منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شرح مقدمة السُّلم المُنورق (2)

0

مقدمة نظم السُّلَّـم المنورق

1 الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي قَدْ أَخْرَجا ===== نَتائِجَ الفِكْرِ لأَرْبابِ الحِجَـــــــا

بدأ الكاتب بالثناء على الله تعالى ونسبة الخير إليه، فهو الذي أقدر العقلاء أرباب الحِجا -أي أصحاب النُّبوغ- على استخراج واستنتاج المعرفة والعلم بالفكر، قال الله تعالى: {واللهُ مُخرجٌ ما كُنتم تكتُمون}، والفكر لغة “تردد القلب في الشيء، يقال تفكر إذا ردد قلبه معتبرا. ورجل فِكِّير كثير الفكر”، واصطلاحا: “الفكر مقلوب عن الفرك، وهو فَرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها”، وقيل هو حركةُ النفس في المعقولات، كما أن التخييل هو حركة النفس في المحسوسات. وقيل “الفكر اسم لعمليةِ تردد القُوى العاقلة المفكرة في الإنسان، سواء أكان قلبا أو روحا أو ذهنا، بالنظر والتدبر لطلب المعاني المجهولة من الأمور المعلومة، أو الوصول إلى الأحكام، أو النسب بين الأشياء”.

 والنتائج جمع نتيجة وهي الثمرة والفائدة، وهي نتيجة لازمةٌ عن التسليم بمقدمات القياس، أو هي قولٌ لازمٌ من التسليم بقولين لذاتهما.

2وَحَطَّ عَنْهُمْ مِنْ سَمَاءِ العَقْلِ ===== كُلَّ حِجَابٍ مِنْ سَحابِ الجَهْلِ 

المزيد من المشاركات
1 من 2

3حَتى بَدَتْ لَهُمْ شُمُوسُ المَعْرِفــةْ ==== رَأَوْا مُــخَـدَّراتِـها مُنْكَشِفَـــــــــةْ

وحطَّ عنهم: معطوفة على “أخرج لهم” عطفَ سببٍ على مُسبب، بمعنى أزاح عن أرباب العقول حُجب الجهل التي تمنعهم من الارتقاء في الفكر ومعرفة الحقائق ونتائج الفكر التي تخفى عن غيرهم. فالجهل حجابٌ ساتر عن الاهتداء إلى نور العلم والمعرفة. وإذا زالت ستائر الجهل عن العقل بدت له الحقائق والمعاني المخدرة أي المستورة منكشفة واضحة لا لَبس فيها، كالشمس في واضحة النهار لا ينكرها البصير، وذكر الشموس بالجمع لأن المعارف متكاثرة ومستوياتها متعددة. والحقيقة لا تظهر إلا بعد بذل جهد عقلي في الاستهداء والاستنباط والاستعلام. والشخص الذي يَعرفُ ويهتدي كأنه يرتقي في السماء فتزداد رؤيته وضوحا ودقة، لأنه سينظر من أعلى فتنكشف له الأشياء المنظور فيها بشكل أفضل.

 

4نَـحْمَـدُهُ جَلَّ عَلى الإِنْعـــــــــــامِ ===== بِنِعْمَــةِ الإِيمــــــــانِ وَالإِسْـــــــــلامِ

5مَنْ خَصَّنا بِخَيْرِ مَنْ قَدْ أَرْسَلا ===== وَخَيْرِ مَنْ حَازَ المَقامَاتِ العُلَى
6مُحَمَّــــــــــــدٍ سَيِّدِ كُلِّ مُــقْتَـــــــــفَى ===== العَـــــــرَبِيِّ الهَـــــــاشِمِيِّ المُصْطَــفى
7 صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ ما دامَ الحِــجــا ===== يَخُوضُ مِنْ بَحْرِ المَعاني لُجَجا
8 وآلِهِ وَصَحْبِه ذَوِي الهُــــدَى ==== = مَنْ شُبِّهُـــوا بَأَنْجُـــمٍ في الاهْتِدا

 

في هذه المقدمة يُصرح الكاتب عن وعيٍ بمرجعيته المعرفية التي تؤطر المجال التداولي الذي ينتج فيه القول، والمجال التداولي هو “جملة من المبادئ والقواعد العامة التي تتقوم بها الممارسة الإسلامية العربية وتتميز عن سواها من الممارسات غير الإسلامية وغير العربية”، فهو يبرز دينه ومذهبه ولغته، أي محددات المجال التداولي الثلاثة، وهي: العقيدة واللغة والمعرفة. وفي نفس الوقت يضع علم المنطق في مرتبته دون الوحي؛ قرآنا ونُبوة. حتى لا يظن القارئ المسلم أن المنطق يحمل مضامين معرفية تُغني عن الوحي. 

مضيفا أن الأحق بالاتباع والتأسي والاقتفاء هو مَن حاز مقامات النبوة والاصطفاء والختم، أي الأنبياء وخاتمهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم صلاة دائمة بدوام التعقل والتفكر في المعاني، والذي شبَّهَه بخوض لُجج البحار وما يتطلبه من استعداد وآلات وأجهزة وخبرة. وبالتبع يحق الاقتداء بمن اهتدى بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ممن والاه وصحِبه واقتفى أثره.

 

9 وَبَعْــــــــدُ فَالمَنْطِقُ لِلْجَـنَــــــــــــــانِ ===== نِسْبَتُهُ كَالنَّحْـــــــوِ لِلِّســــــــانِ

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

10 فَيَعْصِمُ الأفكارَ عَنْ غَيِّ الخَطا ===== وَعَنْ دَقيقِ الفَهْمِ يَكْشِفُ الغِطَا

في هاذين البيتين ينتقل الأخضري إلى تعريف علم المنطق بموضوعه ووظيفته، فإذا كانت عمليات التعقل تتم بالقلب (الجَنان) الذي هو محلّها، فالمنطق هو ناظمُ تلك التعقلات، كما ينظم النحو الألفاظ، وبهذا الصدد يقول أبو نصر الفارابي (ت339ه): “نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبةِ صناعة النَّحو إلى اللسان والألفاظ، فكلُّ ما يُعطيناهُ علم النحو من القوانين في الألفاظ، فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات. وتناسب أيضا علم العروض: فإن نسبة علم المنطق إلى المعقولات كنسبة العروض إلى أوزان الشعر. وكل ما يعطيناه علم العروض من القوانين في أوزان الشعر فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات”. وهو نفس الأمر الذي أكدته الدراسات المنطقية المعاصرة في إطار ما يدعى بـ”النحو العام المنطقي” لجماعة بور رويال في القرن الثامن عشر الميلادي.

11فهَاكَ مِنْ أُصُولِهِ قَواعِدا ==== تَجْمَعُ مِنْ فُنُونِهِ فَوائِدا
12 سَمَّيْـتُـهُ بِالسُّلَّمِ الـمُنَوْرَقِ ==== يُرْقَى بِهِ سَماءُ عِلْمِ المَنْطِقِ

السُّلم هو ما يُرتقى عُلوا، والـمُنورق هو الـمُزَيَّن، ويقصد أن هذه السلم بمثابة الدُّرج الذي يُصعد به إلى الأعلى في العلم، أي الارتقاء من السهل إلى الصعب في المسائل العلمية التعليمية.
13 وَاللَّـهَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَالِصَا ==== لِوَجْهِهِ الكَريمِ لَيْسَ قالِصَا

يذكر هنا الغاية الكبرى من كل علم أو عمل وهي إرادة وجه الله تعالى، وليس تحيزا لقومٍ أو انتصارا لمذهب، لأن “كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل حابط لا ينفع صاحبه وقت الحاجة إليه، فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لأن ما لم يرد به وجهه إما ألا ينفع بحال وإما أن ينفع في الدنيا أو في الآخرة، فالأول ظاهر وكذلك منفعته في الآخرة بعد الموت فإنه قد ثبت بنصوص المرسلين أنه بعد الموت لا ينفع الإنسان من العمل إلا ما أراد به وجه الله، وأما في الدنيا فقد يحصل له لذات وسرور وقد يجزى بأعماله في الدنيا، لكن تلك اللذات إذا كانت تعقب ضررا أعظم منها وتفوت أنفع منها وأبقى فهي باطلة أيضا، فثبت أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل وإن كان فيه لذة ما”.


14 وَأَنْ يَكونَ نافِعاً لِلْمُبْتدي === بِهِ إِلى الـمـُطَوَّلاتِ يَهْتدي

وضع الأخضري هذا النظم من المختصرات في المنطق ليُساعد المبتدئين على تناول المتوسطات ثم المطولات في علم المنطق، والتمكن من الاشتغال بها في إنتاج المعرفة وحِفظها وتقويمها، قال محمد الشوكاني (ت1173ه) في معرض نصيحته لطالب العلم المبتدئ: “وينبغي للطالب أن يطلع على مختصر من مختصرات المنطق ويأخذه عن شيوخه ويفهم معانيه ويكفيه في ذلك مثل: إيساغوجي أو تهذيب السعد وشرح من شروحهما وليس المراد هنا إلا الاستعانة بمعرفة مباحث التصورات والتصديقات إجمالا لئلا يعثر على بحث من مباحث العربية من: نحو أو صرف أو بيان قد سلك فيه صاحب الكتاب مسلكا على النمط الذي سلكه أهل المنطق فلا يفهمه كما يقع كثيرا في الحدود والرسوم فإن أهل العربية يتكلمون في ذلك بكلام المناطقة فإذا كان الطالب عاطلا عن علم المنطق بالمرة لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي”، ويتأكد ذلك بوضوح لمن اطلع اليوم على كتب ومقررات العلوم الإسلامية.

 

فَصْلٌ في جَوازِ الاشْتِغَالِ بهِ
15 وَالخُلْفُ في جَوازِ الاشْتِغالِ ===== بِهِ عَلى ثَلاثَةٍ أَقْوالِ
16 فَابْنُ الصَّلاحِ وَالنَّواوي حَرَّما ===== وَقالَ قَوْمٌ يَنْبَغي أَنْ يُعْلَما
17 وَالقَوْلَةُ الـمـَشْهُورَةُ الصَّحِيحةْ ===== جَـوَازُهُ لِسـالِمِ القَـريـحــَــةْ
18 مـُمـَارِسِ السُّنَّـةِ وَالكِـــتــابِ ===== لِـيَهْتَدي بِهِ إِلى الصَّوابِ

اختلف علماء المسلمين في مشروعية علم المنطق، فمنهم من حرَّم الاشتغال به، ومنهم من أوجبه، ومنهم من أباحه. وصاحب النظم رجح جواز الاشتغال به للمؤمنين الصادقين الأذكياء. 

أما الرافضون لتعلم علم المنطق فقد ارتأوا عدم حاجة العقل إليه، خاصة وأنه فرع من الفلسفة اليونانية، قال أحد الرافضين لتعلمه (ابن القشيري):

قطعنا الأخوة من معشرٍ ****  بهم مرض مِن كتاب الشفا

وكم قلت‏:‏ يا قوم أنتم على **** شفا جرف من كتاب الشفـا

فلما استهانوا بتنبيهنـــــــــا **** رجعنا إلى الله حتى كـفـى

فماتوا على دين أرسطو طاليس  **** ومُتنا على مِلة المصطفى

حيث جعل المنطق نقيضا للدين، ودعا إلى القطيعة مع المناطقة وإخراجهم من مِلة الإسلام. وقد ذكر الأخضري في شرحه للسّلم أن “هذا الفصل موضوع لذكر الخلاف في جواز الاشتغال بعلم المنطق ليكون المبتدئ على بصيرة من مقصوده، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال كما ذكر، فمنعه الشافعي (ت204ه) والباقلاني(ت402ه) والقاضي عبد الجبار(ت415ه) وابن الصلاح(ت643ه) والنووي(ت676ه) والسهروردي(632ه) والسيوطي(ت911ه)، وأوجبه ابن حزم (ت456ه) والغزالي (ت505ه) وغيرهما كثير، وأباحه بعض الفقهاء عند الضرورة والحاجة إليه كتقي الدين السبكي (ت756ه) الذي جعل المنطق “كالسيف يأخذه شخص يجاهد به في سبيل الله وآخر يقطع به الطريق”، وغيره. 

والمختار والصحيح من الأقوال والمواقف في نظر الأخضري هو جوازه لكامل القريحة صحيح الذهن، سليم الطبع، ممارس الكتاب والسنة. وقد حاول الدمنهوري تلخيص محل الخلاف في قوله: “واعلم أن هذا الخلاف إنما هو بالنسبة للمنطق المشوب بكلام الفلاسفة، كالذي في طوالع البيضاوي، وأما الخالص منها كمختصر السنوسي والشمسية، والسّلم فلا خلاف في جواز الاشتغال به، بل لا يبعد أن يكون الاشتغال به فرض كفاية لتوقف معرفة الشُّبه عليه، ومن المعلوم أن القيام به فرض كفاية”.

 أما الذين اعترضوا على تعلم المنطق مطلقاً فهم في الغالب إما لم يطلعوا عليه أبدا أو حاولوا تعلمه فعجزوا عن ذلك، ولم يجدوا إلا أن ينسبوه إلى البدعة كما وقع لابن الصلاح الذي قال: “وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلّمه مما أباحه الشارع… وأما استعمال المصطلحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة، والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية، والحمد لله، لا افتقار إلى المنطق أصلا”، وتبعه الوزير الصنعاني في كتابه “ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان” لما رفض المنطق فقط لأنه يخالف في أسلوبه أسلوب الكتاب والسنة! فالمنطق الأرسطي في نظره “منهج المبتدعة وذريعة للتنقيص من برهان القرآن وتقبيح تلقي محكماته بالقبول والإذعان”.

 وتعليقا على مثل هذا الموقف قال أبو حيان التوحيدي: “هذا كله، إن لم يكن قلة تحصيل وسوء تمييز، فإنه يوشك أن يكون ضيق عطن، وحرج صدر، ومجازفة في القول، وانحرافا عن الصواب، وأمنا من الأعقاب”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.