منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يا ليتني كنت معهم (قصة قصيرة)

يا ليتني كنت معهم (قصة قصيرة)/ عطية معين

0

يا ليتني كنت معهم (قصة قصيرة)

بقلم: عطية معين

جلست للا لطيفة كعادتها في صباحات الأحد، في شرفة شقتها الفاخرة المطلة على القنصلية الأمريكية. ترتشف قهوتها رفقة زوجها بأنة و هدوء،مستمتعان سويا بلطافة الجو و جماله..

لكن سرعان ما بدَّدَ هذا الهدوء صدى مرتفع لأزيز مثل أزيز خلية النحل.. وهتافات تعلو و تنخفض..

تساءلت للا لطيفة عن مصدر الصوت، بل وقفت وأجالت بعينها بعيدا لتجد أفواجا متراصة صفا صفا مكونة من جماهير غفيرة..

تتقدم كأمواج البحر لتقترب من عمارتها أكثر وأكثر..

و ازداد فضولها لمعرفة سبب خروج الناس، ليقاطع زوجها توجساتها بأنها ربما فرحة الناس باستضافة المغرب لكأس العالم

في كرة القدم..

لكنها صححت معلوماته عندما أكدت له رؤيتها لأعلام فلسطين،

و للكوفية و هي تتوشح رقاب الناس..

تابع الزوج ارتشاف قهوته بسرعة، ودخل مسرعا إلى غرفته،

مستاء من الضجيج و الأصوات المرتفعة والممرات التي قُطِعت

فنزعت يوم عطلته.. مفضلا العودة إلى النوم عوض مراقبة هذه الهتافات..

بينما فضلت للا لطيفة مراقبة التظاهرة، باندهاش شديد، لتفتح هاتفها لمعرفة المستجدات التي صدمت عقلها، والصور التي كسرت قلبها..

وعند الغذاء فاتحت زوجها بهول ما رأت، وكان انفعالها بالغا، مما جعل زوجها يزمجر و يغضب لحكيها، مخاطبا إياها:

” واش بغيتي يطلعلك طونسيون والسكر أ للا لطيفة، عييت ما نقلك ماتشوفيش الأخبار، شباينا و بين ف..ل..س..ط..ين، سوقهم هداك.. بيناتهم “

هدأت للا لطيفة واستسلمت لصمت مطبق، إذعانا لرغبة زوجها..

وفي مساء الغد، تكرر المشهد، وقفت جماهير غفيرة أمام القنصلية، ترفع شعارات وصور داعمة لفل..س..ط..ي..ن..

هالها احتراق علم إسرا..ئيل.. فنادت على زوجها ليرى مشهدا قلما يتكرر..

فكان رده قاسيا: ” أعتقد أن إقامتنا أمام القنصلية الأمريكية، بات يشكل مرضا و اضطرابا، من الأفضل أن نذهب إلى المزرعة، ريثما تمر هذه الأيام “.

صمتت للا لطيفة مرة أخرى، محاولة ضبط نفسها، مجاراة لزوجها، لكنها لم تعد تنام، و أصابها الأرق، ومشاهد الموت والدمار لا تفارق خيالها..

وفي الغد أيضا تكرر نفس المشهد، و رأت للا لطيفة بأم عينيها امرأة مسنة تحمل علم ف..ل..ط..ين، و رجلا شيخا يردد الشعارات المناهضة للاحتلال.. وأما تجر عربة بها طفل رضيع..

فقالت في نفسها: ” أظن أن الكل خرج، إلا أنا و زوجي،”

وكتمت حسرتها..

تكررت الوقفات و المسيرات، وبدأت تؤتي أكلها، بل وصل الضغط إلى مغادرة مكتب الاتصال..

وهذه المرة لم تخف للا لطيفة ما يجول في خاطرها، فقالت بصوت مرتفع: ” يا ليتني كنت معهم “

نظر إليها زوجها.. نظرة شزراء.. مستهجنا قولها:

” منذ متى كانت نساؤنا تخرج في المظاهرات.. هل فعلتها أمي

أم أمك.. هل جننت، ألا تستحين من نفسك، وأنت في عقدك الخامس، ولديك حفيدان.. ماذا سيقول عنا الناس “

استجمعت للا لطيفة قوتها، وأجابته:

“مثل كل هؤلاء النسوة، لم يمنعهن سن و لا مسؤوليات ولا مرض، من الخروج و التضامن مع إخوتهم.. “

أما آن لنا أن نغضب ونستنكر مثل جميع الناس، أما آن لقلبينا

أن تعيش ما يعيشه الناس، أما آن أن نحس بما يحس الناس..

لم تلتفت للا لطيفة وراءها، لترى ردة فعل زوجها، وانضمت إلى الناس لا تألو على شيء، تقترب منهم وتنزل إليهم من برجها العاجي..

استعارت من إحدى المتظاهرات علما، حملته على كتفيها، و رددت كمثيلاتها الشعارات..

و في الختام تراآى لها زوجها بين الحشود، وهو مندهش، مضطرب لتجربة يعيشها لأول مرة..

ابتسمت من كل قلبها.. وقالت: ” لقد أعطت المسيرات والوقفات أكلها، وأحيتنا بعد موات “

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.