منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحرام (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

تناول الصبي لقيمات..أتبعها رشفات شاي، ثم انطلق مسرعا نحو بستان التين، هربا من حرارة الغرفة القصديرية وحكايا الجد التي لا تنتهي.. في البهو وجد أعواد ثقاب متناثرة هنا وهناك.. أخذ بعضها، وأسرع الخطى..تمدد على أرجوحته، وأخذ يقلب عينيه بين الأشجار، غير مكترث بشدة الحر وجفاف الجو، وخلو المكان إلا من نهيق أو نباح بين الحين والحين..
غير بعيد عنه تنتصب أكوام تبن، بعضها مبلط، والآخر يرقد في العراء، غير عابئ بهبوب الرياح، والغنم التي تمر بقربه صباح مساء.. أفكار غريبة أخذت تنبش في مخيلته.. تردد قليلا، ثم هب من مجلسه مسرعا، وقصد أكوام التبن..ارتمى على أحدها بخفة واختفى بالداخل، فتمدد قليلا،ثم انفلت منها، وصعد أعلى.. ثم اختفى ثانية، ونفسه تردد:
ماذا لو أشعلت عودا، ورميته في التبن، ثم أطفأته بسرعة…أشعل الأول، ثم أطفأه، فأكسبه ثقة في النفس.. ثم أشعل الثاني، فأعجبته اللعبة، ثم الثالث..لكن النار ملت المداعبة، وانتشرت بسرعة البرق، محدثة دويا كالرعد..
أخذ قلبه يرتجف، ويخفق بشدة..أدرك أن جده لن يرحمه، وأن عقابه سيكون شديدا ..ماذا عساه ان يفعل؟
أسرع إلى البيت وأخبرهم بالحدث، نافيا أن يكون له صلة به..هب القوم من مجلسهم فزعين، يكثر بينهم الصراخ، فتسلل هاربا، وقصد منابع الماء البعيدة..
على صخرة كبيرة جلس القرفصاء، يرقب أحصنة، وهي تعدو مسرعة غير عابئة بشئ ..تنهد تنهيدات متتالية، وردد : ما أعظمك أيتها الأحصنة، وما أسعدك! ليتني كنت مثلك، لايقلقني او يخيفني شيء..
وبينما هو غارق في تخيلاته وتأملاته، أحس بيد خشنة تربت على كتفه، وتمسكه برفق..وقف مرتعدا دون أن ينبس بكلمة.. بادره خاله قائلا: كم عودا أشعلت لإحراق كل ذلك التبن !؟ لابد أنك أشعلت علبة بكاملها..فقاطعه قائلا: كلا، لم أوقد سوى عود واحد.. فقهقه الخال رغم مصابه، وأعاده إلى البيت..
كانت الشمس قد أوشكت على المغيب، وهو يثاقل الخطى، خوفا من جده، لكنه تفاجأ أن لا أحد يكلمه، أو يعاقبه..وفي الصباح الباكر أعاده جده إلى بيت أمه..
بعد أيام، أخذته أمه إلى البادية، لكن جده لم يكلمه، واكتفى بنظرات كلها حنق وغضب.. مسكين، لقد كان مصابه جسيما..أما خاله فقدم إليه علبة ثقاب ومازحه قائلا: هذه المرة لا تحرق التبن، بل انتظر قدوم الليل، وأحرق البيت بمن فيه..ثم قهقه كعادته..
أصبح الجد كابوسا يطارده ليل نهار، ويقشعر منه بدنه كلما التقته عيناه.. وما إن يسمع بقدومه، حتى ينسل هاربا ولا يعود حتى يعلم برحيله..
وفي إحدى المساءات اضطر الجد لزيارتهم ليلا، فاشتد خوفه، ولم يتمكن من الفرار، فعمد إلى أحد أركان البيت، واختفى في الفراش..اقترب منه الجد، ودون أن ينطق بكلمة، ضمه الى صدره، وأجهش بالبكاء..
مرت الأيام والسنون، وأصبح الحريق حديث المجالس التي يلتقي فيها الجد والحفيد..وفي أحد الأيام، بادره قائلا: لابد يا جدي أن تكون قد أدخلت حراما على التبن، فعاقبك الله بحرمانه!رد عليه متلعثما: كلا، كلا، لم أفعل.. أبدا.. فقاطعته الجدة قائلة:
اصدق حفيدك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.