منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“الإعاقة” (خطبة منبرية)

اشترك في النشرة البريدية

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صوره، وابتلى من شاء بما شاء فسلبه عطاياه ليختبره ويمتحنه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:

فيقول الله تعالى: “عبس وتولى أن جاءه الاعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى “[1]

أيها الأحباب الكرام: إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق وأحصاهم عددا، وصور كل فرد في صورة، وجعل كل صورة دلالة على كل إنسان، والكل خلق الله، منهم من خلقه كاملا مكتمل الأعضاء، ومنهم من ابتلاه بنقص في جسده، وفي كلٍّ حكمة الله وسر من أسراره أودعه في خلقه، وليس في ذلك النقص أدنى دلالة لغضب الله على العبد المبتلى كما يظن بعض الناس، بل هو في الحقيقة حب خاص من الله لعبده، فعلى قدر المحبة يأتي البلاء والابتلاء، والله إذا أحب عبدا ابتلاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله عز وجل إذا أحب عبدا ابتلاه[2]، وإن الناظر بعين التفقد والتفحص والاستقراء لحال المجتمعات وتعاملهم مع هذه الفئة من الناس ؛ يجد غالبية الناس تشبعوا بنظرة تشاؤمية لهؤلاء…، سواء على مستوى المشاعر أو التسميات، فتراهم غالبا ما ينفرون منهم، ظنا أن قدرهم ينقص وهم في صحبتهم، ناهيك عن تسميتهم بالمعاقين أو المتخلفين عقليا… وهو بلا شك ينعكس سلبا على نفسيتهم، بعكس التسميات الإيجابية التي تترك أثرا طيبا وانطباعا جيدا، مثل: ” ذوي الاحتياجات الخاصة”، مما يدفعهم ويسهل عليهم الاندماج في محيطهم ومجتمعاتهم، والإسلام يدعونا لمناداة الإنسان بأحب الأسماء إليه.

وإذا كان المجتمع ينظر إلى هذه الفئة الاجتماعية بعين النقص والازدراء ؛ فإن دين الإسلام الذي جعل ديدنه المساواة لا يراهم عبئا وثقلا على المجتمع، بل يعتبرهم مواطنين صالحين يستطيع كل فرد منهم خدمة دينه ووطنه، شأنهم في ذلك شأن الناس أجمعين، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، ذلك أن ذا الحاجة الخاصة في ابتلاء شاء الله أن يبتليه به، والإسلام حث الناس على الصبر في مواجهة متاعب الحياة ومصائبها، لأن أمر الله لا مرد له ولا مفر منه، وفي كل ما أعطاه الله خير للمومن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ[3]، والوصف بالخيرية من الرسول صلى الله عليه وسلم وسام فخر للمؤمن المُبتلى، إذ لو لم يكن في ذلك خير لمَا ابتلى الله به عباده المؤمنين، ولمَا كان سببا في محبته لهم، ولمَا كان سببا في رضوان الله ومغفرته.

المزيد من المشاركات
1 من 2

أيها الإخوة المسلمون: لقد اهتمت الشريعة الإسلامية بالضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة اهتماما عظيما يرقى إلى أعظم درجات الاهتمام وأسماها، وهو ما يظهر جليا في النصوص الشرعية التي تحث الناس على وجوب رعايتهم والوقوف بجانبهم، حتى تُكفل لهم الحياة الطيبة، والقرآن الكريم دائما ما ينبذ التنقيص من الآخر وتحقيره والسخرية منه، وهو بذلك يؤسس لجمال الأخلاق وحسن المعاملة وضمان الخيرية للأقوى في التقوى، قال الله تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهم… ” [4] فكم من شخصية في التاريخ لها وزنها ومقامها وأثرها، والعبرة في هذه الحياة ليست بنقص الأعضاء أو كمالها، وإنما العبرة بالتأثير والتأثر والعمل، فكم من كامل أعضاء سليم الحواس كامل الخلقة لا نجد له أثرا في الحياة، ولا يذكر لا في حياته ولا بعد مماته، لم ينفع نفسه ولا قدم لمجتمعه أي شيء، ـ وما أكثرهم ـ، وكم من ناقص في الخلقة والأعضاء ؛ استطاع بالتوكل على الله والثقة في نفسه والتسليم بقضاء الله أن يفعل ما لم يفعله كامل الأعضاء، والكامل في الحقيقة هو الذي آمن بقدراته واندمج في مجتمعه وقدم للناس ما ينتفعون به ولم يبق عالة عليهم، واستطاع بنجاحه أن يكون درسا لغيره في الإقدام على مشروع الحياة، فالإعاقة إعاقة الفكر والتقاعس عن العمل لا إعاقة نقص في الأعضاء، والذي يصنع المجد هو الجد والاجتهاد والعمل، والجميل من جَمُلت أخلاقه وصفي قلبه، فلا عبرة ولا فرق إلا بالتقوى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم[5]

نسأل الله تعالى أن يفتح بصائرنا للحق، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:

أحبابي الكرام: في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حياة أصحابه شواهد كثيرة تدل على أن الإعاقة ليست حاجزا ولا مانعا من تحقيق المراد والمبتغى، فهذا عمرو بن الجموح كان يريد الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد في سبيل الله وكان أعرج، والعرج عذر أقامه الله مع المرض والعمى؛ لأنه سبحانه هو القائل: ” ليْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ[6]، وكان لعمرو بن الجموح بنون أربعة مثل الأسْد قد ذهبوا إلى المعركة، ومع ذلك يطلب من رسول الله أن يذهب إلى المعركة ويقول له: يا رسول الله إن بَنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة.

فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أمّا أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك. وقال لبنيه: ما عليكم ألاّ تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه فقتل.[7] فهل رأيتم أيها الإخوة المسلمون همة هذا الصحابي الجليل، لم يمنعه عرجه من شهود الحرب مع النبي صلى الله عليه وسلم وطلب الشهادة في سبيل الله والسعي في دخول الجنة، وكم في واقعنا من قصص ونماذج تشهد على ما يحققه ذَوُوا الاحتياجات الخاصة من نجاح وتألق على مستوى كل الميادين، فمنهم مُبَلّغ لدعوة الله ومنهم رياضي ومنهم عالم فيزياء أو كيمياء أو متقن لعلوم أخرى..

أحبتي في الله: اتضح مما سبق أن أصحاب الاحتياجات الخاصة كغيرهم من الناس، واجب علينا أن نذكرهم بقدراتهم ونهتم بهم، وأن لا نجعل من إعاقتهم سببا لإقصائهم من الحياة والمجتمع، بل حق علينا أن نواسيهم ونأخذ بأيديهم إلى حيث نجاحهم واندماجهم في المجتمع وتأثيرهم فيه. نسأل الله تعالى بره وإحسانه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] سورة عبس ، الآيات: 1 2 3

[2] شعب الإيمان لمؤلفه: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ) ، ونص الحديث بسنده: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ , أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ , نَا إِبْرَاهِيمُ [ص:238] بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ , نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى , أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللهِ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ لِيَسْمَعَ صَوْتَهُ ”

[3] صحيح مسلم ، باب المؤمن أمره كله خير ، ونص الحديث بسنده: حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ – وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ – حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»

 [4] سورة الحجرات ، الآية 11

 [5] صحيح مسلم ، باب تحريم ظلم المسلم وخذله ، ونص الحديث بسنده: حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»

 سورة الفتح ، الآية 17 [6]

 تفسير الشعراوي ، الباب 122 ، ج 3 ، [7]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.