منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من كمالاته الخلقية صلى الله عليه وسلم (6) منحة المولى

د. نبيلة الوزاني

0

من كمالاته الخلقية صلى الله عليه وسلم (6) منحة المولى

بقلم: د. نبيلة الوزاني

امتن الله تعالى على البشر أن وهبهم من الصفات الحسنة، و حضهم على اكتساب الخصال الحميدة ما أوجب له الشكر و الامتنان، و جعل خلق الإنسان في أحسن تقويم، أي أكمله و أليقه بنوع الإنسان، ليكون مساعدا له على أداء وظيفة العمارة والاستخلاف في الأرض.

و خصال الكمال والجمال في البشر نوعان:

1 – خصال ضرورية دنيوية محضة، ليس للمرء فيها اختيار ولا اكتساب، يدخل في هذا كل ما وهبه الله تعالى وأعطاه للإنسان من كمال خلقة وجمال صورة وقوة عقل و ملكة فهم و سرعة بديهة وفصاحة لسان وقوة أعضاء واعتدال حركات وشرف نسب …. وقد تحسب هذه الخصال الدنيوية على الخصال الأخروية، فتفتل في حبلها وتعضد مسعاها إذا كانت معينة على التقوى وسلوك طريق رضا الله و رضوانه .

2- خصال أخروية: يحمد فاعلها، و تقربه إلى الله زلفى فهي الأخلاق العلية والآداب السنية، من دين و علم و صبر و حلم و زهد و حرص على أفضل العزائم المقربة إلى الله تعالى و مكارم أخلاق، من جود ومروءات وشجاعة ورحمة وحسن معاشرة …..

ومن الأخلاق أيضا ما هو هبة في بعض البشر و منة من الله وجبلة منه جل وعلا، وهو في بعض الناس ليست من جبلته لكنه يعمل على اكتسابها تدربا ومجاهدة، فينال بذلك رضا بها تعالى متى أراد بذلك وجه الله والدار الآخرة، وفي الأخير كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة والفطرات السوية

ولك أيها المحب لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن تعلم أنه قد حاز خصال الكمال و الجمال مجتمعة، بل هو _صلى الله عليه وسلم _ أعظم الناس منها حظا، و أعلاهم قدرا وأكرمهم طينة وأحسنهم خلقا وأكملهم محاسن وفضلا …

فإنك إن نظرت الى خصال الكمال من جبلة الخلقة، وجدته حائزا على جميعها، محيطا بجملة المحاسن دون خلاف بين نقلة الأخبار ورواه الحديث .

و قد روى عبد الله بن سلام حبر اليهود وأعلمهم بالتوراة: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل _1 الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب» _2.

و ساق الإِمام البخاري في صحيحه، باب صفة النبي – صلى الله عليه وسلم – عدة أحاديث نذكر منها هنا:

عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – في وصف النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض أمهق ولا آدم. ليس بجعد قَطِطٍ ولا سَبْطٍ رَجِلٍ ….. الحديث (3).

ومن حديث البراء بن عازب – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خَلْقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير (4).*

وعنه أيضًا قال: كان مربوعًا بَعيدَ ما بين المنكبين، له شعر يبلغُ شحمة أُذُنه، رأيته في حلة حمراء، لم أرَ شيئًا قطّ أحسن منه، وجهه مثل القمر (5).

ومن حديث كعب بن مالك – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله إِذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قَمر وكنا نعرف ذلك منه. (6).

وفي حديث أنس – رضي الله عنه -: ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كفّ النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا شممت ريحًا قط أو عَرقًا قط أطيبَ من ريح أو عَرقِ النبي – صلى الله عليه وسلم – (7).

وهذه الأوصاف التي ذكرها أصحابه – رضي الله عنهم – تجتمع كلها في كمال الهيئة وجمال الصورة وغاية الحسن الذي وهبه الله لرسوله – صلى الله عليه وسلم -.

و قد جمع القاضي عياض في كتابه الشفا ما جاء من أوصافه صلى الله عليه وسلم مما رواه جمع كبير من الصحابة، حيث قال:

أَمَّا الصُّورَةُ، وَجَمَالُهَا وَتَنَاسُبُ أَعْضَائِهِ فِي حُسْنِهَا، فَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ، وَالْمَشْهُورَةُ الْكَثِيرَةُ بِذَلِكَ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ أَبِي هَالَةَ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَأُمِّ مَعْبَدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَرِّضِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَالْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، وَخُرَيْمِ بْنِ فَاتَكٍ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ 8،أَدْعَجَ 9، أَنْجَلَ 10، أَشْكَلَ 11، أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ 12، أَبْلَجَ 13، أَزَجَّ 14، أَقْنَى 15، أَفْلَجَ 16، مُدَوَّرَ الْوَجْهِ، وَاسِعَ الْجَبِينِ، كَثَّ اللِّحْيَةِ تَمْلَأُ صَدْرَهُ، سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ 17، وَاسِعَ الصَّدْرِ، عَظِيمَ الْمَنْكِبَيْنِ، ضَخْمَ الْعِظَامِ، عَبْلَ الْعَضُدَيْنِ 18 وَالذِّرَاعَيْنِ وَالْأَسَافِلِ 19، رَحْبَ الْكَفَّيْنِ 20 وَالْقَدَمَيْنِ، سَائِلَ الْأَطْرَافِ، أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ 21، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ 22، رَبْعَةَ الْقَدِّ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ يُمَاشِيهِ أَحَدٌ يُنْسَبُ إِلَى الطُّولِ إِلَّا طَاوَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجْلَ الشَّعْرِ 23، إِذَا افْتَرَّ ضَاحِكًا افْتَرَّ عَنْ مِثْلِ سَنَا الْبَرْق 24، وَعَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ 25، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ ثَنَايَاهُ، أَحَسَنَ النَّاسِ عُنُقًا، لَيْسَ بِمُطَهَّمٍ 26، وَلَا مُكَلْثَمٍ 27، مُتَمَاسِكَ الْبَدَنِ 28، ضَرْبَ اللَّحْمِ‏ 29 .

و مما جاء في حديث هند بن أبي هالة: ” أطول من المربوع، وأقصر من المشذب …يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر ” . (30)

و قال البراء: “ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ” .(31)

و هذا حسان بن ثابت (رضي الله عنه) يمدح النبي صلى الله عليه وسلم فيقول _ 32:

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي

وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقْتَ مُبرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ

كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ ” .


لائحة المصادر و المراجع:

1_ انجفل الناس قبله: أي ذهبوا مسرعين نحوه .

باب (جفل) لسان العرب لابن منظور

2_ سنن بن ماجة ص 2648 ؛ صحيح الترمذي رقم 2485

3_ صحيح البخاري رقم 3547 ؛ ومسلم 2347 باختلاف يسير .

4_ صحيح البخاري 3549 ؛ ومسلم 2337

5_ صحيح البخاري (3551) ؛ مسلم (2337)

6_ صحيح البخاري (3556)

7_ صحيح البخاري (1973) ؛ و مسلم (2330) (2309) باختلاف يسير .

8_ قوله: أزهر اللون، قيل: نيره، وقيل حسنه .

9_ قوله: أدعج شدة سواد الحدقة .

10_ قوله: أنجل أي ذو نجل بفتحتين وهو سعة شق العين .

11_ قوله: أشكل وهي حمرة في بياض العين كالشهلة في سوادها .

12_قوله: أهدب الأشفار , كبير أشفار العين .

13_قوله: أبلج، أبلج الوجه أي: مشرق الوجه .

14_قوله: أزج أي مقوس الحاجب مع طول وامتداد .

15_ قوله: أقنى: الأقنى من الأنوف هو الذي في أعلاه ارتفاع بين القصبة والمارن , من غير قبح.

16_قوله: أفلج من الفلج وهو تباعد ما بين الثنايا .

17_قوله:سواء البطن: المستوي .

18_قوله: عبل العضدين، أي ضخمهما .

19_قوله: رحب الكفين أي واسعهما .

20_قوله: سائل الأطراف أي طويل الأصابع .

21_ قوله: أنور المتجرد أي ما تجرد عند الثياب من البدن .

22_ قوله: المسربة خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة .

23_ قوله: رجل الشعر، بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها، إذا لم يكن شديد الجعودة ولا سبطا .

24_قوله: حب الغمام، أي البرد .

25_ قوله: ليس بمطهم أي ليس بمنتفخ الوجه، وقيل الفاحش السمين .

26_ قوله: ولا بمكلثم هو: قصير الحنك، الداني الجبهة، المستدير الوجه، أراد أنه كان أسيل الوجه ولم يكن مستديره ؛ قاله ابن الأثير .

27_ قوله: متماسك البدن أي يمسك بعضه بعضا .

28_ قوله: ضرب اللحم ؛ بفتح الضاد وسكون الراء ؛ قال الخليل: الضرب من الرجال القليل اللحم .

29_ قوله من ذي لمة: اللمة بكسر اللام هي شعر رأس دون الجمة .

30_ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ؛ ج 22 ص 156

31_ صحيح البخاري (5901) ؛ ومسلم (2337) ؛ وأبو داود (4183) ؛ والترمذي (1724) و غيرهم …

32_ ديوان حسان بن ثابت ص10

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.