماذا إذن عن فحوى هذه الوثيقة التاريخية والتي أسست لنوع جديد من المعاهدات للبلدان المفتوحة وكرست في ظل الحكم الإسلامي مفهوما جديدا للعلاقة بين المنهزم والمنتصر ؟.

يقول الخليفة “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه في هذه الوثيقة التاريخية «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى الله عمر أمير المؤمنين أهل’ إيلياء’ من الأمان. أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن ‘بإيلياء’ معهم أحد من اليهود. وعلى أهل ‘إيلياء’ أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منها الروم والصوت فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم .ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل ‘إيلياء’ من الجزية، ومن أحب من أهل ‘إيلياء’ أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم ،فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم. ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل ‘إيلياء’ من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك ”خالد بن الوليد” و”عمرو بن العاص” و”عبد الرحمن بن عوف” و”معاوية بن أبي سفيان” وكتب وحضر سنة خمس عشرة»[8].

ولذلك ظل الفلسطينيون يطالبون بإسلامية القدس لأنه حق مغتصب مسلوب، وهذا الأمرـ وكما يراه “د. محمد عمارة”ـ «لا يهدد جهادنا بشبهة ‘الحرب الدينية’ التي يخافها الكثيرون، لأن إسلامية القدس هي وحدها ضمان شيوع قدسيتها بين جميع أصحاب المقدسات من كل الديانات. ومن تم فإنها ضمان عدم احتكارها. وهو الاحتكار الذي يهددها بالتهويد في هذه الأيام… »[9]. وهذا الاحتكار الصهيوني للمدينة المقدسة هو ما نشهده اليوم للأسف الشديد.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

إن القدس جديرة بان تحظى بكل هذا الاهتمام، وحري بأهلها العرب والمسلمين أن يولوها كل اهتمام ورعاية ودعم لتثبيت أهلها الصامدين في وجه أكبر عملية تهويد وتغيير لمعالمها التاريخية والدينية وتغليب مظاهر أهل ديانة على الديانات الأخرى. بل إن واجب استعادة القدس الشريف وتحريرها واجب جماعي على أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمسؤولية مشتركة على الجميع.

خاتمة:

إن المستقبل للإسلام في القدس الشريف، ولإعادة كتابة تاريخه ووثيقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جزء منه. فإذا كانت الدورة التاريخية في القدس بدأت بحكم اليهود للمدينة المقدسة وتبعهم المسلمون، فإن هذه الدورة تعاد اليوم بسيطرة اليهود عليها، لكنها ستقف غدا عند إعادتها إلى مكانها الطبيعي تحت حكم المسلمين لها و دحر وهزيمة الصهاينة الغاصبين لها. فعلى أرضها ستجري أحداث آخر الزمان، وظهور المهدي المنتظر والخلافة الثانية الموعودة، وعد الله ولن يخلف الله وعده، يقول الحق سبحانه (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) [10].

ـ الهوامش

[1] سورة الإسراء، الآية:1

[2] انظر: نبيل خالد الأغا : مدائن فلسطين، ص: 43

[3] الشيخ الإمام أبي الفرج عبد الرحمان ابن علي ابن الجوزي: فضائل القدس، حققه جبرائيل سليمان جبوز، منشورات دار الأفاق الجديدة، بيروت، ط2، 1980م ، ص: 68 .

[4] جامع الأحاديث: جلال الدين السيوطي، باب المشددة مع الهمزة ج7، ص:486، ح: 6720 .

[5] علاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي :كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ج14، باب بيت المقدس، ص:148، رقم 38198

[6] صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، باب المساجد:  ج4، ص: 495، رقم 1617.

[7] انظر: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الأمم والملوك، باب ذكر فتح بيت المقدس، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ، ج3، ص:611.

[8] المرجع السابق، ج 2، ص:307

[9] د.محمد عمارة: القدس بين اليهودية والإسلام، ص:47

[10] ـ سورة الإسراء، الآية: 7

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. موحا عياش يقول

    مقال منور . بارك الله فيكم سيدي مصطفى .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.