منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاضطرابات النفسية والمرأة العاملة

محمد ياسر منصور

0

الاضطرابات النفسية والمرأة العاملة

محمد ياسر منصور
كاتب وباحث سوري

       إن مساعدة المرأة العاملة على الاستبصار بمشاكلها النفسية تُساهم في زيادة الإنتاج والكفاية الإنتاجية وهما من أهم أهداف أي خطة للتنمية في مجتمعنا. ولقد قَصَرُت حديثي على المرأة العاملة لأنه تُثار من حين لآخر مشكلة انخفاض إنتاجها بعد الزواج.

       إنني سأتعرَّض ـــ هنا ــــ للاضطرابات النفسية التي تُعاني منها العاملات وهُنَّ في ظروف بيئية حَسَنة أي يوجد المسكن المستقل والشغَّالة والمستوى المادي الذي لا بأس به .

       فمن الأعراض الشائعة القلق ، وتُحاول العاملة أن تُعلِّله بازدياد الأعباء الملقاة على عاتقها نتيجة للزواج وإنجاب الأطفال. ولكن في الواقع أن الشعور بزيادة العبء عامل مثير وليس عاملاً أساسياً.. فالقلق حالة تأثرية، نتيجة لخطر مُهدِّد داخلي أو خارجي، يؤدي إلى زيادة الاستثارة التي تتطلب من الإنسان اتخاذ وسيلة من وسائل الدفاع عن نفسه ليصرف تلك الاستثارة. فالفَرق بين الخوف والقلق أنه في الخوف يبعد الإنسان عن الشيء المخيف، أمَّا في القلق فيوجد شعور ثنائي متناقض إزاء الشيء الذي يُولِّد الصراع. ومن ثم يشعر المرء بِالكَدر والانزعاج والاضطراب وعدم الأمن وعدم الاستقرار.

       ولو نظرنا إلى الأخطار الخارجية التي يمكن أن تهدِّد المرأة العاملة المتزوجة وتُثير قلقها نجد أن هناك من الأخطار ما يهدِّد تماسكها وسيطرتها على المحيط البيئي فَمَثلاً في التقاليد الاجتماعية القديمة التي كانت تقول بأن مكان المرأة هو المنزل. فالعمل للرجل والإنجاب وتربية الأولاد للمرأة. مثل هذه المؤثِّرات الخارجية لا تُمثِّل خطراً حقيقياً إلاَّ بما تُثيره من تهديدات داخلية في النفس وخبرات من الماضي. فالرضوخ لِوَضع معيَّن يعني أن تَكبُت المرأة مشاعرها العدوانية أو تردَّها إلى نفسها ويظهر هذا في صورة الإرهاق الشديد. والثنائية الوجدانية النَّاشبة من تردُّد المرأة بين أن تعمل أو لا تعمل تُوقِعها في القلق. وهذا التردُّد ينتج من أن المرأة في طفولتها المبكرة تعتمد على الأم وتتعلق بها متَّخذةً منها مَثَلاً أعلى، وبعد سنّ الخامسة تَودّ أن تستبعد الأم وتحلّ مَحلَّها. فإذا كانت المرأة العاملة شديدة التعلُّق بأمِّها ولم تتحرر من تلك الروابط القديمة فإنها تَعدّ القيام ببعض الأعمال المنزلية بالإضافة إلى عملها الوظيفي ظُلماً لها وتَجنيَّاً  عليها لأنها في أعماق نفسها تودّ أن تكون مثل أُمِّها التي لم تكن تعمل. ومن الملاحظ أن بنت الأم العاملة تكون أكثر تَقبُّلاً لموقف تتحمَّل فيه مسؤولية المنزل والعمل .

       فعلى المرأة العاملة التي تشعر بالقلق أن تتأمل نفسها وتستعيد ما مرَّ بها من خُبرات عَجْز تكون قد تَجنَّبت فيها مواجهة قلقها وبذلك ضَيَّعت على نفسها أعظم فرصة للنّضج . إن معاناة القلق والقدرة على تحمّله والتغلّب عليه نَبع دائم للنّضج إذ أن ذلك يعني مواجهة الحاجات الغريزية المتصارعة.

       هناك أعراض أخرى قد تشكو منها المرأة العاملة مثل الاكتئاب وتَسلُّط أفكار أو أفعال معيَّنة عليها. فتسيطر عليها حالة عصبية غير طبيعية من وَهم أو قلق .

       وقد تظن المرأة العاملة أن كَونها موزَّعة بين العمل والمنزل وكثرة المسئولية هو الذي أَوقَعها في تلك الاضطرابات. ولكن في الواقع أن تكوينها النفسي هو الذي أدى بها إلى ذلك فنظرية التحليل النفسي تقول بثلاث مراحل للنمو: المرحلة الفمية , والمرحلة الشرجية ,  والمرحلة التناسلية . فإذا انتقل الطفل من مرحلة إلى مرحلة أصبح شخصاًَ بالغاً سَويَّاً ، أمَّا إذا عانى صعاباً وتوقَّف عند إحدى تلك المراحل انفعالياً فإن هذا يؤثِّر على تكوين شخصيته.

       ففي المرحلة الفمية تبدأ علاقة الطفل بأول موضوع خارجي، وهو ثدي الأم. فإذا كانت هذه العلاقة غير مُشبعة، أو مُشبعة ولكن يشوبها النظام الصارم في مواعيد الرضاعة مثلاً وعدم مراعاة الأم لطبيعة طفلها واحتياجاته فإن ذلك يؤدي إلى زيادة المشاعر السَّادية لدى الطفل، كما تكون هذه بداية امتصاص فكرة التزمُّت وعدم المرونة. ثم تأتي المرحلة الشرجية وهي مرحلة التدريب على الوظائف الإخراجية . فَلوتَمَّ هذا في سنّ مبكِّرة وبطريقة تظهر فيها الأم أنها هي المسيطرة على ما بداخل الطفل فإن الطفل يحتج على هذا ويعلن سخطه وعصيانه اللذين قد يظهران في عرض الإصابة بالإمساك أو الإسهال. ويظهر هذا في السِّمات الشخصية للفرد فيما بعد. فنجد الشخص الذي يُمسك بمشاعره ويبدو جامداً لا يسهل تحريك عواطفه ، والشخص الذي تتدفق مشاعره دون اتزان، والشخص الذي يُتلِف كل ما يُمسك به، إلخ.

       فالثبات عند أحد مراحل التطور سواء الفمية أو الشرجية يؤدي إلى التعبير عن الانفعالات بالأفعال بدلاً من الكلام، ويُجبر الإنسان على أن يعيش في عالم خيالي بدلاً من أن يحتكّ بالواقع. إنه يُضيّق من أفق الحياة ويحصر المرء في دائرة كئيبة فيها تعذيب وتَعاسة. وإن سيطرة فكرة معيَّنة أو فِعل معيَّن هو عملية دفاعية ضد فكرة غير مُحتَمَلة. فالسيطرة على الدوافع العدوانية يؤدي إلى أن يعيش الفرد في وئام مع نفسه ومع العالم الخارجي.

       بَقيَ علاقة المرأة العاملة بأطفالها .. إن نظام العمل بالبلاد الخارجية يُبيح انقطاع العاملة عن عملها فترة تتفرَّغ فيها لتربية أطفالها ثم تعود للعمل عندما تسمح ظروفها بذلك. وإننا بدأنا نُعاني من مشكلة نقص الشغَّالات نظراً للنهضة الصناعية التي فتحت مجال العمل في المصانع. وترتَّب على هذا سَمَاعنا عن تَرك المرأة العاملة المتيسِّرة مالياً لعملها لشعورها بأن عملها لا يعطيها الفرصة الكاملة لرعاية أطفالها. وهذا لا يمنع أن تعود للعمل عندما يذهب أطفالها إلى الحضانة مَثَلاً .. ولا شكَّ أن مِثل هذه العاملة على قَدر كبير من الوعي إذ تقوم بتنظيم الأسرة وتحديد النَّسل وتتمتع بشخصية متَّزنة كَفِلَت لها الاستقرار والاطمئنان.

       ولكن هناك الغالبية العظمى من العاملات اللاتي لا يستطعن تَرك العمل. هذا إذا لم تتوفر لديهن الشغَّالات فلا مَفرّ من ترك الأطفال عند الجدَّة أو إحدى القريبات ولكن بعض العاملات يشعرن بإثم شديد وأنهنَّ أَجرَمنَ في حق أطفالهن. فهناك مشكلة الضميرالمتزمِّت نتيجة لصراعات معيَّنة.كماأن العاملة قد تعاني من شعورها بالفشل في الجَمْع بين العمل وتربية الطفل ولايكون هذا لأسباب واقعية وإنما لاستخدام عملية الانفصام التي تجعلها مشتَّتة الفِكر فلا تستطيع التركيز. هذا فَضلاً عن أن علاقة العاملة بأطفالها تحكمها أسس علاقة أي أم بطفلها. فأول شيء هو نوع الطفل, هل جاء وفقَ ما كانت تتمنَّاه الأم؟. فإذاكان كذلك فإن الأمورتسير سيراً طبيعياً. أمَّا إذا لم يكن الطفل مَرغوباً فيه فإنه يُصبح عبئاً ثقيلاً على الأم, ويُزيد عمل الوظيفة من ثِقل الحَمل. الشيء الثاني طبيعة الطفل من ناحية الرضاعة.فبعض الأطفال لاتكون قدرتهم على المَصّ قوية وقد تَعدّ الأم رَفض الطفل للثدي أو صعوبته في الرضاعة نَبْذاً لها خاصةً إذا كانت هي غيرراغبة في الطفل. وهذا يؤدي إلى ضَجَرها في الصباح لو أخذ الطفل وقتاً طويلاً في الرضاعة. ثم هناك مشكلة فِراق الطفل لأمه بسبب تَركه يومياً. فلو لم تُدرِك المرأة العاملة ما وراء مشكلة الفراق من انفعالات سواء من جانبها أو من جانب الطفل فإن نزولها الى العمل سيصبح مشكلة يومية. من هذا يتبيَّن لنا أن الرعاية النفسية للمرأة العاملة من أهم الأشياء التي تساعدها على الإنتاج وعليها هي أن تحاول أولاً فَهم مشاكلها وتُعدِّل من استجابتها وطريقة تفكيرها فإذا تعذَّر عليها هذا فَعَليها أن تستشير الأخصائيين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.