منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الولاية الإيمانية

الدكتور عبد اللطيف العادلي

0

حث القرآن الكريم المؤمنين على ضرورة الاندماج والتكتل في ولاية عامة جامعة وولاية خاصة جهادية، وحذر من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وأناط الإيمان الحق بشروط يقول الله عز وجل (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا والئك هم المومنون حقا )1

وقد ضرب المهاجرون والأنصار أروع الأمثلة في الولاية الإيمانية الحقة، تجلى ذلك في تكتلهم ومؤاخاتهم وتآزرهم وجهادهم بالمال والنفس في سبيل الله، وإلى قوة هذه الولاية يرجع الفضل في انتشار الدعوة الإسلامية التي تمكنت في فترة وجيزة من نشر الإسلام في ربوع الجزيرة وحواليها.فما معنى الولاية الإيمانية وما شرو طها؟ ما أنواعها وكيف السبيل لتحقيقها؟

_ الولاية الإيمانية العامة

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله في مادة ولى: “الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما.ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد “، وعند ربط المعاني اللغوية بالأصول القرآنية يتضح أن ” الولاية والولاء والموالاة هي لله أولا وقبل كل شيء.ومعنى ذلك أن نحب في الله ونبغض في الله…”2

وللمحبة في الله معان ومقتضيات، وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف مثالا حسيا يظهر ما ينبغي أن يميز المؤمنين المتحابين (مثل المِؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر الجسد بالسهر والحمى )3

المزيد من المشاركات
1 من 22

وفي قصص المهاجرين والأنصار ترجمة عملية لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمثلة حية عن المؤاخاة والتآزر والتكافل والاحتضان، وهذا معنى من معاني الولاية العامة.

في القرآن الكريم نميز بين الولاية الإيمانية العامة التي يدخل فيها عامة المؤمنين والولاية الإيمانية الخاصة التي يدخل فيها خاصة المؤمنين، بخصوص الأولى يقول الله عز وجل في سورة التوبة (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، اولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم )3.علق سيد قطب رحمه الله على هذه الآية بقوله، “إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة ,طبيعة الوحدة والتكافل وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر “. 5

هي إذن ولاية عامة تهتم بالشأن العام بما في ذلك شؤون الحكم والحفاظ على أخلاق الامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يكسب الامة يقظة ووعيا ومشاركة إيجابية مؤثرة في قضايا الامة.

في أواخر سورة الانفال تذكر الآيات شروطا لولاية إيمانية خاصة أعلى مقاما وأكثر مطلبا.فما الذي يميز هذه الولاية عن سابقتها ؟وما الذي يميز المؤمنين المنضمين لهذه الرابطة؟ وما شروطها؟ وما الذي يترتب على عدم القيام بها ؟

_ الولاية الإيمانية الخاصة

قال أعز من قائل أواخر سورة الانفال( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )6

تشترط الولاية الإيمانية الجهادية إيمان الهجرة والنصرة والإيواء والجهاد، وهي شروط لم تذكر في الولاية العامة، مما يجعلنا أمام رابطة إيمانية خاصة أوثق من مجرد الحب في الله بين كل مؤمن ومؤمن، إنها رابطة جهادية لها مقاصد وغايات كبرى تقتضي وجود مؤمنين يسترخصون الغالي والنفيس وعلى مستوى عال من التربية الإيمانية تؤهلهم لتحقيق معاني الهجرة والنصرة والجهاد وهي معان لاتقتصر على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بل تتعداهم لمن جاء بعدهم كما جاء في الآية (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم) 7″والبعدية هنا لاتحد بزمان إلا عند من يعتبر القرآن تاريخا مضى وانقضى، فإن كانت هذه الآيات هنا نزلت على مؤمنين مجاهدين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حي بجسده، فتنزلها بمعانيها يتجدد على أمته كلما نهض فيها جماعة هاجروا إلى الله ورسوله، وناصروا الله ورسوله، وجاهدوا في في سبيل الله ورسوله والمستضعفين في الارض”8

إن قيام المؤمنين بمقتضيات الولاية ووفائهم بشروطها يمنع من حدوث الفتنة والفساد الكبير كما جاء في الآية ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير )9 وما تعانيه الامة من فتنة عارمة وفساد عم كل المجالات مرجعه إلى انحلال الولاية الإيمانية العاصمة من القواصم التي قصمت ظهر هذه الامة، فما السبيل إذن لتحقيق الولاية الإيمانية وتقويتها وضبط توسعها وحكام الجبر يعملون بشتى الوسائل لمنع كل حركة إيمانية صادقة ؟

يذكر الاستاذ عبد السلام ياسين ثلاثة ضوابط لتوسيع الولاية الإيمانية وتصعيدها إلى يوم الوحدة ثم قيام دولة القرآن:

“_ الحب في الله والبغض في الله.هذا هو المعنى القلبي للولاية.

_ الشورى وإجماع الرأي والاتفاق على الخطة العامة.وهذا معناها العقلي….

_ الطاعة للقيادة.وهذا معناها وشرطها العملي التنفيذي الجهادي “9

إن تعطيل الولاية الإيمانية والإخلال بشروطها يعد نكوصا عن نصرة الحق وتقوية للباطل الذي يعمل ويشتغل في تكتلات وتنظيمات، وما نعيشه من ذلة وهوان علامة على هذا الخلل.

ختاما:

ماتعيشه الأمة من هوان وضعف وتشتت يفرض على المؤمنين ضرورة التكتل في ولاية إيمانية جهادية تكون متانتها وقوتها أقوى من الولاية العمية (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )11، كما ينبغي لكل مؤمن يرجو الله واليوم الآخر أن يسعى للاندماج في هذه الولاية إيواء ونصرة وجهادا في سبيل الله والمستضعفين، فالخطاب القرآني صريح في هذا الباب، قال الله عز وجل يخاطب المؤمنين (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )12 والصادقون هم اهل الطاعة والدعوة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.


المراجع

1_ الأنفال.الآية: 75

2_ الراغب الأصفهاني، “المفردات في غريب القرآن”، تحقيق مركز الدراسات والبحوث بمكتبةنزار مصطفب الباز، الناشر:مصطفى الباز، الجزء الاول، ص: 692.

3_ عبد السلام ياسين “جماعة المسلمين ورابطتها”، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2011م، ص:51.

4_رواه الشيخان عن النعمان بن بشير.

5_ التوبة، الآية:72.

6_ سيد قطب، “في ظلال القرآن”، دار الشروق، الطبعة السابعة عشرة، 1992م، المجلد الثالث، ص: 1275.

7_ الانفال، الآية:73.

8_الانفال، الآية، 76.

9_ “جماعة المسلمين ورابطتها”، ص:56.

10_ الانفال، الآية 74.

11_جماعة المسلمين ورابطتها، ص:80.

12_ التوبة، الآية:120.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.