منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المسجد بين نور النبوة وظلمات الاستبداد

0
اشترك في النشرة البريدية

ـ✍ د.

مقدمة:

من فضاء للتشبع بالطاعات الموصلة إلى الاستقامة على الحدود الإلهية ، ولاستمطار الرحمات الربانية ، ولتلقي الفيوضات النورانية ، ولتدارس المعارف الشرعية والعلوم الكونية ،  وللتشاور في أمور الأمة المختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية ، ولتكوين الرجال وتأهيلهم لتحمل المسؤوليات الآنية والمستقبلية ، إلى فضاء تَابع مُحَاصر مُرَاقَب مخصص للاحتفال بالأعياد والمناسبات الوطنية ، ولِلَيِّ أعناق النصوص تبريرا لسياسات الحكام ، وتمجيدا لممارساتهم ، وتسويغا لاختياراتهم ومواقفهم وأخلاقياتهم ، والدعاء لهم بالنصر والتمكين على جموع المصلين التي لا تملك إلا الصمت والخضوع والتأمين …

من فضاء يعج بالحياة ، منفتح باستمرار على كل شؤونها وقضاياها ، ومسراتها وأحزانها ، محتضن لمختلف مشاهد كَدِّهَا وكبدها وجِدِّها وحتى هزلها ومرحها ، إلى فضاء منطو على نفسه ،  منغلق على ذاته ، تُغْلق أبوابه مباشرة بعد أداء الصلوات ، لتعلنها قطيعة تامة بينه وبين الحياة … لائكية صارخة مُسَربلة في ثوب دين الانقياد الخادع  الماكر …

تحولات كبيرة وجذرية وخطيرة جدا عرفتها وظائف المسجد في المجتمعات الإسلامية ، تحولات تستوجب قراءة تاريخ الأمة من الأعالي ، كما تفرض تجاوز الذهنية التجزيئية ، والفقه المنحبس ، من أجل الامتياح المباشر من شهد النبوة والخلافة الراشدة ، امتياحا بنية التنفيذ ، وبنية إعادة البناء من جديد ، كل ذلك يستدعي وقفة للتأمل والتساؤل  : ما مظاهر ارتباط المسجد بالحياة على عهد النبوة والخلافة الراشدة ؟ كيف ومتى حصل التحول الخطير ؟ ما علاقة ذلك بحالة الغثائية والذيلية التي تعيشها الأمة ؟ ما علاقة تحرير المسجد بمشروع تحرير الأمة وتبويئها مكانة      ” الخيرية ”  و ” الشهادة ” كما وعدت ؟

المزيد من المشاركات
1 من 18

الأكيد أن الإجابة تقتضي الوقوف عند لحظات ثلاث حاسمة من حياة المسجد في الأمة : لحظة المسجد/النموذج ، لحظة تكسير النموذج ، لحظة تحرير المسجد واستعادة النموذج . وهذا فرض علي منهجيا تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث، بالإضافة إلى مبحث لغوي حول دلالة المسجد والمسجد الجامع .

البحث يهدف إلى بيان نموذج المسجد في زمن النبوة والخلافة الراشدة، وبيان أثر الاستبداد في انحسار أدوار المسجد، ويفتح البحث آفاقا لتحرير المسجد من الاستبداد القروني ليطلع بمهمة إعادة صرح مجد الإسلام بالعمل على توطين الخلافة الثانية على منهاج النبوة الموعودة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم[72]1.

المبحث الأول: “المسجد ” و ” المسجد الجامع ” : إضاءات لغوية

صحيح أن المعاجم اللغوية تسعفنا بمعرفة الأصل الاشتقاقي والبناء الصرفي لكلمة  ” مَسْجِد ” ، غير أنها لا تكاد تمدنا بالحدود الدلالية الفاصلة بين هذه الكلمة وعبارة ” المسجد الجامع ” أو ” مسجد الجامع ” ، وهو اللبس الذي تكرسه اللغة العامية المتداولة في معظم الدول العربية، إذ يتم توظيفهما معا كأنهما مترادفتان، والحقيقة أن هناك اختلافات بينهما .

أورد صاحب ” اللسان ” أن : ” المسجَد والمسجِد : الذي يسجد فيه ، وفي الصحاح : واحد المساجد . وقال الزجاج : كل موضع يتعبد فيه فهو مسجَد ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : “جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”[73]1 …. ابن الأعرابي : مسجَد ، بفتح الجيم : محراب البيوت ، ومصلى الجماعات . مسجِد بكسر الجيم ، والمساجد جمعها ، والمساجد أيضا : الآراب التي يسجد عليها ، والآراب السبعة مساجد (…) ، والمسجدان : مسجد مكة ومسجد المدينة شرفهما الله عز وجل… “[74]2 .

تطلق كلمة ” مسجد ” إذا لغة على موضع السجود عموما ، ولعل المقصود في سياقنا هذا هو ” محراب البيوت ، ومصلى الجماعات” ، أما عبارة ” المسجد الجامع ” ، فهو” الذي يجمع أهله، نعت له لأنه علامة للاجتماع،  وقد يضاف ، وأنكره بعضهم ، ….وكان الفراء   يقول : العرب تضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظتين … “[75]3 ، ونكاد نتبين الفروق الدلالية بينهما ، إذ تم عدهما  شيئا واحدا تقريبا .

وعموما فالمسجد ” هو مكان خصص للصلاة والقراءة والذكر والدعاء وتقام الصلاة فيه جماعة ويؤذن فيه للصلاة ووجّه نحو القبلة وجعل له محراب ومئذنة . يكون له حرمة المسجد فينزه عن الملاهي واللعب والخوض في أمور الدنيا والبيع والشراء وإنشاد الضالة ويطهر عن الأدناس والأنجاس.”[76]4 ، أما المسجد الجامع فهو ” مسجد تقام فيه صلاة الجمعة والعيدين، ويعتكف فيه جريا على الحديث الذي رواه أبـــــــــــــــــــــــــــو داود:  ولا اعتكاف إلا فـــي

مسجد جامع . كما أنه يكون الموضع الذي تقـــــــــــام فيه الحدود ، ومركز يلتقي ويجتمع فيه الناس ، ويتبادلون فيــــــــــه

كما أنه يكون الموضع الذي تقام فيه الحدود ، ومركز يلتقي ويجتمع فيه الناس ، ويتبادلون فيه قضاياهم ومنافعهم، ويتشاورون في أمورهم العامة وغيرها . “[77]5

المبحث الثاني: المسجد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام

تشمل اللحظة الأولى من حياة المسجد في تاريخ الأمة عهد النبوة والخلافة الراشدة،  فعلى عهـــــد النبوة كان “المسجد” أول عمل قام به النبي عليه الصلاة والسلام بمجرد هجرته من مكة إلى المدينة، إمعانا في تأكيد دوره الحاسم والعميق في بناء دولة الإسلام ، وإشارة إلى كونه يشكل قلبها النابض بامتياز، وحافظ الخلفاء الراشدون على حميمية وعمق وحرارة رسالية المسجد؛ لذلك سنعمد إلى استحضار مشاهد من السيرة النبوية ومن مواقف بعض الخلفاء الراشدين تؤكد حقيقة أن المسجد استوعب منذ ” أول يوم أظلت ظلاله المدينة المنورة كل الأفكار المرفقية التي تدندن حولها المدينة المعاصرة ، ومنها : فكرة التجمع ، والتنظيم ، والمأسسة ، والمجتمع المدني ، وتقريب الإدارة … ، فكل ذلك كانت تبرم خططه وتوضع أسسه في بناية المسجد وفضائه المؤسسي .”[78]1

1 ـ في البدء كان المسجد :

أ _ مسجد قباء :  ” والله يحب المطهرين ”

ليس من قبيل الصدفة ولا العبث أن يكون أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته من مكة إلى المدينة المنورة هو بناء مسجد بقباء ” في الفترة التي أقامها بين سكانها وهم بنو عمرو بن عوف بن مالك ، والتي لم تتجاوز أسبوعا واحدا . “[79]2، وهو المسجد الذي حظي أهله بالثناء الإلهي في سورة التوبة : ” لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ”  ( التوبة / 108 ) ، تقع ” قباء ” هذه في ضواحي المدينة على ثلاثة أميال منها ، لم تكن نقطة وصول ، بل كانت فقط محطة عبور ، ومع ذلك فقد حرص عليه الصلاة والسلام على بناء هذا المسجد إمعانا في تأكيد جوهر وغاية وعمق رسالة المسجد في الإسلام.

ب _  المسجد النبوي : ” لا عيش إلا عيش الآخرة ”

كان عليه الصلاة والسلام ينقل الحجارة بيديه الشريفتين منخرطا انخراطا كليا في بناء المسجد النبوي بعد وصوله إلى المدينة ” ففي المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء هذا المسجد ، واشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه ، وساهم في بنائه بنفسه ، فكان ينقل اللبن والحجارة، ولم تكن مشاركته عليه الصلاة والسلام في حمل الحجارة واللبن إلا تعبيرا واضحا على المكانة المركزية التي يحظى بها المسجد في المجتمع الإسلامي، إنه منه بمنزلة القلب من الجسد ، لأنه ” إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه ، وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه .”[80]3 ، كما كانت تحفيزا لصحابته الكرام الذين اقتدوا به فتفانوا في العمل تربية بالقدوة والإجرائية ، ومن الدروس البليغة التي نستفيدها من هذا الحدث حرصه الشديد عليه السلام على تعليم الأمة من بعده كيف ينبغي أن تكون العلاقة بين الراعي والرعية ، ثم إن المساجد ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى ، فقد رفض عليه الصلاة والسلام قبول هبة اليتيمين صاحبي البقعة التي سيبنى عليها المسجد ، جاء في” صحيح البخاري ” : ” ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فيها ، وهما بالمربد ليتخذ مسجدا ، فقالا : لا بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ، ثم بناه مسجدا . “[81]1

2 ـ المسجد ونور النبوة وبناء الرجال :

كان المسجد النبوي نواة بناء الدولة الإسلامية بكل مؤسساتها وهياكلها : كان المحضن الذي يَتْرَعُ القلوبَ رحمةً وذكرًا ، ويُوقِدُهَا إيمانا ويقينا ونورا ، وكان الجامعة الربانية التي تنير العقول بنور العلم وتكون الرجال الأقوياء الأمناء الصادقين ، وكان البوتقة التي تذوب فيها كافة الاختلافات والتمايزات العرقية والطبقية التي طالما سعرت نيران الحروب والنزاعات، وكان البرلمان الذي يسمح بالرأي والرأي المخالف لاتخاذ قرارات سديدة تهم الأمة في كل شؤون  حياتها ، وكان الثكنة الأولى لانطلاق فيالق الجهاد ،”وكان مع هذا كله دارا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم هناك دار ولا مال ولا أهل ولا بنون “[82]2.

كان المسجد القلب النابض بحياة المجتمع ، في شرايينه تتفاعل قضاياه كلها ، وفي سويدائه تناقش شؤونه جميعا بلا استثناء ، حول المنبر النبوي الشريف كانت تلتف جموع المسلمين كلما هتف الهاتف ” الصلاة جامعة ” ، مؤذنا بأن الأمر جلل يستحق كل انتباه وكل اهتمام ، أبدا لم يكن ثمة فصل بين دين الرعيل الأول ودنياهم ، بل كان دينهم دنيا ، وكانت دنياهم دينا ، كان دينهم نبراسا يضيء كل سلوكاتهم ، وكل مواقفهم ، كانت الصلاة لا توحد القلوب والأرواح فقط ، بل كانت النور الرباني الذي يسري في وجدان المجتمع لينثر عبق المحبة التي لم تمنع إطلاقا من اختلاف الآراء وتعدد وجهات النظر .

3 ـ أدوار المسجد المختلفة:

أ _ المسجد فضاء للعبادة والذكر :

فضاء المسجد هو فضاء ذكر الله تعالى وتسبيحه غدوا وآصالا ، كما ينص على ذلك قوله تعالى : ” في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير  حساب[83]3 . وتكون السكينة والرحمة وحضور الملائكة ثمارا يانعة يستشعرها الذاكرون لله في أحضان المساجد فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :” مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَـــــــــــنْ عِنْدَهُ”  [84]1.

ب _ المسجد فضاء لتدارس العلم ونشره :

كان المسجد مدرسة لنشر العلم ولتدارسه، وكان الصحابة رضي الله عنهم أحرص الناس على الامتثال لأوامر وتوجيهات الرسول المعلم عليه الصلاة والسلام،  فعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ أنه قال : خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ ، فَقَالَ : ” أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بَطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ كُلَّ يَوْمٍ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ فَيَأْخُذَهُمَا “.  قُلْنَا : كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ يُحِبَّ ذَلِكَ . قَالَ : ” أَفَلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ ، وَثَلاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثٍ ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ ، وَأَعْدَادُهُنَّ مِنَ الإِبِلِ .”[85]2

ج _ المسجد فضاء للتربية والدعوة إلى الله عز وجل :

كان عليه الصلاة والسلام المثال الأعلى للمربي والمعلم الحكيم ، ففي فضاء المسجد كان  يستقبل جفاء الأعراب وفظاظتهم بصدر رحب ولين جانب، كما تدل على ذلك نصوص كثيرة من السيرة ، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال دخل أعرابي المسجد فقال : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”لقد تحجرت واسعا”، قال فما لبث أن بال في ناحية المسجد، فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر بذنوب من ماء أو سجل من ماء فأهريق عليه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:علموا ويسروا، ولا تعسروا. “[86]3. هكذا علم أصحابه الدعوة إلى الله بالحكمة والرفق واللين والتيسير، ومن ذلك ما روي ( عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر: أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ، دخل رجل على جمل،  فأناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال لهم : أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكىء بين ظهرانيهم ، فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكىء . فقال له الرجل : ابن عبد المطلب ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( قد أجبتك ). فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة ، فلا تجد علي في نفسك . فقال : ( سل عما بدا لك ) . فقال : أسألك بربك ورب من قبلك ، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال : ( اللهم نعم ) . قال : أنشدك  بالله ، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : ( اللهم نعم ) . قال أنشدك بالله ، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال : ( اللهم نعم ) . قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم نعم ) . فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة ، أخو بني سعد بن بكر. “[87]1. وفي فضاء المسجد كان عليه السلام يحرص على توجيه أصحابه وعلى تهذيب سلوكاتهم ، ويحثهم على السلوك القويم ، فعن أبي سعيد : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر نخامة في قبلة المسجد، وفي فضاء المسجد كان يعظ أصحابه محدثا إياهم عن أهوال يوم القيامة وعن الجنة والنار[88]2 .

د _ المسجد والشأن الجهادي :

كان منبر الرسول عليه الصلاة والسلام جزءا لا يكاد يتجزأ من ساحات الغزوات والمعارك التي خاضها المسلمون نصرة لكلمة الحق، كان المنصة و ” قمرة القيادة ” التي توجه منها الأوامر العسكرية ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ” بينما نحن في المسجد يوما خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” انطلقوا إلى اليهود ! فقال : أسلموا تسلموا ! فقالوا: قد بلغت ، فقال : ذلك   أريد ، أسلموا ، تسلموا ! فقالوا : قد بلغت ، فقال : ذلك أريد ، ثم قالها الثالثة ، ثم قال : اعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض ، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله “[89]3، ومن ذلك ما رواه الحارث بن حسان  البكري ، قال : ” قدمنا المدينة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر قائم بين يديه متقلدا بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا رايات سود ، وسألت : ما هذه الرايات ؟ فقال : عمرو بن العاص قدم من غزة .”[90]4 ، وكان المسجد يؤدي وظائف صحية ، مرتبطة بالمعارك والغزوات التي كان يخوضها المسلمون فعن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش رمية في الأكحل فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده مــــــــــن  قريب . “[91]5

هـ _ المسجد فضاء للهو والمرح المباح :

من مظاهر اندماج المسجد في حياة الرسول عليه السلام ، وفي حياة أهله وصحابته الكرام  أنه لم يمنع من أن يتحول إلى فضاء للهو واللعب والمرح ، فعن عروة بن الزبير. قال:” قالت عائشة:  والله ! لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي ، والحبشة يلعبون بحرابهم  في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم  يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف . فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن ، حريصة على اللهو . “[92]1.

و _ المسجد فضاء للشأن الاجتماعي :

كان المسجد فضاء لعرض أخطر القضايا الاجتماعية، وأكثرها حساسية وإثارة ، ففي حادثة الإفك يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين  ” وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي . “[93]2، كما كان المسجد فضاء للتضامن والتآزر بين أفراد المجتمع المسلم تذويبا للفوارق الاجتماعية ، وتمتينا للحمة الأخوة الإسلامية فعن جرير بن عبد الله أنه قال : “جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  عليهم الصوف . فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة . فحث الناس على الصدقة ، فأبطؤا عنه ، حتى رؤي ذلك في وجهه . قال : ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ، ثم جاء آخر ، ثـــــــــــــــم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من سن في الإسلام سنة حسنة ، فعمل بها بعده ؛ كتب له مثل أجر من عمل بها ، ولا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ، ولا ينقص من أوزارهم شيء “[94]3. ، ومن ذلك ما رواه الترمذي ” عن البراء بن عازب ، في قوله تعالى : ” ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ” ، قال : نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل ، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته ، وكان الرجل يأتي بالقِنْو والقنوين ، فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصُّفة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه ، فيسقط من البُسر والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه ، فأنزل الله تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه “[95]4. قالوا : لو أن أحدكم أُهدي إليه مثل ما أعطاه  لم يأخذه إلا على إغماض وحياء. قال : فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده “[96]5 .

وعندما أثارت انتباه عمر بن الخطاب ظاهرة الإكثار في صداق النساء ، كان المسجد فضاء لطرح القضية على الملأ ، فعن مسروق قال : ” ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصَّدُقات فيما بينهم أربعمائة درهم  فما دون ذلك ، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها ، فلأعرفنَّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم.  قال : ثم نزل ، فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين نهيتَ النَّاس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم ؟ قال : نعم ، فقالت : أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟  قال : وأي ذلك ؟ فقالت : أما سمعت الله يقول ” وآتيتُم إحداهنَّ قنطاراً ” الآية ؟ قال : فقال : اللهمَّ غفراً ، كل النَّاس أفقه من عمر ، ثم رجع فركب المنبر، فقال : أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم ، فمن شاء أن يعطى من ماله ما أحب . قال أبو يعلى : وأظنه قال : فمن طابت نفسه فليفعل “[97]1 .

ز _ المسجد فضاء للشأن السياسي :

كان المسجد فضاء لممارسة الشأن السياسي بسلطاته الأربع : التشريعية ، والقضائية ، والتنفيذية ، والإعلامية ، كما كان فضاء لعقد المعاهدات ولإبرام الاتفاقيات :

_ السلطة التشريعية : كان المسجد فضاء لاتخاذ القرارات السياسية القوية والحاسمة في حياة الأمة ، فهذا أبو بكر الصديق بعدما بويع بالخلافة ” ينقل خطاه في حياء ووجل ، ميمما وجهه شطر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم (…) وإنه ليصعد درجتين ثم يجلس ، فهو لا يبيح لنفسه أن يصعد كل الدَّرج ، وكل الـمُرْتَقَى ..!! لا يبيح لنفسه أن يجلس حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم  يجلس … “[98]2، ومن هناك يلقي خطبته الأولى في الناس : ” أيها الناس ، إني قد وليت عليكم ، ولست بخيركم ، فإن رأيتموني على حق فأعينوني ، وإن رأيتموني على باطل فسددوني . أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم … “[99]3، وفي ” صحيح البخاري ” أن عبد الرحمن بن عوف استشار الناس في بيعة الإمام بعد عمر رضي الله فاختار المسجد مكانا لإعلان الخليفة الجديد وأخذ البيعة له من الناس: ”  فلما صلَّى للناس الصبح ، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر ، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار ، وأرسل إلى أمراء  الأجناد ، وكانوا وافوا تلك الحَجَّة مع عمر ، فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن ثم قال : أمَّا بعد يا عليُّ ، إنِّي قد نظرت في أمر الناس ، فلم أرهم يعدلون بعثمان ، فلا تجعلنَّ على نفسك سبيلاً . فقال : أبايعك على سنَّة الله ورسوله والخليفتين من بعده ، فبايعه عبد الرحمن ، وبايعه الناس :  المهاجرون ، والأنصار ، وأمراء   الأجناد ، والمسلمون”[100]4 .

_ السلطة القضائية : في صميم الحياة بنزاعاتها وصراعاتها كان المسجد حاضرا لحسم الخلافات والبث في النزاعات ، فعن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن كعب رضي الله عنه : ” أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته ، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته ، فنادى : ( يا كعب ). قال : لبيك يا رسول الله ،  قال : (ضع من دينك هذا) . فأومأ إليه : أي الشطر، قال : لقد فعلت يا رسول الله ، قال : ( قم فاقضه ).”[101]1 ، وفي الإطار نفسه نستحضر قضية الدرع التي قضى فيها القاضي شريح لصالح اليهودي ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهي القضية التي تمت فصولها وجلساتها في رحاب جامع الكوفة ، وكانت سببا في إسلام هذا اليهودي[102]2.

_ السلطة التنفيذية : من مظاهر انفتاح المسجد على واقع الأمة السياسي اتخاذه فضاء لممارسة السلطة التنفيذية ، فقد جعل منه الرسول عليه الصلاة والسلام ييتا للمال وخزينة للدولة ،  فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : ” أتي النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين ، فقال  : ” انثروه في المسجد ” ، وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى الصلاة ولم يلتفت إليه ، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه ، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه ، وما قام رسول الله وثمّ منها درهم “[103]3. بل كان المسجد يتخذ سجنا مؤقتا للتأديب والتهذيب وتقويم السلوك فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ” بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة فقال : عندي خير يا محمد ، إن تقتلني تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت . فَتُرِكَ حتى كان الغد ، ثم قال له : ما عندك يا ثمامة ؟ قال ما قلت لك ، إن تنعم تنعم على شاكر ، فتركه حتى كان بعد الغد فقال ما عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي ما قلت لك ، فقال : أطلقوا ثمامة . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل : صبوت ، قال: لا ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم . “[104]4.

_ السلطة الإعلامية : كانت منابر المساجد ومحاريبها منابر إعلامية تُنشر عبرها الأخبار التي تهم الأمة جمعاء ، وكانت عبارة ” الصلاة جامعة ” الشعار الإعلامي الذي يُفْهَم منه أن الناس مدعوون للاجتماع في المسجد لتلقي بلاغ أو سماع خبر، فعن عبد الله بن عمرو أنه قال:  ” لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي : إن الصلاة جامعة ، فركع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جلس، ثم جلي عن الشمس. قال: وقالت عائشة رضي الله عنها: ما سجدت سجودا قط كان أطول منها. “[105]1

_ المسجد فضاء لعقد المعاهدات ولبرم الاتفاقات : كان المسجد أيضا فضاء للتفاوض وعهد المعاهدات ، فقد كان عليه السلام في المسجد لما وفد عليه وفد نصارى نجران فدخلوا عليه ” بعد صلاة العصر، فحانت صلاتُهم ، فقاموا يُصَلُّون فى مسجده ، فأراد الناسُ منعهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ” دَعُوهُم ” ، فاسْتَقْبَلُوا  المشْرِقَ ، فصلوا صَلاَتَهُمْ.  “، وهناك ناظرهم النبي وأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران ، ولما ظهرت حجته عليهم ، وتبين لهم أنه رسول الله إليهم ، أمره الله إن لم يجيبوه أن يدعوهم إلى المباهلة فقال تعالى : ” فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين . “[106]2  ، وبعدما دعاهم إلى المباهلة ، تشاوروا فيما بينهم ، فخافوا من أن ينزل بهم العذاب بعدما أكد بعضهم لبعض أنه نبي ، فأقروا له   بالجزية ، وكانوا أول من أدى الجزية من النصارى، عادوا إلى بلادهم ومعهم أبو عبيدة بن الجراح،  وأسلموا بعد مدة يسيرة عن بكرة أبيهم[107]3 .

المبحث الثالث: المسجد ولحظة تكسير النموذج

يكتسب الوقوف عند هذه اللحظة أهمية بالغة لأنه يرتبط بحدث حاسم كان له وما يزال بالغ الأثر في الأمة، بل إن فهم واقع الأمة واستشراف مستقبلها يبقيان خداجا، إن تم التغاضي عن ملابسات وحيثيات هذا الحدث الذي كان المسجد فضاء شاهدا على لحظاته الحرجة  والحاسمة ، فعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ستنقض أول عروة من عرى الإسلام ألا وهي الحكم على حد تعبير النبي عليه السلام : ” لَيُنْقَضُنَّ عرى الإسلام عروة عروة ، كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، وأولهن نقضا الحكم ، وآخرهن الصلاة “[108]4 ، في هذه المحطة التاريخية من حياة المسجد  سنتابع من خلال النصوص كيف تحول المسجد/ الذِّكْر والرحمة والصدق ، والمسجد/ الحياة بكل مجالاتها وفضاءاتها ، إلى حلبة للصراع السياسي على السلطة ، وكيف تحول المنبر النبوي الشريف إلى منصة لانتزاع الاعتراف والشرعية بحد السيف وقوة الساعد .

إن الفهم العميق للتحول الخطير الذي عرفه المسجد في تاريخ الأمة يستدعي تسليط الضوء على حــدث ” الانكسار التاريخي “الذي شكل” رجة عظيمة مزقت كيان الأمة المعنوي فبقي المسلمون يعانون من النزيف في الفكر والعواطف منذئذ ، ويؤدون إتاوات باهظة لما ضعف من وحدتهم، وتمزق مـن شملهم، وتجزأ من علومهم وأقطارهم . “[109]1

والأكيد أن بوادر الانكسار التاريخي تبدأ منذ تولي عثمان بن عفان رضي الله عنه  الخلافة، فعندما نقِم عليه معارضو سياسته بعضَ تصرفاته  كان المسجد فضاء للتعبير عن هذه النقمة ، ففي حديث ابن أبي قتيبة عن الأعمش عن عبد الله بن سنان قال : خرج علينا ابن مسعود ونحن في المسجد ، وكان على بيت مال الكوفة ، وأمير الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فقال : يا أهل الكوفة ، فقدت من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب من أمير المؤمنين ولم يكتب لي بها براءة . قال : فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك ، فنزعه عـن بيت المال.”[110]2، و هذا علي بن أبي طالب الخليفة الرابع  يحتج على المعارضين رافضا سياستهم وتدبيرهم في فضاء المسجد ،  قال نافع بن كليب : “دخلت الكوفة للتسليم على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، فإني لجالس تحت منبره وعليه عمامة سوداء وهو يقول : انظروا هذه الحكومة ، فمن دعا إليها فاقتلوه وإن كان تحت عمامتي هذه … “[111]3 ، وبعد حدث التحكيم ، ومبايعة معاوية بن أبي سفيان من طرف أنصاره وشيعته لم يتورع عن التعبير عن انتزاعه الحكم انتزاعا وهو من على منبر رسول الله عليه الصلاة والسلام ” … لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقاه رجال قريش ، فقالوا : الحمد لله أعز نصرك ، وأعلى كعبك . قال : فوالله ما رد عليهم حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ، ولا مسرة بولايتي ، ولكني جالدتكم بسيفي مجالدة … “[112]4 ، اعتراف صارخ باغتصاب الحكم عَنْوَةً على رؤوس الأشهاد .

بل إنه يصر على انتزاع شرعية توريث الحكم لابنه يزيد في الفضاء الذي شهد نبوءته عليه السلام بهلاك أمته على يد أغيلمة من قريش ففي صحيح البخاري أن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال : ” كنت مع مروان وأبي هريرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعت الصادق المصدوق يقول : ” هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش . ” فقال مروان : غِلْمةٌ ؟ قال أبو هريرة : إن شئت أن أسميهم : يني فلان ويني فلان . ” ،  قال الراوي : قمت أخرج مع أبي وجدي إلى مروان بعدما ملكوا ، فإذا هم يبايعون الصبيان ، ومنهم من يُبَايَعُ له وهو في خرقة ! “[113]5.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسينعن هذا الانكسار التاريخي: ” كانت بيعة يزيد النموذجَ الأولَ لتحريف نظام الحكم في الإسلام وتحويله إلى  كسروية .”[114]6 وقد دبر معاوية تدبيرا محكما أمر هذه البيعة ، فأخذ البيعة لابنه يزيد في الشام والعراق وأطراف البلاد ، وتوجه بعد ذلك بنفسه ” إلى الحجاز، واستدعى إليه الأربعةَ المحترمين من علماء الأمة المسموعي الكلمة : الحسين بن علي ، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر. لقيهم خارج المدينة وأغلظ لهم القول. “[115]1 ، ثم لاطفهم، وألان لهم القول بعدما استدعاهم خارج مكة ، وبعدما أبدوا رفضهم لعرضه ، وذكروه بصنيع الرسول عليه السلام الذي لم يستخلف أحدا ، وبصنيع كل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، استشاط غضبا وهددهم موعدا بالقتل كل من سولت له نفسه منهم بالاعتراض والرفض ” ثم نادى رئيسَ حرسه فقال له : ” أقِم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد منهما سيف. فإن ذهب رجل منهم يرد عليَّ كلمةً بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما…ثم دخل المسجد وأدخل الأربعة الكُبراء أمام الناس، وصعِد المنبر فقال:  ” إن هؤلاء الرهْطَ سادةُ المسلمين وخيارُهم ، لا يُبتَر أمر دونهم ، ولا يُقضى إلا عن مشورتهم . وإنهم قد رَضُوا وبايعوا ليزيد . فبايِعوا على اسم الله . “[116]2، وفعلا نجحت الخطة أيما نجاح ، فلم يملك جمهور الحاضرين إلا الإذعان والمبايعة بعدما تبين لهم أن هؤلاء الأربعة أبناء الصحابة الكرام قد قبلوا بالأمر ، ولم يعترض منهم أحد ، لم يعلموا أن سيوف الوعيد والترهيب كانت لهم بالمرصاد .

وهناك في مسجد الشام كان معاوية يخطب في الناس تحت قميص عثمان المخضب بدمه، محرضا إياهم على الانتقام من قتلته، ومحملا علياً مسؤولية التستر والتواطؤ مع مرتكبي الجريمة الشنيعة ، وهكذا لم يتورع من أن يعلن رفضه مبايعته علي بن أبي طالب الذي ارتضاه المسلمون وبايعوه خليفة عليهم ، فبعث إليه برسالة ” ورقة طويلة وعريضة، ليس فيها من كلام مسطور سوى هذا السطر الواحد : ( من معاوية بن أبي سفيان ، إلى علي بن أبي طالب… وارتسمت على شفتي “الخليفة” ابتسامة مريرة ، والتفت صوب مبعوث معاوية الذي قد نهض وراح يتكلم قائلا:

_ أيها الناس ، اسمعوا مني ، وافهموا عني…

” إني قد خلفت بالشام خمسين ألفا، خاضبي لحاهم بدموع أعينهم تحت قميص عثمان ، رافعيه على أطراف الرماح، قد عاهدوا الله ألا يشيموا سيوفهم حتى يقتلوا قتلته أو تلحق أرواحهم بالله…”[117]3

هكذا تحول منبر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى منصبة للتهديد والوعيد ففي سنة 75 ه خطب عبد الملك بن مروان بالمدينة  على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « إني لن أُداوِيَ أمراض هذه الأمة بغير السيف، والله لا يأمرني أحد بعدَ مَقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه . “[118]4 ، لم يعد ثمة من داع للتكتم أو المداراة أو للمجاملة ، هكذا استحال المسجد إلى حلبة للصراع السياسي بين مختلف الأحزاب التي أفرزها انتقاض عروة الحكم ، بل إنه شكل الفضاء الأنسب لإشاعة روح الخوف والخضوع والتبعية والاستسلام في نفوس الرعية التي كانت ملزمة بتقبل وتنفيذ كل ما يصدر عن أصحاب القرار السياسي المركزي ، ولم يكن لها مسموحا البتة بالرفض أو الاحتجاج.

وقد كان المعيار الأساس المعتمد في اختيار الولاة هو القدرة على الدفاع على الحكم العاض الذي دشنته دولة بني أمية ، والقدرة على تنفيذ تعاليم السياسة المركزية العليا، بحيث يجب إلزام الرعية بالخضوع التام دون إبداء أي شكل من أشكال الرفض أو الامتناع.

زياد بن سمية واحد من الدهاة الذين استعملهم معاوية بن أبي سفيان من أجل توطيد حكمه، لم يجد غضاضة في تحويل المسجد إلى مخفر لتعذيب المعارضين والانتقام منهم ، فقد ” كان مثالا للطاغية الفتاك . خطب على المنبر فحصبَه الناس ، فأغلق المسجد وقطع أيدي المصلين”[119]1 ، وبعدما أصدر معاوية أمره بسب علي رضي الله عنه، أصبح المسلمون وآل البيت يسمعون ” سب أطهر الناس من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان زياد من الذين يكثرون السب ، فيقوم جُحْرٌ بن عدي فيردُّ عليه ، فبعث زياد بجُحْر وباثني عشر من أصحابه إلى معاوية ، فقتل معاوية جحرا وسبعة من أصحابه شر قتلة ، أما الثامن فرده إلى زياد فدفنه حيا .”[120]2 ، وقد سن معاوية بصنيعه هذا بدعة شنيعة ، فاستمر سب الإمام علي في المساجد مدة ستين سنة قبل أن يُبْطِل ذلك الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز .

أما الحجاج بن يوسف الثقفي فقد كان من أبرز من يمثل هذا الأمر ، فقد كان قائدا ، داهية ، خطيبا ، كما كان سفاكا سفاحا باتفاق معظم المؤرخين ،  عندما بعث الحجاج واليا على العراق ، دخل الكوفة ” فبدأ بالمسجد فدخله ، ثم صَعد المنبر وهو ملثم بعمامة حمراء ، فقال : علي بالناس. فحسبوه وأصحابه خوارج ، فهموا به ، حتى إذا اجتمع الناس في المسجد قام ، ثم كشف عن وجهه ، ثم قال : (…) أما والله إني لأحمل الشر بحمله، وأحذوه بنعله ، وأجزيه   بمثله ، وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها . وإني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى تترقرق … “[121]3

كانت تلك الصدمة الأولى التي أصابت مركزية المسجد في مقتل ،ثم بدأ الانفصال التدرجي عن الحياة ، وأصبح الهاجس الأكبر إخماد كل صوت معارض ، وتعليق نياشين التبجيل والتعظيم والتفخيم والكسروية على صدور الحكام الذين لم تتورع خطب فقهاء القصور ، وعلماء دين الانقياد من نعتهم زورا وبهتانا بألقاب رنانة خادعة كاذبة ” ظل الله / خليفة الله / إمام الأمة / أمير المؤمنين /… ” . كان ذلك بمثابة الورم الذي أصاب قلب الأمة ، ظل الورم يتضخم ، ولكن شوكة الإسلام كانت قوية ، وهيبة الأمة كانت تترجم فتوحات امتدت مشرقا ومغربا ، إذ من كرامات الله لها ” أن انحراف نظام الحكم عن جادة الشورى لم يكسر الدفع الإسلامي . من كراماته سبحانه لها أن المسلمين أدوا على مسرح التاريخ أفخم الأدوار رغم البلاء المبكر والفتنة المتوالدة على رأس الحكم “[122]1، ذلك أن ” أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقيادة علمائها وصالحيها وأهل الخير من كل زمان جاهدت وقاومت وحافظت على وجودها بتوفيق من الله عز وجل رغم البلاء المتعاقب . “[123]2.

كانت المساجد أول عمل يقبل عليه المسلمون الفاتحون ، واستمرت المساجد في استقطاب الوافدين الجدد لغرس بذور الإيمان والمحبة والإخاء في القلوب التي أضاءتها أنوار الإسلام ، كما استمرت في تحفيظ القرآن الكريم وفي نشر العلم ، وتخريج أفواج من العلماء ، والأمثلة على ذلك في تاريخ الأمة أكبر من أن يحصيها العد ، فمسجد الفسطاط بمصر كان _ على حد تعبير الأستاذ محمد محمد المدني _ ” أشبه بنبع صاف فياض يزدحم حواليه الوارد ، بل أشبه بجامعة علمية كأرقى ما نعلم من الجامعات الحديثة ، تلتقي فيها الدراسات ، وتدور المحاورات ، وتعقد المناظرات ، وتعرض الكتب والتآليف والرسائل ، وتنقد المذاهب ، وتمحص المسائل ، في كنف من حرية الرأي ، واستقلال الفكر ، وأدب البحث وعفة المقال ، فإذا أفضى الأمر في شيء من ذلك إلى خصومة فهي خصومة شريفة، غايتها الوصول إلى الحق ، قد تشتد أحيانا وتعظم حتى يخيل إليك أنها حرب عوان، وهي حرب أي حرب، ولكن جندها العلماء، وقادتها الأئمة الأعلام ، وسهمها الحجة والبرهان “[124]3 ، وكفى ب”القرويين” بالمغرب و”الأزهر” بمصر و”الزيتونة” بتونس أمثلة ناصعة على ذلك ، فإلى جامع القرويين يرجع   ” الفضل كل الفضل في استمرار الوجود الإسلامي بهذه الديار وفي حياة الحرف العربي بسائر أطراف إفريقيا … “[125]4 ، أما الأزهر فإنه يعتبر ” المؤسسة الدينية العلمية الإسلامية العالمية الأكبر في العالم، وثاني جامعة أنشأت في العالم بعد جامعة القرويين  “وقد شكل” مقرا لنشر الدين والعلم في حلقات الدروس التي انتظمت فيه “[126]5 ، وجامع الزيتونة الذي ” اتخذ مفهوم الجامعة الإسلامية منذ تأسيسه وتثبيت مكانته كمركز للتدريس وقد لعب الجامع دورا طليعيا في نشر الثقافة العربية الإسلامية في بلاد المغرب، وفي رحابه تأسست أول مدرسة فكرية بإفريقية أشاعت روحا علميّة صارمة ومنهجا حديثا في تتبع المسائل نقدا وتمحيصا …”[127]6.

ولكن الورم كان حاضرا باستمرار ” تبجيل الحاكم ” وتمجيد سياساته مهما كانت بعيدة عن روح القرآن و عن منهاج النبوة ، لا غرابة أن يقف المطَّلع على تاريخ هذه الجوامع /الجامعات الثلاث مثلا كيف أنها تأثرت على امتداد تاريخها بالأحوال السياسية ، وبمقدار نفوذ الدول الحاكمة والحكام الذين كان يسعى كل منهم إلى تخليد اسمه بإصلاح، أو توسيع، أو ترميم،  أو إغناء خزانة، أو زخرفة، أو تأثيث، وتجهيز جانب من الجوانب  مقابل اكتساب المزيد من الشرعية ومن النفوذ والقوة والجبروت .

المبحث الرابع:  تحرير المسجد واستعادة النموذج

جهود الدعاة والعاملين للإسلام يجب أن تسعى لتحرير المسجد من الوصاية التي جردته من روحانيته ونورانيته وطهره ، ومن الحجر الذي أحاله إلى مجرد بناية كئيبة تملك رَقَبَتَهَا وزارة تخضع للتعليمات “السامية” تترجمها مراسيم آمرة ومذكرات ناهية ، ومن الرقابة التي بمقتضاها مُسِخَ المؤذن والفقيه والواعظ والقييمين كلهم ؛ فأصبحوا عبيدَ حوالات هزيلة يتقاضونها في نهاية كل شهر من أشهر السنة الميلادية ، ومن التبعية التي جعلت من منبر النبي عليه الصلاة والصلاة بوقا لخطاب السلطة بدعوى حفظ الأمن الروحي ، وتحصين المواطنين من أدواء التشويش والفتنة والإرهاب . كلمات حق أريد بها باطل . لابد أن تكون بشارة الرسول لهذه الأمة بالنصر والتمكين حادينا ومنارة سيرنا في ليل التضليل والفتن الذي تعيشه الأمة ، لابد من اليقين بأن هذه ” الأمة المجاهدة المرحومة المبتلاة لايزال لها وجود وإن كان مشتتا ، وهي موعودة بالنصر إبان الخلافة الثانية ، عليها أن تهب وتقوم وتجاهد لتلتقي بالوعد الصادق ، وأن تنهض بالعزيمة الكبيرة ليسلك قصدها ومشروعها المستقبلي مسالك الشرك المعبرة عن الأمر الديني راجية من المولى الكريم أن يتطابق القصد ومقاصد الشرع مع مقصد الحق سبحانه في إرادته المطلقة .”[128]1

هل نفهم من تحرير المسجد استنساخ نموذج المسجد النبوي بشكل آلي حرفي ؟ هل نفهم من ذلك ضرب كل ما حققته المجتمعات المعاصرة في مجالات التنظيم والتسيير والتدبير والتشريع والعمران عُرض الحائط ؟ هل المقصود بذلك الاكتفاء بإصدار فَتَاوَى تحرم التطاول في بناء المساجد وتزيينها وزخرفتها، والذي أصبح ميدانا للتنافس بين حكام الجبر والدائرين في أفلاكهم  في مقابل الحنين الآسر إلى بساطة وبراءة وعفوية وطهر ونورانية المسجد على عهد النبي وخلفائه الراشدين ؟ سيكون تصورنا سَاذَجًا إلى أبعد الحدود لو فهمنا أن تحرير المسجد سيكون بهذه الصيغ السطحية الشكلية المخادعة ، لأن القصد من استحضار صور ومشاهد المسجد/النموذج هو التأكيد بأن المسجد لم يكن قط منعزلا عن الحياة العامة للمسلمين ، بل كان في صميم حياتهم يؤطرها ، ويؤثثها، ويوجهها ، ويضفي عليه روحانيته ، فكانت الدعوة والدولة وجهين لعملة واحدة، بل كانتا معا ” قضية واحدة ، فكان من مقتضيات نشر الدعوة أن ينتظم المسلمون في أمور عباداتهم ومعاملاتهم ومعاشهم وجهادهم حول مطاع واحد . في شخصه الكريم تجتمع معاني الرحمة المهداة، وبيده الكريمة مقاليد الأمر والنهي ، أمر ونهي جميع غير شتيت ، الكل دين ، لا فصل في فقه الصحابة رضي الله عنهم بين الدنيوي والديني.”[129]1 ، لذلك فالمقصود بتحرير المسجد هو رأب الصدع الفظيع الذي فصل الدعوة عن الدولة ، هو إعادة اللحمة الجامعة التي كانت تربط بينهما . تحرير المسجد هو تحرير الدعوة من الانزواء والضغط والاضطهاد والترويض والتدجين والاحتواء … تحرير المسجد هو الامتياح الصادق المباشر من معين الصفاء الملائكي الحاضر بنورانيته في بيوت الله . هو تخليصه من سلطة أصحاب السلطان ، وجعله يسمي الأسماء بمسمياتها غير وجل ولا خائف و لا هياب . هو فتح مستمر لباب التوبة الذي أراده الله تعالى أن يفتح ليلا ونهارا ، وفرحة متجددة بعودة العابد الهارب إلى أحضان  مولاه ، هو جعل المسجد كما كان مدرسة لتجديد الإيمان ، ولنشر المعارف والعلوم . هو تعبئة مستمرة ، وإعداد دائم لمخالفة النفس والشيطان والهوى ، هو تهيئة المسلم لمراقبة الله تعالى في كل آن وحين، وفي كل مكان ، هو تذكير للراعي بأنه مسؤول أمام الله عز وجل عن رعيته : حاكما ، محكوما ، واليا ، طبيبا ، ممرضا ، معلما ، مهندسا ، حرفيا ، مديرا ، موظفا ، أبا ، أما … هو نشر لروح المسجد في كل ركن من أركان حياة المسلمين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا .

دارت رحا الإسلام ، وتسلطت الدولة على الدعوة ، فصارت تمارس الوصاية التامة  عليها ، وكانت النتيجة أن أفرغت بيوت الله من معانيها ، وأخضعها السلطان لأجندة تخدم جبروته واستبداده ؛ وهكذا حرِم المواطن المسلم من حقه الطبيعي في التدين، فهو ملزم بأن يصغي للخطبة التي تمليها الجهات الماسكة بزمام الأمور، ملزم بأن يُؤَمِّن على أدعيتها ، بأن يذكر الله بصيغ تنتقيها هي وتفرضها هي … بل إنه ملزم بأن يتأثر بمواعظ تبث عبر شاشات تم تنصيبها بمحاداة المنابر التي لا تفتح إلا ” للبوم الكئيب ، ينوح على خراب ذمم علماء القصور ، بمنثورات خطب الإطراء ، وأسجاع مديح الأمراء “[130]2.

السؤال الثاني الذي يطرح : هل تحرير المسجد وسيلة أم غاية ؟ الحقيقة أنه وسيلة وغاية في الوقت نفسه ، فلا سبيل لتحرير الإنسان المسلم إلا إذا استعاد المسجد مكانة ودوره في حياة المسلمين ، تحريره من الركوع لغير الله تعالى ، تحريره من الاحتكام في شتى أموره لغير شرعه الذي أراده حرا كريما عزيزا ، وصيره حكام الجبر مقيدا ذليلا خاضعا ، تحريره من سلطان الهوى والنفس والشيطان ، تحريره من هَوَس الدنيا الذي ينسيه بأنها دار عبور ، وليست بدار قرار … ومتى تحقق كل ذلك تحررت الأمة من عبادة الطاغوت ، ومن الخضوع لأصحاب الجبروت ، فتحققت العبودية لله تعالى.

إن تحرير المسجد يعني الانتصار للكتاب والدوران معه حيث دار، ائتمارا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: ” خذوا العطاء مادام عطاء ، فإذا صار رشوة عن الدين فلا تأخذوه . ولستم تاركيه ، يمنعكم من ذلك الفقر والحاجة . ألا إن رحا الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار . ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان ، فلا تفارقوا الكتاب . ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم ، إن عصيتموهم قتلوكم ، وإن أطعتموهم  أضلوكم . “[131]1 ، وهذا ما يفرض انخراطه في الإجابة عن سؤال محوري ملح ،وهو كيف يساهم المسجد في تحرير أحكام الشريعة من العطالة المفروضة عليها ، وجعلها تتناول ” كليات التربية ، وكليات الجهاد ، بما في ذلك تنظيم حزب الله بما يضمن إحياء رجال ونساء ، وإحياء الأمة ، وتحريك الكل على المنهاج النبوي _ على الطريق الصاعد عبر العقبة _  المؤدي للخلافة الإسلامية بالنسبة للأمة ولرضى الله في الميمنة بالنسبة لكل مؤمن ومؤمنة “[132]2. ولعل هذا التحرير بما هو استعادة لروح المسجد النموذج يفرض استحضار وتمثل  ” المنهاج النبوي في التربية ، ذلك المنهاج الذي كان عملا باهر النتائج ، خرج من مدرسته كبار الصحابة ، عظماء الأمة ، نخبة الإنسانية بعـــــــــــــــــــد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . “[133]3 ، كما يقتضي اكتناه ” أسرار المنهاج النبوي الذي نتج عنه الجهاد الخالد الذي كانت ثمرته ” المعجزة التاريخية ” التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير “[134]4 .

وخلاصة القول إن تاريخ المسجد وتاريخ الأمة وجهان لحقيقة واحدة ، حقيقة مفادها أن هذه الأمة لن تتخلص من غثائيتها وذيليتها إلا بتحرير المساجد وعمارتها امتثالا لقوله تعالى : ” إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا منن المهتدين “[135]5 ، وعندما تنجح الأمة في تحرير مساجدها تستطيع بذلك ” انتزاع إمامة الأمة من الأيدي المتسلطة ، ومن الأفكار الإديولوجية التي تبرر واقعا حاضرا أو تبشر بمستقبل يزيغ بالأمة عن طريقها إلى موعود الله بالخلافة في الأرض والسيادة والعزة .”[136]6

المصادر والمراجع:

_ إمامة الأمة ، عبد السلام ياسين ، الطبعة الأولى ، 1430  هـ2009 _   م  .

– تاريخ الطبري، دار التراث ، بيروت ، الطبعة: الثانية ، 1387 هـ .

_  تفسير ابن كثير ، ابن كثير ، طبع بدار إحياء الكتب العربية .

– حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، عبد السلام ياسين ، مطبوعات الأفق ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى،1994م .

_  خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم  ، خالد محمد خالد ، الطبعة الأولى ، 1424 هـ _ 2003 م .

_  الرحيق المختوم ، صفي الرحمن المباركفوري ، الطبعة الأولى ،1411هـ _ 1991م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع .

– سنن أبي داود ، شعَيب الأرنؤوط – محَمَّد كامِل قره بللي، دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 هـ –

الطبعة: الثانية، 1395 هـ – 1975 م ،

– سنن الترمذي، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر وآخرون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر ،

2009 م.

_  السيرة النبوية ، ابن هشام ، تحقيق : طه عبد الرؤوف سعد ،دار الجيل _ بيروت ،  الطبعة: الثانية، 1403هـ – 1983م ،

– شرح السنة للبغوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي – دمشق، بيروت .

– صحيح البخاري ، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى، 1422هـ.

– صحيح مسلم ، محمد فؤاد عبد الباقي ، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

_  العدل : الإسلاميون والحكم ، عبد السلام ياسين ، الطبعة الأولى ، 2000 م .

_  العقد الفريد ، ابن عبد ربه الأندلسي، شرحه وضبطه ورتب فهارسه : أحمد أمين وآخرون،دار الكتاب العربي.

_  فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة ، محمد سعيد رمضان البوطي ، دار السلام للطباعة والنشر، الطبعة السادسة ، 1419 هـ _ 1999 م .

_  لسان العرب ، ابن منظور الأفريقي المصري ،الطبعة الثالثة ،  1414 هـ _  1994 م ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع .

– مسند أحمد، تحقيق شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة ، الطبعة: الأولى، 1421 هـ – 2001 م ،

_  مقدمات في المنهاج ، عبد السلام ياسين ، الطبعة الأولى ، 1409 هـ _  1989 م .

_  المنهاج النبوي : تربية وتنظيما وزحفا ، عبد السلام ياسين ،دار الآفاق / الطبعة الرابعة ،   1422هـ _2001م.

_  نظرات في الفقه والتاريخ ، عبد السلام ياسين ،الطبعة الأولى ،يونيو 1989  م .

_هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا محب ،  أبوبكر جابر الجزائري ، دار الكتب العلمية _ بيروت _ لبنان ، الطبعة الثانية / 1421 هـ _  2001 م .

المجلات والموسوعات والمواقع الإلكترونية:

_ مجلة ” الفرقان ” ، العدد 68  ، 1433  هـ  _ 2012 م .

_ مجلة ” الوعي الإسلامي ” ، العدد 214 ، شوال 1402 هـ .

_ موسوعة الحديث الشريف ( الكتب التسعة ) ،قرص كمبيوتر ، 1996 م .

–  موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ،  الجزء التاسع : قضاء الإمام ، تأليف : باقر شريف القرشي ، تحقيق مهدي باقر القرشي ، كتاب إلكتروني .

_  موقع: ويكيبيديا الموسوعة الحرة  http://ar.wikipedia.org/wiki/

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.