منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تربويات أبي الحسن القابسي

0

لا شك أن العملية التربوية ليست وليدة الحاضر وإنما هي نتاج لتراكمات تربوية زخرت بها القرون السابقة، ومنه، إذا أردنا البحث في الفكر التربوي، فإنه يتوجب علينا أولا أن نبحث عنه في تراثنا الإسلامي قبل كل شيء.

وإن عودتنا بالبحث في القضايا التربوية في الفكر الإسلامي لا يعني رجوعا إلى ماض مجيد قد ولّى، للافتخار به والاشهار بأعلامه ومفكريه، وإنما الغاية من ذلك هي خدمة العلم والاطلاع على تجارب سابقينا، وإحياء جواهر الفكر التربوي الاسلامي التي يكاد بريقها أن يزول، وكذا من أجل الاهتداء بها وأخذ ما يصلح منها في هذا الوقت.

ففي التراث الإسلامي فكر تربوي جدير بأن يدرس اعتمادا على تجارب السابقين من علماء المسلمين، فكل عالم وفقيه ومفكر وفيلسوف… قد أسهم بشكل أو بآخر في إثراء الفكر التربوي بنشاطه العلمي ومؤلفاته القيمة.

ومن أبرز المفكرين التربويين الإسلاميين الذين أبدعوا في إثرائه، وأبدعوا في تقديم فكر تربوي متميز في القرن الرابع الهجري، الإمام المربي القيرواني، أبو الحسن علي القابسي.

فمن هو أبو الحسن القابسي؟ وما هو السياق الفكري الإصلاحي والسياسي الذي عاشه؟ وما هو مشروعه الفكري التربوي؟ ثم ما هي القضايا التربوية التي تناولها مشروعه التربوي؟ ثم إلى أي حد يمكن الاستفادة من مشروعه التربوي وانعكاساته على النظام التربوي والتعليمي المعاصر؟

المزيد من المشاركات
1 من 38

وقفة مع الإمام أبو الحسن القابسي:

نسبه ونشأته:.

هو أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني المشهور بالقابسي نسبة إلى قابس، ولد في القيروان سنة 324 هـ الموافق 935 م، مالكي المذهب وبحسب السيوطي فإن القابسي كان حافظا للحديث، بصيرا بالرجال ورأسا في الفقه ضريرا زاهدا ورعا.

وعندما شب واشتد عوده، ونضج ابتدأ تعليمه بالقيروان، ودرس كأحد أبناء جيله في ذلك الوقت، وضل ينهل العلم والمعرفة على يد مشاهير العلماء والمفكرين بالقيروان، التي كانت تعج بهم في ذلك الحين.

ومن المعروف أن أهم العلوم، والمواد التي كانت مزدهرة حينذاك، والتي تتطلب من الدارس أن يدرسها، ويتعمق فيها تشمل: القرآن الكريم؛ والحديث؛ والفقه؛ ومواد اللغة العربية؛ والقراءات. واتضح مدى إلمام القابسي بهذه العلوم، وبالتالي مدى تأثيرها على تفكيره ومنهجه التربوي.

أهم شيوخه:

  • أبو العباس الإبياني التّميمي، الذي اشتهر باطلاعه وغزارة علمه، كان القابسي يعتبره من ألمع المشايخ المغاربة والمشارقة وربما أعلمهم.
  • ابن مسرور الدباغ وهو من أبرز شيوخ القابسي.
  • أبو عبد الله بن مسرور العسال، وهو وجه بارز من وجوه المالكية بالقيروان وكان شيخ ابن أبي زيد القيروان أيضا.
  • ابن الحجاج.

أشهر تلاميذه:

  • أبو بكر بن عبد الرحمان، وهو من أنجب تلاميذ القابسي وقد أجازه للإفتاء في حياته.
  • أبو عبد الله محمد بن عباس الأنصاري المعروف بالخوّاص.
  • أبو عمران الفاسي، فقيه قيروانيّ من أصل فاسيّ وهو من ألمع تلاميذ القابسي، وكان له أُثر كبير على المدرسة الفقهية بالقيروان في عهد بني زيري.
  • ومن بين تلاميذ القابسي الأندلسيين ابن الفَرَضي، واحمد بن محمد القرشي المعروف بابن الصقلّي، الذي روى العديد من مؤلفات شيخه القابسي.

مؤلفاته:

له مؤلفات كثيرة تصل إلى خمسة عشر مؤلف، كلها في الفقه والحديث والمواعظ باستثناء واحد أفرده القابسي لشؤون التعليم في الإسلام هي ”رسالته المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين،” وقد صنفها في النصف الثاني من القرن الرابع.

ومن مصنفاته أيضا نجد:

  • “كتابه الملخّص لمسند موطّأ مالك بن أنس” أو ” كتاب ملخّص الموطأ”
  • كتاب “الممهّد في الفقه”
  • كتاب ” أحكام الدّيانة” في الشعائر الدينية.
  • كتاب مناسك الحج” وهو كتاب تعليمي.
  • كتاب ” رتب العلم وأحوال أهله”

السياق الفكري الاصلاحي والسياسي زمن أبو الحسن القابسي:

كانت خصوصيات المحيط الذي عاش فيه أبو الحسن القابسي ومارس داخله العمل التربوي إبان القرن الرابع الهجري، امتداداً طبيعيا مؤثرا  بعوامل الدينية والسياسية في توجيه الحياة الاجتماعية والثقافية والتربوية.

اتسم القرن الرابع الهجري بحضارة كبرى تأسست وشمخت بما وفروه من أسباب الأمن والقوة الاقتصادية والنهضة العلمية التي تجلت في كل من القيروان، حيث أنشأ بيت الحكمة الشهير، بما ضمه من خزائن الكتب والآلات الفلكية لحساب سير الكواكب ورصدها كالأسطرلابات والمقنطرات، وما يشبهها من أدوات البحث وتحقيق الأوقات وضبط الأطوال والعروض مما يستعمل في علم الفلك وغيره من العلوم.

كان القرن الرابع الهجري الذي عاش فيه القابسي قرن غزارة علمية كبيرة أدى إلى ظهور عدد غير قليل من العلماء المهتمين باستنساخ الكتب وجمعها في مكتباتهم…، وكانت أحمال الكتب المتنوعة الوافدة على القيروان بوساطة قوافل الباعة المتنقلين بين المشرق وافريقية والأندلس تغذي هذا الفيض العظيم الذي جعل من القيروان كعبة القصاد من طلبة المعرفة.

ومن الطبيعي أن تكون كل هذه الظواهر التي أفرزتها هذه الحركة التعليمية الواسعة المتمثلة في الحاجة إلى وضع سنن التربية والتأديب، وضبط كل مقوماته ومحتواه وطرائقه وأهدافه، قد ساهمت في تمكن القابسي من القيام بهذه المأثرة العلمية، والتي لم تكن منحصرة فيما ألف من كتب الفقه، بل برسالته الشهيرة في انكبابه على تفصيل أحكام المعلمين والمتعلمين وتدوينها في رسالته التي يحق اعتبارها من أمهات المراجع في التربية المالكية خاصة، والتربية الاسلامية عامة.[1]

كانت ولادة القابسي في سنة 324 هـ /935 م ووفاته في سنة 403 هـ/1012 م وبالتالي يكون قد عاش جزءاً كبيراً من حياته تحت الحكم الشيعي الفاطمي الذي ترك ملك افريقية إنابةً عن الفواطم لبني زيري عندما غادر الخليفة المعزّ لدين الله القيروان ليستقرّ بالقاهرة بدءاً من سنة 362 هـ/ 972 م، بعد أن تم له فتح مصر على يدي قائد جوهر الصقليّ باني العاصمة الجديدة. وكان القابسي بالخصوص مثل سلفه ابن أبي زيد شخصية واسعة الآفاق طويلة الباع في المذهب المالكي المتصارع مع المذهب الشيعي المتطرف بالقيروان.[2]

والصبغة العامة والسائدة آنذاك في عصره كان يغلب عليها التدين، فالعصر كله عصر دين تغلب عليه النزعات المادية، وكان الناس قريبي عهد بالزمن الأول، زمن الصحابة والتابعون فلم ينسوا ما كانوا عليه أسلافهم من سيرة روحية ترمي إلى ابتغاء مرضاة الله عز وجل، والعمل للدار الآخرة.

منطلقات مشروع الفكر التربوي عند أبي الحسن القابسي:

اتضح أن نوعية المعرفة التي تلقاها من شيوخه والعلماء اللذين اخد عنهم  يغلب عليها الطابع الديني واللغوي والأدبي وبالتالي انعكس ذلك الطابع على تكوين شخصيته العلمية والأدبية، والتربوية، وكان القابسي صاحب مدرسة للفقه والحديث، التي انتهى إليها كثير من طلاب العلم ورواد المعرفة، تفقه كثير منهم على يد القابسي من أبناء إفريقيا والأندلسيين.

معالم المشروع التربوي وخصائصه ومميزاته:

تحدث في رسالته عن تعليم الصبيان من حيث أغراضه ومناهجه وطرق تدريسه وأماكنه ومراحله وبعض الأحكام الخاصة بالمعلم، كما تناول في رسالته فضل تعلم القرآن وتعليمه، حيث جعل من تعليم القران غرضا هاما لتعليم الصبيان. فالصلاة لا تتم إلا بالقران وبقراءة شيء منه فهو ينطلق من أن الغرض الأول من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علما وعملا، أي نظرا وتطبيقا وممارسة .

القضايا التربوية التي تناولها المشروع التربوي لأبي الحسن القابسي:

مواد التدريس:

ذهب القابسي إلى أن الغاية الدينية هي التي تحدد العلوم التي يدرسها الصبيان، وأول هذه العلوم، حفظ القرآن وقراءته وكتابته ونطقه وتجويده، فقد جعل القابسي من تعليم القرآن غرضا هاما لتعليم الصبيان، فالصلاة لا تتم إلا بقراءة شيء من القرآن، وهو يتفق مع غيره من علماء المسلمين في أن الغرض الأول من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علماً وعملاً أي نظراً وتطبيقاً وممارسة.

وقد فرق في تعليم المعلم للصبيان بين تعلم القرآن وباقي العلوم، كالحساب والشعر والرسائل وأيام العرب والنحو وعلم اللغة، لكنه لا يرى مانعاً في تعلمهم ذلك، وعلى أنها معارف تأتي في الدرجة الثانية عنده ولئن نصح القابسي المعلمين بتلقين الحساب للصبيان لأهميته – دون شك في صقل عقولهم – فإنه من اعتبره إجباريًّا في برامجهم إلا إذا اشترطه الأولياء، فها هو يقول: “وينبغي به ( أي للمعلّم) أن يعلّمهم الحساب، وليس ذلك بلازم له أن يشترط عليه ذلك، وكذلك الشعر والغريب والعربية وجميع النّحو، هو في ذلك متطوّع. ولا بأس أن يعلمهم الشعر مما لا يكون فيه فحش، ومن كلام، العرب وأخبارها، وليس ذلك بواجب عليه”.[3]

مرحلة الدراسة:

تبدأ المرحلة التعليمية من سن الصبا والقدرة على الحفظ، وليس ثمة تصور أو نظام تدرّجي صارم ينضبط من خلاله حضور المتعلم وانتقاله من مرحلة إلى أخرى، وإنما معيار التدرج في التعليم هو إتقان القرآن عرضاً ونظرا أي قراءة من المصحف واستظهاراً من الذاكرة ومن ثمة فإن المتعلم يبدأ بتعليم أوائل السور وصولا إلى سورة البقرة، وهو ما اصطلح عليه عند القابسي بالختمة، ويتصل به اصطلاح آخر دال على درجة التمكن وهو الحذقة.

نظام العطل:

إن نظام الدراسة الذي أشار إليه القابسي يقوم على أساس الدراسة طول أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة ونصف الثاني من يوم الخميس، ويخصص مساء الأربعاء وأول يوم الخميس للمراجعة والتدقيق من جانب المعلم للصبيان، وتكون الدراسة في أول النهار حتى الضحى إلى الظهر لتعليم الكتابة، وعند الظهر ينصرف الصبيان لتناول الغذاء، ثم يعودون بعد صلاة الظهر، حيث يدرس الصبيان فيما تبقى من نهار بقية العلوم كالنحو والحساب والشعر، وهو يتفق في كثير من هذه الأمور مع ابن سحنون.

وجوب تعليم الصبيان:

تعرض القابسي لقضية لم ترد عند ابن سحنون، وهي قضية القول بضرورة تعليم جميع الصبيان فتعليمهم واجب وجوباً شرعياً، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالتعليم شرط لمعرفة القرآن والعبادات، وهكذا نجد بذور فكرة التعليم الإلزامي عند القابسي، وقد كان صريحاً كما كان جريئا فيها.

وقد استقر هذا المبدأ عند علماء المسلمين فيما بعد عندما أصبح طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وتقتضي ضرورة تعليم الصبيان أن يكون الوالد مكلفا بتعليم ابنه بنفسه فإن لم يستطع فعليه أن يرسله لتلقي العلم بالأجر، فإذا لم يكن قادراً على ذلك، قام بها المحسنون ونحوهم، وهكذا يتحقق تعلم كل المسلمين بصرف النظر عن الغني أو الفقير.

تعلم الإناث:

وأما تعلم الأنثى القرآن والعلم فهو حسن ومن مصالحها، فأماّ أن تعلم الترسل والشعر وما أشبهه، فهو مخوف عليها، وإنما تعلم ما يرجى لها صلاحه، ويؤمن عليها من فتنته. وسلامتها من تعلم الخطّ أنجى لها[4] .

ولم يكن تعليم المرأة في الاسلام بدعة، فالمعروف أن كثيراً من النساء نبغن في العلم والأدب والشعر، وجاء ذكرهن ونوادرهن في كتب الأدب والتاريخ، ولكن المسألة هي إلزام تعليمهن لا على سبيل الزينة بل على الوجوب الديني، فإذا أفتى الفقهاء بوجوب تعليمهن بأسانيد دينية فليس ما يمنع من تعليمهن كما يتعلم الصبيان، وليس ما يمنع من ذهابهن إلى الكتاتيب في الصغر، فانتشار التعليم في البنات روح جديد لم يكن معهودا في الزمن الأول للإسلام.[5]

عدم الجمع بين الذكور والإناث:

ومن صلاحهم، من حسن النّظر لهم، ألا يخلط بين الذّكران والإناث وقد قال سحنون: أكره للمعلم أن يعلم الجواري، ويخلطهنّ مع الغلمان لأن ذلك فساد لهنّ.

العدل بين الصبيان:

يقول القابسي:” ومن حقهم عليه أن يعدل بينهم في التعليم، ولا يفضل بعضهم على بعض، وإن تفاضلوا في الجُعل – والجعل بضم الجيم وهو أجر العامل-…”

النهي عن تعليم غير المسلمين:

يتفق القابسي مع ابن سحنون في النهي عن تعليم غير المسلمين في الكتاتيب والنهي أيضا عن تعليم أبناء المسلمين في المدارس النصرانية.

المعلم:

أشار القابسي في رسالته على الكلام عن معلمي الكتاتيب الذين يتصلون بأولاد العامة وذاع عنهم الحمق، ولعل هذه الوصمة لحقت بمعلمي الصبية من جراء العناصر الوضيعة التي اشتغلت بالمهنة، فلم تكن هناك شروط يسمح للمعلم بناء عليها بمزاولة المهنة، ولكن كان الأمر يعتمد على الشعور بالقدرة فمن آنس في نفسه المقدرة على التعليم جاز له ذلك.

وقد اشترط على المعلم التفرغ لمهنة التعليم، وعليه ألا يشتغل عنهم بأمور قد تطرأ عليه كشهود جنازة أو عيادة مريض، وشهادة البينات أو إبرام عقود النكاح وغيرها، وعليه أن يتفق مع الآباء على أوقات التعليم والعطل….

كما نجده أنه منع ولم يجوّز للمعلم الغضب ولا الانفعال ولا الأخذ بالوشاية بين المتعلمين وشدد على مراعاة مصلحة المتعلم والتعلق بالغاية التكوينية والتأديبية دون سواها مما يطرأ من العوارض على المعلم والمتعلم مما من شأنه أن يعطّل أهداف التعليم ومقاصده، ويقول أبو الحسن في معرض حديثة عن ضرورة مراعاة المؤدّب لأبناء المسلمين أثناء تأديبهم ” وإنما هي أعراض المسلمين وأبشارهم فلا يتهاون بينهما بغير الحق الواجب”.

الرفق بالصبيان:

أخذ القابسي بهذه القاعدة فأمر المعلمين بالرفق بالصبيان، وإذا كان العفو مع المذنبين مع الكبار محبوبا، أغرى به الله وحث عليه، فهو مع الصبيان واجب لصغر سنهم، وطيش أعمالهم، وضيق عقولهم وقلة مداركهم.

ومن رفقه بالصبيان أن الصبي إذا أرسل وراءه ليتغدّى فيأذُنُ له ولا يمنعه من طعامه وشرابه، ويأخذ عليه في سرعة الرجوع إذا فرغ من طعامه.

إجارة المعلم:

بعدما كان من الصعب أن يوجد من الناس من يتطوع للمسلمين فيعلّم لهم أولادهم ويحبس نفسه عليهم، ويترك التماس معايشه، وتصرفه في مكاسبه وفي سائر حاجياته، صلح للمسلمين أن يستأجروا من يكفيهم تعليم أولادهم، ويلازمهم لهم، ويكتفي بذلك عن تشاغله بغيره.

ويكون هذا المعلم قد حمل عن آباء الصبيان مؤونة تأديبهم، ويبصرهم استقامة أحوالهم، وما ينمّي لهم في الخير أفهامهم، ويبعد عن الشر مالهم وهذه عناية لا يكثر المتطوعون بها، ولو انتظر من يتطوع بمعالجة تعليم الصبيان القرآن، لضاع كثير من الصبيان، ولما تعلم القرآن كثير من الناس، ومن هنا فقد أجاز القابسي الإجارة على تعليم القرآن للصبية.

المؤسسة التعليمية التي تضم أكثر من معلم:

فيقول القابسي وأما شركة المعلمين والثلاثة والأربعة فهي جائزة، إلا إذا كانوا في مكان واحد، وإن كان بعضهم أجود تعليما من بعض، لأن لهم في ذلك ترافقا وتعاونا، ويمرض بعضهم فيكون السالم مكانه حتى يفيق المريض، وإذا لم يكن بين المعلمين شيء من الاختلاف، فهذا لا يوجب التفاضل بين أجرتيهما إذا اشتركا، وتكون الإجارة بينهما على قدر علم كل واحد منهما.

مبدأه في استعمال اللين أو العنف في  التربية:

  • نوع الضرب وحدوده:

شرع القابسي العقوبة وأجازها فقال معتبراً الضرب بمقدار خفيف حافزاً للتعلم:” وإذا استأهل (الصبي) الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث، فليستعمل اجتهاده لئلاّ يزيد في رتبة فوق استئهالها. هذا هو أدبه إذا فرّط، فتثاقل عن الإقبال على المعلّم، فتبطأ في حفظه أو أكثر الخطأ في حزبه أو في كتابة لوحه من نقص حروفه، وسوء تهجيه، وقبح شكله، وغلطه في نقطه، فنبه مرة بعد مرة، فأكثر التغافل، ولم يغن فيه العذل والتقريعُ…)[6].

وإذا كان لا بد من العقاب المادي حسب أبو الحسن القابسي فينبغي حينها أن يكون رقيقاً قصيراً، والمحدد وبإلحاح كبير في عدد الضربات من واحدة إلى ثلاث. وإذا زاد الضرب على ثلاث فالرأي عنده أن لا بد من استئذان ولي أمر الصبي قبل تجاوز الحد الشرعي.[7]

قال أبو الحسن: “… وليتجنب أن يضرب رأس الصبي أو وجهه فإن سحنون قال فيه: لا يجوز له أن يضربه فيهما، وضرر الضرب فيهما بين، قد يوهن الدماغ، أو يطرق العين أو يؤثر أثراً قبيحا، فليتجنّبا. فالضرب في الرجلين آمن، وأحمل للألم في سلامته.”[8]

وآلة الضرب هي الأخرى مقننة عنده، فهي الدّرّة (السوط) والفلقة. ولم يأذن القابسي للمعلم أن يضرب المتعلم بعصا أو بلوح.

  • رفضه للعقاب الانتقامي:

ويحث القابسي المربي على اللجوء قبل الضرب إلى “العذل والتقريع بالكلام الذي فيه التّواعد من غير شتم ولا سبّ لعرض كقول من لا يعرف لأطفال المؤمنين حقّا فيقول: يا مسخ! يا قرد! فلا يفعل هذا ولا ما كان مثله في القبح فإن قلت له واحدة فليستغفر الله ولينته عن معاودتها”.[9]

والنهي عن الشتم والفحش عن الكلام هنا إنما جاء نتيجة حالة الغضب التي تنتاب المربي حينها وقد تفضي به تلك الحالة النفسية إلى تسليط العقاب المادي في عقوبته التأديبية بدافع الانتقام وتفريغ تلك الطاقة، وهذه ملاحظة أقر بها علم النفس التربوي بعد ذلك.

يقول القابسي: “إنما تجري الألفاظ القبيحة من لسان التقي إذا تمكن الغضب كن نفسه، وليس هذا مكان الغضب، وقد نهى الرسول عليه السلام أن يقضي القاضي وهو غضبان”.

[1] – مقتطف من مقالة “أبو الحسن القابسي ودوره في صياغة نماذج تربوية نهضوية” المنتدى الدراسي العالمي للتربية – 15 مارس 2018.

[2] – أبو الحسن القابسي –” الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين” أحمد خالد – الشركة التونسية للتوزيع – 1986 – ص8.

[3] – أبو الحسن القابسي “الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين، ص 20..

[4] – أبو الحسن القابسي ” الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين” ص 95، –

[5] – المصدر السابق – ص 95

[6]– القابسي – “الرسالة …” ص 32.

[7] – المصدر السابق – ص 34.

[8] – المصدر السابق – ص 33-

[9] – القابسي – الرسالة – ص 32.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.