ملامح من فنون القتل والتعذيب عند الشُّعوب
محمد ياسر منصور
كاتب وباحث وإعلامي سوري
يُعتبر القتل والتعذيب وممارسة الوحشية والعنف على أفراد المجتمعات من أَهول العقوبات وأفظعها. فهو آفة خطيرة تتفشَّى في أوصال العالَم, وتدعوه إلى معالجة آثارها. وقد كانت فترة العصور الوسطى في أوروبا من أشدّ الفترات الزمنية التي عَرَفتها البشرية تعطّشاً لِسَفك الدماء وممارسة أساليب غريبة في فنون القتل والتعذيب تتَّسم بالرعب والوحشية.
وكان القتلُ والتعذيب ينال من كل الناس, فقد تعرَّض له الملوك والمَلكات, والأمراء والأميرات, والنُّبلاء والثوَّار, ورجال الدِّين من القَساوسة والكَهنة والرهبان .. وكانت ضروب القتل والتعذيب تتفاوت بتفاوت الوسائط التي يتمَّان بها, حتى يختلف بعض الموت عن بعض خِلافاً لِما قال الشاعر:
ومَنْ لم يَمُتْ بالسَّيفِ ماتَ بِغَيرهِ تَعدَّدتِ الأسبابُ والمَوتُ واحِدُ
كما كانت الحروب فُرصة لممارسة المذابح والتعذيب والتنكيل واغتصاب الضحايا من سكَّان المدن أو القرى التي تتم مُهاجمتها. أمَّا غُرَف التعذيب في السجون فقد كانت مسرحاً دراماتيكياً لممارسة أبشع أنواع التعذيب التي عَرفَتها البشرية, حيث تظهر مختلف المبتكرات في أدوات التعذيب وأساليبه المختلفة . فقد استُخدمت بعض الأدوات والأساليب الغريبة الأطوار مثل المنشار الذي يعمل على قَطع جَسد الضحيِّة إلى نصفين, كما استُخدم الدولاب الذي يعمل على شَدّ الضحيِّة أثناء دورانه, وقد استُخدم هذا الأسلوب في معسكرات الاعتقال أثناء الحرب العالمية الثانية في العصر الحديث .
ويُعتبر حَرق الضحيِّة حيَّة أو تَقطيع أوصالها أو صَلبها أو جَلدها أو رَجمها من الأساليب العادية القديمة وليست مُبتكَرة وإنما هناك أساليب أخرى متطوِّرة مثل غَلي الضحيِّة في إناء به ماء مَغلي, أو شَقّ بَطن الضحيِّة واستخراج أحشائها, أو شَدّ الضحيِّة بواسطة الخيول في اتجاهات متضادة أو سَحلِها. ومن أَبسَط الطرق للتعذيب هي التي يتم بها اقتلاع الأظافر أو الأسنان أو اقتلاع العيون أو الإغراق في الماء أو التعليق أو تكسير العظام . إلاَّ أنه من الأساليب الغريبة وَضع الضحيِّة بداخل جسم معدني على هيئة ثور ويتم شِواء الضحيِّة بداخله إلى أن يتصاعد الدخان في أنف الثور وهو بمثابة الفِرن لِلشِّواء, كذلك تمَّ استخدام الكرسي الهَرَمي بأن تُجلس عليه الضحيِّة إلى أن تخترق قمّة الكرسي الهَرمي جَسَد الضحيِّة.
وقد كان القَتل قديماً يجري على الغَالِب بطرق تقشعِرّ منها الأبدان حتى كأن المقصود به التَشفِّي والانتقام وليس الزَّجر والعِبرَة لغيره . وممَّا يُنقل عن أحد مُلوك الرومان أنه كان يأمر بتشديد عَذاب المَحكوم بالموت وإطالة مدّة نَزعه ” حتى يشعر بأنه يموت “. وقد تفنَّنوا في طُرق القتل والتعذيب على ضروب شتَّى لم يتركوا فيها نوعاً من أنواع الخشونة والتوحُّش إلاَّ أَتوه .
فَمن ذلك أن العِبرانيين كانوا عَدا عن ضَرب العنق الذي هو الواسطة البديهية في قَطع حَبل الحياة يستعملون الرَّجم والجَلد الحَرق والنَّشر أي التقطيع بالمنشار, وهذه الطريقة الأخيرة هي التي قُتِلَ بها النَّبي ( يحيى) عليه السَّلام . وكان المصريون يزيدون على ذلك ضروباً أخرى أَفظعها ما كانوا يُعاقبون به من يقتل أحد أبويه فإنه كانوا يغرزون في كل جسمه قِطَعاً من القَصب فإذا صارَ كلّه عَلَقة من الدم وكادَ يلفظ آخر أنفاسه يرفعونه على حِزمٍ من الشَّوك ويحرقونه .
وكان الفُرس يسحقون المُجرم بين حَجرين عظيمين أو يسلخون جِلده وهو حَيّ وربما طَمروه في الرَّماد حتى يموت تحته اختناقاً. وكانت لهم طريقة أخرى في العِقاب يجعلون المُجرم في صندوق يُخرجون منه رأسه ويديه ورجليه ويتركونه كذلك مدة خمسة عشر يوماً يُطعمونه ويسقونه تأخيراً لِأَجَله ويطلون وجهه بِالعَسل لِيَحوم عليه الذباب والنَّمل والزنابير.
أمَّا اليونان فلم يُروَ عنهم غَير الشَّنق وضَرب العنق والقتل بالسُّم . وكان الرومان يُعاقِبون الأحرار بِضَرب العنق والأرقَّاء بالصَّلب أو الجَلد, ومَن قَتلَ أَحد أَبويه وَأَدُوه, أي دَفنوه حيَّاً. وكان أشدّ ما يُروى عنهم من الفَظائع ما كانوا يفعلونه في التنكيل بأهل النصرانية فإنهم كانوا يُلقون بأعدائهم إلى السِّباع أو يُمزِّقون أجسادهم أو يحرقونهم أحياء, إلى غير ذلك ممَّا هو مَشهور.
وهناك ضُروب أخرى منها أن تُشَدّ أطراف المُجرم إلى أربعة أَفراس يُخالَف بين كل اثنين منها ثم تُطرَد فيتمزَّق قِطَعاً, وربما جَذبوا غصنين من شجرتين وشُدَّ إلى كلٍ منها واحدة من رجليه ثم أرسلوهما فينقسم جسمه إلى شطرين. ومنها غَمس المُجرم في حفرة مملوءة من الحَمأة حتى يغيب فيها فيموت اختناقاً, وهي من طرق الجرمانين. ومن جُملة ما كان يُستعمل عند الرُّوس ما يُسمُّونه بالكنوت ( أو القنوط) وهو سوط يُجمع فيه عدة سيور ضخمة من جلد البقر تُجدَل عند أصلها وتُترك أطرافها سائبة وتُجعل في كل طرف أسلاك مفتولة من الحديد فحيثما وقعت على جسم المُجرم سالَ منه الدم فلا تتكرَّر عليه خمس أو ست ضربات حتى يصير الجسم كلَّه كأنه جراحة واحدة وفي أقلّ من اثنتي عشرة ضربة تزهق روحه .
ومِمَّا يُروى عن أهل سومطرة أنهم كانوا إلى أواسط القرن الماضي يقطعون المجرم حيَّاً ويأكلون لحمه . وكان يُقضى به على خمسة مُستحقّي العقوبة وهم: الزانية, والسارق, والأسير, والمتزوج من عشيرته, والمغتال. وعند إنفاذ الحُكم يجتمع رجال القبيلة ويُؤتى بالمَحكوم عليه مشدوداً على سارية ويداه ممدودتان ثم يختار كل واحد من الحضور قطعة من جسده فيقطعها ويأكلها على المكان ,فإذا فَرغوا كلّهم, نَهضَ زعيم الحفلة فَقطَع الرأس وأكلَ الدماغ . وأشهر الأمم بهذه الفظائع أهل الصين فإن عندهم أكثر أنواع العقوبات المذكورة وأشدّها قسوةً وتعذيباً. وعندهم نوع غريب منها وهو أن يملأوا المَحكوم عليه خَلاًّ بواسطة قمع يجعلونه في فَمه حتى إذا امتلأ بطنه وانتفخ وقعوا عليه بالعصيّ حتى يتقطَّع جلده ويموت .
وهناك نوع آخر اخترعه أحد مُلوكهم تَلهيةً لنسائه إذا ضَجِرنَ, وذلك أن يُؤتى ببرميل أو نحوه من الحديد ويُملأ جَمراً مُشتعلاً ثم يُعلَّق المُجرم فوقه حتى يُشوى . ومن فَظيع ما يُروى عنهم أن رجلاً قتلَ أخاه فَحُكِم عليه بأن يُقطَّع حيَّاً إلى عشرة آلاف قطعة . وحُكِمَ على أحد الزعماء من اللصوص بأن يُوضَع في قَفص ويُترك فيه حتى يموت جوعاً.
ومن قُبَيل هذا النوع الأخير _ أي القتل بغير سلاح _ نوعان آخران: أحدهما أن يُدغدَغ المجرم دَغدغة متواصلة حتى يموت من شدّة الضحك . والثاني أن يُمنع من النوم فيموت مُعذَّباً من السَّهر. والناس مُختلفون في تَجويز القَتل عقوبةً على أية جريمة كانت لما فيه من القسوة والفظاعة التي تنفر منها النفوس. وقد أُلغيَ العقاب به في كثير من البلدان المتمدِّنة, والتي تُجيزه في حالات استثنائية مُلتمسةً له أسهل الطرائق وأقلّها عذاباً للمحكوم.
وحالات القتل والتعذيب البَشعة التي تحصل في العديد من أرجاء العالم تستدعي الحديث عن المُعذِّب والمُعذَّب .. عن الجلاَّد والضحيّة.. ثم التطرُّق إلى الانعكاسات النفسية على المعذَّبين . فالجلاَّد, إذا نَظرنا إليه من ناحية السلوك الشَّاذ, نجد أنه مريض نفساني, تتفاقم حالته دون أن يدري, عندما يستلم إنساناً كاملاً ليتلذَّذ بتعذيبه بوحشية . إنه كائن بشري غير متوازن, يختبئ خَلف السُّوط ليُنفِّس عن عُقَده الساديِّة ,لأنه لا يستطيع إشباع جميع رغباته إلاَّ بإحداث الألم عند الطرف الآخر, إمَّا عضوياً أو نفسياً أو معنوياً, وقد يصل سلوكه الشَّاذ إلى حَدّ إسالة الدماء أو القتل, في الحالات البالغة التطرُّف. إنه إنسان مُعقّد, تتراكم المساوئ في نفسه, وقد تقوده إلى الجنون .
أمَّا الضحيَّة فإن وضعها يبدو أكثر إيلاماً, لأن الأضرار الجسدية لا تُقاس بالتفاعلات النفسية السلبية. فالضحيّة _ وخصوصاً إذا كانت رجلاً بريئاً_ ترى أن كرامتها قد أُهينت, وأن شوكتها قد تحطَّمت بعد أن تتعرَّض للإذلال, والرجل- بطبيعته _ يعتزّ برجولته وسَطوته وهَيبته, وحين يتعرَّض للتعذيب الوحشي يرى بأن هذه المثاليات قد تحطَّمت, لذا فإن هذه المسألة تتفاعل في نفسه, لتدخل عالم الكَبت, طالما أنه لا يستطيع التصريح بها, خوفاً من إذلالٍ أكبر.
وإذا تناولنا الكَبت من وُجهة نَظر عِلم النفس, نجد أنه من الأمور التي تُوجِّه سلوك الإنسان, قد تكون شعورية يُدركها الفَرد, وقد تكون لا شعورية, أي لا يشعر بوجودها ولا يُدرك غاية السلوك الذي تُحرِّكه .
ولهذا غالباً ما يكون السلوك الصادر عن الدافع اللاشعوري سلوكاً غريباً أو شاذاً, لأنه يدخل ضمن الحِيَل الدفاعية التي تُحافظ على الذَّات, عن طريق تشويه وتزويد كل ما يُشعر هذه الذَّات بالمَهانَة والدونيّة.
ويتكوَّن الجانب اللاَّشعوري في النفس من الدوافع الفِطرية المَوروثة, وخصوصاً الدوافع الجنسية والعدوانية, ومن الدوافع والميول والرغبات والنَّزعات المُستبعَدة من الشعور, والتي يشعر الفرد أنها تتعارض مع قِيَم المجتمع وما يتقبَّله ويرضاه, كذلك يضمّ اللاَّشعور الذكريات والصدمات الانفعالية المؤلمة – قديمها وحديثها_ والتي أُكرِهَت على التراجع والتواري عن الشعور لِما تُسبِّبه للفرد من انزعاج وألم .
ويُقسِّم البعض اللاَّشعور– العقل الباطن- إلى مستويين: مستوى ما قبل الشعور, وهو ما لا يشعر الفرد بما يستتر فيه في اللحظة الحاضرة, لكنه يستطيع أن يستحضر محتوياته بعد قليل أو كثير من الجُهد .
ومستوى آخر دائم, أكثر عمقاً وإظلاماً, يضم الدوافع والاستعدادات الموروثة, كما يضم الميول والرغبات والشهوات المكبوتة والذكريات المؤلمة المَنسيِّة التي لا نستطيع أن نسترجعها بالإرادة مهما بَذلنا من جُهد, وقد دُفِنَت فيه بعيدةً عن الشعور والإدراك لأسباب كثيرة تتعلَّق إلى حدٍّ بعيد بالألم الذي تحمله, والخطر الذي تُهدَّد به الذات, والعدوان الذي يعتمل فيها, وهي أمور تكون عادةً قاسية وعِدائية .
وهذه الرغبات أو النَّزوات أو الذكريات الأليمة التي يكبتها الفرد, تُصبح في حَظيرة اللاَّشعور مُستقرَّة بدون حدود زمانية أو مكانية, وتبقى متحرِّكة فيه لا تموت, تعمل في الخَفاء وتُلِحّ جاهدةً في الظهور . وقد يبدو أثرها في السلوك الظاهري بصورة صريحة, كبعض فَلتات اللسان أو زلاَّت القَلم, أو صورة الأحلام الرمزية, أو بصورة شاذِّة كأعراض الأمراض النفسية واضطرابات الشخصية والانحرافات الخُلقية والمشاكل السلوكية .
مَخزون اللاَّشعور قد ينفجر في أي لحظة, وخصوصاً بالنسبة إلى الإنسان المعذَّب, فتبدو بوادر الأعراض المَرضيِّة, من العدوان على الجميع والتسلُّط إلى التعويض والنسيان والانسحاب.
فالتعويض هو حيلة لا شعورية, يلجأ إليها الفرد نتيجة الشعور بالفَشل أو النَّقص أو العَجز عن إشباع دافع قوي, أو إخفاء عَجز أو عَيب جسدي أو عقلي. وقد يكون للتعويض فائدة عندما يدفع الشخص إلى التفوُّق في مَيدان يُعوِّض عَجزه عن مَيدان آخر, ولكنه من جهة أخرى يكون ضارَّاً إذا تَسبَّب في ضَرر الآخرين, أو جَعلَ الفَرد يتَّخذ سلوكاً عدوانياً.
أمَّا النسيان فهو حيلة تحدث نتيجة لِلكَبت, يلجا إليها الإنسان للتخلُّص من الدوافع غير المقبولة, والرغبات التي استحالَ تحقيقها والذكريات المؤلمة .
والانسحاب هو حيلة هُروبية تهدف إلى إزالة أو تخفيف التوتر والألم الناتج عن عائق يحول دون إشباع دوافِع الفَرد, عن طريق الابتعاد والانسحاب من موضوعها وغَرَضها, وتَجنُّب المواقف التي تُسبِّب الفَشل, أو التي تُؤدِّي إلى النَّقد والعقاب.
وإذا كانت النفس البشرية سرَّاً كبيراً, يجب أن يسير بطريقة لا تُصيبه بِالخَلَل ,فإن التعذيب يأتي لِيُحطِّم هذا التوازن, ويخلق عدة نتائج لا تُصيب الضحيّة فقط بالضَّرر, بل تمتدّ سلبياتها لِتَطال المجتمع, لأن رَدّة الفِعل المعاكسة للتعذيب تنقسم إلى قسمين: العدوان والانزواء, ففي بعض حالات التعذيب تَحوَّلت الضحيّة إلى ذئب شَرِس, يفتك بالآخرين انتقاماً, ومنهم ذلك المُقاتِل الذي شُوِّه وَجهه في إحدى حفلات التعذيب, فتخصَّص في تشويه وجوه الآخرين . وفي حالات أخرى يتعبد المُعذَّب عن الأجواء المحيطة به, ويتخذ منها موقفاً سلبياً, مَخافة أن يُعذَّب من جديد, لأنه يرى في كل إنسان يمرّ بالقرب منه جَلاَّداً جديداً.
المراجع المعتمدة:
1_ علم نفس الإرهاب _ محمود خوالدة _ دار الشرق (2005) م .
2_ علم النفس الاجتماعي – د. محمود السيد أبو النيل _دار النهضة العربية_ بيروت (1985) م .
3_ علم النفس المرضي _ د. رياض العاسمي _ الإدارة السياسية _ دمشق(2001) م.
4_ المجرم تكويناً وتقويماً _ رمسيس بهنام _ منشأة المعارف _ الاسكندرية (1983) م .
5_ مظاهر التعذيب وأصنافه في العصور الوسطى الأوروبية _ د. عبدالله مشاري النفيسي _ مجلة الكويت – العدد (343) _ مايو (2012) م.
**********************************************