صَهِيلُ الْمَجْدِ وَغَفْلَةُ الْبَشَرِ (قصيدة)
أَبُو عَلِي الصُّبَيْح
صَهِيلُ الْمَجْدِ وَغَفْلَةُ الْبَشَرِ (قصيدة)
بقلم: أَبُو عَلِي الصُّبَيْح
أَيَّامُنَا صَافِنَاتُ الْخَيْلِ تَشْهَدُنَا وَالْمَجْدُ فِي صَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ يَتَّقِدُ
مَتَى نُحَقِّقُ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ أَمَلٍ وَالْعُمْرُ يَمْضِي وَنَارُ الشَّوْقِ تَتَّقِدُ؟
إِنِّي وَجَدْتُ كَثِيرَ النَّاسِ قَدْ غَفَلُوا وَأَهْلُ صِدْقٍ بِهَذَا الدَّهْرِ لَا أَجِدُ
رَأَيْتُ قَوْمًا عَلَى الْأَوْهَامِ قَدْ رَكَنُوا وَقَوْمَ حَقٍّ عَلَى الْمِحْنَاتِ قَدْ صَمَدُوا
مَا كُلُّ مَنْ حَمَلَ الْأَسْيَافَ فَارِسُهَا وَلَا كُلُّ مَنْ رَفَعَ الرَّايَاتِ يُعْتَمَدُ
وَلَا كُلُّ مَنْ نَطَقَ الْأَقْوَالَ صَادِقُهَا فَالصِّدْقُ فِعْلٌ بِهِ الْأَحْرَارُ تَنْفَرِدُ
يَا دَهْرُ، مَهْلًا، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَنْحَنِي إِنْ ضَاقَ دَرْبٌ فَدَرْبُ الْعِزِّ يَمْتَدُّ
نَحْنُ الَّذِينَ إِذَا مَا الْخَطْبُ أَفْزَعَنَا قَامَتْ عَزَائِمُنَا وَالصَّخْرُ يَرْتَعِدُ
نَحْنُ الَّذِينَ عَلَى الْأَيَّامِ قَدْ صَبَرُوا حَتَّى غَدَا الصَّبْرُ فِي أَعْمَاقِنَا جَلَدُ
إِنَّ الْمَرُوءَةَ لَيْسَتْ زِينَةً عَبَثًا بَلْ عَهْدُ حُرٍّ إِذَا مَا عَاهَدَ اعْتَمَدُوا
كَمْ مِنْ جَبَانٍ تَسَامَى فَوْقَ مَنْصِبِهِ وَكَمْ شُجَاعٍ بِقَيْدِ الْفَقْرِ مُقْتَعِدُ
وَكَمْ لَئِيمٍ تَسَرْبَلَ ثَوْبَ مَكْرُمَةٍ وَفِي حَنَايَاهُ غَدْرٌ مَالَهُ أَمَدُ
لَا تَحْسَبِ الْمَجْدَ أَلْفَاظًا نُرَدِّدُهَا فَالْمَجْدُ فِعْلٌ بِهِ الْأَجْيَالُ تَتَّحِدُ
إِنَّ الرِّجَالَ إِذَا مَا الْحَقُّ نَادَاهُمْ لَبَّوْا نِدَاءً لَهُ الْأَحْرَارُ تَحْتَشِدُ
مَا ضَرَّنَا أَنْ تَكَالَبَتِ الْخُطُوبُ عَلَى أَرْوَاحِنَا، فَلَنَا فِي الصَّبْرِ مُعْتَمَدُ
لِلْحَقِّ فِي كُلِّ صَدْرٍ حُرٍّ مَنْزِلَةٌ وَلِلْبَصِيرَةِ فِي أَعْمَاقِنَا رَصَدُ
وَالْخَيْلُ تَعْرِفُ أَنَّا لَا نُفَارِقُهَا إِنْ صَاحَ صَائِحُ يَوْمٍ وَاشْتَدَّتِ الْعُقَدُ
وَالسَّيْفُ يَشْهَدُ أَنَّا مَا خَنَّا مَبْدَأَنَا وَلَا بِعَهْدِ الْأُولَى قَدْ خَانَنَا الْعَهْدُ
يَا مَنْ تَبَاهَيْتَ بِالْأَنْسَابِ مُفْتَخِرًا إِنَّ الْمَفَاخِرَ أَفْعَالٌ لَهَا سَنَدُ
لَيْسَ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ الْمَجْدُ مَوْرِثُنَا بَلِ الْفَتَى مَنْ لَهُ فِي الْمَجْدِ مُجْتَهَدُ
وَالْمَرْءُ يُعْرَفُ عِنْدَ الْكَرْبِ مَعْدِنُهُ فَالنَّارُ تَكْشِفُ مَا فِي جَوْهَرٍ جَمَدُ
لَا تَسْأَلِ النَّاسَ عَنْ أَقْوَالِ أَلْسِنَةٍ سَلِ الْمَوَاقِفَ عَمَّنْ صَانَ وَاعْتَمَدُ
إِنَّ الْكَرَامَ وَإِنْ ضَاقَتْ مَعَايِشُهُمْ تَبْقَى جِبَاهُهُمُ بِالْعِزِّ تَتَّقِدُ
وَالذُّلُّ لَيْسَ بِقِلَّةِ الْمَالِ نَعْرِفُهُ بَلْ أَنْ يَبِيعَ امْرُؤٌ مَا صَانَهُ الْجَدَدُ
وَإِنْ تَغَيَّرَ وَجْهُ الدَّهْرِ فِي زَمَنٍ فَالْحُرُّ حُرٌّ وَإِنْ خَانَتْهُ مَا وَعَدُوا
يَا صَاحِ، لَا تَرْتَجِ الْإِنْصَافَ مِنْ زَمَنٍ فِيهِ الْمُرَاؤُونَ فَوْقَ الصِّدْقِ قَدْ صَعِدُوا
وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ مِنْ أَخْلَاقِهَا حَصَنًا فَالْمَرْءُ يَبْقَى بِمَا أَعْطَى وَمَا وَجَدُوا
وَإِنْ تَكَاثَرَ أَهْلُ الزُّورِ فِي بَلَدٍ فَالْحَقُّ شَمْسٌ وَإِنْ غَابَتْ لَهَا مَوْعِدُ
سَتَنْجَلِي ظُلُمَاتُ اللَّيْلِ عَنْ وَطَنٍ فِيهِ الرِّجَالُ عَلَى عَهْدِ الْوَفَا صَمَدُوا
وَسَوْفَ يَعْلَمُ مَنْ بَاعُوا مَبَادِئَهُمْ أَنَّ الْمَبَادِئَ لَا تُشْرَى وَلَا تُفْتَقَدُ
فَارْفَعْ جَبِينَكَ، لَا تَخْضَعْ لِذِي طَمَعٍ فَالْحُرُّ فِي عِزَّةِ الْأَنْفَاسِ يَنْفَرِدُ
وَاكْتُبْ عَلَى صَخْرَةِ التَّارِيخِ مَلْحَمَةً أَنَّ الْكِرَامَ وَإِنْ مَاتُوا فَقَدْ خَلَدُوا