هو ذاك رسول الله اهتمام دائم وحنو لا ينقطع.

– حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا جَسْرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي قَالَ فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ قَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي”[1].

– عن يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “من أشد أمتي لي حباً ناسٌ يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله”[2].

– عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : ” مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلاَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ”[3].

– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله تعالى وإن رأيت شرا استغفرت لكم “[4]

إن الغربة التي بشر بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه وكل من اتبعه أضحت بادية للعيان ـ ربما ـ أكثر من أي وقت مضى، لأن القابض على دينه كالقابض على الجمر في زمن طغت فيه المادة وحظوظ النفس والهوى والمصالح السياسية والاقتصادية…

فلتطب نفوس الغرباء ونفس كل صادق على وجه الأرض، فإذا تخلى عنكم الصديق والقريب وأخ الدم والعرق والجنس والدين، فإن ذاك ابتلاء يروم منه الحنان الكريم رد عباده إليه وإنزالهم منزلة الافتقار واللجوء إليه وحده الكريم المنان ، و هي منزلة يوصل بها الله تعالى عباده إلى رتبة الاضطرار الذي يكون سببا في تنزل النصر واستجابة الدعاء. قال تعالى:”  أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ”[5].

وإذا كانت هذه حالة العديد من الصادقين على وجه الأرض فإن المدد الرباني لا ينقطع، فالابتلاء مع الصبر يتلوه الاجتباء ثم توالي النعم والكرم، ومن كرم الله على يكابد الصبر من هذه الأمة الرحمة المهداة عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فيا كرامة من نظر إليه بعين الفرح والسرور والرضا والمباهاة، وكلها عواطف تضمد الجراح وتشحذ الهمم والعزائم طلبا للمعالي والرقي.

وهاك أخي المصابر أختي المصابرة من الأحاديث السابقة ما يكون بلسما لجراحك وآلامك، وما يؤنس غربتك في زمن الاغتراب العربي والإسلامي:

– اشتياقه عليه الصلاة و السلام إلى إخوانه: والشوق عادة يكون من محب إلى محبوبه، فشوقه إلى هؤلاء الإخوة دليل على حبه لهم، وأي فضل هذا أن يحبك رسول الله الذي يوصل حبه إلى حب الله.

لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد من هذه الأمة على نفسه: أأنا من إخوة رسول الله الذين بشر ووعد بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

نقول للمرابط على أي ثغر من الثغور إن جهادك ورباطك وثباتك على مبادئك ودينك وغربتك عن الصديق والقريب أمارة على تخندقك في صف أخوة رسول الله، ونقول للصادقين في بقاع الأرض ما تعانونه من ابتلاءات داخلية وخارجية وما تقدمونه من تضحيات وما تقاسونه من غربة في وسط الأقران دليل على انتمائكم إلى صف تلك الأخوة المباركة.

فأخوة رسول الله لها برهان، كما لخذلانه عليه السلام برهان أيضا، فإذا كان صدر الحديث جمع وصف الأخوة في من يريد رؤية رسول الله بماله و أهله، فإن ذاك كناية عن خدمة هذا الدين والذود عنه بكل غال ومتاح حتى ترفرف رايته عالية خفاقة فوق رؤوس الجبابرة والطغاة والصهاينة العصاة.

وإذا كان لهذا العمل ثمن معروف وطعم واحد مألوف داقه الأنبياء والمرسلون والصادقون الصديقون ثم الأمثل فالأمثل، حتى عاشوا غربة الديار وعزلة عن الأصحاب، فإنه في أتون ذلك كله تلوح بشارة الأخوة التي ترفع صاحبها من قمم الغفلة والنسيان إلى معالي الاجتباء والاصطفاء ….

وإذا كان البعد البعد والسحق السحق نصيب من أدبر عن الأخوة النبوية الحانية، فإن ذاك الإدبار ـ وإن كانت له ثمار دنيوية متلئلئة ـ فإن العض عليها أمر مطلوب رغم صعوبته الظاهرة، لكن الوهم كل الوهم سيحالف كل من ظن خلو الطريق ـ طرق الأخوة ـ عن المكدرات و المعكرات، لأن قانونها مبني على الافتداء والابتلاء ثم الاجتباء، وهي سنن إلهية ماضية في خلقه وكونه، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

–  الصلاة على رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام:

وهي سلوان للمصابرين المحتسبين، لننتقل من سلوان شعوري اشتياقي إلى سلوان مادي ملموس، حيث ترد على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله روحه الطيبة الزكية في قبره ليرد السلام على من صلى عليه .

فرد السلام منه دليل على كينونته مع من صلى عليه لتنزل الكرامات الإلهية تباعا، فصلاتنا عليه تجلب سلامه المشرف، ليصلي علينا الرحمان من بعد ليخرجنا من الظلمات إلى النور. قال تعالى: ”  هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا”[6].

فاحتسب أخي إن كنت وحيدا وأكثر من الصلاة والسلام على ملاذ الورى حتى يكون معك في حلك وترحالك، وإذا كان معك سيد الخلق فما تفعل بالخلق.

يحدثنا الصحابة الكرام عن مجالسة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فندرك أن تلك المجالسة كانت ترفعهم من عالم الأرض إلى عالم السماء، لتنمحي همومهم الأرضية وتهون في أعينهم عظائم الأمور بله صغارها، وذلك حتى نعلم أن مجالسته ومعيته كانت خيرا لهم من أي مجالسة، عن حنظلة الكاتب التيمي الأسيدي قال: ” كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم . فذكرنا الجنة والنار حتى كأنا رأي العين . فقمت إلى أهلي وولدي . فضحكت ولعبت. قال فذكرت الذي كنا فيه. فخرجت فلقيت أبا بكر فقلت نافقت نافقت. فقال أبو بكر إنا لنفعله. فذهب حنظلة فذكره للنبي صلى الله عليه و سلم. فقال:  ياحنظلة لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم ( أو على طرقكم ) ياحنظلة ساعة وساعة “[7].

وهذه هي حالة الولع التي يعيشها أولياء الله تعالى حيث تجد أحدهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لكنه يعيش في عالم غير العالم المألوف.

وهي نعمة لو يعلمها أعداؤكم يا غرباء هذا الزمان ـ إخوان رسول الله ـ  لجالدوكم عليها بالسيوف، فطيبوا نفسا بهذه المجالسة، وأكثروا من الصلاة والسلام على ملاذ الورى فهي طريق تلك المجالسة التي تعد معينا لا ينضب وزادا لا ينقطع.

– حياتي خير لكم ومماتي خير لكم: خيرية تصاحب الصالحين الصادقين من أمة الحبيب المصطفى الذي فارق الحياة بقوله من لي بعدي لأمتي فبشره الله الكريم الحنان[8] أنه لا يخزيه في أمته أبدا، وما جحافل الصادقين والصادقات والمجاهدين والمجاهدات في أرض الله تعالى إلا خير دليل على ذاك الحفظ الإلهي الذي تقر به عين النبي الكريم برجال ونساء صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ويدلنا الحديث الأخير عن استغفاره لأمته وهو اهتمام ما بعد اهتمام، يفتح باب العناية النبوية ـ في زمن الخذلان العربي وكل الأزمان حتى تطلع الشمس من مغربها ـ حتى في حال الزلل، ليبقى العبد المتشوف إلى ذاك الحنو مطالب بالاستغفار الذي تنكسر معه غلواء النفس الأمارة بالسوء حتى تتطهر لتقف بين يدي الحضرة النبوية طاهرة نقية حتى تحضى بالقبول الإلهي، قال تعالى: ” وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا “[9].

ففضل رسول الله وخيريته أمر خص الله به هذه الأمة وجعله مستمرا دائما ترفل الأمة وصادقوها ومحبو رسول الله تحت وارف ضلاله حيا عليه أفضل الصلوات وأزكاها وميتا، وما أحوج إخوان رسول الله في زمن ولت فيه الصحبة المباشرة لشخصه الكريم بالعض بالنواجد على الصلة الممتدة بينهم وبينه عليه السلام، صلة ممتدة زمانا ومكانا رحمة من رب العالمين بهذه الأمة وتحقيقا لمراده عليه السلام في حرصه على أمته، ولكن أعني على نفسك بكثرة السجود.

                                                                                         والحمد لله رب العالمين                                                                                                                                                      


[1] –  أخرجه الإمام أحمد في المسند، مسند تحت رقم: 12579،   أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، ص 73/20،

ط 2، 1420ه ـ 1999م، مؤسسة الرسالة.

[2] –  الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، محمد بن فتوح الحميدي، حديث رقم:2664، ط2، تحقيق : د. علي حسين البواب، دار ابن حزم – لبنان، بيروت – 1423هـ – 2002م.

[3] – أخرجه أبو داود في سننه، في باب زيارة القبور، تحت رقم: 2043، سنن أبي داوود، ص 169/2، ط 1408هـ-1998م، دار الجيل.

[4] – كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال،  لعلاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي البرهان فوري (975هـ)تحقق : بكري حياني و صفوة السقا، تحت رقم:31903 ص 407/11، ط 5،1401هـ/1981م، مؤسسة الرسالة.

[5]  – سورة النمل، الآية 62.

[6] – سورة الأحزاب، الآية 43.

[7] – أخرجه ابن ماجه في سننه في باب المداومة على العمل، تحت رقم 4239، ص 1416/2.

[8]  -“… فَقَالَ اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِى أُمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءُكَ”.الحديث أخرجه مسلم في دعاء النبي لأمته وبكائه شفقة، تحت رقم 520،

[9]  – سورة النساء، الآية 64

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: