منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة فتاوى في المعاملات المالية خاصة بزمن الوباء 5- فتاوى في الزكاة والوقف

0
اشترك في النشرة البريدية

أولا: فتاوى في الزكاة:

1- القول في تعجيل الزكاة:
– المسألة: التعجيل بإخراج الزكاة، هل يجوز إخراجها قبل وقتها أم لا؟.
– الجواب: ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز تعجيل الزكاة قبل وقت وجوبها، فقد صح: “أن العبَّاس رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخَّص له في ذلك” . بخلاف الإمام مالك رحمه الله، لأنه يشترط مرور الحول، وبعض السلف، كابن المنذر، وابن خزيمة، وحجتهم؛ أن الزكاة عبادة لها وقت، فلا يجوز تقديم العبادة عن وقتها.

واشترطوا شروطا، ذكرها الإمام شمس الدين الرملي، في “نهاية المحتاج”، قال رحمه الله: (يجوز تعجيلها في المال الحولي قبل تمام الحول –يعني الذي يُشترط فيه مرور الحول- فيما انعقد حوله ووجد النصاب فيه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أرخص في التعجيل للعباس. ولأنه وجب بسببين فجاز تقديمه على أحدهما كتقديم الكفارة على الحنث. وشرط إجزاء، بقاء المالك أهلا للوجوب عليه إلى آخر الحول، وبقاء المال إلى آخره أيضا، فلو مات أو تلف المال أو خرج عن ملكه، لم يجزه المعجَّـل. وكوْن القابض له في آخر الحول مستحقا، فلو مات قبله أو ارتد لم يحسب المدفوع إليه عن الزكاة؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب) .

وزاد بعضهم أنه يجوز التعجيل في عروض التجارة قبل بلوغ النصاب؛ لأن النصاب فيها معتبر آخر الحول.
* من أقوال الفقهاء المجيزين:
– قال الشربـيني رحمه الله: (أما زكاة التجارة، فيجوز التعجيل فيها بناء على ما مر من أن النصاب فيها يعتبر آخر الحول، فلو اشترى عرضا قيمته مائة فعجل زكاة مائتين، أو قيمته مائتان فعجل زكاة أربعمائة وحال الحول وهو يساوي ذلك أجزأه) .
– قال الإمام الغزالي: (ويجوز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول خلافا لمالك) .
– قال ابن قدامى (حنبلي): (وجملته أنه متى وُجد سبب وجوب الزكاة وهو النصاب الكامل؛ جاز تقديم الزكاة، وبهذا قال الحسن وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي، وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو عبيد) .
– قال الكاساني الحنفي: (وأما حولان الحول، فليس من شرائط أداء الزكاة عند عامة العلماء، وعند مالك من شرائط الجواز، فيجوز تعجيل الزكاة عند عامة العلماء خلافا لمالك) .
– قال الحصكفي، الحنفي: (ولو عجل ذو نصاب زكاة لسنتين أو لنصب صح؛ لوجود السبب) .
– قال الإمام الماوردي (شافعي): (إذا عجَّلَ بزكاة مالِه قَبل الْحَوْل، فَقَد مَلَكَها الْمَساكِينُ بِالْأَخْذ ويَسْتَقِـرُّ مِلْكُهُم عَلَيْها بِالْوُجُوب، لَكِنَّها في حُكْمِ مِلْكِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ حتَّى يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ ضَمَّ مَا عَجَّلَ إِلَى مَا بِيَدِهِ وَزَكَّاهُما مَعا. فلو كان مَعَه أَرْبَعُون شَاةً عَجَّلَ مِنْها شَاةً، ثُمَّ حَالَ الحول عليه تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ وَالشَّاةِ الْمُعَجَّلَة؛ لَزِمَتْه الزَّكَاة. ولو كان معه مائتا شاة، فعجل زكاتها شاتين، ظَنًّا مِنْهُ بِأَنَّهُمَا قَدْرُ زَكَاتِهِ، فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ حَتَّى نُتِجَتْ شَاةً، وَصَارَت مع التَّعْجِيل مِائَتَي شَاةٍ وَشَاةً، كَانَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ شَاةٍ ثَانِيَةٍ اعْتِبَارا بِقَدْر مَالِه عِنْد الْحَوْل) .
– قال الإمام النووي، نقلا عن الشيرازي قوله: (كل مال وجبت فيه الزكاة بالحول والنصاب لم يجز تقديم زكاته قبل أن يملك النصاب لأنه لم يوجد سبب وجوبها فلم يجز تقديمها كأداء الثمن قبل البيع والدية قبل القتل وان ملك النصاب جاز تقديم زكاته قبل الحول) .

* أدلتهم على جواز تعجيل الزكاة:
أدلة الجمهور على جواز تعجيل الزكاة كثيرة، منها:
1- أنه مال وُجد سبب وجوبه قبل وجوبه، فجاز إخراجه.
2- أن اشتراط الوقت لا يمنع من تعجيل العبادة ما لم تكن عبادة محضة يشترط فيها الوقت كالصلاة والصيام، وذلك أن الوقت إذا دخل في الشيء رفقا بالإنسان، كان له أن يعجله ويترك الإرفاق بنفسه، مثل تعجيل أداء الدين المؤجل، فإنه يجوز أداؤه قبل وقته، وكأداء زكاة المال الغائب، وإن لم يكن على يقين من رده إليه، أما الصلاة الزكاة فالتوقيت فيهما غير معقول المعنى، فيجب أن يقتصر عليه، ويتوقف فيه.
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد: فإنكم تظلمون خالدا، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباسُ فهي عليَّ ومثلُها معَها) . قال ابن الأثير: (قيل: معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حق العباس: “فهي علي ومثلها معها؛ أنه أخرها عنه عامين، إذ قد ورد في حديث آخر: “إنا تسلفنا من العباس صدقة عامين” أي تعجلنا، ومعناه: أنه أوجبها عليه وضمنه إياها ولم يقبضها، وكانت دينا على العباس، ولهذا قال: إنها عليه ومثلها معها؛ لأنه رأى به حاجة إلى ذلك، وقيل: بل أخذ منه صدقة عامين قبل الوجوب استسلافا؛ لأنه قد ورد في إحدى الروايات: “فإنها علي ومثلها معها”) .
4– في رواية للإمام الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسيدنا عمر رضي الله عنه: (إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام).
5- القياس على جواز تعجيل قضاء الدين قبل حلول الأجل، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق.
* مدة تعجيل الزكاة.

المزيد من المشاركات
1 من 47

أما مدة تعجيل الزكاة فقد اختلفت آراء الفقهاء:
الرأي الأول: لا يجوز تعجيل إخراج زكاة المال أكثر من شهر، وهو مذهب بعض المالكية.
الرأي الثاني: أنه يقتصر على تعجيل الزكاة لعام واحد، ولا يجوز لأكثر من عام، ولأن زكاة غير العام الأول لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز، كالتعجيل قبل كمال النصاب في الزكاة العينية. وهو المعتمد عند الشافعية.
الرأي الثالث: تعجيل إخراج زكاة المال لسنتين، ولا يجوز الزيادة على السنتين، وهو رأي الحنابلة، ورأي عند الشافعية، وذلك لما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين، ولما في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أما العباس، فهي علي ومثلها) يعني أنه أخذ منه سنتين مقدما، ولما روى أبو داود من أن النبي صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس صدقة عامين.
الرأي الرابع: يجوز تعجيل إخراج الزكاة لسنين، وذلك لوجود سبب الوجوب.

خلاصة: الأصل أن زكاة الأموال تجب بعد مرور الحول، لكن الضرورة والحاجة الملحة تتطلب أن تُقَدَّم الزكاة، تحقيقا لمقاصد الشريعة. وإمامنا مالكا رحمه الله وإن لم يجز تعجيل الزكاة قبل حلولها، فإنه أجاز تعجيل الكفارة قبل الحنث، وهو تقديم للعبادة على شرطها، وأجاز بعض المالكية تقديمها بشهرين أو ثلاثة. وإذا كان جمهور الفقهاء يُـجيزون تعجيل إخراج الزكاة في الأحوال العادية، فإن القول بالجواز أولى عند الضرورة وفي النوازل الطارئة ومنها نزول الأوبئة، والظواهر الطبيعية. والله أعلم.

2: إسقاط الأجرة من مال الزكاة:

لا يحل لصاحب السكنى أن يسقط الأجرة من مال الزكاة على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ إن كان موسرا. قال ابن نجيم الحنفي في “البحر الرائق”: “قال في الكشف الكبير في بحث القدرة الميسرة الزكاة لا تتأدى إلا بتمليك عين متقومة حتى لو أسكن الفقير داره سنة بنية الزكاة لا يجزئه؛ لأن المنفعة ليست بعين متقومة) .

لكن له أن يملكه زكاة سنة، وللمستأجر أن يدفع له الأجرة بعد التملك.
فأما إن كان معسرا؛ فله إسقاط الأجرة من مال الزكاة على ما ذهب إليه بعض الفقهاء كالحسن البصري وعطاء وابن حزم، وغيرهم. قال ابن حزم: (ومن كان له دين على بعض أهل الصدقات -وكان ذلك الدين برا، أو شعيرا، أو ذهبا، أو فضة، أو ماشية- فتصدق عليه بدينه قبله، ونوى بذلك أنه من زكاته أجزأه ذلك، وكذلك لو تصدق بذلك الدين على من يستحقه وأحاله به على من هو له عنده ونوى بذلك الزكاة فإنه يجزئه) . وممن قال بصحة احتساب الدين من الزكاة من المعاصرين، سماحة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في فتواه بعنوان “إسقاط دين المعسر واحتسابه من الزكاة” حيث قال “يجوز إسقاط الدين عن المعسر واحتسابه من الزكاة؛ لأنَّ الفقير هو المنتفع في النهاية بالزكاة…”.
على أن القول باحتساب الدَّين -الأجرة- من الزكاة مرجح هنا في مثل هذه الحالة التي يعيشها الناس، وقد يكون حالا، يراعى فيه حال المؤجر وحال المستأجر، وهو هنا من تمام العدل.

3- تسديد إيجار السكنى من مال الزكاة:
من عجز عن دفع إيجار الدور السكنية، لتوقف عمله، أو لعدم تقاضيه راتبه بالكلية، فإن كان له مال غير الراتب؛ وجب عليه دفع الإيجار مما يدخر من ماله؛ رعاية لحق صاحب السكنى، وإن لم يكن له مال يدفع به إيجار السكنى؛ فقد أصبح فقيرا؛ فيأخذ من مال الزكاة ما يكفيه من دفع الأجرة والنفقة على عياله؛ حتى ترتفع الجائحة عنه؛ لأنه أصبح من أهل الزكاة، كما في قوله تعالى: “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ” .

4- العلاج من مال الزكاة:
* يجوز الصرف من الزكاة في تكاليف علاج من أصيب بمرض كورونا إذا كان فقيرا على أن لا يزيد الصرف عن الحاجة، وذلك إذا لم تستطع الدولة تغطية تكاليف علاجه.
* لا يجوز صرف أموال الزكاة مباشرة للجهات الرسمية لتأجير المحاجر الصحية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

5- من مُـنع من الرجوع إلى بلده بسبب الإجراءات الاحترازية:
المنقطع الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده بسبب الإجراءات الاحترازية لمكافحة مرض فيروس كورونا فإنه يعطى قدر ما يصل به إلى بلده ولو كان ذا يسار في بلده. حيث يُصرف له من مصرف “ابن السبيل”.

ثانيا: فتاوى في الوقف:

– يجوز اقتراض الدولة من ريع الأوقاف عند الضرورة كجائحة كورونا، وعند وجود فائض عن حاجة الوقف، مع انعدام التمويل من غير الأوقاف، وشريطة أن تتحقق بذلك المصلحة لعموم المسلمين، مع التوثيق والالتزام بالسداد.
– يجوز صرف أموال الوقف في غير ما أوقف عليه الواقف، في مثل هذه الظروف، إذا كان قريبا منه، وبقدر الحاجة والضرورة .
– للوقف في زمن وباء كورونا دور بارز في التكافل الاجتماعي، من خلال تفريج الكربات وسد حاجات الأفراد والدولة، تحقيقا لحفظ المقاصد الضرورية.

جل هذه الفتاوى من: مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية – الكويت، من العدد الذي أورد البيان الختامي: القرارات والتوصيات لمؤتمر مـعالجة الـشريعة الإسلامية لآثار جائحة كورونا–الكويت، 6-7 شوال 1441 هـ الموافق. 12-13 يونيو 2020م.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.