قوةٌ بلا قسوة ورحمةٌ بلا ضعف:
في عظمة شخصية الرسول ﷺ
بقلم: عبد القاهر عارفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، الذي بعثه الله هاديًا ورحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى في نبيّه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.[1] وكلما اقترب المرء من سيرته ﷺ ازداد معنى هذه العظمة وضوحًا؛ فقد يرى مواقف تبدو متباعدة، ثم تكشف له السيرة سرَّ اجتماعها. ولعل أقرب طريق إلى معرفة عظمة شخصيته ﷺ أن نراه في مواقفه، ثم ندع تلك المواقف تحدّثنا عنه.
- هيبةٌ لا تصنعها العروش
في الحديبية جاء عروة بن مسعود الثقفي مفاوضًا عن قريش، وكان قد وفد على الملوك وعرف مجالسهم. أخذ يرقب أصحاب رسول الله ﷺ، فإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّون إليه النظر تعظيمًا له. ثم عاد عروة إلى قومه، فأخبرهم أنه رأى قيصر وكسرى والنجاشي، فما رأى ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظّم أصحابُ محمدٍ ﷺ نبيَّهم.[2]
لم يكن عروة يومئذ واحدًا من أصحابه يصف محبته؛ كان مفاوضًا جاء يراقب من أمامه، فعاد يحمل لقريش ما رأته عيناه.
- كانت له هيبةٌ لا تصنعها العروش.
لكن هذه الهيبة لم تجعل الوصول إليه عسيرًا. جاءت امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة. فقال لها: «يا أم فلان، انظري أيَّ السِّكك شئت حتى أقضي لك حاجتك»، ثم خلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها.[3]
الرجل الذي كانت الأصوات تنخفض في حضرته استطاعت امرأة أن تستوقفه لحاجتها، فيقف لها حتى تنتهي. علا في القلوب، ولم يستعلِ.
- حين يكون العفو قوّة
في حُنين اضطربت بعض الصفوف، وثبت رسول الله ﷺ. وشهد البراء بن عازب رضي الله عنه أنه لم يفر، وكان يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».[4]
- كان لينُه خُلُقًا، لا عجزًا.
ويبقى سؤال أعمق: ماذا كان يصنع بقوته إذا ناله الأذى؟
سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟ فذكر ما لقي من أهل الطائف، حتى جاءه مَلَك الجبال وعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين إن شاء. وبعد ذلك الأذى كله لم يطلب استئصالهم، بل رجَا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا.[5]
- جرحوه، فلم يجعل جرحه قاضيًا عليهم.
وقد بيّنت عائشة رضي الله عنها أن العفو عما يمس شخصه كان من هديه ﷺ؛ فما انتقم لنفسه، فإذا انتُهكت حرمة الله كان للحق شأن آخر.[6]
ويظهر ذلك بوضوح في قصة المرأة المخزومية. لما سرقت شقَّ أمرها على قومها، فطلبوا من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يشفع فيها. فلما كلّم رسول الله ﷺ قال: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟»، ثم بيّن أن من أسباب هلاك من سبق أنهم كانوا يتركون الشريف إذا سرق ويقيمون الحد على الضعيف، وقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».[7]
كان أسامة حبيبًا إليه، وكانت فاطمة رضي الله عنها من أحب الناس إليه، لكن المحبة لم تصبح بابًا لتعطيل العدل. أحبَّ الناس، ولم يجعل حبَّه لأحدٍ فوق الحق.
- قلوبٌ تُفتح، وحقٌّ لا يُساوَم عليه
ومع هذا الحزم، بقي باب تأليف القلوب واسعًا.
حمل صفوان بن أمية عداوة شديدة لرسول الله ﷺ، فأعطاه النبي ﷺ من غنائم حُنين مئةً، ثم مئةً، ثم مئةً، حتى شهد صفوان أن رسول الله ﷺ كان أبغض الناس إليه، فما زال يعطيه حتى صار أحب الناس إليه.[8]
وجاء مسيلمة يطلب أن يجعل له رسول الله ﷺ الأمر من بعده، وكان في يد النبي ﷺ قطعة من جريد، فقال له: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها».[9]
أما الدنيا فاتسع فيها باب العطاء، وأما الرسالة فليست موضع مساومة.
- بذل من الدنيا ليفتح القلوب، ولم يبذل من الحق ليكسبها.
هذه المواقف تختلف في ظاهرها: عفوٌ في موضع، وحزمٌ في آخر، وعطاءٌ هنا، وامتناعٌ هناك. فما الذي كان يحكم هذا الاختلاف؟
ولعل القدرة من أشد ما يكشف حقيقة الإنسان؛ فماذا صنعت القوة بمحمد ﷺ يوم جاءه النصر؟
- ماذا تصنع القوة حين تنتصر؟
دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح بعد أن أُخرج منها وأوذي وقاتله أهلها أعوامًا طويلة، وقد صارت الكلمة له. ومع اكتمال القدرة أعلن الأمان، فلم يجعل يوم الفتح يومًا للثأر.[10]
- جاء النصر، وبقي الخُلُق حاضرًا معه.
وفي فتح مكة تحدث الأنصار فيما بينهم عن احتمال أن يقيم رسول الله ﷺ في بلده بعد أن فتحها الله عليه. فلما بلغ رسولَ الله ﷺ ما قالوا، قال لهم: «إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم».[10]
لم ينسَ بعد النصر من وقفوا معه أيام الشدة. أعاده الفتح إلى مكة، ولم يُخرجه من عهد المدينة.
وكان للنبي ﷺ مع النعمة شأن آخر. كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، فقيل له وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: لِمَ تصنع هذا؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟».[11]
- عند القدرة أمَّن، وعند النصر وفى، وعند النعمة شكر.
وتكشف هذه المواقف أن عبوديته لله كانت الميزان الذي وضع كلَّ خُلُقٍ في موضعه.
- قلبٌ لم تُقسِّه الأيام
دخل رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عيناه تذرفان. وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».[12]
لم يمنعه الرضا بقضاء الله أن يحزن، ولم يدفعه الحزن إلى ما لا يرضي الله.
- ما أضعفت الدموعُ قوّتَه، ولا أغلظت القوةُ قلبَه.
ثم جاء يومٌ غاب فيه صاحبُ هذا القلب نفسه عن الدنيا.
- فماذا خسر العالم حين فقده؟
غاب عن الدنيا رجلٌ كلما ظننت أنك أحطت بجانب من عظمته، فتح لك موقفٌ من سيرته بابًا إلى جانب آخر؛ حتى يبدو وصفه ببعض خصاله أضيق من أن يحيط بشخصيته كلها.
ولم يكن فقده غيابَ قائدٍ أو معلّمٍ فحسب، بل غيابَ حياةٍ رأى الناس فيها كيف يهذّب الوحي الإنسان؛ فيكون قويًّا ولا يقسو، رحيمًا ولا يضعف، ثابتًا على الحق، قريبًا من الناس، وتبقى في صدره — وسط أعباء الرسالة وثقل الأيام — رقّةُ القلب ودمعةُ الرحمة.
وبقيت سيرته ﷺ بعده، تهدي إلى سبيل الاقتداء به، وتزيد صاحبها معرفةً برسول الله ﷺ. ومن صدقت محبته لم تقف عند الإعجاب، بل حملته على الاقتداء به والسير على هديه.
وكلما ازددت به معرفةً، ازددت له حبًّا، حتى يبلغ الشوقُ إليه صميمَ الفؤاد.
الحواشي
[1] سورة القلم، الآية: 4.
[2] البخاري، حديث رقم (2731).
[3] مسلم، حديث رقم (2326).
[4] البخاري، حديث رقم (2864)؛ مسلم، حديث رقم (1776).
[5] البخاري، حديث رقم (3231)؛ مسلم، حديث رقم (1795).
[6] البخاري، حديث رقم (3560)؛ مسلم، حديث رقم (2327).
[7] البخاري، حديث رقم (6788)؛ مسلم، حديث رقم (1688).
[8] مسلم، حديث رقم (2313).
[9] البخاري، حديث رقم (4373).
[10] مسلم، حديث رقم (1780).
[11] البخاري، حديث رقم (4836)؛ مسلم، حديث رقم (2819).
[12] البخاري، حديث رقم (1303)؛ مسلم، حديث رقم (2315).