منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف أكتب مقالا؟

اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

فرض الله على الدعاة تبليغ كلمته ودعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة. وحيث أن الدعوة هي خطاب للقلوب والعقول، وهي معالجة للنفوس وتزكية لها وتهذيب لطباعها، فإنها تتطلب إتقان أدواتها أيما إتقان، بما هي وسائل لا يتم واجب الدعوة إلا بها، وبما هي إحسان كتبه الله على كل شيء.

ومن وسائل الدعوة الكلمة المكتوبة، سيما في عصر الأنترنت. حيث الكلمة والصورة تخترق الحجب، وتقتحم البيوت والنفوس. سيما والأغيار يستغلون هذه التكنولوجيات في ترويج بضاعتهم، مسلحين بآخر ما توصل إليه القوم في علوم التواصل وعلوم النفس، فتكون كلمتهم أشد تأثيرا وأعظم خطرا. والداعية مدعو لدفع الباطل بالحق، مدعو لالتماس الحكمة أنى وجدت.

فكيف يكتب الداعية مقالا يوصل من خلاله دعوة الله للناس؟ وكيف يكون مقاله أنفذ للقلوب والعقول بالعلم النافع مضمونا، وبأنوار الإيمان والإخلاص زينة، وبالمنهج السليم خطة؟

أولا: الإعداد القبلي القلبي:

المزيد من المشاركات
1 من 10

النية والإخلاص:

تبدأ مرحلة إعداد المقال بإخلاص النية لله رب العالمين امتثالا لأمر الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (الأنعام ـ 162) ولقول رسوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»[1]،

كل قول يقوله صاحبه إنما هو انعكاس لما في قلبه، فإن كان القلب طاهرا لا تلوثه كدورات النفس، أنطقه الذي أنطق كل شيء بما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

الطهارة والصلاة:

المقال دعوة يحتاج كاتبه إلى أن يقف على باب العليم الحكيم، يستمد منه العلم والحكمة. فيجمل به أن يتطهر ويصلي ركعتين كما قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} (البقرة ـ 45).

ثانيا الإعداد القبلي العلمي:

الإعداد العلمي البعيد المدى:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

ويدخل هنا كل ما تلقاه الكاتب من علوم منذ التمييز، من مبادئ الكتابة والإملاء إلى مختلف العلوم الشرعية والكونية، فلا بد للكاتب أن يكون تلقى قدرا من المعارف يؤهله لأن يكتب ويبحث في موضوع مقاله. يوازي هذه العلوم المكتسبة سابقا تكوين ذاتي مستمر لا يكل ولا يمل، عمدته همة عالية وجد وكد.

قال ابن قتيبة: ” فإني رأيت كثيرا من كتاب أهل زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة واستوطؤا مركب العجز، وأعفوا أنفسهم من كد النظر وقلوبهم من تعب التفكر، حين نالوا الدرك بغير سبب، وبلغوا البغية بغير آلة؛ ولعمري كان ذاك فأين همة النفس؟ وأين الأنفة من مجانسة البهائم؟”[2]

الإعداد العلمي القريب المدى:

ـ اختيار الموضوع وتحديد الأهداف:

هذه أول خطوة يقوم بها الكاتب، حيث يحدد موضوع مقاله من خلال حاجته هو وحاجة قرائه، أو من خلال ما توحيه إليه الأحداث والمناسبات. وتظهر أهمية هذه الخطوة في كونها تحدد إن كان الكاتب قادرا على الكتابة في هذا الموضوع أم لا. كما أنها تعصمه من التيه في مواضيع مختلفة.

ـ البحث والتأمل:

وأقصد به البحث في موضوع المقال. فبعد أن يختار الكاتب موضوعه يحتاج إلى النظر فيما كتب فيه من قبل. ليكون ملما بالموضوع، محيطا بتفاصيله، مدركا لما وقع فيه من الخلاف. فيعالجه وفق نظرة شمولية غير قاصرة. مضيفا للموضوع غير مكرر أو مرتبا لمختلط أو جامعا لمفترق إلى غير ذلك. وهو يقرأ يدون ما يراه نافعا لمقاله، ليضعه لاحقا في مكانه.

ثالثا: مرحلة الكتابة:

تحري أوقات الصفاء:

يحتاج كاتب المقال إلى تحري أوقات الصفاء القلبي والذهني. وأفضلها ما كان ليلا بعد صلاة، أو نهارا أثناء صيام. حرصا على ألا ينفث في مكتوبه سما يضر العالمين.

وضع تصميم للموضوع:

ينبغي للكاتب أن يفكر قبل البدء في الكتابة في قرائه، فيسعى إلى أن ييسر لهم قراءة مكتوبه واستيعابه. لذلك ينبغي أن يقدم لهم المقال في حلة تجعلهم يقبلونه ولا يستنكفون منه. عليه أن يحذر من الكتابة المتواصلة التي تجعل القارئ يمل من المتابعة. فلا بد من تقسيم الموضوع إلى عناصر واضحة ومرتبة وخادمة للأهداف وللفكرة الرئيسية للموضوع.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين: “وإذا خطوت الخطوة الأولى…( يقصد النظر والتأمل ) فابدأ بوضع تصميم نهائي لموضوعك. صرفت وقتا لا بأس به في تفهم الموضوع فلا شك أن الأفكار الموجهة له صارت مألوفة لديك: وبالتالي لن يتطلب منك وضع التصميم إلا ترتيب هذه الأفكار وخط نظامها على الورق.”[3]

عناصر المقال:

ـ اختيار العنوان:

يختار الكاتب عنوانا جميلا جذابا يوحي إلى فكرة الموضوع الأساسية؟ بيد أن على الداعية أن يحذر من التدليس على القراء كما يفعل كثيرون ممن يضعون عناوين مثيرة فإذا قرأت المقال وجدت أن لا علاقة بين الموضوع والعنوان.

ـ المقدمة:

هي باب المقال فإن أحكمت كانت أدعى لأن يلجه القارئ. وهي تمهيد للموضوع تبرز أهميته، وليست هي الموضوع ذاته. لذلك ينبغي أن تكون موجزة.

ـ العرض:

وفيه تناقش العناصر المحددة في التصميم وفق ترتيب منطقي يجعل القارئ يواصل القراءة إلى النهاية. يقسمه إلى عناصر رئيسية تحتها نقاط فرعية. مراعيا جملة من القواعد أذكرها لاحقا.

ـ الخاتمة:

هي آخر فقرة في المقال تتضمن خلاصات وتوصيات.

رابعا: قواعد مهمة:

الصدق:

وذلك بعزو الكلام لأهله والاهتمام بالهوامش.

قال ابن قتيبة: ” ونحن نستحب لمن قبل عنا وائتم بكتبنا أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه، ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه، ويصون مروءته عن دناءة الغيبة، وصناعته عن شين الكذب، ويجانب – قبل مجانبته اللحن وخطل القول شنيع الكلام ورفث المزح.”[4]

سلامة اللغة:

فإن أخطاء اللغة والإملاء تزري بالموضوع وصاحبه وإن كان ما كتبه عين الحكمة.

قال شلبي: “لا بد من سلامة قواعد اللغة وقواعد الإملاء، وإذا لم يكن الطالب واثقا من صحة ما يكتب فلا بد له أن يرجع إلى من يجيد هذه القواعد؛ ليصحح ما قد يكون قد وقع في الرسالة من هفوات أو أخطاء”[5].

التنقيط:

تسهيلا على القارئ، وزيادة في البيان ينبغي استعمال التنقيط.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:” أما التنقيط إن أغفل، فقد يعوق عن الفهم. ألا ترى أن الكلام إذا كان جملة واحدة يكون أشبه بكومة من المادة الخام وضعت أجزاؤها جنبا إلى جنب دون تنسيق، وأن التنقيط يدخل عليها التجزئة اللازمة، فتبدو أجزاء الجملة واضحة متبينا بعضها عن بعض؟”[6]

الإيجاز:

بأن يعبر على المعاني بما قل من الكلام ما استطاع، ما لم يخل بالمقصود.

قال احمد شلبي: “وليحذر الطالب من الاستطراد؛ فإنه يفكك الموضوع ويذهب وحدته وانسجامه”[7]

جمال الأسلوب:

قال ابن قتيبة: ” وقال أبرويز لكاتبه في تنزيل الكلام: «إنما الكلام أربعة: سؤالك الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وخبرك عن الشيء؛ فهذه دعائم المقالات إن التمس إليها خامس لم يوجد، وإن نقص منها رابع لم تتم؛ فإذا طلبت فأسجح، وإذا سألت فأوضح، وإذا أمرت فأحكم، وإذا أخبرت فحقق. وقال له أيضا: “واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول”[8].

ترك التكلف:

كاستعمال المعقد من الألفاظ أو المبالغة في السجع.

قال شلبي: “السجع جميل إذا حدث من حين لآخر وجاء عفوا”[9].

قال ابن قتيبة:” ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتقعيب”[10].

التحلي بفضائل الأخلاق:

قال ابن قتيبة: “هذا منتهى القول فيما نختاره للكاتب؛ فمن تكاملت له هذه الأدوات، وأمده الله بآداب النفس – من العفاف، والحلم، والصبر، والتواضع للحق، وسكون الطائر، وخفض الجناح – فهذا المتناهي في الفضل، العالي في ذرى المجد، الحاوي قصب السبق، الفائز بخير الدارين، إن شاء الله تعالى.”[11]

المراجعة:

يجمل بالكاتب أن يراجع مقاله قبل النشر، وأن يتجنب العجلة، فإنه قد يظهر له غدا ضعف ما كتب اليوم فيقويه.

خاتمة:

أن تسري في كتابات الدعاة روح القرآن وأن تتزين بأنواره، وتتدثر بدثاره، فذلك هو المقصد الأسمى. وأن تكون مكتوباتهم متهممة بحال الأمة، مستنهضة للهمم، مبشرة غير منفرة، مستشرفة غد الإسلام القريب ونصر الله الموعود، فتلك هي الحكمة النبوية الكاملة. وهذا متوقف على ارتباطهم بكلام الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم قراءة وتدبرا وعملا.


[1] ـ أخرجه البخاري، باب بَدْءُ الوَحْيِ، رقم 1

[2] ـ أدب الكاتب -، ابن قتيبة الدِّينَوري ـ ص9

[3] ـ كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا ـ عبد السلام ياسين ـ ص12

[4] ـ أدب الكاتب ـ ابن قتيبة ـ ص14

[5] ـ كيف تكتب بحثا أو رسالة ـ دراسة منهجية لكتابة البحوث وإعداد رسائل الماجستير والدكتوراة – أحمد شلبي ـ ص114

[6] ـ كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا ـ ص9

[7] ـ كيف تكتب بحثا أو رسالة ـ ص111

[8] ـ أدب الكاتب ـ ص 19

[9] ـ كيف تكتب بحثا أو رسالة ـ ص116

[10] ـ أدب الكاتب ص15

[11] ـ أدب الكاتب ص20

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.