منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإمام السنوسي وإحياء العقيدة الأشعرية

0

مقدمة:

إن الناظر والمتأمل فيما أحدثه الإمام السنوسي وزاوله في حياته من أعمال فكرية وخاصة في مجال العقيدة ، ليؤكد مدى ارتباطه وعلاقته بمفهوم ومعنى الإصلاح ، فقد دعا إلى الرجوع للعقيدة الإسلامية الصحيحة ، عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة ، فالإمام السنوسي عاش حقبة تاريخية طبعتها تحديات تاريخية ورهانات اجتماعية ، أثرت على الأمة الإسلامية في الغرب الإسلامي ، وتتمثل في التدهور الفكري والتراجع الحضاري والسياسي، لهذا عمل على ترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوس معتقديها بعد طول الغفلة والنسيان ، لأن العقيدة السنية كانت مألوفة ومشاعة بين المغاربة ، ولكن اتى عليها حين من الدهر فأصابها ما أصابها ، فجاء محمد بن يوسف السنوسي في القرن التاسع الهجري فأعادها الى الحالة التي كانت عليها ، وذالك بحفظ المذهب الأشعري وإرجاعه إلى ما كان عليه كبار المتكلمين الأ شاعرة كالباقلاني والجويني والبغدادي والغزالي وغيرهم.

المبحث الأول : المذهب الأشعري قبل المرحلة السنوسيه (4 ه – 8 ه)

المطلب الأول : دخول المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي

لما أخذ الإسلام في ا لانتشار ، اتسعت رقعة البلاد الاسلامية ، حتى تأثر المسلمون بما وفد عليهم من مؤثرات ، فاختلطوا بالوافدين الجدد على الاسلام من ابنائي الأمم المفتوحة الذين كانوا ما زالوا متأثرين بسابق حضاراتهم ، فأدى هذا إلى تصادم  فكري ، كانت من أهم نتائجه ظهور جيل من المسلمين المتشبع بهذه الثقافة الجديدة الدخيلة على المجتمع الإسلامي ، يدعو الى تصور جديد للعقيدة الإسلامية وفق منهاج كلامي ، وظهر هذا التيار في زمن الأمويين علي يدي معبد الجهني القدرية[1] وجعد ابن درهم وجهم ابن صفوان الجهمية وفي زمن العباسيين وجدت هذه الطوائف دعما سياسيا من قبل خلفاء بني العباس ،فعلى عهد المأمون ت 218 ه توطدت أركان الفكر الاعتزالي ، وذلك لأن هذا الأخير كان يعقد مجالسه للكلام فقرب اليه مشيخة الاعتزال ،أمثال أبي الهذيل العلاف وإبراهيم سيار .[2]

المزيد من المشاركات
1 من 22

ومن جهة ثانية اشتد الصراع بين العقل والنقل ، ومن أبرز صوره مسألة خلق القران ،وعلى ضوء هذا التوتر العنيف بين العقل والنقل يفهم أن القرن الثالث الهجري مثل ذروة الصراع بين مذاهب المسلمين  وفرقهم ، وبين الحنابلة والمعتزلة وبين المعتزلة والجهمية وبين الشيعة وأهل السنة وبين السنة والخوارج.

وفي  القرن الرابع ظهر بعض العلماء ينشدون الوسطية والاعتدال ،فظهر بالعراق أبو الحسن الأشعري فأسس المذهب الأشعري، وبسمرقند ظهر أبو منصور الماتريدي ، وبمصر‏ ظهر أبو جعفر الطحاوي  .[3]

ولما كان الغرب الإسلامي شديد الاتصال التحولات الفكرية التي تعرفها بلدان المشرق ،حرص علماء المشرق على أن تصل اراؤهم ومذاهبهم إلى مختلف ربوع البلاد الإسلامية ،فإن المذهب الأشعري انتقل الى الغرب الإسلامي في فترة مبكرة ويمكن تتبع دخول المذهب الأشعري المبكر من خلال الحقب التاريخيه التاليه:

+ في النصف الأول من القرن الرابع الهجري مهد الدعاة الأوائل للمذهب الأشعري في القيروان التي شكلت المركز الأساسي للتقبل الأ شعرية ونشرها  باعتبارها  مثلت خلال هذه  المرحلة  مرحلة ضرورية من مراحل الرحلة الى المشرق لأهل المغرب، كما انها  تعتبر نقطة للإشعاع العلمي على كافة أنحاء المغرب بما فيها الأندلس.

و من أوائل دعاة الأشعرية بالمغرب أبو إسحاق القلانسي توفي 359 وأبو ميمونة دراس بن إسماعيل الفاسي توفي 357 وعلاوة على هذين الداعيين ،الداعي أبي زيد القيرواني توفي سنة   386 الذي  كانت له رحلة الى المشرق حج فيها  وتتلمذ على يدي كثير من المشايخ في المشرق.

ويذكر القاضي عياض أن أبا زيد القيرواني كانت تربطه بأبي عبد الله ابن مجاهد توفي 370 تلميذ الأشعري علاقة حميمية إذ بعث أبو مجاهد برسالة إلى ابي زايد القيرواني يطلب منه إرسال نسخ من كتابيه الرسالة والنوادر والزيادات.[4]

+ في النصف الثاني من القرني الرابع الهجري بدأت معالم المذهب الاشعري تعرف في الغرب الإسلامي ، وذلك راجع إلى ظهور الباقلاني توفي 403 في المشرق كحامل لواء الأ شعرية فشكل ذلك أثارا كبيرا في انتقال المذهب إلى بلادي المغرب وذلك يعود لسببين:

أولا: كون الباقلاني مالكي المذهب ، بل إنه من أعيان وكبار العلماء ،وذلك ما ذكره القاضي عياض إليه انتهت رئاسة المالكية في وقته.[5]

ثانيا: كونه خلف من بعده تلاميذ كثيرين تفرقوا في البلاد ،  أكثرهم  بالعراق وخراسان ونزل منهم الى المغرب رجلان أحدهما أبو عبد الله الأذري وبه انتفع أهل القيروان والثاني أبو طاهر البغدادي [6]

وعلاوة على ذلك فقد برزت خلال هذه الفترة شخصيات كان لها الدور في نشر المذهب الأشعري ، ويتعلق الأمر بأبي الحسن القابسي توفي 403 وتلميذه أبو عمران الفاسي توفي 430.ه

وفي النصف الأول من القرن الخامس الهجري ظهرت العديد من الشخصيات التي كان لها صيت ذائع في نشر المذهب الأشعري أشهرهم:

أولا  أبو ذر الهروي توفي 434 ه كان له دور كبير في تعليم المغاربة لهذا المذهب، فقد أقبل عليه طلبة العلم من المغرب لكونه يجمع بين الأ شعرية في الأصول والمالكي في الفروع ويتضح لنا ذلك من خلال قول ابن تيمية سمعت أبا أمامة يقول عن أبي ذر الهروي أنه أول  من حمل الكلام إلى الحرم وأول من  بثه في المغاربة.

ثانيا : أبو عمر الطلمنكي توفي 430 ه ذكر الأستاذ يوسف أحنانة أن أشعريته تظهر من خلال استعماله التأويل في بعض التصورات العقدية، كوصف الله بالمكان ، وعلاقات الصفات بالذات والجسمية [7]، ومن ذلك أنه يقول أجمع المسلمون من أهل السنة على معنى قوله  ((وهو معكم أينما كنتم ))  أو نحو ذلك من القرآن أنه علمه ، فالله إذا يوجد في كل مكان لكنه بعلمه لا بذاته ،وهذا تأويل عن طريقة الأ شاعرة، وهم الذين اسماهم الطلمنكي في النص بالمسلمين من اهل السنة.[8]

المطلب الثاني : ترسيم وانتشار المذهب الأشعري ؟.

عرف الغرب الإسلامي في منتصف القرن الخامس الهجري بداية تحول تاريخ في قيامة دولة المرابطين التي كانت النواة الأولى على شخصية اتسمت بالأ شعرية ، ويتعلق الأمر بأبي عمران موسى الغفجومي الفاسي توفي 430 ه الذي كان يهدف أن تكون عقيدتها الرسمية عقيدة الأ شاعرة، فتأسست دولة المرابطين وفق تخطيطه، لكنه لم يعاصر هذا التأسيس حتى يتمكن من توجيهه والإشراف عليه، فقد مات قبل قيام الدولة.[9]

ويمكن القول أن انتشار المذهب الأشعري في هذه المرحلة والتي بعدها ظهر على يد مجموعة من العلماء أبرزهم .

اولا : أبو الحجاج يوسف ابن موسى الكلبي الضرير توفي 590  ه وكان من المشتغلين بعلم الكلام على مذهب الأ شعرية وله تصانيف مشهورة منها ارجوزته الصغرى في الاعتقاد ، كما شهد تاريخ المعتقد الأشعري بالغرب الإسلامي في العهد المرابطي ظهور أول عقيدة اشعرية في هذه المنطقة ، ويتعلق الأمر بعقيدة مفكر المغرب الأدنى أبي الطيب سعيد ابن احمد ابن سعيد الصفا قسي توفي سنة 501  ه عنوانها العقيدة السنية أو عقيدة الصالحين.[10]

ويمكن القول المذهب الأشعري في العهد المرابطي عرف ثلاث مواقف

أ موقف مناوء : مثله القاضي ابن حمدين 508  ه قاضي قرطبة الذي اصدر فتوى إحراق كتاب علوم الدين وأصدر أمرا بإنزال اشد العقوبات على من وجد بحوزته نسخة من هذا الكتاب.

ب  موقف وسط: مثله أبو الوليد ابن رشد الجد توفي 520 ه ويتضح لنا لما سئل عن اقطاب المذهب الأشعري هل هم أئمة خير وهدى أو أئمة ضلال ، فإجابته كانت انتصارا للأقطاب الأشعرية بالرغم من أنه لم يكن أشعريا ،حيث اعتبرهم من يجب الاقتداء بهم لأنهم قاموا بنصرة الشريعة ،إلا أنه في نفس الوقت يقول أن هذه الطرق لا خير فيها ولا صلاح ولأنه لو كان فيها ذلك لكان أئمة الصحابه و التابعين هم السابقين اليها.[11]

ج : موقف مساند :  مثله أبو الفضل النحوي توفي 513  ه الذي عارض فتوى ابن حمدين وانتصر للغزالي وكان قد انتسخ كتاب الإحياء وجعله ثلاثين جزءا فإذا دخل شهر رمضان قرأ في كل يوم منه جزءا وكان يقول وددت أنني لم انظر في عمري سوى هذا الكتاب.

ثانيا : محمد بن تومرت ت 524 ه هو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت الشهير بالمهدي بن تومرت المفكر السياسي والإصلاحي ومؤسس دولة الموحدين وأول ما قام به في هذا المجال هو اطلاق اسم الموحدين على اتباعه ومدرسته ودولته الجديدة .

وبعد نهاية المرابطين وبداية الموحدين عرف الغرب الإسلامي انتقالا من التصور المالكي عقيدة التسليم والتفويض إلى تصور أشعري ولهذا نجد العديد من المؤرخين من يعتبر القرن السادس هو التاريخ الذي عرف فيه الغرب الإسلامي المذهب الاشعري ومن هؤلاء المؤرخين :

عبد الواحد المراكشي الذي اعتبر أن ابن تومرت هو أول من عرف أهل المغرب بعلم الكلام الأشعري الذي تعلمه خلال الرحلة إلى المشرق.

المقريزي : الذي يرى أن المهدي ابن تومرت هو أول من أدخل المذهب الأشعري إلى بلاد المغرب الإسلامي حيث يقول فاستمر الأمر على عقيدة الأشعري بديار مصر وبلاد الشام وأرض الحجاز واليمن وبلاد المغرب أيضا لإدخال محمد ابن تومرت رأي الأشعرية  إليها .

وحيث إن ابن تومرت كان قد رحل إلى المشرق في مرحلة شبابه واحتك هناك بممثلين كبار للفكر الأشعري وتتلمذ عليهم أمثال أبي بكر الطرطوشي والغزالي على جزم كثير من المؤرخين فإنه بمجرد عودته إلى المغرب حمل معه المشروع السياسي والإصلاحي الجديد وسلاحه النظري وهو الدعوة إلى المذهب الأشعري باعتباره عقيدة يواجه بها العقيدة الرسمية لخصومه المرابطين عقيدة أهل التسليم والتفويض .

ومن هذا نخلص إلى أن ابن تومرت كانت له رحلة إلى المشرق ، وأخذ عن علمائها مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ،ثم عاد الى المغرب سنة 510 ه وداعا الناس الي هذه الطريقة ومن ذلك الوقت اقبل علماء المغرب على اعتناق مذهب الأشعري .[12]

ثالثا : أبو عمر و عثمان السلالجي ت 574 ه هو أبو عمرو عثمان بن عبد الله السلالجي المفكر الأشعري المغربي الذي رفع بعض المؤرخين درجته في علم الكلام بالغرب الإسلامي الى درجة أبي المعالي الجويني في المشرق، وذالك لإطلاعه الواسع بأمور علم الكلام الأشعري من جهة ، ولدوره الكبير في بث ونشر المذهب الأشعري بالمغرب ،  ولما كان مستقرا في فاس ومارس عمله هذا أولا في هذه المدينة، فقد اقترن اسمه بكونه أول من انقد أهل فاس من عقيدة التجسيم والتشبيه أي عقيدة أهل التسليم والتفويض .[13]

ويمكن تتبع دور السلالجي في هذا المضمار من خلال مؤلفه العقيدة البرهانية في علم الألوهية وذلك لاتصافها بالسمات التالية:

+ احتلالها مكانة سامية بين كتب العقائد الأشعرية التي كانت بلاد المغرب غنية بها ،بحيث قامت عقيدة السلالجي بمهمة ترسيخ المذهب الأشعري، وذلك ما لم تنهض به بقية الكتب والرسائل العقدية كالمرشدة لابن تومرت،  لأن البرهانية تتميز بمجموع ما تدور عليه عقيدة الأشاعرة .[14]

+ كونها هي خلاصة لما تناقله السلف ووصل الى الخلف في أمور الاعتقاد إلى عصر السلالجي ،فقد حاول صاحبها أن يعطي لها مشروعية دينية من خلال قوله فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة تلقاها الخلف عن السلف والله المستعان بها والقيام برعاية حقوقها ولا حول ولا قوة الا بالله.

كان لهؤلاء الأعلام الثلاثة إسهامات في ترسيم المذهب الأشعري ونشره في أوساط الغرب الإسلامي ،غير أن هذا لا يعني انحصار ترسيم المذهب الأشعري في هؤلاء الأعلام ، وإنما هناك العديد من الأعلام التي كان لها الدور في تأصيل هذا المذهب الأشعري ،ومنهم أبو الحسن علي بن خليد المعروف بابن الإشبيلي المتوفى سنة 576 ه وهو شيخ أبو عمر السلالجي .وأبو عبد الله محمد ابن علي الفندلاوي المعروف بابن الكتاني المتوفى سنة 598 ه وأبو عبد الله محمد الرعيني المتوفى سنة 598 ه

المطلب الثالث : تراجع المذهب الأشعري

في نهاية القرن الثامن الهجري بدأت معالم المذهب الأشعري تعرف تقهقرا وتدهورا بسبب تراجع همم الناس عن تناول علوم النظر وإقفال باب الاجتهاد فيه، فهيمن الجمود على الموجود ،وبدأ المجتمع الإسلامي وكأنه يعرف انقلابا معرفيا خطيرا وهذا الانقلاب المعرفي يعود الى العديد من الأسباب .

1 أنه راجع إلى شيوع التقليد ،وهذا ما التمسه أبو عبد الله محمد ابن يوسف السنوسي نفسه فجعله مرتكزا وغاية مؤلفاته ((الخروج في عقائده من ظلمة التقليد وأسره الى متسع أنوار الأنظار الصحيحة )) ،فالتقليد كان سمة طاغية في مسائل العقائد وأمور علم الكلام حتى عند اولئك الذين اشتهروا في زمانهم بالمشاركة والإطلاع،  فقد كانت غالبيتهم تستكشف النظر العقلي وتقبل ما هو موجود منها تقليدا[15] وهذا التقليد في علم العقائد وعدم اعتناء العامة بحضور مجالس العلماء ومخالفة اهل العلم ولا البحث فيها، جعلت العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي تعرف تراجعا ملحوظا ،خاصة مع سطو العقائد الأجنبية عليها ومنها التجسيم .[16]

2 الجهل الذي كان منتشرا بين طلبة العلم الذين لا يتقنون النظر في العقائد ولو بالتقليد والسبب في ذالك يرجع الى.

– الفساد في عقائد المعقدين وإعراضهم عن النظر في أدلة التوحيد وإهمالهم الكثير من مرشدهم .

– الانحلال الخلقي الذي كان سائدا في الغرب الإسلامي ،وخاصة في نهاية القرن السابع الهجري وبداية القرن الثامن، وذلك لأن كل تقدم او ارتقاء حضاري وسمو فكري مرده إلى التمسك بالإسلام ومرتهنا بمقدار الالتزام بشرعيته .

أما في بلاد المغرب فقد كان الإمام السنوسي شاهدا على الانتكاسة الفكرية التي عرفها المغرب في أواخر القرن الثامن ،وهو الآخر ردها الى فساد خلق أهل ذالك الزمان وشيوع البدع بقوله (( ولا يستغرب في هذا الزمان الذي نحن فيه وهو أواخر القرن التاسع الذي صار المعروف فيه منكرا والمنكر معروفا وتعذر فيه معرفة الحق لميول أهله واتسع الخرق فيه جدا على الراقع فلم يبقى فيه للعاقل إلا التحصن بالسكوت وملازمة البيوت والرضى في معاشه بأدنى القوت )) .[17]

وفي القرن التاسع سيعرف التراجع التام والطرد النهائي للوجود الإسلامي وهذا التراجع السياسي أدى إلى تراجع آخر على المستوى الفكري تمثل في الغفلة عن علوم النظر وإهمالها والاكتفاء بالتقليد فيها.

المبحث الثاني : المذهب الأشعري مع الإمام السنوسي

المطلب الأول : تعريف الإمام السنوسي – حياته – شيوخه – مؤلفاته

حياته : هو أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي الشريف الحسني فقيه أشعري من متكلمي تلمسان ولد فيها سنة 832 ه وتوفي بها سنة 895ه وقد اشرف على 63 سنة وهو شريف النسب من سلالة الشرفاء الحسن بن علي بن أبي طالب ويحكى أن الشرف ثبت له من جهة أم والده .

درس الإمام السنوسي العلوم الإسلامية وغيرها من العلوم في مختلف الفنون كعلم الطب والهندسة والحساب والفرائض وغيرها وقد تلقى علمه كله في مسقط رأسه بتلمسان ، وقيل أنه ارتحل إلى الجزائر حيث تلقى العلم على يد عبد الرحمان الثعالبي ، وفي جامع القرويين درس الإمام السنوسي فقه المالكية وبعد أن أجيز قام بالتدريس فيه فترة من الوقت والتي بلغت سبع سنوات .[18]

شيوخه : نشأ الإمام السنوسي صالحا فاضلا أخد العلم عن جماعة من العلماء ومن بينهم نذكر:

+ والده الشيخ أبو يعقوب يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي الحسني الصالح المبارك الزاهد العابد المقرئ، تلقى أول مبادئ العلوم والمعارف وقرأ على يد والده القرآن الكريم .

+ أبو الحسن التالوتي ت 895 ه قرأ عليه رسالة ابن أبي زيد القيرواني

+ نصر الزواوي لقنه علوم اللغة ولازمه الإمام السنوسي مدة كثيرة

+ أبو عبد الله الجلاب ت 875 ه ختم على يديه المدونة مرتين

+ إبراهيم التازي ت 866 ه أخذ عنه أشياء كثيرة منها التصوف .

هذا التعدد في شيوخ وأساتذة الإمام السنوسي انعكس جليا على تكونه المعرفي والفكري في مختلف العلوم ، ويذكر تلميذ الإمام السنوسي الملالي ت 897 عن شيخه فيقول (( أما علومه الظاهرة فله فيها أوفر نصيب وجمع من فروعها وأصولها السهم والتعصيب لا يتحدث عن علم إلا ظن سامعه أنه لا يحسن غيره لا سيما علم التوحيد ….فصار جامعا بين الشريعة والحقيقة على أكمل وجه لا يعارضه أحد إلا افحمه جمع له العلم والعمل والولاية .

مؤلفاته : للإمام السنوسي عدة مؤلفات في مختلف العلوم فله مؤلفات في العقيدة والتفسير وعلوم القرآن والحديث والفقه والأصول كما أدلى بدلوه في علم المنطق والسير والتاريخ وعلوم اخرى .

اما مؤلفاته في علم العقيدة فتعتبر الأكثر رواجا في بلاد المغرب الإسلامي فقد جاءت تآليفه معتنية بعلم التوحيد الذي كان يتمتع بمكانة خاصة لديهم ، ومن أهم مؤلفاته العقيدة الكبرى وتسمى عقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمات الجهل وربقة التقليد المرغمة أنف كل مبتدع عنيد ، وكذالك تسمى العقيدة الكبرى للسنوسي ثم شرحها وسماها عمدة أهل التوفيق والتسديد في عقيدة أهل التوحيد – العقيدة الوسطى – العقيدة الصغرى وتسمى أم البراهين والمشهورة بالسنوسية – عقيدة صغيرة الصغرى والتي تسمى الحفيدة مع شرح لعقيدة صغيرة الصغر ى .

  • عقيدة صغرى صغرى الصغرى وتسمى بالعقيدة الوجيزة أو عقيدة النساء – وله أيضا مقدمات للعقيدة الصغرى وشرح المقدمات – شرح منظومة أبي العباس الجزائري المسماة كفاية المريد في علم التوحيد وهي منظومة لامية تزيد عن أربعمائة بيت – وشرح المرشدة للمهدي ابن تومرت – شرح أسماء الله الحسنى كما شرح نظم العقائد للحوضي
  • قصيدة في العقيدة اسماها الدهرية ناقش فيها مذاهب الدهرية والزنادقة والملاحدة.

 المطلب الثاني : الفكر الأشعري السنوسي

يعتبر الإمام السنوسي رحمه الله أحد أهم رجالات الأشعرية في العقيدة و حازت عقائده ثناء كبيرا ،قال أبو العباس ابن العباس القاضي ((الإمام السنوسي المعقولي الفقيه المحدث صاحب العقائد التي لم يأت  بمثلها من المتأخرين )) ،فقد كان رحمه الله علما من أعلام علم الكلام في وقته بلا منازع ،حيث استطاع أن يحارب التقليد في أمور العقائد ويعيد الاعتبار للنظر العقلي الذي يعتبر شرطا اساسيا في إيمان المرء ،مما دفع إلى انتعاش علم الكلام الأشعري من جديد وعودة الروح إليه ،وبدأت في عهده معالم وإرهاصات نهضة كلامية جديدة تبدو في الأفاق ، لكنها مطبوعة بطابع عصرها وبتوحيد صاحبها الإمام السنوسي .[19]

وقد ناقش مجموعة من المسائل في علم الكلام لعل أهمها وأبرزها مسألتي وجوب النظر وإيمان المقلد .

الفرع الأول  : وجوب النظر ، يوجب الإمام السنوسي إعمال النظر منهجا لا غنى عنه من أجل التوصل إلى معرفة الخالق وصفات ذاته ،وذلك بقوله (( ونقل عن طائفة من اهل العلم أن الله معروف بضرورة العقل فإن أرادوا أن النظر في معرفته تعالى ينتهي إلى الضرورة فمسلم لأن معرفته جل وعلا ومعرفة جميع عقائد الإيمان إنما هي بالبراهين ))[20] كما يذهب إلى الرد على من يحرم التأويل والكلام برؤيته ،أن الطريق الحق ليس بدءا بالكتاب والسنة فقط ، لأن حجيتهما لا تعرف إلا بالنظر العقلي ،فعلم الكلام هو شرح للكتاب والسنة، ومن أجمع على بطلانه يلزم عليه أن يحرم قراءة القرآن لأنه مملوء بالحجج والبراهين .

ودفاعه عن شرعية ووجوب إعمال النظر يدل على :

+ دفاعه عن علم الكلام بحيث يعتبره علم عظيم الشرف لا ينكروه إلا أعمى البصيرة مريض السريرة ولا حول ولا قوة إلا بالله .[21]

+ حدة خصومه عليه، إذ اتهمه الكثير من معاصريه بانحراف العقيدة والضلال عن منهج الاستقامة، وأن كتابه أم البراهين فيه اشياء كثيرة مخالفة ما عليه أهل السنة ،منها مسألة العلو ،ومسألة الصفات ، كما انه ليس من السلف ولا من الخلف المعروفين بالنظر والبحث ، بل هو من جهلة المتأخرين المقلدين لأهل البدع ، وهؤلاء ليسو من اهل العلم .

وسنده في اعتبار أن النظر أول واجب للوصول الى المعرفة ،هي أقوال كبار الأشاعرة، ومما ذهبوا إليه في هذا الصدد، ومنهم الشيخ الأشعري وإمام الحرمين، إلى أن أول واجب عندهم القصد إلى النظر ،أي توجيه القلب إليه بقطع العلائق منافية له ،ومنها الكبر والحسد وبغض العلماء الداعين إلى الله سبحانه وتعالى .[22]

ثانيا : إيمان المقلد : مند أن ترسم المذهب الأشعري في بلاد الغرب الإسلامي وتغلغل فأخذ علماء العقيدة ثابتا من ثوابت العقيدة الأ شعرية وهو اعتبار النظر العقلي واجبا عينيا على كل مكلف ،لأنه شرط من شروط الإيمان ،وبدونه لا يستقيم إيمان المرء، فكان إجماعهم على عدم جواز إيمان المقلد في العقائد ،وقد جاء الإمام السنوسي في مرحلة عرفت فيها العقائد الأ شعرية نوعا من التراجع والتقهقر ،فأراد أن يعيدها إلى سابق عهدها ، وأن يربط حاضرها بماضيها ،ويضمن الاستمرارية لها بدم جديد ، فكان أول عمل قام به هو دعوته إلى نبد التقليد في العقائد حتى يقبل الناس عليها ويشغفوا بالإطلاع على محتوياتها ،وكانت حجته في ذلك ما وقع عليه إجماع أئمة الأ شاعرة القدامى .[23]

وقد انشغل الإمام السنوسي كثيرا بهذا الموضوع فعلى سبيل المثال يفتتح كتاب العقيدة الوسطى بعد الحمد الله والصلاة على خاتم النبيين والرضا على الصحابة بقوله فهذه جمل مختصرة يخرج المكلف بفهمها إن شاء الله من التقليد المختلف في إيمان صاحبه إلى النظر الصحيح المجموع على إيمان صاحبه .[24]

أما كتابه العقيدة الكبرى فجعل عنوانها يتناسب مع هذا السياق فعنونها بعقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمات الجهل وربقة التقليد المرغمة أنف كل مبتدع عنيد ،ولما كان الأمر كذلك فقد وجب على الجميع تحصيل العلوم من طريقها المألوف، وهو الاجتهاد في النظر والتعلم من العلماء والتزام التعب في الدرس والرحلة في طلب الفوائد ، ويستطرد الإمام السنوسي في هذا السياق في الاستدلال على ضرورة رفض التقليد في أمور العقائد والرد على من يقول بجوازه مع دحض أدلتهم النقلية والعقلية التي يستدلون عليها ليخلص إلى نتيجة مفادها أن المقلد في العقائد لا يضرب له في الإسلام بنصيب .[25]

ويرى الإمام السنوسي أن النظر واجب وفي التقليد ترك للواجب ،فلا يجوز ذالك ، لكن في كتابه أم البراهين نجده يلطف من عباراته اتجاه موقفه من صحة إيمان المقلد بقوله والحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وجوب النظر الصحيح مع التردد في كونه شرطا في صحة الإيمان أولى والراجح أنه شرط في صحته ، وقوله الراجح أنه شرط بمعنى أن النظر واجب وجوب الفروع في حق من فيه أهلية للنظر، وحينئذ فالمقلد الذي فيه أهلية النظر مؤمن عاص فقط  وإيمانه منجي له من الخلود في النار، وأما إذا كان ليس فيه أهلية للنظر فهو مؤمن غير عاص .[26]

المطلب الثالث : مناظراته العقائدية

يمكن القول أنه في الوقت الذي كان فيه الشيخ السنوسي يراكم عقائده وشروحه عليها وتأليفه في العقائد كان في نفس الوقت يتهيأ لأخذ الزعامة في هذا الميدان وبالتالي تأسيس مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الأشعري بالغرب الإسلامي تكون فيه عقائده وما ذهب إليه في هذا السياق هي المرجع والسند لمن سيأتون من بعده في كامل الغرب الإسلامي ، إلا أن المسألة لم تكن من البساطة بحيث يتأتى له بسط سلطانه العقدي وإثبات هيمنته فقد كان الخصوم والأنداد يقفون له بالمرصاد ويرفعون أمامه التحديات ،ومن أبرز خصومه أبو العباس أحمد بن محمد بن زكري التلمساني ت 900 ه المعاصر للشيخ السنوسي وقد اشتهر بنزاعه مع الإمام السنوسي ومشاحنته معه في أمور العقائد فقد كانت بينهما مناظرات مهمة دارت حول إيمان المقلد ورؤية المعدوم ، وهما فكرتان أشعريتان تفرعتا عن أصول هذا المذهب ، وذهب فيها مفكرو الأشاعرة مذاهب مختلفة وأخذت مناظراتهما بعدا آخر حيث سيصبح النقاش فيهما رهانا على الزعامة وتثبيت الإمامة ، فالإمام السنوسي يرى أن التقليد في الإيمان لا يجوز وقد حكى الإجماع في ذلك عن الجمهور والمحققين وأهل السنة ، هذا الموقف الذي دافع عنه الإمام السنوسي واستعمله شعارا في بداية مشروعه العقدي لم يرق للشيخ أحمد بن زكري فبدا له وكأنه متشدد غاية التشدد وأن الخطأ فيه هو نسبة الإجماع في نبد التقليد في العقائد إلى أئمة الأ شاعرة، لأن ابن زكري يرى أنه لم يقع في مسألة التقليد أي إجماع ، فالإجماع الذي يتحدث عنه الإمام السنوسي هو مجرد التباس وقع فيه مجموعة من مفكري الغرب الإسلامي ومن بينهم الإمام السنوسي ، كما وقع خلاف بينهما في مسألة رؤية المعدوم وقد كان الإمام السنوسي من بين القائلين بهذه الفكرة والمثبتين لها والمدافعين عنها فكتب في ذلك جوابا صغيرا لأحدهم ضمنه موقفه من رؤية المعدوم فصادف أن اطلع عليه الشيخ ابن زكري فلم يقبله وكتب على طرته ردا صغيرا مختصرا مفاده أن هذه الفكرة مرفوضة وغير مقبولة ، فما اطلع الإمام السنوسي على هذا التعليق بادر إلى كتابة تعليق آخر عليه يقول فيه (( أنه لا يخفى فساد هذا الرد )) ولما توصل ابن زكري بهذا الرد غاظه الأمر فكتب على هذا الرد جملة جاء فيها (( ومن الاختلال ما حكم به أنه اختلال ولو أنه انصف لجلس بين يدي ذلك القائل حتى يتبين له الاختلال نعوذ بالله من الآفة في المقال)) .[27]

خاتمة :

استطاع الإمام السنوسي أن يخرج بنتيجة وهي إنشاء طريقة حديثة وتكوين أسلوب جديد يجمع في مضمونه بين الأصالة والمعاصرة في تقديم عناصر العقيدة وعرضها نزولا عند رغبة أهل جميع المستويات وإرضاء لذوي مختلف الثقافات حتى يأخذ كل واحد نصيبه من هذا العلم وقد ارتأى أن يكون وفيا للأصل دون الانسلاخ عنه كليا ويلاحظ هذا من خلال استدلاله على العقائد بنفس طريقة المتكلمين الأوائل حفاظا على موروثه الأصيل الذي أسسه كبار أهل هذا الفن وعلى رأسهم إمام المتكلمين أبي الحسن الاشعري .

[1] تبيين كذب المفتري ص 11

[2] تطور المذهب الاشعري بالغرب الاسلامي الامام السنوسي نموذجا ص 10  سميرة عبد الكريم وعفاف خضراوي

[3] تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي ص 17  ذ يوسف احنانة

[4] ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة رجال مالك ج 4 ص 477

[5] المصدر نفسه السابق ص 430

[6] المصدر نفسه ص 120/121

[7] تطور المذهب الأشعري بالغرب الاسلامي احنانة  ص 56

[8] المصدر نفسه ص 56

[9] المصدر نفسه ص 62

[10] المصدر نفسه ص 69

[11] المصدر نفسه ص 72

[12] الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ج 1 ص 62

[13] المصدر نفسه ص 112

[14] المصدر نفسه ص 115

[15] المصدر نفسه ص 174

[16] عمدة اهل التوفيق والتسديد ص 48

[17] العقيدة الوسطى وشرحها  ص 22

[18]  مجلة المجلس يصدرها المجلس العلمي الاعلى العددان 12/ 13 يناير 2015 ص 121

[19] مجلة المجلس يصدرها المجلس العلمي الاعلى العددان 12/ 13 يناير 2015 ص 122

[20] عمدة اهل التوفيق والتسديد  ص 53 للسنوسي

[21] شرح العقيدة الوسطى للسنوسي  ص 70

[22] عمدة اهل التوفيق والتسديد  ص 16 للسنوسي

[23] تطور المذهب الأشعري بالغرب الاسلامي احنانة  ص 189

[24] شرح العقيدة الوسطى للسنوسي  ص 23

[25] تطور المذهب الأشعري بالغرب الاسلامي احنانة  ص 189

[26] كتاب ام البراهين ص  57

[27] تطور المذهب الأشعري بالغرب الاسلامي احنانة  ص 188 وما بعدها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.