منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لَوْ أَنَّ الزَّيْتُونَ يَذْكُرُ مَنْ غَرَسَا (قصيدة)

لَوْ أَنَّ الزَّيْتُونَ يَذْكُرُ مَنْ غَرَسَا (قصيدة)/أبو علي الصُّبَيْح 

0

لَوْ أَنَّ الزَّيْتُونَ يَذْكُرُ مَنْ غَرَسَا (قصيدة)

أبو علي الصُّبَيْح 

*****

لَوْ أَنَّ زَيْتُونَ الرُّبَى يَذْكُرُ مَنْ غَرَسَ الجُذُورَ، لَأَسْبَلَ الدَّمْعَ هَطْلَا

وَلَأَطْلَقَ الأَغْصَانَ صَرْخَةَ مُوجَعٍ يَرْثِي الَّذِينَ تَرَكُوا الدِّيَارَ وَارْتَحَلَا

وَلَسَالَ مِنْ عَيْنِ الجُذُورِ تَوَجُّعٌ حَتَّى يَظُنَّ الصَّخْرُ أَنَّ بِهِ بَلَا

يَا زَيْتُونَةَ الأَجْدَادِ، أَيْنَ غُرَاسُهَا؟ أَيْنَ الَّذِينَ أَقَامُوا فِي الرُّبَى ظِلَا؟

أَيْنَ الَّذِينَ إِذَا الصَّبَاحُ تَنَفَّسَتْ أَنْوَارُهُ، مَشَوْا إِلَى الحَقْلِ الأُولَى؟

أَيْنَ الجُدُودُ وَأَيْنَ صَوْتُ مَحَارِثٍ شَقَّتْ صُمُوتَ الأَرْضِ حَتَّى أَخْضَلَا؟

أَيْنَ الأَيَادِي السُّمْرُ حِينَ تَعَانَقَتْ مَعَ تُرْبَةٍ جَعَلَتْ مِنَ الصَّخْرِ مَنْزِلَا؟

أَيْنَ الَّذِي سَقَى الجُذُورَ بِعَرْقِهِ وَمَضَى وَخَلَّفَ فِي التُّرَابِ لَنَا طُلَلَا؟

مَا كَانَ يَغْرِسُ فِي التُّرَابِ غُصُونَهُ بَلْ كَانَ يَغْرِسُ فِي الجُذُورِ لَنَا الأَمَلَا

وَيَخُطُّ فِي صَدْرِ الحُقُولِ حِكَايَةً تَبْقَى إِذَا عَبَثَ الزَّمَانُ وَزَلْزَلَا

يَا أَرْضَ كَنْعَانَ العَتِيقَةِ أَخْبِرِي مَنْ ذَا الَّذِي فِي حُبِّ تُرْبِكِ قَدْ بَلَا؟

مَنْ ذَا الَّذِي حَمَلَ المَحَارِثَ صَابِرًا وَبَنَى عَلَى صُمِّ الصُّخُورِ لَهُ العُلَا؟

مَنْ ذَا الَّذِي إِنْ جَاءَهُ جَيْشُ الرَّدَى وَقَفَ الأَبِيُّ وَلَمْ يُطَأْطِئْ أَوْ يَمِلَا؟

هُمْ أَهْلُهَا، وَهُمُ الَّذِينَ تَوَارَثُوا عَهْدَ الجُذُورِ وَمَا اسْتَسَاغُوا الذُّلَّ يَوْمًا أَوْ قَبِلَا

مَا بَاعَ جَدِّي مِنْ ثَرَاهُ حَصَاةً وَلَوِ اشْتَرَوْا بِكُلِّ مَا فِي الأَرْضِ مَالَا

وَلَقَدْ أَبَى أَنْ يَنْحَنِيَ لِمُغْتَصِبٍ وَأَبَى لِغَيْرِ اللهِ أَنْ يَرْضَى بِهِ ذُلَا

وَمَضَى إِلَى تُرْبِ الجُدُودِ مُكَرَّمًا وَتَرَكَ الزَّيْتُونَ فِي الأَوْطَانِ ظِلَا

يَا قَبْرَ جَدِّي، هَلْ سَمِعْتَ أَنِينَنَا؟ هَلْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ مَا فَعَلَ البِلَا؟

هَلْ مَا تَزَالُ الرِّيحُ تَحْمِلُ صَوْتَهُ إِذْ كَانَ يَحْمِلُ فِي يَدَيْهِ لَنَا الأَمَلَا؟

وَأَبِي الَّذِي عَلَّمْتَنِي مَعْنَى الإِبَا مَا كَانَ يَرْضَى أَنْ نَبِيعَ لَنَا طَلَلَا

مَضَى وَظَلَّتْ فِي الحَوَاكِيرِ الَّتِي أَحْبَبْنَاهَا خُطْوَتَاهُ لَنَا دَلِيلَا

يَا زَيْتُونَةَ الجَلِيلِ، إِنَّكِ شَاهِدٌ أَنَّا هُنَا كُنَّا وَمَا كُنَّا نُزَلَا

مِنْ حَيْفَا إِلَى عَكَّا وَمِنْ صَفَدٍ إِلَى قُدْسِ المَحَبَّةِ، كُلُّ شِبْرٍ قَدْ تَجَلَّى

وَالأَقْصَى يَحْفَظُ فِي مَآذِنِهِ الدُّعَا وَيَرَى عَلَى أَبْوَابِهِ عَهْدًا تَجَلَّى

يَا أَيُّهَا الزَّيْتُونُ، إِنْ مَاتَ الَّذِي غَرَسَ الجُذُورَ، فَإِنَّ غَرْسَكَ مَا بَلَى

فَاخْضَرَّ وَاسْتَعْصِ عَلَى رِيحِ الفَنَا وَاجْعَلْ مِنَ الأَغْصَانِ لِلْأَحْفَادِ ظِلَا

إِنَّ الجُذُورَ إِذَا تَمَسَّكَتِ الثَّرَى عَجَزَتْ مَعَاوِلُ مَنْ أَرَادَ بِهَا البِلَا

وَإِذَا تَهَدَّمَ بَيْتُنَا فَحِجَارُهُ تَبْقَى تُحَدِّثُ عَنْ أَهَالِيهِ المَلَا

لَا تَحْسَبُوا أَنَّ الرَّحِيلَ يُمِيتُنَا فَالأَرْضُ تَحْفَظُ مَنْ بِهَا عَاشَ الأُولَى

وَسَيَرْجِعُ الأَحْفَادُ يَوْمًا لِلرُّبَى وَيُقَبِّلُونَ مِنَ الجُذُورِ مَا ابْتَلَى

وَيَقُولُ أَصْغَرُهُمْ وَدَمْعُ فُؤَادِهِ يَجْرِي: هُنَا جَدِّي غَرَسْ، هُنَا صَلَّى

وَهُنَا أَبِي تَرَكَ الوَصِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِي، وَقَالَ: احْفَظْ تُرَابَكَ وَالعُلَا

وَاللهِ لَوْ نَطَقَ الزَّيْتُونُ مِنْ وَجَعٍ لَأَبْكَى الجِبَالَ وَأَنْطَقَ الصَّخْرَ وَالطُّلَلَا

وَلَقَالَ: مَنْ غَرَسُونِي مَا غَابُوا وَإِنْ غَابَتْ جُسُومُهُمُ، فَفِي جِذْرِي لَهُمْ مَنْزِلَا

أَنَا لَسْتُ غُصْنًا فِي الحُقُولِ وَإِنَّمَا أَنَا عُمْرُ شَعْبٍ فِي ثَرَاهُ تَأَصَّلَا

فَإِذَا سَأَلْتُمْ مَنْ نَكُونُ فَإِنَّنَا أَبْنَاءُ أَرْضٍ لَا تَبِيعُ لَهَا أَصْلَا
***

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.