منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في قلب الموت!!! 

في قلب الموت!!! / د. نادرة هاشم حامدة - غزة فلسطين

0

في قلب الموت!!! 
بقلم: د. نادرة هاشم حامدة – غزة فلسطين

في زحمة الأعصاب المشدودة جراء سمفونية الحرب التي يعزفها الجيش الصهيوني النازي على أوتار الدمار والأشلاء في كل مكان في غزة، والتي نعيش تقاسيمها في صراع مع الموت أطفالا ونساء، ومن بين رائحة الموت الذي يملأ المكان في مشفى القدس بين جريح بحالة الخطر، وبين شهيد فارق الحياة، بدت حالة غريبة من الهلع تسمع في المشفى، وكأن نذير شؤم جديد آت إلينا؟ بأنفاس منخفضة، وقلب تسارعت دقاته، أرخيت السمع لعلي أدرك الأمر، فمن هول ما أصابنا، لم تعد تحملني قدماي لأتبين الخطب، إذ كانت المنايا تتلقفنا من كل حدب وصوب حتى وصلنا نحتمي بمشفى القدس، الموجود في منطقتنا، في تل الهوى غرب مدينة غزة، وما خرجنا إلا أخذا لأسباب النجاة، فيقيننا، أنه لا ملجأ ولا منجى إلا بالله العلي العظيم، نعم عرفت الآن الأمر، لقد اتصل جيش الإحتلال الاسرائيلي، يطالب إدارة المشفى الإخلاء التام لمشفى القدس، بإجلاء كل من فيه، وإلا سيتم قصفه على رؤوس الجميع، بدأت حالة من الذعر تدب في المكان، فهل ستنصاع إدارة المشفى للاحتلال، وتجلي أكثر من 500 مصاب، في وضع صحي خطير، بالإضافة إلى أكثر من 15000 نازح، معظمنا من منطقة تل الهوى، إذ لم يتصور أحد منا للحظة، الخروج من منزله، رضوخا لطلب الاحتلال، فنحن ما زلنا نتجرع ويلات تهجير نكبة ال 48 من فلسطين التاريخية، نتجرعها ألما وحسرة وفقرا وذلا في غزة، وفي الضفة، وفي كل أماكن الشتات، بالرغم من مضي كل هذه السنين العجاف الطوال عليها، والآن يطالبنا جيش الاحتلال عبر المناشير التي ألقاها في سمائنا، وعبر الاتصالات الهاتفية المسجلة المتواصلة، بالخروج جهة الجنوب، وبالرغم من حذرنا الشديد من أن نتدحرج إلى تهجير جديد إذا خرجنا من بيوتنا، إلا أن نازية الاحتلال، لم تترك لنا خيارا غيره، إذ جعلتنا في صراع مع الموت مرات ومرات ونحن في البيوت، ولا عجب في ذلك، فجيش قد أسسته العصابات الصهيونية، مؤكد أنه ذو أيدلوجية جينية مجرمة، إذ يضرب هذا الجيش عرض الحائط جميع الشرائع السماوية، والمواثيق الدولية، والأعراف الأخلاقية، كما أنه لا اعتبار لديه للدواعي الإنسانية، فلقد كانت الصواريخ تنهال على مساكن الآمنين المدنيين في كل مكان بغزة ومحافظاتها بشكل جنوني، والإنفجارات تدوي في كل الأرجاء؛ فخرجنا لننجو بأطفالنا وأنفسنا، وإلا سنكون تحت أكوام الركام، كما حصل لمن حولنا من الجيران، فإن غارة جوية استيقظنا عليها، قد دمرت عليهم مساكنهم، دون سابق إنذار، لتمسح عائلاتهم من السجل المدني، في حصيلة أولية، أكثر من مائة شهيد، لا يزال معظمهم تحت الأنقاض، لأن الدفاع المدني فقد السيطرة، مع تكرار مشاهد تدمير البيوت والعمارات السكنية والأبراج على رؤوس ساكنيها، ففي اليوم الواحد يتلقى الدفاع المدني عشرات الاتصالات لمثل هذا المشهد، وقس على كل المحافظات، فقد اقتصر جهد الدفاع المدني بآلياته المتواضعة في الغالب، على انتشال الأحياء فقط، بعد أن يتأكد أنهم على قيد الحياة، أما الذين قضوا شهداء بإذن الله، فليس لديه متسع من القدرة أو الوقت لانتشالهم.

لقد كانت لحظات عصيبة تلك التي ألجأتنا للخروج ، فالشبابيك بزجاجها وستائرها تتساقط علينا، والجدران والأثاث ينهال علينا، وصراخ الأطفال والنساء يتعالى في كل مكان، فخرجنا في ظل هذا القصف العنيف إلى الشارع، حيث أحجار المباني والشظايا تتطاير علينا، و الانفجارات تحيط بنا نارها من كل اتجاه، ولكن لا تسمع منا إلا قول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ليصل من نجا منا إلى المشفى، من بين فكي الموت بأعجوبة، فافترشنا الممرات فيها والسلالم، ولكن يبدو أن هذه النتيجة، لا تتوافق مع سياسة الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، الذي انتهجه هذا المحتل الغاشم، ردا على الخزي والعار الذي ألحقته بجيشه المقاومة الفلسطينية الباسلة في 7 أكتوبر في مغتصبات غلاف غزة ، وبالأخص بفرقة غزة الموكلة بذبح الغزيين، والمدربة على ذلك، حيث مرغت المقاومة أنف هذا الجيش بالتراب، وجعلته أضحوكة يستهزئ به العالم في كل مكان، وهو الذي يطلق على نفسه، لقب الجيش الذي لا يقهر، فلذلك صب جام غضبه على المدنيين، يلقي عليهم الحمم من السماء، لأنه لا يطيق مواجهة الرجال على الأرض، فاتصل يطالب بإخلاء المشافي في كل أنحاء قطاع غزة، ليكمل انقضاضه الشرس عليهم.

ولكن أين سنذهب؟ وقد أباد مساكننا، في سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها، وطائراته المجنونة وغاراتها، لا تغادر السماء؟ أين سنذهب؟ وهو يقترف في كل دقيقة في حقنا أبشع المجازر، حتى قوافل النازحين الذين صدقوا إدعاءه الكاذب، وغادروا غزة إلى الجنوب كما طلب وأمنهم على حياتهم على حد قوله، لم ينجوا منه، فقد اقترف بقوافلهم أبشع الجرائم، ليسقط منهم مئات الشهداء، إذ استهدف بصواريخه الجبانة، عربة جار ومجرور مكشوفة، يرى من فيها من الأطفال والنساء، وذلك على طريق صلاح الدين، فأوقع فيهم مجزرة بشعة، صعب معها جمع الأشلاء، كما وضرب أيضا العديد من باصات النقل والسيارات المكتظة بالنازحين، بنفس الهمجية، ولم يكن حظ من وصل منهم إلى الجنوب بأحسن حالا، إذ أبيد الكثير منهم مع ذويهم الذين لجؤوا إليهم في الجنوب، فلقد سحقت مربعات سكنية بأكملها هناك، وكأنها لم تكن، كما فعل الأمر ذاته في جميع مناطق قطاع غزة. من أجل هذا وأكثر انتابتنا حالة من الخوف والذعر فيما هو آت، فماذا لو أن إدارة المشفى انصاعت لجيش الاحتلال، وأجلت المرضى، وطلبت منا المغادرة، أين سنذهب، يا إلهي، ما لنا رب سواك، هل سنلقى في قلب الموت مرة أخرى؟

في أثناء هذا الحيرة، تقدمت منا مجموعة من الشباب، تهدئ من روعنا قائلة : ” وكلوا أمركم لله، فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا “، قلنا : ونعم بالله. بعد اجتماع إدارة مشفى القدس قرابة ساعة، خرج أحد الإداريين في المشفى، ليخبرنا أن الإدارة أبلغت جيش الاحتلال، أنها لن تتخلى عن واجبها الصحي والإنساني اتجاه المصابين والنازحين، فحمدنا الله، وعلت تكبيرات المكبرين، ولكن بدأ في عيون كل منا تساؤل مرعب، مفاده، وهل سيحترم هذا العدو المجرم، قرار إدارة المشفى برفض طلبه ولا يقترف الجرائم النكراء فيها؟ فهو محتل غاشم لا تردعه شرائع سماوية، ولا قوانين دولية، ولا أعراف أخلاقية، ولا أي دواعي إنسانية، فبالأمس القريب قد ألقى على النازحين في مشفى المعمداني وسط مدينة غزة، قنبلة أمريكية شديدة الانفجار، ليلقى المئات منهم حتفهم، في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية، بعربدة جوية، وبدعم أمريكي، وصمت دولي، وتخاذل عربي، وغثائية إسلامية.

ما هي إلا ساعات معدودة، بعد أن خيم الظلام، فإذا بغارات المحتل تستهدف محيط المشفى لترهيبنا، وإجبارنا على المغادرة، فأخذت أرض المشفى تهتز من تحت أقدامنا، وزجاج النوافذ يتكسر من حولنا، والأصوات تتعالى أبعدوا عن النوافذ، وبدأ الموت يخيم من فوقنا من جديد؛ حيث شعرنا أن الانفجارات المرعبة تقترب من محيط المشفى أكثر، وتزداد ضخامتها أكثر وأكثر. ناشد الصليب الأحمر المجتمع الدولي محذرا، بأن هذه الانفجارات سوف تؤدي إلى انفجار خزان الوقود فيها، وستحصل كارثة، لحظات صعبة تعجز الكلمات عن التعبير عن حقيقة الشعور فيها مهما كانت قوة و بلاغة الكلمات، ولكن لك أن تتصور أن الآلاف من النازحين في ممرات المشفى وقوفا، يستغيثون الله، أن ينجيهم من هذا الكرب، وحزام ناري شديد حول المشفى، وقد بلغت القلوب الحناجر، حتى أنك تكاد تسمع الأنفاس… وفجأة قطع هذا الصمت صراخ خرج من إحدى الغرف، فاتجهت الأنظار نحو الصوت، فإذا بالطفلة ليان طوطح ذات العشرة أعوام، الناجية الوحيدة مع أختها الرضيعة من جحيم محرقة المعمداني، والتي راح ضحيتها مئات من الشهداء، إثر قنبلة أمريكية ألقيت على المشفى، وقد قضى في هذه المجزرة من عائلة هذه الطفلة ٣٨ شهيد، ولم يتبق لها إلا أختها سوار الرضيعة، التي وجدها رجال الدفاع المدني على شجرة، قد طارت من حضن أمها مع قوة الانفجار، والآن تصرخ ليان في حالة هستيرية مع ضخامة الانفجارات التي تصم الآذان، وهي تتخيل أن مجزرة كمجزرة المعمداني ستحرقها من جديد، حملتها خالتها وهي تحضنها وتهدئ روعها ، وخرجت بها إلى الممر عندنا، لنرى جسمها الهزيل الذي تملؤه الحروق العميقة، والجرح الكبير الذي يشوه وجهها البريء، وأصابعها المبتورة، وإذا بصراخ آخر من غرفة أخرى، لطفل مرعوب مما يسمع، لم يتجاوز الخامسة من عمره، لا نرى منه إلا عينا واحدة، ممدد بين ذراعي أمه التي حملته خارج الغرفة، لعله يهدأ، و كله ملفوف بالشاش الأبيض وجبص الكسور، حتى عينه التي نراها لم تسلم هي الأخرى، يا الله… والله، لقد بلغت القلوب الحناجر يا رب، وما يزال الحزام الناري يلف المشفى، و الانفجارات تهز المكان، فإذا بباب المصعد يفتح، ويخرج مصاب من غرفة العمليات، ثم يخرج بعده آخر، وآخر من غرفة العناية المركزة، والعيون المرعوبة ينتابها الحزن الشديد على ما ترى، فكيف يستطيع الأطباء عمل العمليات المستعجلة، في مثل هذا الجو؟ ويسيطر علينا الحقد الأكبر على هذا النازي، الذي يحجر علينا حتى حقنا في النجاة من قلب الموت الذي يصنعه لنا، والعالم الذي يدعي الإنسانية يتفرج، يعجز أن يوقفه عن واحدة من آلاف جرائم الحرب التي يرتكبها وما يزال، بحق الشعب الفلسطيني الذي استولى على أرضه ويريد أن ينفيه منها.

ومن الجدير ذكره أن سمفونية إرهاب المشافي هذه التي وصفتها، يعزفها هذا النازي كل وقت يحلو له، في محيط جميع مشافي غزة، حول مشفى الشفاء، وشهداء الأقصى، والعودة، والنجار، والأندونيسي، والمشفى التركي لمرضى السرطان كذلك لم يسلم منه، ليجعلنا، حتى ونحن في مظان النجاة، في قلب الموت. ولكن النصر آت آت لا محالة، فالله مولانا ولا مولى لهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.