منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حوار فقهي أصولي بخصوص “عرفة”

الدكتور محمد جعواني

0

حوار فقهي أصولي بخصوص “عرفة”
بقلم: الدكتور محمد جعواني

قال لي صاحبي الفقيه الأصولي: إن قواعد الشريعة ونظامها في معرفة “مناط” الحكم الشرعي “تخريجا” و” تنقيحا” و” تحقيقا” تقودنا إلى القول بأن أهم “وصف” تميز به “اليوم” عن سابقه ولاحقه هو ” الوقوف”، وبالتالي وجب القول ب“عليته” وكونه“مناطا” معتبرا للحكم. وهذه طريقة جماهير الفقهاء.
قلت له: أحسنت، فللشريعة نظامها وقواعدها، ومنها قاعدة المناط تلك، لكن يا صاحبي لا نسلم لك في “نتيجتك” ولا يسلم لك كثير من ” الفقهاء” قديما وحديثا.
قال لي كيف ذلك: قلت له: إن “الوصف” الذي اعتبرته” مناط” الحكم وهو ” الوقوف” يعتبر وصفا “خفيا” لا يدركه المكلف البعيد عن مكة، وبالتالي سيؤول الأمر إلى “تكليف بما لا يطاق” والشريعة تأباه وترفضه.
قال صاحبي مبتسما: أظنك لا تعيش زمانك! كيف اعتبرته “مناطا خفيا” وهو جلي واضح، ألا ترى بأن المكلف في أقاصي الدنيا يعرف ما يفعله الحجاج لحظة بلحظة عبر وسائل الاتصال والتواصل.
قلت له: بلى، ورب الكعبة. لكن، هل بدأ تشريع الحكم(الصيام) لحظة ظهور هذه الوسائل أم قبل ذلك بقرون؟ زمن التشريع.
قال صاحبي: بل زمن التشريع طبعا.
قلت له: إذن، ربط المشرع “تنزيل حكمه” بمناط لا تدركه حقيقته إلا بعد سنين عددا!!! فهل هذا معهود الشريعة في أحكامها. كلا ثم كلا.
فالأحكام “مناطاتها” محققة مدركة زمن تشريعها، وهي ظاهرة منضبطة مطردة.
قال صاحبي: أهل تلك القرون معذورون، وكان المطلوب منهم الاجتهاد في معرفة ذلك “المناط” حسب “الوسع” ولو اعتمدوا على الزمان(اليوم التاسع) لكفاهم.
قلت لصاحبي مستغربا: عجبا لك! ملايين المسلمين ولعقود طويلة يتركهم المشرع حيارى للتقديرات والتقريبات ولا يدلهم على المناط الظاهر البين للحكم.
ثم هب جدلا أن هذه الوسائل ارتفعت وتعطلت(وهذا ليس محالا عقلا وواقعا) أنعود للتقدير والتخمين من جديد!!!
قال صاحبي: إضافة إلى تلك القواعد، معنا “دلالة الإشارة” حيث أشار النص إلى علته ومناطه “صيام يوم عرفة” فتقوى النظر بالدلالة.
قلت له: القواعد لا تسعفك في ما تريد، و“دلالة الإشارة” لا تقوي مرادك، فعندنا النص الصريح “كان يصوم تسعا من ذي الحجة”(النسائي).
قلت لصاحبي: وماذا تقول عند اختلاف المطالع(وهو حقيقة علمية مثبتة بين الدول المتباعدة التي لا تشترك في جزء من الليل)، وماذا يفعل من سبقت رؤيتهم لرؤية أهل مكة، هل يصومون يوم عيدهم(يوم الوقوف بمكة)؟ وإذا تأخرت رؤيتهم هل يصومون يوم ثامنهم، ويضيفون يوما بين ” عرفة”و ” النحر”؟
قال صاحبي: هنا، تعارض ” الخاص” مع ” العام” فيقدم الخاص(إفطار يوم العيد) على العام(صيام عرفة).
قلت له: الأمر يتعلق بدول وملايين من المسلمين! فكيف اعتبرته ” خاصا”؟ ثم هو أمر دائم متكرر بطبيعة الجغرافيا التي خلقها الله سبحانه، فهل يظل أولئك الملايين في ” الخاص” ويحرمون من صيام يوم فضيل مبارك!!!
قلت لصاحبي في الختام:
سنكون في غنى عن كل تلك “المضايق” و” التعليلات” و”العنت والمشقة”…لو جارينا معهود الشريعة وربطنا “صيام عرفة” بعلته ومناطه الظاهر الجلي المطرد الذي هو زمانه(تاسع ذي الحجة).
ولكم في الختام صديقي وافر التقدير والمحبة والاحترام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.