منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعليم والتربية أساس التنمية

التعليم والتربية أساس التنمية/ عبد العزيز قريش

0

التعليم والتربية أساس التنمية

عبد العزيز قريش

باحث في علوم التربية

 

منطق الوعي

[… لا يقاس الناجحون بطولهم أو عرضهم أو وزنهم أو الشهادات الجامعية الحاصلين عليها أو العائلة التي ينحدرون منها،

وإنما بقدرتهم على التفكير …]

ديفيد شوارتز

 

ـ استهلال:

                ليس التعليم والتربية والتنشئة الفكرية لمحو الأمية الأبجدية ونقل الموروث الديني والحضاري للأمم والشعوب فحسب؛ كما يعتقد الأغلبية من الشعب والساسة في العالم العربي والإسلامي! وإنما هو بناء للعقل وتنمية للإنسان قبل كل شيء حتى يكون ويسود. بل؛ هو العقل ذاته، ذلك الذي يشكل التفكير، ويؤسس النظر العقلي، ويخلق الوعي الإنساني المحصل لدوره الحقيقي في مسيرة الحياة البشرية، الذي يبوئه صدارة الكون بما سخر له الخالق سبحانه وتعالى من مخلوقات وجمادات، وبما منحه من قدرات ومهارات وكفايات أدائية، وبما وضع له من قوانين كونية ضابطة ومتحكمة في هذا الكون الفسيح لكي يستثمرها في معرفته وأداءاته! فالإنسان من منظور التعليم هو البداية والنهاية، هو نقطة الانطلاق ونقطة الوصول، هو المدخل والوسيلة والأداة والغاية والنتيجة في نفس الوقت. فلا تعليم، ولا تربية، ولا تنشئة فكرية قبل الاجتماعية تكون خارج الإنسان؛ لأنه هو مفتاحها وطريقها ومحصلها ومستثمرها على مختلف الأصعدة والمجالات والمستويات. ومنه فالتربية والتعليم أداة ووسيلة فاعلة وفعالة في سيرورة بناء الإنسان والمجتمع، والأساس الرئيس في التعمير الاجتماعي لهما؛ فمنظومة التربية والتعليم قمينة برقي وتطور وتنمية الفرد والمجتمع معا. ومنها يستمد كل منهما قوته.

                فالإنسان القوي معمر الكون هو ذاك الإنسان الواعي النامي، القارئ للكون وقوانينه ونواميسه المتحكمة فيه وبه، العارف لدوره الاستراتيجي في تنمية نفسه وتنمية غيره وتنمية بلاده وتنمية الكون وتعميره، فهو الإنسان المتعلم المعلم المفكر الماهر، الذي يأتي الأمور ودقائقها عن معرفة ودراية وتفكر وتفكير وتدبر وبصر. فلا تعمير دون علم ومعرفة. لذا؛ فالتعليم والتربية والتنشئة الفكرية تحتل مركز أنسنة الإنسان وبنائه الاجتماعي والمهاري والثقافي والاقتصادي والسياسي والتنموي على مختلف المجالات والحقول والقطاعات؛ ومنه تبنته الأمم والشعوب والساسة والمفكرون مدخلا لبناء المجتمعات والدول وتطويرها لما فيه خير الإنسانية إلا ما شذ عن ذلك من تخلف عقلي يرى غير هذه الرؤية؛ فسؤال دور التعليم والتربية والتنشئة الفكرية في التنمية ومجالاتها وحقولها وقطاعاتها سؤال جوهري لا يمكن أن تنطفأ جذوته، ولا أن تخمد شعلته داخل المجتمعات الإنسانية الواعية المتقدمة المستنيرة، لمعرفتها بمركزيته في بناء قوتها. وتزداد أهمية السؤال في ظل مأزومية التعليم والتربية والتخلف العقلي والحضاري في البلدان والمجتمعات والشعوب المختلفة عن ركب الحضارة الإنسانية بما فيها العالم العربي صاحب الدرجة الأقصى في التخلف رغم شكلياته الخارجية، والمتأخرة عن العلم والمعرفة. التي تقع بينها وبين المعرفة وألفية المعرفة هوة من ملايين السنين الضوئية، والتي يمكن وسمها بالعيش البدائي المقدس للذات والملذات، المنتصبة طوطما لقبيلة الجهل! الخارجة عن نطاق التاريخ وأحداثه العظيمة، تلك المتخلفة التي تقدس الجهل والكسل، والسكون والركون، والمسكنة والدروشة، وتمجد العادة واليومي والمحاكاة والتقليد الأعمى، وتخاف المجهول، وتهاب اقتحام السؤال قبل طرحه. تلك التي تركن للمألوف المعتاد في كل شيء، وتلتصق بالماضي وتفتخر به، وهي لا تدري ما الماضي وأثره في الحاضر والمستقبل إيجابا وسلبا! وتمجد الإهمال واللامبالاة تجاه قضاياها الكبيرة والمصيرية، وتستهين بها!؟

فالتعليم قوة من منطلق عائده العلمي والمعرفي المؤسس للقدرة على الفعل بمعنى معرفة الفعل، وهو قانون إلهي يمكن استشفافه في قوله تعالى: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين . قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم .)[1]، فالعلم قوة يمنح الفعل خصائص عدة منها اختصار الجهد والوقت وجودة المنتوج فضلا عن البصيرة في الأداء، بينما الفعل دون معرفة وعلم قوة جسدية لا بصيرة لها ولا رشد فيها؛ ولعل ما يقع مع حرفيي الصناعات في بلدنا الحبيب دليل على تعلمهم الصنعة دون علم ولا معرفة ولا تدريب علمي، وإنما بالتقليد والمشاهدة والمحاكاة في إطار تعلم الصنعة بالوراثة أو تعلمها بمنطق ” المعلم والمتعلم “؛ دون فهم ولا دراية لمنظومات الاشتغال وترابطها وتناسقها وانسجامها وتفاعلها، وما عادت تنفع في زمن الرقائق وأنظمة الاشتغال. وهو المبدأ الذي فعلته مؤسسة التربية والتعليم في بعض محطات مراحل ما يسمى بالإصلاح كالأستاذ المرشد، والأستاذ المصاحب[2] ضمن ترقيع ما أفسدته بعض الأخطاء السياسية أو الأخطاء الوظيفية أو الأخطاء الموضوعية أو أخطاء الممارسة الميدانية أو الاختلال العقلي أو أخطاء الهبل التربوي وفوضى التدخلات، من توظيف مباشر أو ضعف في التكوين الأساس أو قصور في التكوين المستمر أو غياب عن التكوين الذاتي أو أخطاء طلب المعيش اليومي أو أخطاء التجهيز والإمكانات والإمكانيات. فكم من منتوج تم إعادته أو خرج معوقا لا يصلح لشيء أو تم ترميمه وإصلاحه بعد تشغيله مباشرة! ومنه؛ وتحت ظلال التغيرات والتطورات العالمية الناتجة عن ألفية المعرفة يبقى سؤال التعليم والتنمية مطروحا وبشدة في قطاع التربية والتعليم لفهم كيفية ارتباطهما ارتباط المقدمة بالنتيجة أو ارتباط العامل المستقل بالعامل المتغير، وإدراك مدى تقاطعهما أو التقائهما على الأقل وتفاعلهما فيما بينهما في بناء المجتمع والدولة والإنسان، ومعرفة اتجاه سيرهما نحو المستقبل، ما يتيح لنا المعرفة بأفضل وأحسن الطرق والسبل والاستراتيجيات التي تمسك بمداخل سيرورة فعلهما وأثرهما؛ لكي نسيطر على مصيرنا ونصيغ مستقبلنا من جديد بوعي وإدراك وفهم بالأهمية والدور والنتيجة، وبصفاء ذهن ونقاء رؤية ووضوح طريق، وبتحكم في صبيب المعلومات والبيانات والمعارف، وبجودة في التوظيف والاستثمار.

فالتعليم والتنمية قضية مركزية في السياسة العامة لابد من أن تحرك نحوها منظومات وأنظمة ومؤسسات صنع القرار السياسي لإعادة طرح الأسئلة من جديد حول منظومة تربيتنا وتعليمنا وجدوى وجودها في الحياة العامة وأثرها في مجموع القطاعات الرسمية وغير الرسمية. ومدى نجاحها في سد الفارق بين الكائن والممكن من الأهداف والغايات، ومدى نقل الإنسان من مرحلة النقل والتخزين المعرفي الذي (تتفق معظم الآراء على أن تربيتنا الراهنة منحازة إلى غاية ” تعلم لتعرف” على حساب الغايات الثلاث الأخرى ” تعلم لتعمل، تعلم لتكون، تعلم لتشارك الآخرين “، خاصة فيما يتعلق بغاية ” تعلم لتكون “، التي تهدف إلى تنمية قدرات الفرد ومواهبه، والاحتفاظ بهويته والاعتزاز بذاتيته)[3] إلى مرحلة الإنتاج والاستثمار، والإبداع المعرفي الذي يعتمد على معطيات واقعية ومعبرة، ويستند إلى الدراسات والأبحاث المعمقة والجادة والصادقة، والتقارير الحقيقية التي تعبر عن الحقائق الموضوعية القائمة في الميدان؛ في اتخاذ قراراته، ولا يعتمد على اللبس والغموض والافتراضات والتكهنات والتخمينات عديمة الجدوى والقيمة، ولا على المعطيات والمعلومات المشوهة والمغلوطة؛ وربما الغريبة عن الواقع. ولا يعتمد على المجاملات والمحاباة في اتخاذ قرارات مصيرية لا تتعلق به وحده فحسب، وإنما بأجيال قادمة تكتوي بنار رؤية عمياء روتينية لا تتحسس ولا تستشعر المخاطر والعواقب المدمرة للخيارات الاستراتيجية للبلد ولمستقبله ولثرواته. وغير قادرة على تصميم وتخطيط الشريط الجزيئي الجيني للحاضر والمستقبل معا من أجل إعادة تأسيس علاقة سليمة بين التعليم والتنمية من جهة أولى، ومن جهة ثانية بين التعليم والمجتمع، واسترجاع الثقة المفقودة بمنظومة التربية والتعليم في مجتمعنا، واسترداد الحق في التعليم النوعي لا الكمي فقط، كما هو حاصل اليوم في الخطاب التربوي الرسمي القائم على الأعداد وجاذبيتها وتعميتها للقراءة الصحيحة لواقع منظومتنا التربوية والتعليمية المأزوم بنيويا ووظيفيا، الذي (يعكس حدة الانفصال بين مبادئنا وواقعنا، وبين استراتيجياتنا وممارساتنا العملية)[4] والمضخم للأرقام والمسطح لتفسيرها. فعلى المقرر السياسي أن يعي بأن المستقبل لا يمكن تأسيسه بأدوات وآليات وميكانيزمات ماضوية متقادمة متهالكة، نعتز بماضيها ونتقوقع فيه، في خطابنا التربوي والديني والثقافي وسلوكنا الاجتماعي والفكري والأدائي يطفو على السطح متخلفا عن كوكبة التقدم والتحديث والازدهار، بل ذهبنا في أحسن خروج عنه من دعاة النهضة العربية والإسلامية إلى الاتصال بالغرب وحضارته من خلال التعريب والنقل والتقليد والترجمة للخروج من تخلفنا وتخلف منظوماتنا التربوية والتعليمية، وهو اتصال محفوف بالمخاطر إن لم نتحصن بالفكر النقدي والإبداعي والوعي والقراءة الجيدة والعميقة والفهم الصحيح لدواليب تقدمه وتطوره، وإحكام تفكيك وتحليل براغي مكوناته. واستحضار طبيعة هذا الغرب المتغيرة بسرعة هائلة؛ حيث غدا (اتصالنا المعاصر بالحضارة الغربية وسعينا إلى تعريب نواتجها] مفتاح تغيرنا وتطورنا عند المهتمين بالنهضة في عالمنا العربي والاسلامي، الذين يذهبون في الاتصال مذاهب شتى، إلى أن يزعم البعض منهم أن التقليد والنقل الحرفي لمعطياتها ونواتجها هو الحل السحري لتخلفنا. وبذلك لا يضعون في حسبانهم الفارق بيننا وبينهم، ولا يعيرون للتغير أية أهمية في سيرورة الاتصال؛ الذي [[5] هو اتصال بحضارة دائمة التغير، تتخذ في كل يوم موقعا جديدا، وتفاجئنا دائما بتحولات وثورات غير متوقعة في ميادين العلم والفكر والأدب. وهكذا انقلبت الأدوار اليوم، فأصبحنا نحن أصحاب التراث الثابت المحدد، الذي توقف منذ وقت طويل عن التجدد والعطاء، وأصبحوا هم أصحاب الثقافة المتوثبة الطموح، التي لا تظل لحظة واحدة في موقع ثابت)[6] مع (ضرورة الوعي بأن المفاهيم والنظريات والمناهج والعدد والنماذج البيداغوجية المقتبسة هي إفراز لحقل معرفي واجتماعي خاص ومتميز، وأنها ليست دائما وبالضرورة أدوات مطاوعة للاستثمار في سياقات مغايرة. لذا فإن الأمر يتطلب، للاستفادة منها بشكل إيجابي، نوعا من المراجعة النقدية الشاملة والمتعددة الأبعاد: نقدها في إطار سياقها الأصلي الذي تعد منتوجا له، للكشف عن أهم الشروط والآليات التي تحكمت في إنتاجها ووجهت التعامل معها والاسترشاد العملي بها في هذا السياق بالذات، لكل مكوناته التربوية والثقافية والاجتماعية … ونقدها أيضا في إطار الحقل التربوي والاجتماعي الجديد الذي نقلت إليه بهدف تفعيله وتنشيط وترشيد ممارساته التربوية، وذلك من أجل المقارنة والبحث عن أهم نقط الالتقاء والتفارق، وما هو أقرب إلى حاجات الفاعلين التربويين المستهدفين وخصوصياتهم وترقباتهم الاجتماعية أو الثقافية أو المهنية … وما هي الشروط المختلفة المأسسية واللامأسسية التي ينبغي توفيرها لإنجاح هذا ” النقل أو التحويل البيداغوجي” ” Transfert Pédagogique “. وأخيرا نقد اللحظة الحضارية المحتضنة لتفاعل السياقات المذكورة. ذلك أن علاقة الذات بالآخر ليست جامدة دائما ولا مستقرة بل يحكمها منطق دينامي مساوق للتحولات التي تطرأ على مختلف البنى والمكونات والأنساق الفكرية والحضارية محليا وكونيا. لذا فإن الوعي بخصوصية هذه اللحظة الحضارية أو تلك في مطالبها ومستجداتها ورهاناتها … يعتبر شرطا ضروريا لتملك المعرفة الدقيقة التي يتطلبها نمط التعامل مع العتاد البيداغوجي السالف الذكر، ودعامة محورية لتأسيس أي حوار فكري وحضاري إيجابي بين سياقات مجتمعية مختلفة. إن هذا ” النقد المتعددة الأبعاد” ” Critique multidimensionnelle”، والذي لا نقصره على المجال التربوي، بل ندعو إلى الاستئناس به في مختلف ميادين ومقاربات العلوم الإنسانية والاجتماعية كخلفية نظرية ومنهجية موجهة للتفكير والممارسة، هو الكفيل، في تصورنا، بالمساهمة في إنتاج ” معرفة مطابقة “، وبالتالي ” بيداغوجيا مطابقة ” كما سبق الذكر. إلا أننا يجب أن ننبه إلى أن مفهوم المطابقة لا ينطوي هنا على أي تصور مثالي أو إطلاقي. بل إنما نقصد بهذه المطابقة هو أن تكون تلك المعرفة أو البيداغوجيا المعنية ممتلكة لمقومات الوعي بشروط إنتاجها، وبلحظتها التاريخية، وبرهاناتها، وأيضا بحدودها ومحدوديتها، وبإمكاناتها النظرية والتطبيقية، وبعوائقها المعرفية والاجتماعية … إنها إذن معرفة تظل دوما واعية بقابليتها للتطور، ومنفتحة على آفاق وإمكانات ومطالب التغير والتحول الجديدة)[7].

وهو التغير؛ العامل الحاسم في تشكيل المستقبل الذي وقع الإجماع على أنه (سيكون مختلفا للغاية عن أي شيء عرفناه في الماضي. وهو ليس اختلافا من حيث الكم وإنما من حيث النوع. لم يسبق أن شهد العالم مرحلة تغيير مشابهة ولو من بعد لما ستشهده البشرية في القريب العاجل. لقد مررنا عبر مراحل ثورية من التغيير السابق، غير أنها جميعها لم تكن بالقوة نفسها، ولم تحمل في أحشائها التوأم الأخوي ـ وهما الخطر والفرصة ـ كالمراحل التي في طور الظهور حاليا. كما أننا لم نمر على الإطلاق في ما مضى بهذا الكم الهائل من التغييرات الثورية التي تتكشف في آن واحد وتتلاقى بعضها مع بعض)[8]. فالماضي مهما كان ضروريا في مد مناطق الحاضر بالنماذج الإيجابية في البناء المجتمعي، وفي ربط دوائر التطور الإنساني، فهو يقف عاجزا في إحداث التغيير المنشود للمجتمع المغربي المحافظ في منحاه الشعبوي وأكثريته؛ لأن الحاضر وثوراته المتنوعة حطمت ثوابته ورواسخه ومعتقداته واستقراره من الداخل لصالح فعل التحديث الشاق والطويل للمجتمع المغربي المرتقب، المبني على الثورة العلمية والتكنولوجية والرقمية والتنظيمية والتشريعية والقيمية، التي مازال المغرب والبلدان العربية والإسلامية والمتخلفة يطمحون إلى الإمساك بها وتملكها. ولن يكون ذلك متاحا دون امتلاك منظومة تربوية وتعليمية قوية ومتينة تقود المجتمع نحو التطور والتقدم على مختلف المجالات، وفي مختلف القطاعات. فهذه المنظومة هي التي تقيم التميز والتمايز في المجتمع، وتقيم كفتي الغنى والفقر بما تمنح للعالم من معرفة وكفايات وقدرات ومهارات وقيم يستطيع بها تغيير واقعه وحاله إلى الأحسن والأفضل، وهي في ذات الوقت التي تحرم الجاهل من كل ذلك فيصير إلى الفقر المادي والمعنوي رفيقا بل حاضنا بعدما تُشكل جهله إن كانت منظومة هشة وفقيرة وضعيفة وبئيسة أو بعدما تشكل علمه ومعرفته وقدراته إن كانت قوية رشيدة جيدة ومتميزة وفعالة وفاعلة. فكيف ما تكون المنظومة التربوية والتعليمية يكون مجتمعها تبعا ونتيجة لها، فالعلاقة بينهما طردية لا عكسية. فمنابت التخلف أو التقدم تقع في تربة منظومة التربية والتعليم بمختلف مؤسساتها وعلى رأسها مؤسسة التربية والتعليم الرسمية، وتصنع في مصانعها ومعاملها، فمؤسسة التربية والتعليم لم تكن يوما ما في التاريخ البشري محايدة وبريئة وموضوعية. وإنما يلجأ إليها الديمقراطي والمستبد معا لإعادة إنتاج فراخه وكتاكيته، وتكرار نفسه بذوات وعقول متجددة ومستمرة ما استمر النسل والتناسل …

فمنظومة التربية والتعليم هي الحد الفاصل بين من يمتلك المعرفة وأدوات استغلالها واستثمارها، وبين من لا يملكها ويفتقر إلى أدواتها، ويعوزه سد الفارق بين حاله الكائن والواقع وحاله الممكن والمنشود والمأمول والمرتقب. وبتعبير أدق وصريح وواضح ومباشر؛ فمنظومة التربية والتعليم هي الحد الفاصل بين التقدم والتأخر والتخلف، وبين الغنى والفقر أو هي التي تشكل الفجوة الرقمية التي رصد خبراء التنمية أثرها في التقدم الإنساني أو تخلفه، وفي متعلقات هذا التقدم أو التخلف؛ بمعنى إن انتفت الفجوة حصل التقدم والازدهار ومحمولاته التبعية من نتائج إيجابية وسلبية. وإن وقعت الفجوة حصل التخلف والفقر والمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والقيمية والسلوكية … حيث (يحق القول إن الفجوة الرقمية هي ” فجوة الفجوات “، أو ” الفجوة الأم ” التي تحمل في رحمها كل بذور التخلف المجتمعي، وكل ما نجم عن فشل مشاريع إنمائية سابقة، ومن شبه المؤكد أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء ـ إن استمرت الحال على ما هي عليه ـ ستزداد اتساعا وبمعدلات متصاعدة بفعل المتغير المعلوماتي، ويا لبشاعة تلك الحياة البائسة على الجانب المظلم من تلك الفجوة الرقمية، ويكفينا لنقل الصورة المفزعة لمدة تصدع المجتمع الإنساني جرعة صغيرة من إحصاءات الغنى والفقر)[9]. فالمعرفة أضحت اليوم مدخلا رئيسا إلى الغنى بمفهومه الاقتصادي والسياسي والعلمي والثقافي والصناعي والزراعي والتكنولوجي والمعلوماتي؛ فلم تعد المعرفة مطلبا للمعرفة في ذاتها وإنما مطلبا لدورها الحاسم في قوة المجتمعات والدول، ورقيها وازدهارها أو تخلفها وتأخرها وضعفها وانحطاطها؛ ذلك ( أن هدف التربية لم يعد هو تحصيل المعرفة، فلم تعد المعرفة هدفا في حد ذاته، بل الأهم من تحصيلها، هو القدرة على الوصول إلى مصادرها الأصلية وتوظيفها في حل المشاكل، لقد أصبحت القدرة على طرح الأسئلة في هذا العالم المتغير الزاخر بالاحتمالات والبدائل تفوق أهمية القدرة على الإجابة عنها)[10]. فــ (نظرا للدور الذي تلعبه المعرفة في المجتمعات الحديثة، وبعد أن باتت موردا اقتصاديا مهما في مجتمع المعلومات، إن لم تكن أهم موارده على الإطلاق، كان لابد للمعرفة أن تخلع أسمال براءتها؛ فلم تعد هي ناتج الممارسة الحرة لقدرة الإنسان المبدعة المتطهرة من القصد والهوى، بل باتت عملا هادفا تحكمه الاعتبارات السياسية والدوافع الاقتصادية، لهذا السبب لم يعد مقبولا اعتبار المعرفة حيادية ذات موضوعية مطلقة، لا دخل لها بنظام القيم وقوى السلطة السائدة بأنواعها، وبالتالي لم يعد كافيا في رأي ليوتار أن نحكم عليها بمعيار الصواب والخطأ فقط بل بموازين العدل والفضل أيضا)[11]. لذا رأيت ولمست بمنطق الواقع أهل الساسة والأغنياء يتخيرون لأبنائهم أقوى المنظومات التربوية والتعليمية ناتجا، وأجودها لتعليمهم وتربيتهم في الداخل عبر مؤسسات البعثات الأجنبية والمدارس الخاصة أو في الخارج بإرسالهم لاستكمال دراستهم، ليحصدوا التميز علميا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا وفنيا واجتماعيا وقيميا. وليتصدروا المجتمع والدولة في تدبيرها وسياستها بل وفي الاستغناء بثرواتها أو نهبها عند الاقتضاء واحتكارها، والتمتع بخيراتها مقابل التفقير التربوي والتعليمي والتجهيل العقلي لمن لا يرقى إلى طبقتهم أو مكانتهم الاقتصادية. بينما الطبقة الشعبية أو الطبقات الفقيرة نتيجة وضعها الاقتصادي المزري مرغمة قهرا لا اختيارا على ولوج منظومة تربوية وتعليمية مذبذبة بين السكون والحركة، بين الأعطاب والصيانة، بين الفعل ولا فعل، بين الرداءة والجودة، بين تعليم خاص مقاول ربحي وبين تعليم عمومي متهالك هامل مهمل! مأساة شديدة الوقع والنتائج يعيشها المجتمع المتخلف الجاهل الذي لا يمتلك منظومة تربية وتعليم قوية ولا يمتلك إرادته ولا حريته ولا شجاعة الاحتجاج والاستنكار أو الدفاع عن نفسه ومصالحه! يباع في اليوم أكثر من مرة بأبخس الأثمان في سوق نخاسة المؤسسات والمنظمات المدنية، من تدعي وتزعم بهتانا وزورا الدفاع عنه، وهي سمسار المؤسسات الرسمية يدور دوران عقاربها. مجتمع كله نكبات ومشاكل لا تنقضي بالمرة، تتناسل باستمرار وتتفرع عن أم الأزمات ” أزمة الإنسان ” المغربي، الذي يظل يحل مشاكله بخلق أخرى أكثر منها تعقيدا وأكثر منها تأثيرا في الاتجاه السلبي، وأكثر ألما عليه؛ فانظر إلى مشاكل منظومتنا التربوية والتعليمية التي لا تنتهي؛ فمهما حاولت بعض الأقلام المهووسة بالتلميع والصباغة وركوب الفرص أن ترسم لها لوحة جميلة رائعة يظل الواقع يشي بمأزوميتها، فلا يمكن ستر المستور بخمائل شفافة ورهيفة عن العاقل الناظر المفكر، فذلك من العبث الذي لا يقره العاقلون، ولا تصادق عليه المسؤولية، ولا الإنسانية الحقة ترضاه لنفسها.

فمنظومتنا التربوية والتعليمية مازالت تقع في منطقة الصيانة والترقيع رغم المجهود المبذول لتطويرها وانبعاثها من جديد لأن القرارات السياسية التربوية والتعليمية لم ترق إلى إحداث قطيعة جوهرية مع مناطق التقادم فيها، والمناطق الرمادية المحرمة والمقدسة فيها. ولم تستوعب بعد التغيرات التي وفدت مع تدفق المعلومات والمعارف والخبرات والتجارب والقدرات والمهارات نتيجة تدفق الإنترنيت وعصبونات الشبكة العنكبوتية التي غدت تهدم وتفكك عناصر المنظومات التربوية والتعليمية التقليدية، وتهوي بنظام معلوماتها القديم. والتكنولوجيا التي غزت مناطق ضعفها وكشفت المستور من التحديات التي رقدت لسنوات في قاع إناء التربية والتعليم منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، وربما قبل ذلك بكثير من القرون والعقود. فالوعي بقوة التغيرات والتغييرات التي حملتها ألفية المعرفة وعصر المعلوميات يمكن المقرر السياسي من اتخاذ القرارات الجريئة والحاسمة في بناء المستقبل انطلاقا من الحاضر، الذي مازال يشهد على أن تعليمنا صياني بالدرجة الأولى لا وظيفي. وحيث لا تنمية بلا تربية وتعليم فعالين؛ فلا يمكن الحديث عن أي تقدم مجتمعي مهما حولنا إقامة الاحتفالية بجليل أطروحات تطوير منظومتنا التربوية والتعليمية، ومهما حاولنا إضفاء صبغة تجديدها؛ تبقى المردودية الداخلية والخارجية لمنظومتنا هذه دون المطلوب والمخطط، ودون الطموح المجتمعي. فالنظرة البسيطة الراصدة لواقع نتائج المنظومة ضمن إطار تجميع روافد صبيب المؤسسات المآزرة لها من أسرة وشارع وإعلام ووسائل السمعي البصري ووسائل التواصل الاجتماعي … تفيد بأن مجتمعنا تعلو سطحه رواسب التربية والتعليم بكل وضوح من حيث البعد المعرفي والقيمي والسلوكي على الأقل كإشارة للأزمة الإنسانية التي يعيشها إنسان مجتمعنا، في تمظهرات وظواهر عديدة.

ـ من واقعنا المعيش:

                واقع معيشنا اليومي في الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام والتواصل الاجتماعي وشارعنا ومؤسساتنا الخدماتية، نلمس بمجموع حواسنا تلك الهوة الواقعة بين ما نحن عليه من معيش مأزوم، وبين ما ينبغي أن يكون عليه معيشنا بناء على مرجعيتنا الدينية وتقاليدنا وعاداتنا المتميزة ومعطيات العصر. ومن بين تلك التمظهرات والظواهر والإشكاليات والمشاكل؛ نجد منها التالي مثالا لا حصرا:

ـ البعد المعرفي:

يفتقد خريج منظومتنا التربوية والتعليمية لأنماط التفكير التي تأهله للاندماج المجتمعي والانخراط في مجموعة المفكرين الذين يبنون بلادهم علميا وعمليا، والاندماج في مجتمع البحث العلمي؛ من حيث مشاريع الاختراع والإبداع في المجالات الحياتية المختلفة، فهو شاحنة محملة بكم هائل من المعلومات والمعارف والمعطيات التي لا طائل من ورائها. يفرغها وقت الامتحان والاختبار بمفهوم رد البضاعة لأهلها، وينساها عند عتبات كل مرحلة عمرية يمر بها، وتمحوها الأيام والسنين من ذاكرته لأنه مر من سيرورة تعليمية وتربوية قديمة وتقليدية تهتم بالمعلومة تلقينا وحفظا أكثر من اهتمامها بالعقل. ذلك (أن نظام التربية والتعليم التقليدي بمناهجه وأدواته وقيمه البالية هو من يعمل على هزيمة الاهتمام والفضول والدهشة والرغبة في المعرفة والانتباه وإحباط؛ فطرة الإنسان في حب الاستطلاع والتساؤل والحلم والخيال والتخييل ومثل هذا النمط من التعليم التقليدي الذي يقوم على الحفظ والتلقين لا ينتج إلا أناسا ممتثلين أو متمردين أو منحرفين خطرين على ذواتهم وعلى أسرهم وعلى مجتمعاتهم وعلى التعليم ذاته ويعمق الغربة والاغتراب بين الافراد وحياتهم وعصرهم وزمانهم)[12]. وهو المتخرج المسكين حين يواجه مشاكل وقضايا علمية أو معرفية أو تطبيقية لا يستطيع حلها والتعاطي معها، ولا يدري كيف يقاربها، لأنه غير متحكم في الكفايات الأساسية التي تمكنه من مقاربة المشاكل على تنوعها وتنوع درجة تعقيدها. ولا يدري معرفيا كيف تشتغل ولا كيف تنتظم ولا كيف تفكك … فهو يستنجد بالآخر البعيد ليحل تلك المشاكل والقضايا المعرفية والعملية. فمثلا: هناك في عالم الصناعة قلة قليلة من خريجي المنظومة من يتقنوا إبداع واختراع الآلات وغيرها ومنظومات تشغيلها وتركيبها، بينما القسط الأكبر هي العقول الأجنبية، خاصة منها العقول الصينية، التي يجب أن تدربنا على معرفة الفعل حسب تحديداتها وحاجتها هي، وحسب توجهاتها ورغباتها هي. فكم من آلة تعطلت واستجلبت لإصلاحها المعرفة والخبرة الأجنبية. فربما من قائل يقول: أن هذا القول مبالغ فيه، لكن الواقع يثبته ويزيد عليه حمل تدني المستوى التعليمي والأدائي للمتعلم، والمستويات والرتب المتأخرة التي تحتلها منظومتنا عالميا. ولا تغرنا بعض الطفرات التي نشيد بها وتشرفنا عالميا لكنها تبقى حالات خاصة معزولة عن السياق العام لناتج المنظومة التربوية والتعليمية.

                ففي هذا البعد يمكن لي ضرب أكثر من مثال على معرفة لا معرفة، فكم من قضايا وإشكالات معرفية تقع في المجال التربوي أو الطبي أو الهندسي لا نعرف كيف مقاربتها، ونأتي بحلول لها تقع على هامشها لا مركزها وتبقى تلك القضايا والمشكلات المعرفية قائمة رغم تلك المقاربات، وعائدها السلبي مستمرا ومستداما في محصلة مخرجاتها نتيجة تلك الحلول المقترحة التي لا تحل شيئا، والتي تزيد المشكل والقضايا تعقيدا وتشابكا، وتديم تكرار الفعل في دائرة مغلقة. فالمنظومة التربوية والتعليمية عنوان هذه الدوامة التي لا تنقضي من إصلاحات وإصلاح الإصلاحات، ومن ميزانيات تأكل الأخضر واليابس دون قيمة مضافة في المجال التربوي والتعليمي، فأكثر من محطة للإصلاح أقيمت ونظمت دون أن يسجل التاريخ التربوي والتعليمي نجاحها أو يسجل الوفاء بها، فهي مواعيد عرقوب، تتغير وتتبدل بين عشية وضحاها! فهذه المنظومة لم تعرف استقرارا أو استكمالا لمشروع تجديد وتغيير وتطوير، بل هي (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا)[13]؛ تعيد الكرة بعد أخرى. بما يفيد أننا نعرف حتى لا نعرف! ونتعلم لكي لا نتعلم، ونكتفي بالتقليد والروتين وتكرار الذات في أحسن الأحوال. في حين نعتقد أن المنظومة التربوية والتعليمية هي المحرك المغير للمجتمع ومطوره، الذي يدخ فيه روح الحياة المتجددة؛ ذلك أن هذه المنظومة جهد إيجابي جبار ومبدع وخلاق ومعطاء في نفس الوقت، لا تكتفي بتكوين الفرد فحسب، بل وتؤمنه وتحميه من المشاكل التي قد تعترض حياته، وتبعد عنه عوائل الدهر، ونكبات السنين، وتمحي عنه تعب التحصيل والطلب، وتفتح أمامه الآفاق، وتقدم له كل يوم محتوى متجددا باستمرار من المعلومات والمعارف والبيانات والمهارات والقدرات والكفايات والقيم والسلوكيات والمسلكيات والوسائل والأدوات والمناهج التي تثري وتغني حياته العامة والخاصة على مختلف مستوياتها، وتملؤها معنى وقدرة على الفعل. وهي منظومة لا نهاية لها، ولا حد يشملها؛ فلا يمكن للفرد أن يكتفي ب ” حد أدنى أو أقصى ” منها؛ فأبوابها مفتوحة دائما وآفاقها واسعة، ومغرياتها جذابة، من ذاق طعم المعرفة والعلم فيها لا يعرف الشبع ولا التخمة منها، فكلما نال من ثمارها زاد شراهة في طلب المزيد من فوائدها. فلن يقول أبدا بأني سأكتفي منها بهذا الحد أو ذاك. فالعقول النيرة لا تجد نفسها إلا في هذه المنظومة! فمنظومة التربية والتعليم اليوم وغدا (لابد أن تسعى لإكساب الفرد أقصى درجات المرونة، وسرعة التفكير وقابلية التنقل mobility بمعناه الواسع، التنقل الجغرافي لتغير أماكن العمل والمعيشة، والتنقل الاجتماعي تحت فعل الحراك الاجتماعي المتوقع، والتنقل الفكري كنتيجة لانفجار المعرفة وسرعة تغير المفاهيم. لم تعد وظيفة التعليم مقصورة على تلبية الاحتياجات، والمطالب الفردية، بل تجاوزتها إلى النواحي الوجدانية والأخلاقية، وإكساب الإنسان القدرة على تحقيق ذاته، وأن يحيا حياة أكثر ثراء وعمقا)[14].

ولكن مع الأسف الشديد في المنظومات التربوية والتعليمية الهشة كمنظومتنا تجد مخرجاتها أقل بكثير من مدخلاتها، ونتائجها ضعيفة تدفع الفرد إلى الإحجام عنها، بل ومحاربتها وتحطيم رموزها وتعنيفها. إن الاعتداءات على مؤسسات التربية والتعليم وعلى أطرها في هذا البلد السعيد تؤكد أن الفرد المغربي متدمر من هذه المنظومة التي لم تؤهله وترقيه في السلم الاجتماعي والقيمي والاقتصادي والثقافي والمعرفي والفكري، ولم تقدم الحلول الناجحة لمشاكلها فضلا عن مشاكله، ولم تحقق مطالبه وحاجاته وحاجياته. فهي منظومة كهلة تتكئ على ماض منخور وعلى حاضر مأزوم وبئيس ومقيت وأمل ومستقبل مفقود، تستوطنه الإحباطات والأخطاء الاستراتيجية القاتلة، والتي استقطبت أطرا دفعتها الحاجة للعمل إلى هذا الميدان دون رغبة ولا حب في امتهان رسالة التربية والتعليم، وكثيرا ما رددت في مداخلاتي الأكاديمية والعملياتية، وفي الندوات التي شاركت فيها القول بأن قطاع التربية والتعليم هو مصب نفايات أزمات السياسة من بطالة، وتسكيت المطالب، وضعف تشريع وغيرها من القضايا السياسية؛ فهي المنظومة التي التحقت بها مجموعة من الأطر دون تكوين أساس ودون رؤية واضحة ولا استراتيجية معلومة ولا غايات محددة؛ ولا أمل مأمول! يغشاها الضباب اللغوي والبهرجة والفرجة والبهلوانية والهمروجة والاحتفالية والتملق والتسلق، ما أغلق في وجه الأفراد، خاصة منهم فئة الشباب جميع الأبواب رغم فتحها في وجه فئة محظوظة أو متسربة ضمن هذه الفئة. فشهاداتها في الغالب لا تساوي في ميزان الحكومة أية قيمة علمية، وتتقادم بسرعة هائلة لا تؤهل حاملها للتسجيل في الجامعة، وكأنها تحتوي على مواد تنهي صلاحيتها بمرور مدة زمنية محددة، قدروها في هذا البلد بسنة كاملة، كما أنها ضمن الشهادات العالمية لا تلقى أي اعتراف أو تقدير في بعض البلدان! وقلة منها، ما أهلت حامليها وبعون التكوين الذاتي والمثابرة والاجتهاد خوض معارك البحث العلمي والاختراعات والإبداعات، وأرغمت الأجنبي بالاعتراف بها وبقيمتها العلمية، لما لها من قيم إضافية غيرت العالم. وهي تشكل مشهدا نشازا في منظومتنا التربوية والتعليمية.

                ففئة الشباب في بلدنا تهرم بسرعة لتعطيلها ولأعطابها وأعطالها، وتحرق في أتنون النار المشتعلة بالسجائر وما جوارها من أخواتها المسمومة القاتلة، وكأن بلدنا ليس في حاجة ماسة لطاقة الشباب الحية والفاعلة في التجديد والتطوير، فالشباب هم صانعو المستقبل وأما الشيوخ فهم صانعو الماضي قاعدة الحاضر والمستقبل التي ترتكز عليه التنمية (لقد أصبحت الفئات الشابة ـ على اختلاف أنماط تكوينها وانتماءاتها الاجتماعية والثقافية … ـ تحتل، في المجتمعات المعاصرة بشكل خاص، مكانة وازنة ومتميزة. كما أصبحت، في الآن ذاته، موضع رهانات متعددة ومتباينة، تبعا لما يؤسسها من خلفيات ومقاصد سياسية وإيديولوجية واجتماعية وثقافية، صريحة كانت أو مضمرة، وتبعا أيضا للسياقات السوسيوتاريخية المختلفة. وترجع أهمية الشباب هذه إلى كونهم يشكلون، في كل مجتمع، طاقات بشرية حاملة للعديد من عناصر التجديد والتجدد، والتحفز للانخراط في سيرورة التغير الاجتماعي الشمولي بكل أبعاده الرمزية والمادية. لذا فإن مسألة استثمار هذه الطاقات الشبابية “كمواد بشرية منتجة: Ressources Humaines Productives” قد أصبحت الشغل الشاغل لجل السياسات والبرامج التربوية والتكوينية والتنموية … وذلك إلى الحد الذي غدت فيه مشكلات تكوين الشباب وإدماجهم المهني والثقافي والاجتماعي بشكل عام ـ أو ما يصطلح على تسميته بـ “المسألة الشبابيةQuestion Juvénile”ـ من بين أهم وأخطر مكونات المسألة الاجتماعية: Question Sociale”، بكل دلالاتها وأبعادها المتشابكة، الاقتصادية منها والسياسية والثقافية … ومما لا ريب فيه أن التحولات الحضارية التي عرفتها المجتمعات المعاصرة عموما، والبلدان الثالثية على الخصوص، والتي طالت كل بنياتها وهياكلها ومؤسساتها ومجالاتها المعرفية والقيمية والتكنولوجية والتربوية والسياسية والاجتماعية عموما … قد عمقت من حدة هذه “المسألة الشبابية”)[15].

                فهؤلاء الساسة الذين يستسهلون الفعل المدرسي ويبسطونه حد التسطيح والتشويه من أجل حل مشاكلهم، فيسيرونه مجالا متاحا للجميع على قدم المساواة دون اعتبار لمطلب ” حب المهنة ” و ” الحافزية الذاتية ” و” الرغبة ” والكفاءة العلمية والأدائية، ودون استحضار رسولية التربية والتعليم خلافا لباقي المهن الأخرى التي هي في طبيعتها المهنية وظائف أدائية، والتي تتطلب الاقتناع والاستعداد السيكولوجي إزاء الكفايات العلمية والمعرفية والأدائية والقيمية والسلوكية. فقد اعتبر هؤلاء الساسة المنظومة التربوية والتعليمية مجرد وظيفة؛ سهل القيام بها لأي كان ودون مقدمات ولا مدخلات خلا مباراة التوظيف التي لها من السلبيات ما لها وأقلها الغش. وتناسوا بأن الاشتغال على الإنسان ليس هو الاشتغال على غيره، وأن عائد أخطاء التربية والتكوين قاتلة ومميتة للفرد وللمجتمع ولمستقبل البلاد وقطاعاته. وإصلاحها يتطلب المدد الزمنية الطويلة إن كان هناك نجاح في الإصلاح، فغالبا ما يفشل إصلاح تلك الأخطاء لأنها أخطاء استراتيجية وصعبة الاستدراك، فقتل الإرادات والهمم والعقول لا يحييها الدواء والعقاقير والخطاب واللغة. ومنه يجب على الساسة العقلاء والحكماء أن لا يبسطوا هذه المنظومة ولا يسطحونها، بل يعيرونها مكانتها اللائقة بها، ودرجة العناية بها التي تستحقها. فهذه منظومة التربية والتعليم الفنلندية لا تقبل أي كان، وإنما معايير القبول فيها مشددة، ومكانتها في المجتمع أرقى من مكانة السياسي ذاته لأنها صانعته، وأهلها محترمون ومكرمون ومقدرون في المجتمع ماديا وثقافيا واجتماعيا وسيكولوجيا، بينما هذه التي عندنا قطاع مشاع فيه السائبة تلعب وتمرح وتأكل وتشرب دون حسيب ولا رقيب! فهي المنظومة التي يناط بها خلق الإنسان المبدع والمبتكر والناقد والعالم والعارف … من خلال تعليمه أنماط التفكير وتدريبه عليها، التي هي أعمدة التقدم والازدهار الاقتصادي وسنمها الابتكار، لأنه يمثل (سر الريادة الاقتصادية لأميركا وأوروبا الغربية وأساس قوتها التنافسية في الاقتصاد العالمي. فالاستثمار الحكومي والتزام القطاع الخاص بتمويل البحث العلمي، واحترام الملكية الفكرية والمعايير الأكاديمية في التوظيف والترقية. ووجود رؤوس الأموال الفعالة والمبادرة، هي من بين الأسباب التي كانت وراء تفوق الغرب في تحويل الأفكار الجديدة إلى مشروعات تجارية ناجحة لعقود من الزمن)[16]؛ وهي منظومتنا التي تحجم عن القيام بذلك في مجتمعنا، والتي مازالت لم تؤمن بأن أهم عوامل التغيير هو المورد البشري الكفء مهنيا وعلميا واجتماعيا وثقافيا وفكريا ووعيا وإنسانيا. المتمكن من مجموعة من الكفايات والقدرات والمهارات المتنوعة، خاصة منها الرياضياتية والعلومية والتكنولوجية والاقتصادية واللغوية؛ المتطلع باستمرار إلى التميز والابتكار والاختراع والإبداع في مختلف المجالات، العامل على تنمية ذاته وبلاده ومجتمعه. ومازالت مقتنعة بشكل عميق وشديد أنها مؤسسة لمحو الأمية الأبجدية، ومؤسسة لصناعة الموظفين المحتملين، ومؤسسة للشحن والتخزين والتفريغ المعرفي، دون أن تدري أهمية مورد المعرفة في النماء والتنمية، والتي ـ أي المعرفة ـ أصبحت (بمثابة المورد الاستراتيجي الأساس لتحقيق النمو، وتحولت ديناميكية الاقتصاد الجديد نحو الاعتماد على رأس المال الفكري المبني على التعلم وتوليد المعرفة. وقد أدى التغير التكنولوجي المتسارع إلى بلورة دور الابتكار كعنصر أساسي في تحقيق النمو الاقتصادي، وكأحد أهم العناصر التي تتطلع كل مؤسسة إلى بلوغها بهدف الحفاظ على الروح التنافسية في العمل وتطوير مستوى الإبداع، في مناخ اجتماعي ملائم ومحفز على روح المبادرة، من ضمن ثقافة تسودها الحرية الاقتصادية والفكرية)[17].

                فمنظومتنا التربوية والتعليمية مازالت لم تشهد التغير المنشود الذي يؤهلها لولوج ألفية المعرفة ومجتمعها، والبحث العلمي، وتعليم أنماط التفكير المتنوعة، التي تقدر متعلميها على إمساك وامتلاك النزعة الإبستيمولوجية والتمكن منها. فهي لم تع بعد بأنه على حد قول علي عزت بيجوفيتش: “حين نعلم الإنسان التفكير فإننا نحرره، وحين نلقنه فإننا نضمه للقطيع “، ولم ترق بعد إلى استنبات وتوطين الأسس الجديدة لتربية عصر المعلوميات والرقميات والنانو والبرمجيات، والأبحاث الدقيقة في مجالات المعرفة القائمة والمحتملة كعلم الأعصاب والدماغ والذهنيات والذكاء الاصطناعي … في ذاتها وبيئتها، والتي قال بها علماء المستقبليات والمعلوميات والتكنولوجيات، وعلماء النفس والتربية وغيرهم من الأكاديميين والباحثين في مجالات معرفية أخرى. حيث (لابد للتربية الجديدة، أن تتصدى لروح السلبية] التي يتمتع بها خريج منظومتنا التربوية والتعليمية [بتنمية عادة التفكير الإيجابي، وقبول المخاطرة وتعميق مفهوم المشاركة، والتصدي للسلطة بأنواعها دون إشاعة الفوضى، فلا وجود في مجتمع المعلومات للقبول بالمسلمات، والاقتناع السلبي هو نوع من الجبر. إنه عصر التجريب وقبول القضايا الخلافية، والتعلم من خلال التجربة والخطأ، والتعامل مع المحتمل والمجهول، والاحتفاء بالغموض واستئناس التعقد وعدم الاستسلام لوهم البساطة الظاهرة. إن علينا أن ننمي النزعة الإيبستيمولوجية لدى إنسان الغد ـ كما طالبنا سيمور بابيرت ـ بحيث يدرك كيف تعمل آليات تفكيره، وذلك بجعله واعيا بأنماط التفكير المختلفة، وذا قدرة على التعامل مع العوامل الرمزية، بجانب العوالم المحسوسة دون أن يفقد الصلة التي تربط بينهما، فكما نعرف تتضخم أهمية الرموز والمجردات مع تقدم الفكر الإنساني، بصفتها وسائل لا غنى عنها لإدراك حقيقة الظواهر، وتنمية الفكر وتمثل المعارف والمفاهيم المعقدة. ولم يعد هدف التربية، هو خلق عالم من البشر المتجانس المتشابه، بل بشر متميز متمسك بهويته الحضارية وبقيمه، قادر على التواصل مع الغير، يتقبل الواقع المختلف عن واقعه، والرأي المغاير لرأيه. إن التمادي في عملية التجنيس الحضاري التي نشهدها حاليا، تهدد خصوصية الإنسان التي سرعان ما يفقدها، تحت وطأة الشائع والغالب، الذي يكتسب سلطته من شيوعه وغلبته لا أصالته وتميزه. وأخيرا على التربية المرجوة، أن تهيئ الفرد لعالم سيصبح فيه العمل سلعة نادرة، حتى توقع البعض أن تصبح فرص العمل أحد مظاهر الرفاهية الاجتماعية في عالم الغد. إن الغاية العظمى للتربية هي أن ينعم الإنسان باستقلاليته، ليصبح قادرا على أن يخلق عمله بنفسه، وأن يشغل أوقات فراغه التي تنحو إلى الزيادة المطردة، بما يثري حياته ويعود بالخير على أسرته ومجتمعه وعالمه)[18]. ولن تتجه منظومتنا التربوية والتعليمية إلى هذه الأسس وغيرها الباقي إن لم تغير ذاتها وتوجهاته وأهدافها. فمازالت هذه المنظومة تتجه نحو وعاء العلوم الإنسانية خاصة منها الأدب أكثر مما تتجه إلى العلوم الحقة التي تعد الأساس في بناء مجتمع التقانة والتكنولوجيا والصناعة والعالم الرقمي الافتراضي، وعصب الإبداع والابتكار ورهان الاقتصاد القوي والمتين. وقد أقر هذا التوجه التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية في دراسته للعوامل المؤثرة في توجهات القراءة عند عينة البحث التي ضمت مجموعة من القراء بصيغتي المذكر والمؤنث، والتي صاغت تكوينها المدرسي والأكاديمي والفكري، وشكلت توجهها الثقافي المنظومة التربوية والتعليمية العربية. حيث قال: (أن النسبة الأكبر من أفراد العينة يقرأون بشكل أساسي في مجال الأدب والثقافة العامة “28%”، يليهم من يفضلون القراءة في مجال الأديان “18.4%”، ثم القراء في مجالات العلوم الطبيعية والرياضيات والتكنولوجيا “12.9%”. ولم تظهر مجالات توزع القراءة بين الذكور والإناث اختلافات جوهرية عموما، بل لوحظ ارتفاع نسبة القراءة في مجال الأدب لدى الذكور “28.2%” مقارنة بمثيلتها لدى الإناث “26.5%”، وارتفاع هذه النسبة أيضا لدى الذكور في مجال التكنولوجيا “11.2%”مقارنة بمثيلتها لدى الإناث “7%”، وفي مجال العلوم الطبيعية والرياضيات “3.4%” لدى الذكور و”1.7%” لدى الإناث، فضلا عن مجال السياسة ” 6.5% للذكور و3.9% للإناث “. فيما ارتفعت نسبة قراءة الإناث عن مثيلتها لدى الذكور في بعض المجالات الأخرى، وهي: مجال الفلسفة وعلم النفس ” 9.8%لاللإناث و4.2%للذكور ” والفنون ” 6.4% للإناث و3.9% للذكور ” والمعارف العامة ” 8.4% للإناث و6.7% للذكور)[19]. وقد توزعت نسبة أفراد عينة البحث حسب مجالات القراءة على الشكل التالي حسب معطيات الجدول[20] الآتي:

مجال القراءةالنسبة” % “
الأدب28.0
الأديان18.4
التكنولوجيا10.0
التاريخ والجغرافيا8.0
العلوم الاجتماعية بصفة عامة6.8
العلوم الطبيعية والرياضيات2.9
الفلسفة وعلم النفس6.1
الفنون4.6
اللغات2.4
السياسة5.6
المعرف العامة7.3

فمن هذا الجدول يمكن البحث عن موقع العقل العلومي مقابل العقل الأدبي في التوجه العام للمجتمع العربي بما فيه المجتمع المغربي، الذي يضعف فيه توجيه المتعلمين إلى المسالك العلمية والتكنولوجية والتقنية بناء على الكفايات العلمية المطلوبة والمحصلة فعليا وواقعيا لا الافتراضية والوهمية منفوخة النقط، وإنما الأغلب ـ مرغم أخاك لا بطل ـ متجه نحو هذه الشعب والمسالك. وما الساعات الإضافية والدعم والتعزيز والتثبيت والتقوية، الداخلي والخارجي في المسالك العلمية إلا دليل قاطع على مردودية منظومتنا التربوية والتعليمية في مجاله! وهذا التوجه لا يبني القاعدة الأساسية للفكر العلمي ولا يستنبت ويوطن ويرسخ البحث العلمي ومؤسساته ومجتمعه في تربة المجتمع، وإنما يموضع ذلك المرتبة الثانية بعد الأدبيات الإنسانية؛ التي تشهد هي الأخرى أزمة الاستثمار والتفعيل في المجتمع. فمؤسساتنا الجامعية ومعاهدها التكوينية ومراكز بحوثها تشهد طفرة كبيرة في تخريج حاملي الشهادات العليا في مختلف مجالات هذه الأدبيات الإنسانية بكم هائل ومهول في بعض الحالات دون أن يقدم هذا المنتوج الأكاديمي الحلول الناجعة للمشاكل التي يعيشها المجتمع المغربي على المستوى السياسي والتربوي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والصناعي والزراعي والتكنولوجي … فالمشاكل تتناسل وتتكاثر وتتوالد وتتفاقم، وتنعكس سلبا على المجتمع برمته دون تمييز بين طبقة وأخرى أو فئة وأخرى أفقيا وعموديا. الكل في مركبها سواسية، يعاني من نتائجها الكارثية عليه ويكتوي بنارها وبجرائمها. فالجرائم بكل أشكالها وأنواعها ودرجاتها يحتضنها المجتمع المغربي ويعيش تفاصيلها اليومية حتى بتنا لا نأمن عن أنفسنا ومالنا وممتلكاتنا وأعراضنا، وفقدنا الثقة بالجميع، ونتوقع منهم الشر قبل الخير. ونحن نعلم أنه إذا فقد الأمن في المجتمع ذهب عنه الأمان، وإن ذهب الأمان يذهب كل شيء؛ فتصبح حياة المجتمع برمته لا قيمة لها ولا معنى ولا وزن ولا اعتبار لها لدى مجرميه ولصوصه ومرعبيه وإرهابييه وقطاعه الذين يرفعون من درجة خوفه وفزعه عن نفسه وماله وعرضه وممتلكاته ومكتسباتها، بل الخوف عن كيانه واستقراره واستمراره ووجوده. ففقدان الأمن والأمان باب للفوضى والسيبة يلجه كل مجرم وعاتية وظالم ومتكبر وجبار، وكل مختل عقليا وأخلاقيا، وكل سائب لا يدري ما يفعل بنفسه وبمستقبله وبدمستقبل أبناء مجتمعه.  فالأمن مطلب إسلامي شرعي أمنته آيات كريمة وأحاديث شريفة، فقد قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)[21] و(مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)[22] و(ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)[23] و(كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ)[24] و(ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ)[25] وقوله جل وعلا: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)[26]. وهذا بيان لما للأمن من أهمية في الحياة المستقرة البانية للإنسان ومجتمعه وحضارته. وقد جاءت السنة النبوية الشريفة مؤكدة لهذا القانون الإلهي بقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ / بَدَنِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا)[27]. فالأمن حاضنة السلام والسلام حاضنة الاستثمار والكسب في مختلف القطاعات والمجالات الحياتية للمجتمع والدولة. لذا ألفينا الدول تعمل بجميع السبل على تحصيل أمنها ـ والأمن هنا في جميع المجالات ـ ولو بالقوة، وهي تحميه بالقوة عندما يخترق. والدول القوية هي الدول الآمنة داخليا وخارجيا، ونحن نلمس بأن الأمن مجلبة الاستقرار والنماء والتطور والاستثمار، وهو البيئة الطبيعية لتبييئ البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والعلمية … في المجتمع. أما المجتمعات والدول غير الآمنة فهي الدول الأكثر خرابا واضطرابا وتأخرا وتخلفا نتيجة هجرتها من مواطنيها وأدمغتها، وهي أقل إنتاجا وازدهارا. فلا حياة طبيعية، ولا دنيا معيشة، ولا حضارة قائمة، ولا تقدم منجز، ولا رخاء يعم المجتمع مع فقدان وانتفاء الأمن والأمان، لأن الأغلبية تبحث عن الأمن والأمان خارج هذه الدول والمجتمعات للاستقرار والعيش والإنتاج.

ـ البعد القيمي:

مسألة القيم في المجتمعات مسألة أساسية لأنها محور اجتماعية المجتمعات وأساس التحام مكوناتها وتناسقها وانسجامها وتكاملها، وبوصلتها في الفكر والثقافة والسلوك، فهي القيم تمثل (كيانا مشتركا، يكون أسس الثقافة، ويحدد الطرق التي تجعل أعضاء جماعة معينة تسكن عالما واحد … لا وجود لتواصل ممكن في غياب القيم مادام الرابط الاجتماعي لا يوجد إلا إذا أحيينا القيم الضمنية بطرحها وتأويلها)[28]. وهي ضامن الاحتكام حين الاختلاف نتيجة تضارب القيم وتحولاتها وتغيراتها وتبدلها وفق معطى الجدلية التاريخية التي تفرز التجاذبات والصراعات والحراك الاجتماعي، والتقاطعات والتكاملات بين النظم القيمية المختلفة في نماذجها ” البراديغمات ” المتنوعة على المستوى الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتربوي … وحسب التفاعل العولمي والتدافع الحضاري بين مكونات المجتمع الواحد، وبين المجتمعات المختلفة ذاتها. وهي القيم المحدد للشخصية الفردية والجمعية للأفراد والمجتمعات ومانحتها الهوية ومشكلة تمثلاتها ومعارفها وثقافاتها وسلوكياتها، وهي الرامية إلى تحقيق نهضة هذه المؤسسات الاجتماعية، وإلى تقدمها لأجل اعتلاء المكانة الإنسانية للفرد والمجتمع، اللائقة بهما من بين المجتمعات الأخرى؛ فكانت بذلك مدخلا لفهم الأفراد والمجتمعات على حد سواء، بما تتيحه من مقاربات وأدواتها العلمية في تناول وفهم وتحليل معرفي ” إبستيمي ” لواقع الحضور المجتمعي للمجتمع ومكوناته المتنوعة خاصة منه المكون البشري. وما يروج فيه من مسلكيات ومذهبيات ومعتقدات وثقافات ورؤى اجتماعية متنوعة ومتعددة، قد تنسجم وتتكامل، وقد تختلف وتتصارع وتتضارب. والمجتمع المغربي لا يشذ عن هذا القانون الكوني؛ فهو يشهد تحولا وتغيرا جذريا في منظومة قيمه نتيجة التفاعل العولمي والصراع والتدافع الحضاري والانفتاح الكوكبي على الآخر، وانحصار العالم في قرية صغيرة جدا، قامت بفعل التقدم التكنولوجي والمعرفي والمعلوماتي. ونتيجة (أن المجتمع المغربي مجتمع تهيكله قيم ومعتقدات ومسلكيات وعقليات مختلفة وغير متجانسة؛ وهي مع ذلك، تتساكن وتتعايش داخل المجتمع المغربي وداخل المجموعات المكونة له وفي باطن الأفراد أنفسهم. ولعل من مخاطر تنوع القيم واختلافها من العوامل المفسرة لما يلاحظ في تفكيرنا وسلوكنا من تناقضات وتذبذبات واختلالات. ومع ذلك، فظاهرة منظومة القيم المركبة ظاهرة تكاد تكون ظاهرة كونية تعكس إرادة الإنسان في تدبير شأنه تدبيرا يتوافق وواقعه وإمكاناته وحاجياته ومصالحه)[29].

ومسألة القيم تتقاطع فيها عدة مؤسسات تعليما وتربية وحماية، وهي تتجذر في تربة منظومة التربية والتعليم والمؤسسة التعليمية فضلا عن الأسرة عميقا، و(اعتبارا لخطورة مسألة القيم ومركزيتها في المجتمع، فإن عددا من المؤسسات التي تضطلع بالوظائف التربوية، تتقاسم مهمة ترسيخ ثقافة القيم لدى الناشئة. ولا شك أن من أهمها الأسرة والمدرسة والمجتمع السياسي والمجتمع المدني. وتتعدد مصادر إنتاج القيم واختلاف قنوات تلقينها، تتعدد وتختلف مضامين القيم بل وتتصارع في حلبة الحقل الاجتماعي. ويصعب الجزم بإمكانية التوفيق السليم بين هذه القيم على مستوى الأفراد والجماعات. والحال أن المدرسة، في حد ذاتها، موضع التجاذب والتصارع بين القيم، بحكم عدم التجانس بين الفاعلين المؤثرين في حقل التربية والتعليم، من واضعي المناهج مع اختلاف مرجعياتهم والأساتذة مع تعدد مشاربهم والأسر مع تباين انتمائها الاجتماعي والمتعلمين مع اختلاف ميولاتهم. أما بالنسبة للمدرسة، فهي تعتبر بامتياز المؤسسة المرجعية لتلقين المنظومة القيمية السائدة. وبالرجوع للاصطلاح التربوي، فالقيم مجموع المثل العليا المؤسسة على مبادئ وقوانين، بعضها وضعي وبعضها ديني؛ وهي قيم متعارف عليها ومشتركة بين مكونات المجتمع. وحيث أنها تلقن المتعلم نموذجا معياريا وتفرضه عليه، فهي تؤطر فكر وسلوك المتعلم وتوجهه نحو الأفضل أو نحو الأسوإ، حسب مضامين هذه القيم وحسب منحى المدرس ومعتقداته ومواقفه. ومادام احتمال الأسوأ وارد، فمن الحكمة والتبصر أن تولي أهمية بالغة لجودة تكوين المكونين والأساتذة وأن تصاغ المناهج التعليمية على حيز وافر من المعرفة والمهنية، عوض الشحن الإيديولوجي والعقائدي …؛ وأعتقد أنه برجوع المدرسة إلى وظيفتها المركزية، والتي تكمن في تعليم مضامين معرفية والتسليح بمنهجية النقد العلمي، قد يكون من الممكن إنقاذ المنظومة الوطنية للتربية والتعليم من الأزمة؛ بل من الإفلاس الذي طالها وأفرغها من كل مصداقية ونجاعة)[30]؛ حيث تعيش منظومتنا التربوية أزمة عميقة في البعد القيمي من حيث اهتمامها بالبعد المعرفي في الممارسة الصفية اهتماما مركزيا على حساب البعد القيمي الذي لا ينفك يشكل القائمة الثانية للمنظومة التربوية التي لا تتم بنيتها إلا بها. فتسييل منظومة القيم المتضمنة في المناهج والكتب المدرسية وفي المجتمع المدرسي لا تتم ببساطة وسهولة وسلاسة كما يعتقد، في ظل ازدحام تسييل منظومات قيم أخرى في هذا المجتمع عبر وسائط وأوساط متنوعة خاصة منها وسائل التواصل الاجتماعي، وتحت سقف تفاعل وتدافع منظومات القيم العالمية والكونية، وتحت صبيب الدخ الإعلامي لقيم المجتمعات المتقدمة التي تحاول فرض قيمها بمختلف الأساليب والطرق والوسائل بما فيها الاستلاب الفكري والثقافي. والحروب الناعمة كنزعة الاستهلاك وتسليع القيم وتبخيس بعضها وتشويه الآخر، والحط من قيم الغير بدعاوي عدة من قبيل حقوق الإنسان ومحاربة التطرف … في المقابل تقف منظومتنا التربوية موقف المستقبل المتأثر بالوافد الجديد انبهارا أو تبعية أو انقيادا، لا تدري ماذا تفعل لهذا الهجوم على قيمنا وتقاليدنا وأعرافنا العريقة. وغدت المدرسة المغربية فاقدة لهوية قيمها التي اعتادت عليها أجيال من الطلاب والتلاميذ في زمنها الماضي وتشربوها في سلوكهم وأدائهم المجتمعي، وما عادت تلمسها في الأجيال الحديثة من المتعلمات والمتعلمين نتيجة عدة معطيات ذاتية وموضوعية؛ التي أفرغت ساحة القيم التقليدية لصالح قيم جديدة لا تشبه سابقاتها ولا تنسجم مع المعطيات المجتمعية الحالية ولا مع ثقافة العصر التي طغت عليها الماديات، وافتقد الإنسان في ظلها بعده الإنساني والإحساسي لصالح بعده البيولوجي الذي ينحو به نحو عالم الحيوان الناطق، وينأى به عما يسمى الإنسانية!

فالمؤسسة التربوية تشهد ظواهر سلوكية مرضية، تشي بأنها في حاجة ماسة إلى إعادة التفكير في بعدها القيمي والأخلاقي، وفي دورها التربوي داخل النسيج الاجتماعي بمفهومه المؤسساتي والمجتمعي، لكي يعاد إحياء فاعليتها في بناء الإنسان المغربي قيميا وأخلاقيا وسلوكيا فضلا عن التعليم والتمهير. فالمؤسسة التربوية تعي جيدا وتعلم ما للقيم والأخلاق من قيمة قصوى في تشكيل هوية المجتمع وتمتين العلاقات البينية بين أفراده؛ من حيث القيم الإنسانية معايير دينية أو إيديولوجية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو إنسانية محلية أو عالمية، تنظم العلاقات البينية للتفاعلات الإنسانية والمجتمعية بين الأفراد في المجتمع الواحد، وبين المجتمعات فيما بينها. كما تشكل الهوية الفردية للأفراد، وتشكل الهوية المجتمعية للمجتمعات البشرية. وهي تقع تحت سقف الحق والواجب تشريعيا وعقائديا وسلوكيا، تعمل على المحافظة على هوية الأمة، وسلامة التفاعلات المجتمعية، وتضمن السلم الاجتماعي في المجتمع بما يجعله يؤدي وظيفته بشكل سليم وواضح. وهي منظومة القيم والأخلاق تشكل في نفس الوقت أحد المؤشرات الدالة على درجة وعي ورقي وتحضر وإنسانية الأفراد والجماعات والمجتمعات. وهي كذلك مؤشر دال على أسلوب ونمط التفكير الذي يوظفه الأفراد والمجتمع والمؤسسات لأنه في علم النفس وعلم الاجتماع يعد الإطار المرجعي الذي يضبط ويتحكم في تفاعلاتهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم وأفعالهم ومعتقداتهم بجانب عوامل أخرى، ويوجهها إلى المطلوب قيميا وأخلاقيا اجتماعيا حتى يوصف الفعل أو السلوك أو المعتقد أو التصرف بالملاءمة مع المجتمع ويتخذ سمة الاعتيادية وقيمة التداول في المجتمع. ويستنبت علاقات بينية إيجابية بين الفرد والآخر، تقلص من الخلافات والاختلافات الهادمة للعلاقة الاجتماعية ولوحدة المجتمع وللسلم الاجتماعي.

                فرغم وعي المؤسسة التربوية بقيمة منظومة القيم في المجتمع، فهي مقصرة في هذا الدور وفي هذه الوظيفة، حتى بتنا نشهد ظواهر اجتماعية مشينة، أقل ما يقال عنها أنها شاذة ونشاز في سياق أخلاقيات وقيم المجتمع المغربي التقليدي. فالهجوم والتعدي على أسرة التربية والتعليم من قبل المتعلمات والمتعلمين والآباء والأولياء وبعض المسؤولين أصبح سلوكا اعتياديا وطبيعيا في مجتمع يؤمن بالعنف والاستقواء والجبروت، كما أن السلوكيات المرضية لبعض أفراد أسرة التربية والتعليم تجاه المتعلمات والمتعلمين تؤجج المشهد العنفي في المؤسسات التربوية، وتسيل العنف فيها بطريقة غير مفهومة ولا مقبولة. تغري الشذوذ السلوكي والأخلاقي بالانتشار فيها وفي المجتمع. وهذا الواقع يألفه المتتبع والمشاهد للأحداث المدرسية وقضاياها الجنائية والجنحية التي تزدحم بها رفوف المحاكم المغربية، والمشاهدة المتسلسلة لها في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يطرح سؤال القيم والأخلاق في منظومتنا التربوية وجودا وتفعيلا وسلوكا؟ كما يطرحه على الأسرة المغربية التي ما عادت تهتم بالبعد القيمي والأخلاقي في تربية أبنائها واقتصرت على الجانب المعيشي بكل مناحيه وتفصيلاته. ولم يعد ذلك التكامل بين المؤسسة التربوية والتعليمية والأسرة قائما، وانفصمت العلاقة بينها إضافة إلى انفصام وسائل الإعلام والتواصل والاتصال والمؤسسة الدينية عنها، حيث كل منها تغني على هواها، وتسبح في بحرها الخاص بالكيفية التي تراها مناسبة لها، فوقع التضارب والاختلاف بينها، وربما الخلاف والشقاق الحاد بينها؛ فتلمس عن قرب هدم الواحدة منها ما تبنيه الأخرى! فمثلا؛ يسود في الأسرة خطاب التحريض على المؤسسة التعليمية بما يفيد: ” ليس من حق الممارس البيداغوجي فعل كذا وكذا، وليس من القانون قول كذا وكذا، والمتعلم/المتعلمة حر في هيئته وتصرفاته وسلوكه لأن ذلك يدخل في الحرية الشخصية … ” وهكذا، انتشرت ثقافة التسيب في المجتمع المدرسي، وانتشرت الفوضى في المجتمع برمته نتيجة تغير مفهوم المدرسة التي تعني النظام والانظباط والالتزام والاحترام والقدوة الحسنة، ونتيجة انهدام دور مؤسسات التربية والتنشئة الاجتماعية، والتربية الدينية، والتربية الإعلامية والتواصلية. ويذكي ذلك نارا وتأجج لهيبها اشتعالا بعض مؤسسات المجتمع المدني التي تزعم وتدعي حمايتها لحقوق الإنسان وحقوق الطفل وجمعيات أمهات وآباء التلميذات والتلاميذ، وانهيار منظومة القيم والأخلاق في المجتمع حتى بتنا نعيش ونشهد ظواهر اجتماعية وسلوكية لا صلة لها بتربيتنا أو ديننا أو تقاليدنا أو عقائدنا أو هويتنا، تخرج عن نطاق معيار القيم والأخلاق، وتشوه السلوك والمنظر العام للمجتمع، في مؤسساته وشوارعه وبيئته. فقد سرنا نعيش في زمن الاستيلاء على الملك العمومي بكل أريحية، ودون استحضار سلطة الدولة ولا قوانينها ولا هيبتها، ولا استحضار تلك الآيات الكريمة، وتلك الأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو إلى الإفساح في المجلس وإماطة الأذى عن الطريق! فطريقنا وشوارعنا اليوم غزتها واستوطنتها واستعمرتها العجلات والبراميل والسلاسل والكتل الإسمنتية والأحجار والمسننات والمسامير، وكأننا نعيش بين حواجز الاستعمار ونقاط تفتيشه! وأرصفتنا كلها أصبحت من الملك الخاص التابع للمتاجر وأفرشة البائعين، وأصبحت التربية الطرقية غائبة بقيمها عنا، وغدونا نمشي في الطريق نزاحم المركبات على اختلاف أنواعها وأشكالها، وكأننا أدينا الضريبة عن ذلك مثل المركبات، والويل والثبور لمن يستنكر ذلك، ويدعو إلى مشهد حضاري وإنساني ينشرح له الصدر، وتطرب له الروح، وترتاح له النفس كباقي البشر الحضاريين. فالعين في ظل هذا المشهد الكئيب والبئيس تعتل بكل العلل والأمراض، وتتمنى لو لم تر ذلك؛ بؤس غارق في بؤس شديد، لا يعرب إلا عن مجتمع متخلف فاقد للذوق والجمال في معيشه وحياته، منهدم القيم والأخلاق؛ لا يملك حسا إنسانيا عاما، ولا ثقافة ” نحن ” بل ” أنا ومن بعدي الطوفان “. ألم يعتري الألم والوجع، يغمر كل إنسان يملك ذرة إحساس حقيقي؛ ذاك الذي تقف في وجهه الشعبوية القاتلة والمقيتة، التي تتكالب على كل حق أو استنكار أو إصلاح أو تصويب بدعاوي شتى منها طلب المعيش اليومي … مأساة نعيشها بكل تفصيلها يوميا دون أن نشعر بها، وإن شعرنا بها لا نكترث لها ولا نهتم ولا نبالي، معتقدين أننا نعيش بعيدا عنها ولا تمسنا، ونعتقد أننا على هامشها، والحقيقة أننا في قلبها ولبها غارقون إلى الأذنين، نكتوي بها ولا ندري! وعلى سطح هذا المشهد الرهيب نقف متبجحين ومفتخرين ومتباهين بما وصلنا إليه من تخلف صريح علني ومضمر! ونحن بديننا نقف في الجهة المقابلة له؛ لكن مع الأسف الشديد (إن جمهورا غفيرا من المسلمين ] المغاربة [ لا يدري أبعاد المأساة التي تعيش فيها أمته، ولا مدى التخلف الرهيب الذي يهدد يومها وغدها، ومن ثم فهو يخبط في دينه ] حياته [ خبط عشواء)[31].

وأما عن الكلام الفاحش والساقط في الشارع وفي خطاب بعض الأسر إن لم يكن أغلبها؛ فهو من شيمنا الجديدة التي نتباهى به، خاصة في الوسط الشبابي، فقد درج عليه لسان العامة والخاصة، وقبح لفظه ونطقه دون وعي منا، واعتقدنا أنه الخطاب الذي يخيف الغير ويحصل المراد من مصالح خاصة! فألفينا أسواقنا ومحافلنا وشوارعنا ومقاهينا ومؤسساتنا وفضاءاتنا العامة تستقي من هذا الكلام أفظع عباراته وأساليبه للتسوق بها والتعامل بها وحتى التفكه صار رديفها، وشاعت بمعيته الخصومات والنزاعات على أسخف الأسباب وأتفهها، وبتنا نقتدي بسفهائنا في خطابهم وقيمهم وأخلاقهم، ونهاب جانبهم، ولا ننكر عليهم سفههم. وفي ذلك بلاء عظيم لو نعلم؛ لأنه أمارة انخرام أخلاق وقيم الأمة، وانهيار بنيانها المؤسساتي والمجتمعي وكيانها على رؤوس الجميع؛ ولازم ذلك تداول الممنوعات على مرأى الجميع من مخدرات ومسكرات وسلوك شاذ يمجه الذوق السليم والأخلاق الفاضلة، والمروءة والإنسانية والشرائع السماوية. وبتنا نعيش زمن السياسي الداعي إلى الرذيلة وسوء الخلق والسلوك على العلن ساعيا لتشريعه وتطبيعيه في المجتمع بدل الدعوة إلى العلم والمعرفة والأخلاق والإبداع والابتكار والاستقامة والنظام؟ هبل في هبل وخبل! عبثية الوجود مع سياسي عبثي! وقد نسي المسكين قوانين اجتماعية كونية تتحكم في اجتماعية الإنسان إن هدمت هدم الهيكل كله، ومنها مسألة منظومة القيم التي سبق أن قال شاعرنا الكبير أحمد شوقي فيها شعرا:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت           فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ونحن سائرون إلى الاندثار والتفسخ والانحلال، وإن لم يكن ماديا وبيولوجيا، فهو معنوي ونفسي بما يفيد الحقيقة أن الميت لفظا كالميت حسا؛ وما وجودنا الحالي إلا من باب إمكانية واحتمالية الوجود لواقعنا الحزين الذي يتغذى من أخطائنا التاريخية الاستراتيجية القاتلة. وقد أقر مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون أن هذه الظاهرة الاجتماعية هي من طبيعة الحضر بمعنى التمدن لأن (أهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها، قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم، فنجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم، لا يصدهم عنه وازع الحشمة، لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولا وعملا)[32]. وأما عن الأمراض الأخرى الاجتماعية والنفسية والتربوية والسلوكية فحدث عن انتقالها من الشارع إلى الوسط المدرسي ولا حرج في ذلك؛ فالسرقة والنهب والتحرش الجنسي والعنف مظهر طاف على سطح مياه هذا الوسط، ومن سمات هذا الإنسان العربي، متولد فيه ومتأصل بطبيعة ثقافته المريضة المحمولة على فقه مشوه وموروث كلامي وتفسيري معتوه وتعليم مبتور، جعل النهب والسرقة والطغيان أفضل من التفكير ونتائجه العلمية والتقنية، التي تعود بفوائد وعوائد أكبر مما ينهب ويسرق، وانتزعوا عن ديننا ورسولنا الرحمة ومكارم الأخلاق والعطف والحنان والاعتناء بالإنسان، وضربوا بسيرته العطرة عليه السلام عرض الحائط، المرفوعة على أعمدة أساس من العدل والرحمة ومكارم الأخلاق والصدق والرؤية الاستراتيجية والتعامل الحكيم مع الأعداء والخصوم، فالتعامل مع الأسرى بالرفق وعدم التعرض لغير المحارب من زهاد وعباد وشيوخ ونسوة وأطفال ولا هدم مباني العبادة من كنائس وأديرة … لدليل قاطع على طبيعة هذا الدين الرحيم، فالنهب والسلب رجع عما يدعو له الدين من تفكير وتفكر وأخلاق وأعمال فضيلة؛ وعودة حسب ابن خلدون إلى طبيعة الإنسان العربي في خراب الأوطان وفق قوله:(فطبيعتهم ] أي العرب [ انتهاب ما في أيدي الناس، وأن رزقهم في ظلال رماحهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه، فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب والملك بطلت السياسة في حفظ أموال الناس وخرب العمران)[33]؛ فالأوطان تخرب بخراب أهلها وفسادهم، وهو ما نعيشه في واقعنا، وكأن ابن خلدون يحضرنا ويصف فسادنا في ذواتنا، حيث يقول رحمه الله: ( وأما فساد أهلها ] أي الحضارة والمدنية والعمران فضلا عن المدينة والحضر [ في ذواتهم، واحدا واحدا على الخصوص؛ فمن حاجات العوائد، والتلون بألوان الشر في تحصيلها، وما يعوذ على النفس من الضرر بعد تحصيلها، بحصول لون آخر من ألوانها. فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه. وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له، فتجدهم أجرياء على الكذب والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الأيمان والرباء في البياعات. ثم تجدهم ـ لكثرة الشهوات والملاذ الناشئة عن الترف ـ أبصر بطرق الفسق ومذاهبه، والمجاهرة به وبدواعيه، واطراح الحشمة في الخوض فيه، حتى بين الأقارب وذوي الأرحام والمحارم، الذين تقتضي البداوة الحياء منهم في الإقذاع بذلك. وتجدهم أيضا أبصر بالمكر والخديعة، يدفعون بذلك ما عساه ينالهم من القهر، وما يتوقعونه من العقاب على تلك القبائح؛ حتى يصير ذلك عادة وخلقا لأكثرهم، إلا من عصمه الله. وأهل الأخلاق الذميمة. ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم، ممن أهمل من التأديب، وأهملته الدولة من عدادها، وغلب عليه خلق الجوار والصحابة، وإن كان أصحابه أهل أنساب وبيوتات …)[34].

                هذا الوضع الموبوء لم يأت من فراغ، وإنما أصله ومنشأه تبادلية مزدوجة في اتجاهين متلازمين جيئة وذهابا متعلقة بالمؤسسة التعليمية رمزا للتربية والمجتمع العام، رمزا للسلوك، وبيئة تنفيذ مقابل رمزيته إلى المؤسسات الرسمية والمدنية. فإن كانت التربية والتعليم معنية بدرجة مباشرة بتنشئة المتعلمات والمتعلمين على منظومة القيم المتضمنة في المناهج والديداكتيك والموارد التعليمية والأنشطة والأنظمة المدرسية، وفي السلوك اليومي للمجتمع المدرسي خاصة منه الطاقم الإداري والتعليمي والخدماتي، الذي يشد إليه تطلعات المجتمع في تربية أبنائه على مجموعة قيم نبيلة كالحب والتسامح والعدل والحوار وقبول الاختلاف والتنوع والحق والواجب والمساواة والديمقراطية والحرية والاستقلال والاستحقاق وفق الكفاءة … وغيرها من القيم المتوافقة مع ثقافة العصر المؤسسة لحقوق الإنسان، والرامية إلى إحلال السلام العالمي والإقليمي والمحلي بين الأفراد والشعوب والدول؛ فواقع تعليمها، وبناؤها تربويا وتعليميا، وممارستها يقع تحت ضغوط مخلفات نتاج حضارة العصر من نزعة فردية تقدم وتفضل مصالح ومنافع الفرد على مصالح الجماعة حسب ثقافة الليبرالية المتوحشة، وثقافة الاستهلاك والاحتكار والاستحواذ، وثقافة الارهاب والعنف والتطرف، وثقافة الاستصغار والخنوع والجبن والخوف والخور السيكولوجي والإحباط والذلة والمهانة، والاستعمار الناعم والقهر المخملي للدول والشعوب والجماعات والأفراد، والكذب والغش، والخطاب المزدوج … وهي ضغوط دفعت الإنسان المغربي كباقي الإنسان العربي إلى (حالات متقدمة جدا من الإحباط واللامبالاة والاكتئاب الشديد، فانعزل عن همومه الوطنية والقومية، ورضي بالانهزام والانكسار والانطواء، فلا هو بالكريم في داره، ولا هو بذي قيمة تذكر في موازين القوة فوق الكوكب الذي يعج اليوم بالأقوياء والأذكياء والفصحاء من بناة الرفاه والمستقبل)[35].  وهو الواقع الذي يقلص فرصة نجاح التربية والتعليم في إحداث الطفرة المنشودة في منظومة القيم العصرية، باختراق حصن العولمة ونتائجها السلبية على البشرية، وحصن السياسة التائهة الخادعة المراوغة، ومعاقل ذئابها الشرسة، والانفتاح على الثقافة الغربية غير المشروط، وغير المنضبط للمعايير الفكرية والمنهجية والمعطيات الثقافية والتاريخية الخاصة بالأفراد والمجتمعات والشعوب والدول. وهو ما يخلق شرخا واضحا بين واقع خطاب المؤسسة التعليمية وممارسة المجتمع؛ حيث لا تصرف عملة القيم والأخلاق في السوق المجتمعي والاجتماعي للفرد والجماعات، الذي يتأسس على لغة المصلحة ودوران الفرد والجماعات بدورانها! فيلمس المتعلم الفارق بين الخطاب والممارسة في ظل منتوج المؤسسة التعليمية الذي هو المجتمع، انطلاقا من المؤسسة التعليمية نحو المجتمع الذي يستقبل مخرجاتها. لذا؛ ألفينا الخطاب التربوي والتعليمي والتنشيئي العالمي والإقليمي والمحلي يدعو إلى التعليم المتمركز حول المتعلمة/المتعلم الموجه بالقيم؛ من حيث (يميل التعليم الموجه بالقيم إلى التركيز على تكوين المناهج الدراســية في ضوء توجه قيمي أخلاقي، وكذلك إلى تكوين مدرســين تكوينا أخلاقيا قيميا وأخلاقيا، وتطوير أساليب تدريسية توجه التلاميذ إلى قيم روحية وعملية، مثل حث التلاميذ على الإبداعات الأدبية والفنية، وتنمية صور التفاعل والتعاون بين التلاميذ)[36]. وتنمية التفكير النقدي والإبداعي والمنطقي والعلمي لديهم، بما يخلق لديهم كفاية التحليل والنقد وقراءة منظومة القيم السائدة في المجتمع ومؤسساته المختلفة، والقائمة بين الدول والشعوب، وتبيان قيمها الحقيقية ونفعيتها من مضارها، ومدى قابلية تفعيلها والتعامل بها. ومنه يمكن القول (إن التعليم الذي يفترض فيه أنه الدواء والعلاج لمشاكل الأمة وإشكالات الحياة، انتهت إليه مشــكلة الأمة بكل تعقيداتها وتداعياتها، فأضحى أســاس الداء والتخلف، فأصبح بذلك العالم الإسلامي يعيش أزمة حقيقية عنوانها التعليم. من هنا فالحاجة ماســة اليوم لمن يطرح البدائل والحلول والخطط اللازمة؛ ليتعافى من أعطابه ويستطيع الاسهام من جديد في تنمية الأُمة. إن الفكر التربوي التعليمي الكفيل بإخراج الأُمة من جديد، والمنطلق في طريق تحقيق شهودها الحضاري على سائر الأُمم ـ ضروري أن يكون نابعا من الفهم السليم للإســلام، ولا يمكن للتعليم أن يتجاوز أزمته بأدوات حضارية غريبة عنه، ومقطوعة الصلة بحضارة أُمته وقيمها وثقافتها. إن ســؤال إصلاح التعليم ســيظل مطروحا مع تجــدد الأجيال وتطور الحياة، فهو من المواضع المتجددة باستمرار، والتي تتطلب تقليب النظر فيها في كل وقت وحين بحسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها الإنسان)[37] من قبل العباقرة؛ أولئك الذين يمنعون المشاكل والإشكاليات من الوقوع بدل إصلاحها بعد وقوعها وفق موروث ” ألبرت آينشتاين ” المقولي: ” المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها والفلاسفة العباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ “. وما أكثر مشاكل وإشكاليات وقضايا تربيتنا وتعليمنا المأزوم. وإذا استحضرنا في سياقه (وضعية غياب القيم والمعايير المنظمة والممأسسة للممارسة التربوية في مجتمعنا، والتي تحيل، على مستوى مرجعيتها الاجتماعية، إلى حالة التفكك التي يعرفها المجتمع، بنيات، وعلاقات، ومؤسسات … وما ينجم عن ذلك من تكريس لواقع الفوضى القيمية والثقافية والاجتماعية … وشيوع وتبني القيم الرديئة مثل: الأنانية، والتواكل، والتحفظ، والخوف، وتقديس المصلحة الخاصة، وتدعيم الاعتماد على المحسوبية والزبونية والرشوة وعلاقات القرابة … المنافية لكل القيم الإيجابية والمنتجة مثل: التعاون والحوار والمشاركة وتقدير مكانة العقل والعلم والمعرفة والعمل الجماعي والمصلحة العامة … الأمر الذي يفقد معه الفاعلون الاجتماعيون ـ داخل المؤسسة التربوية وخارجا ـ الكثير من القدرات الابتكارية، ومن الثقة في الذات أو في الآخر، ومن التحفيز بالتالي الانخراط في أي مأسسة بانية ومجددة؛ وأقول: إذا استحضرنا هذه الوضعية المأزومة الموسومة بما سبق، اتضحت لنا بجلاء مكانة الفلسفة ودورها كتفكير نقدي حر في تعرية زيف وتناقض وغموض هذه الشروط الاجتماعية، وفي المساهمة أيضا في إنضاج وعي الفاعلين والمعنيين بأسس وخلفيات ومستتبعات هذه الشروط، وبقدراتهم وإمكاناتهم الظاهرة أو الكامنة أو المحتملة، وبمواقعهم وأدوارهم وبمسؤولياتهم في التأسيس لإنتاج وإعادة إنتاج شروط جديدة، أي الانتقال بهم من وضعية العناصر المستلبة أو المستبعدة إلى وضعية الفاعلين القادرين على فعل المأسسة وإنتاج المعنى والقيم، وتملك شروط ومقومات الانعتاق والتحرر، ولاسيما في لحظتنا الحضارية الراهنة الموسومة بكونها لحظة تنامي مد العولمة، وخطابات وممارسات، وقيما ثقافية وسياسية وحضارية جديدة … تتطلب الفاعلية في التحاور والتواصل والمنافسة الندية في مجالات معرفية وتكنولوجية واقتصادية واجتماعية متعددة)[38].

هذا الوضع جعل المبرمج التربوي المغربي يستحضر البعد القيمي في إطار (مجال التنشئة الاجتماعية والتفتح، الذي أصبح يركز بشكل أكبر على القيم والمعارف والكفايات والسلوكات المحددة للمواصفات المتوخاة في السلك الابتدائي، ويقدم تصورا تربويا مختلف الأنشطة الثقافية والاجتماعية والفنية والبدنية والرياضية… في تضافرها من أجل بلوغ أهداف تربية أخلاقية ومدنية بمراعاة سن المتعلم “ة” ونموه في مرحلة التعليم الابتدائي)[39]. امتياحا من الاختيارات البيداغوجية التي (تقوم على الفلسفة التربوية والاختيارات والتوجهات العامة لإصلاح نظام التربية والتكوين على اختيارات كبرى ناظمة وموجهة] والتي يتضمنها الميثاق الوطني للتربية والتكوين كمصدر فلسفي تربوي مغربي متفق عليه يؤطر المنظومة [وهي: 1 ـ القيم؛ 2 ـ التربية على الاختيار؛ 3 ـ الكفايات؛ 4 ـ المضامين؛ 5 ـ تنظيم الدراسة)[40]، فاتخذ نبعا لذلك مجال القيم[41] مرتكزا واختيارا استراتيجيا في توجهاته الكبرى باعتماد:

ـ قيـم العقيدة الإسلامية؛] والتي تنص على قيم أخلاقية قائمة في الإنسان المؤمن والمتخلق؛ جسدها الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من قبيل:

ـ التقوى والصدق؛ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[42]؛

ـ التواضع؛ في قوله سبحانه: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين)[43] و(عِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)؛

ـ اجتناب الكبائر والفواحش والعفو؛ في قوله جل وعلا: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)[44]؛

ـ عدم الظلم والقصاص بالعدل، والصبر والعفو والسلام والإصلاح والإحسان؛ في قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[45] و(ولَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[46] و(الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[47] و(فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[48]؛

                فقد ( كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، لم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه، وكان أسخى الناس، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، لا يُسأَلُ شيئا إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء، وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم معهن، وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، ويجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويكافئ عليها، ولا يأكل الصدقة، ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين، يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه، وعرض عليه الانتصار بالمشركين على المشركين وهو في قلة وحاجة إلى إنسان واحد يزيده في عدد من معه فأبى وقال: ” أنا لا أنتصر بمشرك ” وجد من فضلاء أصحابه وخيارهم قتيلا بين اليهود فلم يحف عليهم ولا زاد على مر الحق، بل وداه بمائة ناقة وإن بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به ، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ومرة يأكل ما حضر ولا يرد ما وجد، ولا يتورع عن مطعم حلال، وإن وجد تمرا دون الخبز أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد حلوا أو عسلا أكله، وإن وجد لبنا دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخا أو رطبا أكله، لا يأكل متكئا ولا على خوان منديله باطن قدميه، لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقى الله تعالى إيثارا  على نفسه لا فقرا ولا بخلا، يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس، أشد الناس تواضعا، وأسكنهم في غير كبر، وأبلغهم في غير تطويل ، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمور الدنيا، ويلبس ما وجد فمرة شملة ومرة برد حبرة يمانيا ومرة جبة صوف ما وجد من المباح لبس وخاتمه فضة يلبسه في خنصره الأيمن والأسير، يردف خلفه عبده أو غيره ، يركب ما أمكنه، مرة فرسا، ومرة بعيرا ، ومرة بغلة شهباء، ومرة حمارا، ومرة يمشي حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة، يعود المرضى في أقصى المدينة، يحب الطيب، ويكره الرائحة الرديئة، يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة من اعتذر إليه، يمزح ولا يقول إلا حقا، يضحك من غير قهقهة، يرى اللعب المباح فلا ينكره، يسابق أهله، وترفع الأصوات عليه فيصبر، وكان له لقاح وغنم يتقوت هو أهله من ألبانها، وكان له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، ولا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى أو فيما لا بد منه من صلاح نفسه، يخرج إلى بساتين أصحابه لا يحتقر مسكينا لفقره وزمانته، ولا يهاب ملكا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويا. قد جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ في بلاد الجهل والصحاري في فقره وفي رعاية الغنم يتيما لا أب له ولا أم، فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة والغبطة والخلاص في الدنيا ولزوم الواجب وترك الفضول)[49]. لذا قالت عائشة رضي الله عنها: (كان خلق نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم القرآن)[50]. وقيل عنه أنه كان قرآنا يمشي على الأرض، ولما لا!؟ وهو الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق؛ فكيف لمن يزعمون الانتساب والانتماء إليه لا يتأسون به وبشمائله وأخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمتاحون من معين منظومة قيمه المجيدة؟ ويتمسكون بالشكليات والمظاهر الجوفاء، ولبهم فراغ في فراغ! فحاشاه أن تنتمي إليه عليه السلام أمة هذه حالها الأخلاقية، وقيمها المتداولة بينها، أمة تعيش أزمة قيمية وأخلاقية شديدة في قاع الانحطاط والعبثية والزبالة والكناسة والوسخ!؟ فعار على أمة قال فيها شاعرها جبران خليل جبران:

ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين،

ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر،

ويل لأمة تحسب المستبد بطلا، وترى الفاتح المذل رحيما،

ويل لأمة لا ترفع صوتها إلا إذا مشت بجنازة،

ولا تفخر إلا بالخراب ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والنطع..

ويل لأمة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ، وفنها فن الترقيع والتقليد.

ويل لأمة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودعه بالصفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير.

ويل لأمة حكماؤها خرس من وقر السنين، ورجالها الأشداء لا يزالون في أقمطة السرير.

ويل لأمة مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة.

                ادعاء النسب لرسول عظيم ودين أعظم، والانتماء إلى منظومة قيم دينية فاضلة وأخلاق نبيلة لا توجد فيها ولا تتمثلها في حياتها الفردية والجماعية، ولا تفعلها في بينياتها [.

ـ قيـم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية؛

ـ قيـم المواطنـة؛

ـ قيـم حقوق الإنسان ومبادئها الكونيـة.

مرتكزات ثابتة بالنسبة للنظام التربوي المغربي؛ إذ (يهتدي نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكون المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، المتسم بالاعتدال والتسامح، الشغوف بطلب العلم والمعرفة، في أرحب آفاقهما، والمتوقد للاطلاع والإبداع، والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع.

يلتحم النظام التربوي للمملكة المغربية بكيانها العريق القائم على ثوابت ومقدسات يجليها الإيمان بالله وحب الوطن والتمسك بالملكية الدستورية؛ عليها يربى المواطنون مشبعين بالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العام والخاص وهم واعون أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم، متمكنون من التواصل باللغة العربية، لغة البلاد الرسمية، تعبيرا وكتابة، متفتحون على اللغات الأكثر انتشارا في العالم، متشبعون بروح الحوار، وقبول الاختلاف، وتبني الممارسة الديمقراطية، في ظل دولة الحق والقانون.

                يتأصل النظام التربوي في التراث الحضاري والثقافي للبلاد، بتنوع روافده الجهوية المتفاعلة والمتكاملة؛ ويستهدف حفظ هذا التراث وتجديده، وضمان الإشعاع المتواصل به لما يحمله من قيم خلقية وثقافية.

                يندرج النظام التربوي في حيوية نهضة البلاد الشاملة، القائمة على التوفيق الإيجابي بين الوفاء للأصالة والتطلع الدائم للمعاصرة، وجعل المجتمع المغربي يتفاعل مع مقومات هويته في انسجام وتكامل، وفي تفتح على معطيات الحضارة الإنسانية العصرية وما فيها من آليات وأنظمة تكرس حقوق الإنسان وتدعم كرامته.

يروم نظام التربية والتكوين الرقي بالبلاد إلى مستوى امتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، والإسهام في تطويرها، بما يعزز قدرة المغرب التنافسية، ونموه الاقتصادي والاجتماعي والإنساني في عهد يطبعه الانفتاح على العالم)[51]. فهل نجحت المدرسة التربوية والتعليمية المغربية في تحقيق تلك الاختيارات على المستوى البيداغوجي؟ وإلى أي درجة يلمسها الفرد في ذاته وفي مجتمعه؟ ويحققها في سلوكه المجتمعي الفردي والجماعي؟ وأين خريج المؤسسة التربوية المغربية في غالبه من هذا الخطاب المنمق المطرز بالطموحات والآمال والأوطار التفصيلية المعلقة بأطياف الأحلام؟! حيث تفيد أدبيات المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي وهي مستقاة من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، أنه (انسجاما مع هذه القيم]الأربع المذكورة سابقا[، واعتبارا للحاجات المتجددة للمجتمع المغربي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من جهة، وللحاجات الشخصية للمتعلمات والمتعلمين من جهة أخرى، فإن نظام التربية والتكوين يتوخى تحيق الأهداف الآتية:

على المستوى المجتمعي العامعلى المستوى الشخصي للمتعلم/ة
ـ ترسيخ الهوية المغربية الحضارية والوعي بتعدد مكوناتها وتنوع روافدها وتفاعلها وتكاملها؛

ـ التمسك بالثوابت الدينية والوطنية والمؤسساتية للمغرب، والاعتزاز بالانتماء للأمة، والقدرة على الموازنة الذكية والفاعلة بين الحقوق والواجبات؛

ـ تكريس حب الوطن وتعزيز الرغبة في خدمته؛

ـ التربية المدنية وممارسة الديمقراطية؛

ـ تنمية القدرة على المشاركة الإيجابية في الشأن المحلي والوطني؛

ـ تنمية الوعي بالواجبات والحقوق؛

ـ دعم مبادئ المساواة بين الجنسين ونبذ العنف بكل أشكاله؛

ـ ترسيخ القيم الإنسانية كالحرية والتسامح والمساواة والكرامة والإنصاف، والتشبع بروح الحوار وقبول الاختلاف واحترام الآخر؛

ـ التفتح على مكاسب ومنجزات الحضارة الإنسانية المعاصرة؛

ـ ترسيخ قيم المعاصرة والحداثة؛

ـ تكريس حب المعرفة وطلب العلم والبحث والاكتشاف؛

ـ الاقتناع بأهمية المساهمة في تطوير العلوم والتكنولوجيا الجديدة؛

ـ التواصل الإيجابي بمختلف أشكاله وأساليبه؛

ـ تقدير العمل والانفتاح على التكوين المهني؛

ـ تنمية الذوق الجمالي والإنتاج الفني والتكوين الحرفي في مجالات الفنون والتقنيات.

ـ الثقة بالنفس والانفتاح على الغير؛

ـ الاستقلالية في التفكير والممارسة؛

ـ التفاعل الإيجابي مع المحيط على اختلاف مستوياته؛

ـ التحلي بروح المسؤولية والمشاركة والمبادرة؛

ـ ممارسة المواطنة والديمقراطية؛

ـ إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي؛

ـ الإنتاجية والمردودية؛

ـ تثمين العمل والاجتهاد والمثابرة؛

ـ المبادرة والابتكار والإبداع؛

ـ التنافسية الإيجابية؛

ـ الوعي بالزمن والوقت كقيمة أساسية في المدرسة وفي الحياة؛

ـ احترام البيئة الطبيعية والعمل على التنمية المستدامة والتعامل الإيجابي مع الثقافة الشعبية والموروث الثقافي والحضاري المغربي؛

ـ اتخاذ مواقف إيجابية حيال الواجبات الشخصية وحقوق الآخر؛

ـ تقدير العمل والعمل اليدوي ومختلف الحرف.

 

 )[52].

فنظرة ناقدة لمحتوى الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والفكري والسلوكي والعقائدي والقيمي؛ يقف قارؤه بكل سهولة على اختلالاته، ومفارقة هذا الخطاب التربوي لمعيشه، فهو مثلا: على المستوى المجتمعي العام تنتفي منه عدة قيم منها الوعي بالواجبات والحقوق، حيث الواجبات غدت حقوقا، وأصبح العنف سمة مجتمعية وقيمة متداولة بدل قيمة نبذه، وجرى نفي الحرية والتسامح والمساواة والكرامة والإنصاف والحوار وقبول الاختلاف واحترام الآخر من السلوك العام والخاص، وانحدرت قيمة تقدير العمل في المجتمع لكثرة الغش والاستكانة على الكسل والراحة، والجمال مالت به موروثات إلى التحريم والضلال والفساد. وأصبح الكون الجميل صنع الله في أعين الكثير لا يرق إلى التفكر فيه بفكر فني جمالي، يكتشف مدى تناسق مكوناته وألوانه وظواهره، وتكامل موجوداته؟!

فالقليل النادر من يتحلى بهذه السمات والمخرجات والقيم. فالانفتاح على العالم مثلا يقتضي التسلح بالمعرفة كقوة لكي تعزز قدرة المغرب على التنافسية، ونحن نشهد في حقيقة معيشنا الاستيراد يستغرق كل شيء حتى أبسط الأشياء نستوردها من الخارج خاصة الصين؛ فأين لنا بمنظومة تربوية وتعليمية متهالكة تمليك المتعلم المغربي المعرفة العلمية الدقيقة والحقيقية التي تساهم في الصناعة والتكنولوجيات المتقدمة؟ نحن في أحسن الأحوال تقنيين مصلحين للأعطاب لا مخترعين في الأغلب. لا نرقى بمعرفتنا إلى مستوى البحث، ونفتقد المؤسسات البحثية على نطاق واسع. لنا أوراش تصليح وترقيع لا مختبرات بحث ومصانع عملاقة للاختراع والإبداع. نحن يد عاملة في مصانع ومعامل الآخرين بأرخص الأثمنة والأجور. بالكاد نحصل على قوت يومنا!؟ فكيف لعقل نخرته المخدرات على مختلف أنواعها ودرجات مفعولها أن يفكر في تطوير قنبلة نووية أو صواريخ عابرة للقارات والفضاءات أو آليات أو مركبات، وأن يفكر في سبر الكون ومجراته وكواكبه والاستفادة منها في مناحي حياته؟ فمخرج المؤسسة التعليمية في أحسن أحواله منغمس إلى قدميه في رفاهية، تجمع المال والماديات وتكدسها في البنوك، وعيش الحياة على طولها وبعرضها على هامش الحياة الحقيقية! فنحن ” مساكين ” على حد قول لساننا الدارج؛ لا يسجل لنا التاريخ أي حضور متميز وفاعل!

والمهم؛ منظومتنا التربوية والتعليمية لم تعد فاعلة في مجال القيم والأخلاق، ولم يعد مخرجها يتسم بتلك القيم التي تنادي بها في خطابها التربوي، والنادر هو وجود مخرج وفق المواصفات المقررة رسميا على مستوى النظري والعملي، من حيث (التشبع بالقيم الدينية والخلقية والإنسانية ليصبحوا مواطنين معتزين بهويتهم وبتراثهم وواعين بتاريخيهم ومندمجين فاعلين في مجتمعهم … والاستئناس بالطرق العلمية والتجريبية واستثمار التطبيقات التفاعلية والرقمية والتربية الفنية)[53]. فهي المؤسسة التربوية والتعليمية إن كانت تلتزم (تجاه مرتاديها من المتعلمات والمتعلمين بتمكينهم من الكفايات التي تنمي استقلاليتهم. وتشمل هذه الكفايات اللغات والمعارف والمفاهيم الأساسية ومناهج التفكير وأدوات البحث ومهارات التعبير عن الذات والتفاعل مع المحيط، بما فيها المهارات التقنية والرياضية والفنية الأساس، المرتبطة مباشرة بالمحيط الاجتماعي والاقتصادي للمدرسة؛ وذلك من أجل إعدادهم لبناء المواقف والتواصل والفعل والتكيف، مما يجعل منهم أشخاصا نافعين، قادرين على التطور والاستمرار في التعلم طيلة حياتهم بتلاؤم تام مع محيطهم المحلي والجهوي والوطني والعالمي)[54]. فإنها لم تكن على قدر المسؤولية التي التزمت بها نحو المتعلمات والمتعلمين. ولم تنجح في المهمة التي أنيطت بها. وهنا؛ قد يدحض البعض ما ذهبنا إليه من الاستنتاجات بحجج عدة منها، النقط المرتفعة التي يحصلها المتعلمون والمتعلمات في الامتحانات الإشهادية والمراقبة المستمرة، فنرد بأنها نقط لا تعبر عن المستوى الفعلي والحقيقي للمتعلمات والمتعلمين وكفاياتهم وكفاءاتهم التعلمية، ولعل الروائز التقويمية والاختبارات الخارجية لدليل على مفارقة النقط لواقع التعليم، فهي منفوخة في المراقبة المستمرة ودون المستوى في الامتحانات الإشهادية، وهي في كثير من الأحيان واردة عن الغش. وكم أجريت في السابق من تقويمات في المؤسسات التعليمية التي كنت أشرف عليها بحكم مهنتي التوجيهية والإشرافية بينت الفرق الشاسع بين النقط الحقيقية والنقط المدلى بها. وما زلت أحتفظ بمجموعة منها لأجل دراستها. وهذه الحقيقة المرة والأليمة والمحزنة تقر بها اليوم هيئة التدريس وتضيف شكواها من تدني المستوى التعلمي، وهي حقيقة يجب قبولها والعمل على تجاوزها بالدراسة والتحليل والتدخل. وما يزيد هذه الحقيقة دليلا هو ظاهرة الدعم الخارجي الذي تقوم به مراكز الدعم، فقد أصبح الدعم الخارجي هو السياق الطبيعي والممارسة الطبيعية لفعل التدريس، بينما العملية التعليمية التعلمية صارت هي الاستثناء، واحتلت مكانة وموقع الدعم الخارجي. مما يطرح السؤال: لماذا هذا الكم الهائل من المتعلمين والمتعلمات ينكبون على هذه المراكز؟ أليس المنطقي أن المنظومة التربوية الجيدة لا تستدعي الدعم الخارجي؟ لأنها لا تترك للسلبيات والمخلفات الموضوعية والمتنية والمنهجية مجالا للوجود؟ فما دور التقويم التكويني في أداء الدرس؟ وقيمة التقويمات الأخرى التي تقوم في سياق الفعل التدريسي؟ أسئلة حرجة وحارقة هذه التي تطرح على الباحث والمهتم فضلا عن المدبر التربوي والممارس البيداغوجي، وتدعوهم للإجابة عنها بكل موضوعية وعلمية واحترافية، ودون المواربة والتملص من المسؤولية. فالتاريخ لا يرحم والزمن لا يتكرر، إن فاتتنا لحظة الإصلاح والبناء والفعل وتحصيل النتائج واستثمارها، فلن تكرر معنا الفرصة. فالفرصة الضائعة ضائعة لا تعوض ولا ترجع مهما حاولنا أن نحيلها على أدبياتنا وأقوالنا الشائعة والتي تساهم في حرق الوقت وهدره مجانا!

ـ البعد السلوكي:

لقد مر معنا الكثير من المظاهر السلوكية الفردية والجمعية في المجتمع المغربي السلبية، وهي لا تبعد كثيرا عما يعتري العالم العربي والإسلامي والعالم المتخلف من علل وأمراض اجتماعية، وعادات وتقاليد وأعراف ثقافية واقتصادية وإيديولوجية وعقائدية وفكرية منحرفة، تنم عن اختلالات في البناء التربوي والفكري للفرد والجماعة؛ ما يساهم بشكل كبير في خلق الشروخ في المجتمع المغربي بين الطبقات الاجتماعية، وتوليد الاختلافات والخلافات في النسيج الاجتماعي المغربي، الأمر الذي يؤدي إلى إنتاج صراعات حادة بين الأفراد والجماعات والإثنيات، وينشر التحارب الخشن أو الناعم بين مكونات المجتمع المغربي. وهو ما نعيشه فعلا في الشارع العام حيث الفوضى تعم هذا الشارع؛ والكل يفعل ما يحلو له دون انضباط للقانون أو للأوامر الدينية، أو دون استحضار للقيم والأخلاق أو المشترك الشعبي من عادات وقيم وتقاليد إيجابية ونبيلة. فالجريمة غزت الشارع العام والمخدرات انتشرت بشكل واسع، ولا من يستطيع إنكارها خوفا على سلامته وسلامة أسرته وعائلته من شر الأشرار. ولا القانون يتحرك اتجاهها بشكل مستدام ومستمر وحاسم، وإنما عبر حملات موسمية نظرا لمعطيات موضوعية وذاتية مساهمة في خفض منسوب الملاحقة القانونية، منها قلة الموارد البشرية والضوابط القانونية التي تقيد يد هذه الأجهزة ولا تطلقها، الهفوة التي يستغلها هؤلاء المجرمون في زعمهم ظلم هذه الأجهزة لهم؛ وهم في الحقيقة المعتدون على القانون والبشر وعلى كل شيء في هذا المجتمع النبيل. وإن تحرك بحزم ومسؤولية فهو يعاني من رد فعل العصابات والمجرمين وأباطرة المخدرات؛ فكم من مسؤول أمني أو قضائي استشهد على يد هؤلاء الطغاة وخلف يتامى وأرامل! كما نلمس في هذا المنحى قلة تضامن المجتمع مع هذه الأجهزة لأسباب عدة، عمدتها تلك الصورة النمطية للسلطة في الذاكرة الجمعية المغربية المتسمة بالتسلط وتوابعه وزوابعه. في حين منظومة الأمن في المغرب تغيرت كثيرا عما كانت عليه في عهد الحماية، وفي بداية الاستقلال، وبتنا أمام شباب أغلبهم متفهمين يساعدون الآخرين، ويؤدون واجباتهم وفق الضوابط القانونية والتشريعية والأخلاقية إلا من شذ منهم، وهو لا يقاس عليه. فهم في واقعهم جزء من مجتمعنا المغربي، فهم أبناؤنا وبناتنا يسهرون على الأمن العام، لكن لمعطياتهم الموضوعية والذاتية لا يستطيعون تغطية انسيابية المراقبة والتدخل في هذا المجال، الذي كثر فيه الخارجون عن القانون. وهو نتيجة من نتائج هشاشة المنظومة التربوية المغربية، التي لم تستطع تربية هؤلاء ودمجهم في المجتمع بتمكينهم من المهارات والقدرات والمعارف بل الوعي والثقافة التي تدمجهم في سياق البناء الحضاري والإنساني للمغرب، فكثير منهم من مفصولي المؤسسة التعليمية. ومن منحرفي المتعلمات والمتعلمين، تآزرهم أسرهم في ذلك، فتساهم بوعي أو دونه في نشر الفوضى في المجتمع ومؤسساته! وتهدم السلم الاجتماعي من أسسه وأساساته. وهي المؤسسة الرامزة للمجتمع المحلي أو محيط المؤسسة التعليمية التي تعبر عما يعتري هذا المحيط (من ميكانيزمات وممارسات لا عقلانية مكرسة، في جلها، للفساد واللاعقلانية، والرداءة في القيم والمسلكيات مثل: الرشوة، والمحسوبية والوصولية وعلاقة القرابة والزبونية والقبلية والحزبية الضيقة … إلخ؛ ما يضرب في الصميم قيم وأسس المواطنة والديمقراطية والحداثة …، ويشكل عوائق حقيقية أمام المدرسة والمجتمع معا، وخاصة في مجال قيامهما بمهام تكوين المواطن وتنشئته السياسية السليمة؛ بل وأمام كل مشاريع التنمية والتحديث بشكل عام. وذلك بمفهومهما الشمولي المستدام، أي كسيرورة متواصلة من التفكير والتخطيط والتدبير والإنجاز …)[55]. مما يستلزم العمل على تخليص هذه الأسرة والمجتمع عبر المؤسسة التعليمية مما تعاني من جهل وانعدام الوعي والأمراض النفسية والاجتماعية والعقلية من اضطراب وتسيب وفوضى في القيم والمسلكيات والعلاقات والسلط والتوجهات والأطر المرجعية والبراديغمات المتضاربة والمتناقضة والمتحاربة في ذات الوقت، و بعدما نخلص المؤسسة التعليمية نفسها مما تعاني منه ذاتها من أزمات متنوعة، بما يجعلها (بحق مؤسسة مواطنة؛ يجب العمل على تجديد وتطوير آليات وشروط استغلالها وإعادة تأهيلها، بما يمكنها من تخطي تخلفها ومن القدرة على النهوض بمهامها المتعددة، وعلى مجابهة ما أصبح يضعه أمامها  مجتمع المعرفة والإعلام والتقانة المتطورة من إكراهات وتحديات التحول بكل مستجداته وعناصره المختلفة، متسارعة التواتر والانتشار)[56].

                فالمؤسسة التعليمية في موقع السلوك لم تفهم بعد دورها في تشييد النشاط الإنساني المختلف بتحرير العقل من كوابحه المتنوعة، التي تحاصره في التفكير فيما هو نافع ومفيد له وللمجتمع مقابل ما هو مفسد له وللمجتمع، ولم ترق بعد به إلى مشاهد وطنية راقية ملؤها التضحية والفداء وسمو الروح بالعطاء والانضباط للقوانين والتشريعات، والرفع من قيمة المصلحة العامة مقابل المصلحة الشخصية، وثقافة ” نحن ” بدل ثقافة ” أنا وأنا وحدي، ومن ورائي السيل يجرف الغثاء ” … وإنما تعطي صورا ومشاهد اجتماعية وثقافية واقتصادية وفكرية وأخلاقية سيئة؛ حين يرى المرء من تخرج من هذه المنظومة التربوية، وهو في أعلى الهرم السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو التربوي أو التنظيمي ” الإداري ” يأتي أفعالا مشينة من سرقة المال العام، والتغول والتسلط على عباد الله، والارتشاء، والتملص من أداء الواجب، وارتكاب الفواحش الجنسية الفاضحة، والانخراط في عصابات المافيا بكل مجالاتها … فصورة وسحنة خريج المنظومة التربوية في مجتمعنا النقية الصافية المتمثلة للمعرفة الحقة والأخلاق الطيبة والسلوك الإنساني الحضاري المنتج … تكسرت على صخور الهمجية الإنسانية بكل مناظرها البشعة الواقعية في معيش المغاربة اليومي، وتحطمت على أيد الجهلة والمرضى النفسانيين. فهؤلاء الجهلة والمرضى هم اليوم من يعيثون فسادا في هذا البلد السعيد. فقد بتنا نعيش التغول بمعناه الحقيقي على أجهزة ومؤسسات الدولة خاصة منها الأمنية! فما عاد هؤلاء يلقون بالا لهذه الأجهزة، بل يواجهونها بالأسلحة البيضاء والعصي وغيرها، ويتحدونها أمام الجميع وكأنهم يصنعون خيرا. فالحقيقة التي يجب أن تسعى لها الدولة هي مواجهة هؤلاء بكل حسم وصرامة، فإما هم وإما الدولة؟ فالهمجية والجهل لا يجتمعان مع مفهوم الدولة والمجتمع، فما دور المؤسسات الإصلاحية إن لم ترب هؤلاء بالقانون والتشريع والدين أو بالدفن تحت التراب بنفس القانون والتشريع والدين إن تغولوا. ففكرة الاجتماع والدولة تفيد ابتداء الانضباط لقوانينهما التي تنتج بطرق ديمقراطية ومؤسسات شرعية، ترعى المصلحة العامة لأفراد المجتمع وطبقاته وفئاته وأكثريته وأقليته، بمعنى ترعى المصلحة العامة لكل تنوعات المجتمع. والانضباط لا يتأتى إلا بمنظومة تربوية قوية ومؤسسة تعليمية ناجعة وفعالة ومواطنة (مؤهلة لتجاوز تخلفها وعزلتها، وللتمكن من تحقيق التصالح مع ذاتها ومع محيطها المحلي والكوني، واسترجاع مكانتها الاعتبارية المفتقدة؛ الأمر الذي يجعلها قادرة على الخروج مما تعيشه من اضطراب وفوضى وعنف مادي ورمزي في التفكير والممارسات والعلاقات والسلوكات …؛ وتحويل ذلك، بالنسبة لزبنائها، إلى حياة مدرسية جاذبة، منتجة للفرح والتفتح والانفتاح والخلق والابتكار المبدع، ولتفتق مواهب وطاقات وإمكانات الشخصية الإنسانية المتكاملة التنشئة والتكوين والوعي …، ولتغذو، بالنسبة لسياقها المجتمعي، مؤسسة وطنية/مواطنة لنشر المعارف والأفكار والقيم الإيجابية الجديدة، وقطبا جاذبا للإشعاع التربوي والثقافي، وقاطرة للتنمية والتحديث والتطوير والتغيير المخطط الهادف، ودعامة مفصلية للمشروع المجتمعي والسياسي والحضاري المتناغم الغايات والمكونات، الواضح المعالم والرؤى والتوجهات …؛ فتصبح بذلك، بوابة منطقية وضرورية للانخراط المستحق في مجتمع المعرفة، الذي غدت فيه الثروة والسلطة والنفوذ والمكانة الدولية، مقومات مشروطة في امتلاكها بالتحكم في المعرفة واستثمارها وتوظيفها فيما يدعم مسارات الإنماء والتقدم …؛ وتلك رهانات لا يمكن ربحها، إلا بالاعتماد على مؤسسة تربوية مواطنة متملكة لمجمل شروط ومواصفات التأهيل والاقتدار الآنفة، مطورة مجددة لها في إطار سيرورات مشروع تنمية شمولية مستدامة، وضمن رهانات ثقافة سياسية كونية جديدة، يستوجب الانتماء إليها الاستيعاب النقدي الواعي والتبني المؤصل والمتجذر لقيم ومفاهيم الحوار والانفتاح والسلم والتسامح والتعاون والتعايش … في مناخات وطنية ودولية متشبعة بمبادئ الديمقراطية والاستحقاقية والكفاءة والتنافسية … واحترام حقوق وكرامة المواطن/الإنسان؛ وتقبل المشاركة في تشييد وتدعيم مجتمع التعدد والاختلاف المستوعب والمستثمر للتنوع البشري الخلاق)[57].

والمؤسسة التعليمية رمز المنظومة التربوية والتعليمية المغربية لم تلتفت في سياق نظمها وتشريعاتها وبرامجها التعليمية والتربوية والتكوينية إلى أهمية موقع النوع في التربية والتعليم، بمعنى أنها ذهبت وراء تحصيل الكم على حساب النوع، فطلبت تحصيل الأتباع بمنطوق ندوات الوزارة ” سجلنا كذا وكذا في كذا، وتقلصت نسبة كذا في كذا، وارتفع معدل كذا مقابل كذا … وهكذا ” هو خطاب الوزارة في أغلبه أعداد وأرقام! أما البحث في نوعية المواصفات والسمات لبرامجها وأطرها ومداخل تشريعاتها وقوانينها ومتعلميها ومخرجاتها، فذلك ثانوي حتى بتنا ندرس متجاوزات المعرفة والعلم والنظريات التقليدية في حقول التربية وعلم النفس والسوسيولوجيا والديداكتيك، وفروعها، والعلوم البينية التي تتقاطع معها أو تصب في مجراها. وغدونا نسلع الإنسان بدل أنسنته ببرامجنا وطرق تدريسنا بقمع منطق الشك فينا، والنظر النقدي لواقعنا، ونسكن التفكير فينا؛ ونفعل ” بضاعتنا ردت إلينا ” بمعنى نفعل عقلية النقل في مسلكنا التربوي والتعليمي بدل المسلك الفلسفي العقلي، فتكبر ذاكراتنا وتتوسع للامتلاء بكم هائل من المعلومات والمعارف التي تصبها فينا شاحنات المنظومة التربوية والتعليمية العملاقة، ويكبر فينا ومعنا النقل والتقليد والببغائية بشكل كبير كمخرج تربوي وتعلمي يؤشر عن استحقاقنا لشهادة مستوانا التعليمي والأكاديمي الذي وصلنا إليه. وتؤدي هذه العقلية النقلية إلى حشد العصبية الاثنية والأسرية والسياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية … ففعل العقل النقدي أو الإبداعي أو الموضوعي فيها منبوذ ومحارب، والعقل فيها محنط وجامد، والنمو والتطور محدود أو معدوم، والتقليد سنة أهلها، والحياة فيها لغير سالكها مستحيلة أو مردومة. وفي ظلها كل الاختلالات والأمراض السلوكية واردة؛ فالغش مسلك مقلد فيها، والتعصب إلى حد ارتكاب الجرائم دفاعا عن الفكرة المقلدة المشحونة بالعواطف سنة درج عليها سدنة المعبد التربوي ورواده، والنظر إلى الغير يكون إما معنا أو ضدنا، بمعنى منظور بلونين فقط أبيض أو أسود، والحقيقة المطلقة يمتلكها العقل التقليدي لا غيره. فترى في المقاربة منهجا واحدا ورؤية واحدة ومسارا فكريا واحدا، والخروج عن ذلك زندقة ومروق عن الحقيقة المطلقة التي يملكها هذا العقل. ومنه؛ نجد المجتمع مقلدا للبادئ بفعل ما أو بسلوك ما أو بمقولة ما … مقلدا للآخر في كل شيء حتى في اللباس وتسريحة الشعر ومراسيم الزفاف، والقياس عليه يطول. وتسري فيه الإشاعة والمستجدات الوافدة من خارجه بتسارع كبير … كل شيء فيه أصبح مقلدا حد التماهي مع المقلد!

فالمؤسسة التعليمية الرمز للتربية والتعليم، رمز بناء الإنسان، لها نسبة معينة مما آل إليه السلوك العام والفردي للمجتمع المغربي ضمن مسؤولية الأسرة والإعلام والدولة بكل قطاعاتها المختلفة من ترد أخلاقي وقيمي نتيجة إحالة المؤسسة التعليمية المغربية لمعطيات موضوعية وتشريعية واجتماعية وثقافية واقتصادية من مؤسسة الأمن الفردي والمجتمعي لمعطى قيمتها الاعتبارية الاجتماعية والعلمية والأخلاقية في الشعب المغربي، إلى فضاء مشبع بالقيم والأخلاق السلبية ذات النتائج المنحرفة. ومنه؛ لم تستطع المؤسسة التربوية بالتوازي مع ” المؤسسات الموازية ” ذات البعد التربوي والتكويني والتأطيري بناء إطار مرجعي نظري وعملي وسلوكي للمواطنة، يحتكم إليه الأفراد والجماعات والمؤسسات في السلوك العام للمواطن، ويملي عليه الصواب والخطأ في القول والعمل كما درجت عليه المنظومة الدينية أو اللائكية للمجتمعات وموطنيها من خلال منحي الحقوق والواجبات. ما يخلق للمواطن بعده الإنساني وقيمته الاجتماعية، ويحرره (من مجمل آثار ومستتبعات وعواقب التصورات والممارسات الاستغلالية والاستلابية والبضاعية/التبضيعية للمجتمع الاستهلاكي)[58]. وما ينتج عنه من جهة أخرى اندماجه في المجتمع واستيعابه لقيمه ومتطلباته وقواعده الأخلاقية المتحكمة فيه. فلا يعود كائنا فاقد الإحساس بالآخرين، متمردا على الأخلاق والقيم العامة، هاتكا لمنظومة الحقوق والواجبات والتشريعات والقوانين، هادما للمؤسسات الرسمية بتبخيس قيمتها القانونية والتشريعية التنظيمية وخدماتها، متغولا عليها بسب وشتم وتحدي موظفيها، بل؛ وبقتلهم في بعض أحيان دون استحضار ضمير أو خوف من عقاب كما يقع مع المؤسسة الأمنية المغربية ـ حفظ الله موظفيها وأطرها وسلمهم لأنفسهم ولذويهم وللأمة ـ.

وفي هذا الإطار بات الممارس البيداغوجي في فضائها خائفا عن نفسه، والمتعلم أكبر خوفا منه على نفسه ومستقبله، ولم تعد في ظله السلطة المعرفية للممارس البيداغوجي تأخذ مجراها في الضبط المدرسي والاجتماعي للمتعلمات والمتعلمين.، وفي تكوين علاقات الأستاذية التي شهدتها العقود الماضية أو ما كان سائدا في الثقافة الإسلامية من أخلاق وآداب التعليم والتعلم، لأن كل ذلك كان ناتجا عن المعرفة المستوعبة من الفاعلين التربويين ومن كفاية علاقات المجتمع المدرسي، التي لم تعد قائمة في الغالب، في المؤسسة التعليمية من معرفة غير مستوعبة مهنيا وعلميا، وأصبحت خارجة عن اهتمام المجتمع المدرسي وغريبة عنه في منطقها الأدبي والتعليمي، ومستبعدة من حياته المهنية نظرا اشتغاله على “الفعل الشخصي” لا “الفعل التعليمي” وانحصارها في التلقين والحفظ؛ غير أن المعرفة المهنية والتعليمية لا تتحول إلى ثقافة ذاتية مؤمن بها إلا إذ توطنت وترسخت في البنية العقلية والمهنية والتعليمية والثقافية للمجتمع المدرسي، وصارت بذلك بنية فكرية من بناه ونسقا أصيلا في تفكيره وسلوكه. وهو ما لا نجده في العموم في مؤسساتنا التعليمية التي أضحت ضحلة فكريا ومهاريا وقيميا وسلوكيا وأداء. ومقابل ذلك انسلخت مؤسسة الأسرة وامتداداتها العائلية من قيمها تجاه المؤسسة التعليمية، التي باتت لديها سوى مركزا لإيواء أبنائها وبناتها من الشارع، وتخفيف آلام رأسها من تحمل مسؤوليتها! ولم تعد تشعر بأية رابطة روحية أو اجتماعية أو مؤسساتية تربطها بهذه المؤسسة، وعادتها؛ فظلمتها في أطرها، وفي متعلميها ومتعلماتها ـ الذين هم أبناؤها أولا وقبل كل شيء ـ حين لا تتابع وظيفة المؤسسة التعليمية ولا تراقب أبناءها لا من بعيد ولا من قريب إلا ما ندر من الأسر والعائلات الواعية. فيجنح المتعلمون والمتعلمات إلى تمثل تلك الصور النمطية المستجدة للمؤسسة التربوية في الميدان عنفا في السلوك وخمولا في الأداء التعلمي. ولم ترق بعد الأسر إلى تفعيل أدوارها التي تأملها الرؤية الاستراتيجية للإصلاح منها؛ التي تطمح إلى (

 ـ إرساء آليات كفيلة بتمكين الأسر من التتبع اليقظ لأبنائها، ومواكبة تحصيلهم الدراسي والتكويني ودعمه، والإسهام المنتظم في العناية بالمدرسة، وفي تحقيق مشروع المؤسسة.

ـ إشراك الأسر في تدبير المؤسسة، عبر تمتين دور جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، التي هي مدعوة لتجديد منهجيات عملها، وتقوية تعاونها مع المؤسسات، ومشاركتها الفعلية في التدبير والتتبع، وكذا توفير فضاءات للتنسيق والحوار المنتظم معها داخل المؤسسات التعليمية التكوينية.

ـ إقامة «مدرسة أمهات وآباء وأولياء المتعلمين،» من خلال تنظيم دورات تكوينية لفائدة أسر التلاميذ: محاربة الأمية، برامج للتوعية والتحسيس، مساعدة الأسر على استعمال بعض الوسائل الديداكتيكية.

ـ تحقيق مدرسة للجميع بمهام متعددة، توفر خدمات لأفراد المجتمع كافة، من حيث التوعية الصحية البيئية والتثقيف والتعلم مدى الحياة، وتوفر لهم أيضا مرافق داعمة من قبيل: قاعة لمحاربة الأمية، أو مستوصف مؤقت، أو أوراش للتكوين المهني، قصد تمتين علاقة تفاعلية وسلسة مع الأسر، ومع المحيط)[59].

                ومازالت الأسرة في المغرب ترقد عند عتبة توفير المعيش اليومي لأبنائها دون استحضار دورها التربوي والروحي قبل المادي في تربية وتنشئة أبنائها؛ كما كانت في الماضي تغذيهم بالقيم والأخلاق الفاضلة، وتحرص على أن يكون سلوكهم وفق التقاليد المغربية والديانة الإسلامية على العموم، فهي كانت ترسل أطفالها إلى الكتاتيب القرآنية أو ما يصطلح عليه بـ ” المسيد ” حيث يشرف عليه فقيه متمرس في تربية النشء على الأخلاق والقيم الإسلامية النبيلة فضلا عن تعليمهم الأبجدية العربية ومبادئ القراءة والحساب، وتحفيظهم القرآن الكريم والعمل على ترقيتهم في حفظه واستظهاره ومواد تعليمية أخرى. والمسيد جزء من منظومة تربوية وتعليمية أكبر؛ تستهدف إسلاميا (بناء الشخصية المسلمة المتكاملة في نموها من الناحية الروحية والبدنية والانفعالية والعقلية والاجتماعية. أو بعبارة أوضح تدور في مجموعها حول بناء المواطن المسلم الصالح المؤمن بربه ودينه، المتخلق بالأخلاق الفاضلة النابعة من دينه، الصحيح في بدنه، المتزن في دوافعه وعواطفه ونزعاته، المتكيف مع نفسه ومع غيره، المزود بسلاح العلم والمعرفة والممتلك لوسائلهما  الأساسية، الواسع في ثقافته والواعي بمشاكل مجتمعه وأمته وعصره، المهذب في ذوقه الفني والقادر على تذوق الجمال في شتى صوره وألوانه، القادر على استعمال أوقات فراغه بحكمة وفائدة، المدرك لحقوقه وواجباته والمحتمل لمسؤوليته نحو نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته والبشرية عموما بوعي وإخلاص وكفاءة، والمقدر لأهمية الحياة الأسرية على وجه الخصوص والمستعد لتحمل مسؤولياتها والتضحية في سبيل تقويتها وتماسكها)[60]. منظومة تربوية وتعليمية تبني لدى الناشئة مرجعية قيمية دينية أو ” إيديولوجية ” تتسم بمبادئ عامة تقيد السلوك وترشده وتوجهه، ويحتكم إليها السلوك الفردي والجماعي لمعياريتها عند الجميع لتضمينها مجموع القيم التي (بالنسبة إلى جان بول ريسويبير Jean -Paul Resweber، هي صورة للمرغوب. إنها تشكل في كل حال من الأحوال هرمية للمفضل، بناء عليها نقوم الآراء والسلوكات، آراءنا وسلوكاتنا، وآراء وسلوكات الآخرين.)[61]. والأخلاق إيمانا ومعرفة وسلوكا وممارسة مطلب إسلامي بامتياز سواء بآيات القرآن الكريم أو بأحاديث السنة النبوية الشريفة؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)[62].

                من واقع السلوك الفردي والجماعي للمجتمع نقول بأن الإنسان إذا فقد بعد الأخلاق والقيم، وتنصل من كل رابط قيمة يربطه بنفسه أو بغيره؛ فسيأتي كل أمر أو فعل مهما كان متناقضا مع المرجعية الدينية أو الإيديولوجية أو المهنية … وسيأتي عظائم الأمور دون استحضار جرميتها أو حرمتها أو قدسيتها شرعا أو قانونا، لأنه لا مرجعية يحتكم إليها، وإنما الذاتية والمصلحة الخاصة هي الحاكم لسلوكياتها. وبالتي يفقد بعده الإنساني والجمالي لصالح بعده الحيواني الغرائزي. وهو ما نعيشه حاليا مع الغالبية العظمى من الأفراد والجماعات والإثنيات. وما أجد لهم مبررا أو عذرا يقيهم اللوم على الأقل سوى لوم مؤسسات التنشئة الاجتماعية على التفريط في التربية، ومؤسسات التكوين على التقصير في مهامها، والمؤسسات القانونية والتشريعية والإدارية في عدم تحمل مسؤوليات الضبط القانوني والاجتماعي وحماية حرمة الدولة ومؤسساتها وحرمة مواطنيها. فهذه المؤسسات صارت عند سفح المجتمع غير قادرة على خلق التغيير الإيجابي في الفرد والمجتمع والحياة. فهي تتمدد على سرير الإنعاش، يدخ لها الأكسجين وتوابعه من أمصال وأدوية ومقويات … وبما أن هذه السلسلة مترابطة من الإخفاقات يطرح سؤال ” القصد ” بإلحاح في إطار الهندسة الاجتماعية التي تحاول استدراج العقل إلى الاقتناع بالفعل دون الفعل، وبالتطور دون التطور، وبالتغيير دون التغيير، وبأشياء أخرى يجدها التفكير النقدي سرابا في سراب! … فإذا كان هذا هو الواقع المأزوم المعيش، فما السبيل إلى تغييره؟

ـ  في مسألة التغيير:

                التغيير قانون الله وسنته في الكون ومكوناته، فالكون في تغير مستمر، كل يوم في شأن غير الذي مضى، ألا ترى تطور الإنسان من مرحلة إلى أخرى؟ وقد بدأ الحياة ضعيفا ليرتقي في سلم القوة على اختلاف مجالاتها، من القوة الجسدية والجسمية إلى القوة العقلية … فالتغيير (عملية دائمة مستدامة، سوى أنها عرفت قفزات سريعة ومذهلة منذ بداية الثورة العلمية التقانية، ثورة ما بعد الصناعة، وأنها تشهد اليوم تفجرا صاخبا في شتى المجالات، وأنها ستتابع خطواتها الجبارة ومفاجآتها)[63]. بخطى حثيثة تتراكم في رصيد لولبي تتسع حلقاته كلما اتجهنا نحو المستقبل، والتي رصدتها بعض الدراسات في معالم خمسة رئيسة تعبر عن مدى تسارع عملية التغيير في عصرنا الحاضر والمقبل، وذلك في: (

1 ـ التغيير الكبير في وسائل الاتصال والمعلومات؛

2 ـ التغيير الكبير في عالم الاقتصاد والمال؛

3 ـ التغير الجذري الذي يتم في عالم المعرفة؛

4 ـ التغير الاجتماعي المتسارع؛

5 ـ تغير صورة العالم واتساع نطاق العولمة)[64].

                ودون الدخول في تفاصيل هذه المعالم وصفا وتحليلا واستنتاجا؛ نجد التغيير في المسألة الإنسانية والتربوية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية لا يأتي بالمجان أو بتجاوز الواقع بالترقيع والتلفيق أو يتم تحصيله بسرعة وتجاوز اللحظة التاريخية أو بالخطط الخارجية أو بالسفريات والسياحة … وإنما بالتفكير والبحث عن مكامن الأخطاء ومواطن الإخفاقات والتخطيط الذاتي والجماعي والمؤسساتي، والرؤية الاستراتيجية وقراءة المستقبل والإبداع والتضحيات الجسام واعتبار اللحظة التاريخية في اتخاذ القرارات المصيرية الحاسمة والمسؤولة والجريئة في نفس الوقت. وهو لا يقع إلا تحت سقف التربية والتعليم حتما لأنهما الوسيلة الأكثر تأثيرا وقوة في التغيير، وقد قال نيلسون مانديلا يوما ما: إن التعليم هو الأداة الأكثر قوة التي يمكنك أن تستخدمها في تغيير العالم. فلا الثروات المادية قادرة على صنع التغيير في العنصر البشري ولا الثروات المالية توقعه، وإنما قد تصنع الرفاهية والبحبوحة في الحياة والعيش، وتخلق السعادة عند البعض للحظات؛ لكن لن تستطيع تغيير العقليات، ولا إنشاءها، ولا بناءها، فهي عاجزة عن ذلك مهما كانت قوية وكبيرة وضخمة، فالعالم المتخلف متخلف بأفراده لا بموارده المادية والمالية، فهو يمتلك من الأموال الشيء الكثير والقدر الكبير، ومن الأبراج العالية والدور الواسعة ما يبهر العقول؛ لكنه فقير جدا بأفراده وجماعاته البشرية التي لا تنتج معرفة ولا علما ولا اختراعا ولا إبداعا. وإنما تنتج أطنانا من النفايات والأزبال التي لا تعرف كيف تستثمرها هي الأخرى! فستدعي العقول الخارجية واليد العاملة الخارجية والشركات والمقاولات لتدبر كل شيء في بلادها باسم الاستثمار الخارجي والنماء الاقتصادي. فإن ذهبت تلك الثروة البشرية الخارجية جلست تلك الدول تفترش الحصى وتتوسد الكثبان الرملية وتغرف من وديان الأوهام والجهل! علمها لا يشبه العلم، هو حكي في حكي، وخرافات وخزعبلات تتلذذ بوراثتها وتوريثها رواية ونقلا؛ لم تستطع أن تصنع بعلمها شيئا، ولا أن تخرج نفسها من دوامة الفقر العقلي والعقد النفسية والاجتماعية. بل؛ تزداد كل يوم حالتها سوء وسوادا، وتعظم مصيبتها وتكبر موضوعا ونتائج، وتزداد تعقيدا لأنها لا تريد أن تستفيد لا من نقاط النور في ماضيها ولا مما حباها الله بها من نعم في حاضرها لأجل خلق مستقبل زاهر لها، ولم تستطع الاستفادة من تجارب الآخرين ولا قراءة التاريخ والاستفادة منه؛ فهي مازالت تتلمس طريقها نحو النور خروجا من الجهل، ولم تنخرط بعد في مشاركة الآخرين تجاربهم وخبراتهم وتقاسم ممارساتهم العلمية والفكرية والتقنية لاستخلاص المعرفة منها ونشرها واستثمارها طلبا لتحديث واقعها واستشرافا لمستقبل أجيالها، وضمانا لتفعيل مواردها البشرية أولا، والمالية والمادية ثانيا، وفتحا للآفاق والآمال والمجالات أمام شبابها للانطلاق من حيث انتهت المعرفة اليوم دون تكرار مسار المعرفة من جديد وتكرار النفس معها كما يحدث الآن في المجال التربوي والتعليمي وغيره.

                في مسألة التغيير لابد من التقرير أن في البدء كانت المعرفة، وكانت المعرفة هي التغيير، والتغيير كان هو التنمية بمفهومها الواسع الشامل. وكانت المعرفة بداية منطوق الوحي في أمة اقرأ باسم القراءة، وكان الناتج أمة قارئة واعية عارفة سادت العالم وقتئذ؛ لكنها في زمن ما، ومكان ما، وفعل ما، وحدث ما، تركت فعل القراءة وما عادت إليه إلا وهي جاهلة لاهية! لا تدري من أين تبدأ مسيرة المعرفة والعلم! ولا كيف؟ ولا بماذا؟ ولا لماذا؟ … لأن مدخل تنميتها منظومة تربوية وتعليمية عقيمة الرحم، حيث (لم ترق إلى المستوى المناسب للنهوض برأس المال الإنساني الخاص بها)[65]. ولم ترق إلى مستوى إحداث التغيير الإنساني في المواطن، ولم ترق إلى مستوى خلق الفكر الإبداعي لديه. فهي تعيش مفارقة بين ما هو قائم فيها وبين ما هو مأمول منها. فهي مازالت تقليدية لم تدرس التغيير العالمي ومازالت لم تؤمن بأن ثورة تربوية ضرورية للتغيير لا للإصلاح والترقيع والصيانة، فلن نتقدم ونتطور (دون ثورة تربوية شاملة يقبل ثوارها التحدي المزدوج لتنشئة الأجيال القادمة، على أسس تربوية جديدة، وعلاج الإنتاج الرديء للأجيال الراهنة، التي خرجتها بالفعل مؤسساتنا التعليمية، وليست تلك الازدواجية من قبل العدل الاجتماعي فقط، بل أيضا تحركها الدوافع العملية)[66]، التي تبرر عمليا أهمية التربية في الحياة الإنسانية، وزيادة هذه الأهمية في عصر المعلومات والرقمنة والعالم الافتراضي والنانو … عصر التنمية البشرية بامتياز عبر قناتها الفعالة “التربية”؛ حيث (يشهد التاريخ، قديمه وحديثه، على محورية التربية ـ التربية هنا بمفهومها الواسع الذي يشمل التعليم والتعلم وتنمية الشخصية وتأهيل الفرد من أجل تلبية مطالب مجتمعه وعالمه ـ في صنع الإنسان وبناء المجتمع. وقيمة الإنسان هي حصاد معارفه، وحضارة المجتمع ـ بدورها ـ هي المحصلة الجامعة لمعارف أبنائه التي وهبتها إياهم التربية، ويؤكد ذلك ـ إيجابا ـ الموقع البارز الذي تحتله التربية في دساتير الشعوب، ومواثيق الثورات، وشعارات حركات الإصلاح الاجتماعي والديني، واستراتيجيات التنمية. ويؤكده ـ سلبا ـ الدور الذي لعبته، وتلعبه، التربية في مخططات الهيمنة على الشعوب من استعمار وعولمة اقتصادية وغزو ثقافي ومعونات وقروض دولية. وللتربية نصيب الأسد في قسمة الإنفاق العام، وفي نسبة توزيع العمالة، وهذا شأنها، كان لابد أن تصبح التربية شاغل الجميع: الحاكم والفيلسوف، والعالم والشاعر، والمصلح والثائر، ورائد الرأي ورجل الشارع. ولم يكن هذا الحديث عن أهمية التربية أخطر مما هو عليه الآن، والبشرية تغامر بمصيرها، مندفعة صوب مجتمع المعلومات، تتنازعها الآمال والمخاوف، وتنتظرها تحديات جسام لا عهد لها بها من قبل، وتلوح لها في الأفق فرص نادرة لم تكن متاحة لها في سابق عهودها. وإزاء هذا الوضع الإنساني الفريد، تعالت الأصوات تنادي بثورة اجتماعية شاملة على جميع الأصعدة، وثورة التربية ـ كما قيل ـ هي شرط لكل ثورة. وكما أن لا خلاف على الأهمية الاجتماعية للتربية، فليس هناك ـ في المقابل ـ وفاق على طبيعة علاقة التربية بالمجتمع؛ فتارة هي المحرك الدافع لمجتمعها، وتارة أخرى هي ذلك الخاضع المستكين لأهواء من يقبض على زمام الأمور في المجتمع. ومهما قيل أو سيقال، ستظل التربية ـ دوما ـ منطلقا لتحقيق الآمال، أو مخرجا لإصلاح خرائب الآباء، على حد تعبير جون ميلتون. والتربية ـ وهذا مصيرها ـ إما أن تكون أس الداء، وإما أن تكون الدواء وطوق النجاة. فما إن تنتاب الشعوب المصاعب والمحن، حتى تستمسك بالتربية ملاذا أو مهربا)[67]. ومن قبل مدح الله تعالى العلم والعلماء من خلقه في أكثر من آية قرآنية، وتاج العلم الخشية والخوف من الله، فقد قال سبحانه: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)[68]. وقد ورد عن إخوان الصفا رسالة في مديحهم للعلم والمعرفة والتعليم مرصعة (بصيغ أفعل التفضيل تمجيدا للتعليم ورفعة شأنه، حيث قالوا: ” ليس من فريضة من بين جميع فرائض الشريعة وأحكام الناموس أوجب، ولا أفضل، ولا أجل، ولا أشرف، ولا أنفع للعبد، ولا أقرب له، بعد الإقرار به، والتصديق بأنبيائه ورسله فيما جاءوا به وخبروا عنه، من العلم وطلبه وتعليمه)[69]. وما كان للتربية والتعليم هذا القدر الجليل من التعظيم والتبجيل ترفا في القول، وإنما لدورها في رفعة الأمم والشعوب والرقي بالإنسان علما وعملا، فكان حري بالمؤسسة التربوية والتعليمية أن تراجع على الدوام فلسفتها التربوية والتعليمية، لكي تناسب التغيرات والتطورات الحاصلة في العالم والوطن. فالتربية في العالم العربي بما فيه المغرب تواجه (موقفا صعبا للغاية، فقد أصبح لزاما عليها أن تجدد رؤيتها الفلسفية لمواجهة المتغير المعلوماتي في غياب فلسفة اجتماعية عربية، وقصور الوعي العام في إدراك الجوانب التربوية العديدة لظاهرة المعلومات وعولمتها)[70]. وفي عصر المعلومات؛ هذا الذي نعيشه بكل تفاصيله ومستجداته اليومية لم تعد منظومة التربية والتكوين قائمة على تزويد المتعلم بالمعارف والمهارات والكفايات والقدرات والقيم، وإقداره على الاندماج الاجتماعي فحسب، وإنما تسعى فلسفتها إلى تحقيق غاياتها المسطرة، من حيث قول الميثاق الوطني للتربية والتكوين كفلسفة تربوية تؤطر المنظومة التربوية والتعليمية المغربية: (ينطلق إصلاح نظام التربية والتكوين من جعل المتعلم بوجه عام، والطفل على الأخص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية. وذلك بتوفير الشروط وفتح السبل أمام أطفال المغرب ليصقلوا ملكاتهم، ويكونون متفتحين مؤهلين وقادرين على التعلم مدى الحياة.

وإن بلوغ هذه الغايات ليقتضي الوعي بتطلعات الأطفال وحاجاتهم البدنية والوجدانية والنفسية والمعرفية والاجتماعية، كما يقتضي في الوقت نفسه نهج السلوك التربوي المنسجم مع هذا الوعي، من الوسط العائلي إلى الحياة العملية مرورا بالمدرسة.

ومن ثم، يقف المربون والمجتمع برمته تجاه المتعلمين عامة، والأطفال خاصة، موقفا قوامه التفهم والإرشاد والمساعدة على التقوية التدريجية لسيرورتهم الفكرية والعملية، وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي، واستيعاب القيم الدينية والوطنية والمجتمعية.

وتأسيسا على الغاية السابقة ينبغي لنظام التربية والتكوين أن ينهض بوظائفه كاملة تجاه الأفراد والمجتمع وذلك:

أ ـ بمنح الأفراد فرصة اكتساب القيم والمعارف والمهارات التي تؤهلهم للاندماج في الحياة العملية، وفرصة مواصلة التعلم، كلما استوفوا الشروط والكفايات المطلوبة، وفـرصة إظهار النبوغ كلما أهلتهم قدراتهم واجتهاداتهم؛

ب ـ بتزويد المجتمع بالكفاءات من المؤهلين والعاملين الصالحين للإسهام في البناء المتواصل لوطنهم على جميع المستويات. كما ينتظر المجتمع من النظام التربوي أن يزوده بصفوة من العلماء وأطر التدبير، ذات المقدرة على ريادة نهضة البلاد عبر مدارج التقدم العلمي والتقني والاقتصادي والثقافي.

وحتى يتسنى لنظام التربية والتكوين إنجاز هذه الوظائف على الوجه الأكمل، ينبغي أن تتوخى كل فعالياته وأطرافه تكوين المواطن بالمواصفات المذكورة في المواد أعلاه)[71]. وفي عصر المعلومات وألفية المعرفة ومجتمع المعرفة (غني عن القول أن الفلسفة التربوية لا تنشأ من فراغ، فلابد لها أن تستند إلى فلسفة اجتماعية واضحة، أو لنقل: على قدر كاف من الوضوح. ولا يفترض في الفلسفة التربوية كونها ثابتة ونهائية، حيث يجب أن تتسم بالتنوع والمرونة، وقد تضاعفت أهمية هذه الأمور بالنسبة لمجتمع المعلومات، الذي مازال مستقبله في قبضة المجهول وهو أبعد ما يكون عن التحديد، ومازال يفتقد إلى نظرية اجتماعية قادرة على تلبية مطالبه المتعددة، والتعامل مع دينامية متغيراته، وعلى الرغم من عدم تحديد وغياب النظرية، فهناك شبه اتفاق على ثلاث غايات رئيسية لابد أن تفي بها التربية في كل عصر وهي:

ـ إكساب المعرفة.

ـ التكيف مع المجتمع.

ـ تنمية الذات والقدرات الشخصية.

وقد أضاف عصر المعلومات بعدا تربويا رابعا، ألا وهو ضرورة إعداد إنسان العصر لمواجهة مطالب الحياة في ظل العولمة، وهي الغايات الأربع، التي لا تختلف كثيرا عن تلك التي وردت في تقرير اليونسكو ” التعليم ذلك الكنز المكنون ” والتي صاغها على الوجه التالي:

ـ تعلم لتعرف.

ـ تعلم لتعمل.

ـ تعلم لتكون.

ـ تعلم لتشارك الآخرين)[72]. وأما المبادئ التربوية التي تخدم هذه الغايات؛ فقد حددتها المصفوفة التالية حسب الجدول التالي[73] متبنيا ما جاء في تقرير اليونسكو السابق:

             تعلم لتشارك الآخرين
            تعلم لتكون
       تعلم لتعمل
  تعلم لتعرف
المبدأ التربوي
ـ المبدأ الإنساني: تأكيد مكانة الإنسان في نظام المجتمع، ونظام الوجود عامة. ***
ـ المبدأ الإيماني: ترسيخ الإيمان بالله وبالديانات الأخرى.  * 
ـ المبدأ القومي: جعل العمل من أجل الوحدة العربية محورا رئيسيا.  **
ـ المبدأ الديمقراطي: تنمية التعاون بين المواطنين، والمساهمة في خير المجتمع وفي اتخاذ القرارات. ***
ـ مبدأ التربية للعلم: ترسيخ العلم لدى المتعلم منهجا ومحتوى والإسهام في البحث العلمي.**  
ـ مبدأ التربية للعمل: الربط بين الفكر والعمل وإعداد المتعلم لمطالب العمل وتطوراته المستقبلية. ** 
ـ مبدأ التربية للحياة: توثيق الصلات بين التربية والمجتمع، وتمكين المتعلم من التطور باستمرار.*** 
ـ مبدأ التربية المتكاملة: تربية شاملة متوازنة لجميع الجوانب، متصلة من المهد إلى اللحد.****
ـ مبدأ الأصالة والتجديد: تنمية الابتكار، والتمسك بخير ما في الماضي في صلته بالحاضر والمستقبل.*** 
ـ مبدأ التربية للإنسانية: وحدة الجنس البشري والمساواة بين شعوبه، والأخوة والسلام والتعاون الدولي.   *

                فهذه المبادئ إن استطاعت منظومة التربية والتعليم تحقيقها في إطار تحصيل الغايات السابقة أو تلك التي وردت في الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ ستؤدي إلى تغيير واقعنا المعيش على مستوى الإنسان أولا، ثم على مستوى باقي المجالات الأخرى. بمعنى إن حصل تغيير الإنسان المغربي فسوف يتغير ناتجه العملي والسلوكي والأخلاقي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي … أي سينعكس ذلك على بيئته ومجتمعه، وعلى حاضره ومستقبله؛ لأن الأزمة المركزية في المغرب هي أزمة الإنسان المغربي المعقدة والمتشعبة. ولكن إن بقيت المنظومة دون تحقيق وتحصيل غاياتها؛ فلن تنتج إلا الأزمات المتنوعة كما نعيشها في واقعنا المؤلم والحزين والكئيب في نفس الوقت. والمنظومة التربوية والتعليمية تفعل فعلها التغييري في الإنسان/المتعلم على مستويات عدة منها:

أ ـ مستوى المعرفة؛

ب ـ مستوى الفعل؛

ج ـ مستوى القيم؛

د ـ مستوى الكينونة ” الهوية “؛

هـ ـ مستوى الانتماء؛

و ـ مستوى الوعي؛

ز ـ مستوى الحضور؛

ـ …

ـ الكلمات المفتاح:

                وستركز هذه الورقة على الأهم من هذه المستويات التي تشكل مدخلا لمستويات أخرى؛ وقبل ذلك لابد من التعريج على مصطلحات التعليم والتربية والأساس والتنمية على المستويين اللغوي والاصطلاحي؛ حيث:

1 ـ في مصطلح التعليم:

ـ التعليم لغة من مزيد الدخلة المعجمية ” ع ل م “[74] وتعني في سياقات مختلفة وحسب تراكيبها وإضافتها اللغوية واشتقاقاتها: وسم، غلب، شق، عرف، أدرك، أيقن، حصل، أخبر، استخبر، اللواء … والتعليم يحصل هذه المعاني؛ إذ يوسم الشخص بالعلم والمعرفة، ويغلبه في العلم على الجهل، ويشق به ظلمة الجهل والمجهول، فعرف ويردك بكل حقائقه وتجلياته وقضاياه، فيوقن به ويصدق في معلوماته ومعطياته الواقعية التي تشكل حقائقه وحاله، فتحصل بذلك معالمه التي تدل عليه وتساعد على مقاربته، ويخبر به، ويصير موضوعا للمعرفة والعلم والدراسة والتدريس، فيطلب الغير عبر الاستخبار عنه معرفته، فيكون باع العارف به ظاهرا على الجاهل به.

                وأما التعليم اصطلاحا فقد تعددت تعاريفه اتساعا وضيقا في الدلالة حسب الباحثين والدارسين، فقد أورد معجم علوم التربية جملة من التعاريف، أختار منها ما يناسب هذه الورقة في تكامل بينها، حيث يربطها خط ناظم لها في سياقها؛ إذ ” مهنة التعليم ” تنظم عملية التعليم في منحى إبستمولوجي ومنحى عملي يشي ببعدي هذه العملية؛ البعد النظري وبعد الممارسة الصفية.

ـ التعليم اصطلاحا: ويعرف ببعده النظري وبعده العملي الممارساتي ب:

ـ المستوى الإبستيمولوجي:

                  لمهنة التعليم/ “التدريس مدخل أساسي، وهو التكوين والمهننة، في إطار مهني لابد فيه من المعرفة بما يحمل التدريس ماهيته ، ومكوناته، وشروطه، ومتطلباته، ومناهجه، وموضوعه، وفلسفته، وإشكالاته، ومشاكله، وواقعه، وآفاقه. فالتكوين والمهننة بما يعني من فعل معرفي وفعل تطبيقي يتطلب توظيف جهاز مفهومي قاعدي يؤسس للمعجم البيداغوجي لدى طالب التدريس، يتحرك داخله لأجل فهم ماورائيات المفاهيم ودلالاتها ووعيها والإمساك بها وتوظيفها في فعل التدريس، فيكون هذا الفعل فعل وعي قبل أن يكون فعلا تقنيا أدائيا وممارسة ميدانية عادية تمارس ضمن طقوس يومية يمررها الخطاب البيداغوجي والمدرسي العام في المجتمع المدرسي. ففعل التدريس هو فعل معرفي / إبستيمي أساس أي فعل تطبيقي وممارسة صفية ميدانية، يمكن طالب التدريس من أساسيات الاشتغال في الحقل البيداغوجي عن وعي بما يتضمن هذا الوعي من ممارسة النقد، لذا (خليق بالمعلم بادئ ذي بدء، أن يتفهم معنى [التعليم]/ التربية، إذ كيف يمكنه أن يقوم بعمله خير قيام ما لم يدرك حقيقة هذا العمل الخطير؟)[75]. فالمعرفي/ الإبستيمي هنا يتعدى مفهوم معرفة الشيء بمعنى العلم به إلى دراسته بشكل نقدي، وهو ما تعرف به الإبستيمولوجيا من حيث كونها علما يدرس نقديا أصول، وحدود، وشمولية، ومناهج، والقيم الموضوعية والتداولية، ومصداقية وصحة مبادئ وفرضيات وقوانين العلوم والمعرفة بصفة عامة ونتائجها العلمية؛ وهي في الأدبيات الإنجليزية تعني بشكل عام نظرية المعرفة التي تقارب العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، بينما في الأدبيات الفرنسية تعني نظرية العلوم أو فلسفة العلوم وتاريخها”[76]. من هنا؛ كان الجهاز المفاهيمي للورقة مدخلا رئيسا للبحث في موضوعها. وبناء عليه يمكن تعريف التعليم إبستيميا بأنه (علم من علوم الأداء «Paraxologie» مثل الطب والزراعة والهندسة … وهي علوم تقوم على دعامتين هما: 1 ـ معرفة نظرية تتمثل في قوانين كل علم ومبادئه ونظرياته. 2 ـ ممارسات في الواقع العملي تجري على هدى من المعارف النظرية بهدف اختبار مدى صدق هذه المعارف النظرية … وترفد التعليم من حيث هو علم أداء علوم شتى كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأنثربولوجيا وعلم النفس، وعلم التواصل، والعلوم الطبيعية والحيوية)[77].

ـ المستوى العملي:

                التعليم (فعل يبلغ المدرس بواسطته للتلميذ مجموعة من المعارف العامة والخاصة وأشكال التفكير ووسائله، ويجعله يكتسبها ويتعلمها ويستوعبها، وذلك باستعمال طرق معدة لهذا الغرض، واعتمادا على قدراته الخاصة)[78]؛ وبذلك فهو (عملية إنسانية واجتماعية منتجة يتم خلالها تحويل أفراد التلاميذ من حالة تحصيلية متدنية غير كافية لأخرى كافية مرغوبة، وهو علم تطبيقي أحد مكوناته المتنوعة من العلوم الإنسانية/الاجتماعية والرياضية والطبيعية)[79]. يتطلب مجموعة من المتطلبات والإمكانات والإمكانيات، ومجموعة من الشروط والظروف لكي ينجح في أداء وظيفته الإنسانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعلمية. ومن هذه المتطلبات المورد البشري العارف والعالم والمكون والمؤهل مهنيا، والمتدرب عمليا على التخطيط والتدريس والتدبير والتسيير، من حيث كون (التعليم» مهنة «تضم فئات من العاملين في مستويات مختلفة: أعضاء هيئات التعليم في الجامعات وفي مراكز البحث العلمي المعنية بالتعليم … والموجهون التربويون والمعلمون في المدارس …وغاية هؤلاء جميعهم تحقيق عمليات التعلم التي تتم داخل المدارس … سواء في ذلك ما يتصل منها بالجانب المعرفي والعقلي أو ما يتصل منها بالجانب الوجداني والعاطفي، وما يتصل بمهارات الأدوات المختلفة وما يتعلق بأنماط السلوك الاجتماعي)[80]. وبما أن التعليم والتربية فعل خارجي على ذات تعد مدخلا رئيسا لتنمية الفرد ابتداء والمجتمع تبعا، وجب على الدولة والمجتمع الوعي بأهمية هذا الفعل في إحداث النقلة النوعية في مجال الحياة الفردية والجماعية والمؤسساتية، وتوفير كل متطلباته ومطالبه، وتحسين بنيته ووظيفته، والرقي به إلى مصاف منظومات التعليم في المجتمعات المتقدمة؛ ولأهميته اتخذته الأمم المتحدة والنموذج التنموي الوطني المغربي مؤشرا من مؤشرات التنمية البشرية والمستدامة.

                والتعليم بهذا المفهوم يتسع ليستوعب كل مناحي الشخصية؛ لكن عندما تدقق في دلالته جيدا، وحسب الممارسة اليومية لفعله على المتعلم في المؤسسة التعليمية تضيق مروحته لتخفي تحت في عمقه بعدا من أبعاد الشخصية المتعلق بالقيم، حيث تصبح غير مقصودة بوضوح في الفعل، ولا تظهر على السطح بتلك الدرجة التي ظهرت بها في السابق نتيجة تطور المفاهيم ودخول أخرى متعلقة بالمجال التعليمي، فغدت “التربية” و” البيداغوجيا” تطفو على السطح كمصطلحات لها دلالات مرتبطة بمجال التدريس. ، لكن البعد القيمي في التعليم يستهدف في المناهج والموارد التعليمية والأنشطة المدرسية. وبالتالي يصبح التعليم فعلا تقنيا محضا يتغيى تقديم وتدريس ما قرر في المناهج الدراسية من موارد وأنشطة ووضعيات تعليمية لتحصيل الأهداف التعليمية دون الالتفات إلى مجال القيم بصراحة ووضوح في الدرس المدرسي، وإنما تدمج فيه ضمنيا، وقلما يسأل المتعلم عنها. فمثلا: درس الرياضيات أو اللغة أو العلوم لا يتوجه الممارس البيداغوجي إلى هذه المسألة بقدر ما يتوجه نحو المعلومات والمعارف بالدرجة الأولى، ثم تأتي المهارات والقدرات والقيم في الدرجة الثانية، ونظرة على واقع الممارسة الصفية يفيد ذلك. وانطلاقا من هذه الضمنية جاء مصطلح التربية ليهتم بصراحة ببعد القيم في العملية التعليمية التعلمية برمتها، وليس في مادة التربية الإسلامية أو التربية المواطنة كما يقع في التعليم. وعليه تكون التربية متعددة التعاريف “بتعدد فلسفاتها وأطر الاشتغال عليها، ورؤى المشتغلين عليها. ما أنتج إشكالية تعريفها من حيث عدم وجود تعريف واحد شامل جامع مانع مستقر متفق عليه؛ لذا كان ضروريا معرفة معطى تلك الفلسفات حتى نفهم تعاريفها للتربية بمنطوقاتها الدالة عليها. لكن في ظل محدودية زمنية الدورة التكوينية سنشير إلى خلاصاتها دون تفاصيلها للخلوص إلى تعاريفها.

2 ـ في مصطلح التربية:

ـ التربية لغة: من المادة المعجمية ” ر ب ا “[81] التي واو أصل ألفها، وتعني الزيادة والنمو والفضل والمنة والجماعة، وبذلك تنسحب على تربية الطفل بتنشئته وتغذيته ونموه برعايته والاعتناء به؛ (فالتربية لغويا معناها الازدياد والنمو، أو التنشئة والتغذية، ونقول ربى الوالد ابنه بمعنى غذاه وجعله ينمو، ونقول ربيت بمعنى أنشأت. غير أن التنشئة أو التغذية ليست عملية مادية فحسب ـ أي مقتصرة على الطعام ـ ولكنها عملية متكاملة تشمل جميع جوانب شخصية الناشئ: روحيا وعقليا ونفسيا وخلقيا واجتماعيا وبدنيا، ولذلك من أهم معانيها التهذيب، والرفع والسمو، والترقية والتزكية للروح والعقل والخلق)[82]. وقيل (لفظ مشتق إما من ” ربي ” فيقال ربي في بني فلان ربوا وربوءا بمعنى نشأ فيهم، وإما من ” ربا ” الشيء ربوا وربوءا بمعنى نما وزاد، وربا فلانا أي غذاه ونشأه وربا بمعنى نمى قواه الجسدية والعقلية والخلقية، وإما من ” رب ” فيقال رب القوم أي ساسهم وقادهم، ورب النعمة أي زادها، ورب الولد بمعنى رباه حتى كبر، فالتربية إذن السياسة والقيادة والتنمية)[83]. وعليه التربية لغة هي النمو والزيادة والتطور في جميع مناحي شخصية الفرد.

ـ اصطلاحا: وهو بيت قصيد الإشكالية حيث سنتطرق إلى بعض تلك الفلسفات حتى نقف على تعاريفها للتربية من حيث الاصطلاح:

أ ـ فلسفة التربية: يفيد مصطلح ” الفلسفة ” حب الحكمة، وهو لفظ يوناني ” Philosophia ” منحوت من ” Philo ” وتعني محب، ومن ” sophia ” وتعني الحكمة، ومنه الفلسفة تعني محب الحكمة. ليميز عن العالم الذي يملك المعرفة. وتمتاز الفلسفة من حيث تفكيرها بأنه:

(ـ تفكير تأملي شمولي يعتمد التأمل والاستدلال العقليين المجردين في بحث مختلف قضايا الوجود والمعرفة والقيم متوخيا الكشف عن عللها البعيدة وأسبابها الأولى.

ـ تفكير تساؤلي أي تحويل ما هو بديهي إلى تساؤلات تبرز المشاكل وتحيط بها بعيدا عن الدوغمائية.

ـ تفكير نسقي بمعنى أنه يقدم نفسه في صيغة أنظمة فكرية متكاملة تحوي مقولات ومفاهيم خاصة ومترابطة تشكل رؤية خاصة للقضايا المعالجة.

ـ تفكير برهاني ـ حجاجي)[84]. وهو ما يعطي محب الحكمة صفة الحكيم الذي (يعتنق النظرة الشاملة، فيقدر كل المعلومات الممكنة، ولا يقنع بزاوية واحدة أو ميدان واحد للخبرة. فهو يهتم بجميع ميادين الخبرة الإنسانية. وهو من جهة أخرى يمتاز بنظرته الواسعة التي تمكنه من أن يرى الأشياء في مجال أوسع ويقدر مغزاها الحقيقي، وأن يتجاوز الحدود الضيقة للاهتمامات الخاصة والمصالح الفردية، وبذلك يصبح في وضع يمكنه أن يحكم نقديا ذكيا. ثم إن الرجل الحكيم ليس سطحيا ولكنه يمتلك البصيرة. فهو يعرف أن الأشياء ليست دائما ما تبدو عليه، وأن ما يبدو تافها منها لا مغزى له قد يكون في الحقيقة ذا أهمية عظيمة، وأن ما يبدو هاما قد يكون في قيمته النهائية تافها، والرجل الحكيم ليس لديه الاستعداد لقبول الأفكار في قيمتها الظاهرية، إذ يتحتم سؤاله عن حقيقة معناها. والرجل الحكيم من ناحية أخرى، يرى ويكشف، أي أن لديه نظرة تأملية ترفعه فوق مستوى المطالب والاحتياجات العادية العاجلة إلى إمكانيات أوسع لدينا يدركها فكرا وخيالا، فهو يبحث عن المفاهيم والمبادئ التي توضح وتفسر تفسيرا له مغزاه الخبرة الإنسانية في مداها الكلي. ولا يزال الحكيم في حاجة إلى صفة أخرى هي معرفة تطبيق المعرفة وحسن التصرف في التطبيق. فهو يعرف ما يريد ويؤمن بأداء رسالته إيمانا حارا، فيندفع عاملا في تأدية هذه الرسالة)[85]. ومفهوم الحكيم هذا ينسحب على المدرس لأنه إنسان غير عاد لتعاطيه مع أنسنة الإنسان، ما يتطلب منه أن يكون حكيما بصيرا متيقظا فطنا واعيا بما يفعل، ولغاية ما يفعل، وكيف يفعل، ولمن يفعل. وإلا يصبح تقنيا عاديا يملى عليه ما يفعل وكيف يفعله!

                و(الحكمة بهذا المعنى لا يحتاجها الفيلسوف فقط، بل يحتاجها كل مواطن صالح، خاصة من كانت له قيادة فكرية أو تربوية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية. ويأتي على رأس هؤلاء المربي أو المعلم الذي يجب أن يكون حكيما إلى أبعد حدود الحكمة. والمعلم الحكيم هو المعلم الذي يحسن تنمية مواهب طلابه ويوجهها نحو الخير في جو من المحبة الأبوية والعلاقات الاجتماعية الصحيحة … وهو الذي يعرف ماذا يريد ويؤمن بأداء رسالته إيمانا حارا فيندفع عاملا في تأدية هذه الرسالة)[86]. ومنه في نطاق ربط الحكمة بالمجال التربوي نجد فلسفة التربية تتوسل بالتفكير الفلسفي أداة مقاربة الحقل التربوي والتعليمي موضوعا وغاية ووسيلة وعلاقات بينية بين مكوناته تحت سقف البرهان والحجة والنقد … وعليه تكون فلسفة التربية حقلا معرفيا (يهتم بالتربية والتعليم انطلاقا من التفكير الفلسفي في موضوعات عديدة مثل غايات التربية ووسائلها، طبيعة الفعل التربوي في علاقته بالشخصية الإنسانية وبقضايا المعرفة والثقافة، طبيعة المعرفة ووسائلها وأساليب الحكم والبرهنة والنقد في علاقتها بمحتويات المواد الدراسية وأنشطة التعلم)[87]. وبما أنها متعلقة بالتفكير الفلسفي، فهي مرتبطة بالمجتمعات الإنسانية وطريقة تعاطيها مع الفلسفة من جهة أولى، ومن جهة ثانية هي مرتبطة بفلسفة الحياة عند هذه المجتمعات التي تختلف في العقائد، وفي الثقافات، وفي الاجتماعيات، وفي السياسات، وفي التفكير وأنماطه، وفي الإيديولوجيات … لذا ارتبطت فلسفة التربية بالتيارات الفكرية والعقائدية والإيديولوجية بصفة خاصة، فنقول فلسفة التربية الإسلامية، فلسفة التربية الاشتراكية، فلسفة التربية الليبرالية، وفلسفة التربية البوذية، وفلسفة التربية المسيحية، وفلسفة التربية الإغريقية، والهندية، والصينية والعربية … ولكل فلسفة تعريفها للتربية، نقف على بعضها مثالا لا حصرا؛ ثم نسلك إلى اتخاذ تعريف اصطلاحي نووي ترتكز عليه التعاريف الأخرى.

ب ـ فلسفة التربية البدائية: عرفت الشعوب البدائية التربية منذ القدم، حيث ترى في فلسفتها التربوية إعداد الفرد إعدادا غريزيا وآليا على تحقيق حاجاته الفردية والجماعية ضمن قبيلته وعشيرته في إطار اجتماعيتها بما يحقق اندماجه فيها من حيث ممارسته أعمال القبيلة من صيد وعبادة ورعي وزراعة وطقوس وتقاليد وأعراف وحرب … والتدرب عليها منذ الصغر، للحفاظ على الموروث القبلي والعشائري والامتداد للجنس البشري للقبيلة من خلال الزواج … لذا كانت التربية في المجتمعات البدائية (هي في جوهرها تدريب آلي تدريجي على معتقدات الزمرة الاجتماعية وعاداتها وأعمالها)[88].

ج ـ فلسفة التربية الرومانية: بما أن الرومان شعب عملي تعبر عنه منجزاته العملية من طرق وقنوات ماء ومباني عامة وإدارة والعسكر؛ كانت فلسفة التربية عندهم برغماتية/نفعية مادية غير روحية. وبذلك (فالتربية عندهم لم تكن سوى عملية الإعداد للحياة العملية وهدفها العام هو الإعداد للقيام بالحياة العملية)[89]، و(كانت الفضائل أو الصفات التي يحرصون على غرسها في نفوس أبنائهم لتحقيق هذا الهدف العام هي الأخرى مصبوغة بالصبغة العملية وذلك كالرجولة، والشجاعة، والتقشف، والصبر، والثبات، وطاعة الوالدين، والولاء للدولة، والحشمة والوقار، والجد في سبيل الحياة، واحترام الحقوق والقيام بالواجبات التي حددها القانون)[90].

د ـ فلسفة التربية الهندية: في واقع الهند هناك فلسفات وليس فلسفة، لكن الطاغي هو الفلسفة البوذية التي تدعو إلى التصوف وإغراق الذات في الفناء نجاة من أشرارها وآثامها وأدرانها. حيث ( كان هدف الهندي الأسمى وغاية كل تربية جديدة عنده أن يقتل المرء فكره وارادته في التأمل الصوفي، وأن يخضع ميوله وشهواته، ويخلع كل فكرة أرضية، كيما يتحد بالذات الإلهية، وينحل في مبدإ كل مبدإ )[91]. لذا؛ فالتربية في هذه الفلسفة هي تنشئة الفرد على التحرر مما يربطه بالأرض قصد الحلول في الذات الإلهية.

هـ ـ فلسفة التربية الإسلامية: تنشد هذه الفلسفة ربط الإنسان بربه بما يحقق خلافته له في الأرض عبادة وعمارة، لذا فالتربية في الإسلام تعدد تعريفها بتعدد فهوم الإسلام على مستوى القرآن الكريم، وعلى مستوى الحديث الشريف. حيث يرى الغزالي التربية بأنها إرشاد المريد إلى سلوك طريق التصوف عبر مجاهدة النفس وتخليصها من الشوائب الدنيوية التي تقعدها إلى الأرض. وهو تعريف صوفي يتماشى مع فلسفة الغزالي في الحياة، بينما إخوان الصفا فعرفوها بأنها: الوصول إلى الإخوان بأرفق الطرق عبر اللطف والمداراة وإدراكهم بحكمتهم وبعلمهم لتنبيههم من الغفلة والجهالة، وهم الذين مجدوا العلم من خلال التربية، فقالوا: (ليس من فريضة من بين جميع فرائض الشريعة وأحكام الناموس أوجب ولا أفضل، ولا أجل، ولا أشرف، ولا أنفع للعبد، ولا أقرب له، بعد الإقرار به، والتصديق بأنبيائه ورسله فيما جاءوا به وخبروا عنه، من العلم وطلبه وتعليمه)[92]. وهناك تعاريف للتربية الإسلامية حديثة، نذكر منها: (التربية السليمة تعتبر المبادئ والمعتقدات الخاصة بمفهوم الوجود وطبيعته وبعلاقة جوانبه المختلفة بعضها مع بعض جزءا من محتويات فلسفتها التي تسترشد بها، وتقيم عليها غاياتها وأهدافها ومناهجها وخططها وطرقها وأساليبها وممارساتها، كما تعتبر أن من بين غاياتها وأهدافها الأساسية تمكين من تتوجه إليهم من البشر أفرادا أو جماعات من تنمية الإيمان لديهم بالوجود الإلهي وما يرتبط بهذا الوجود من عقائد إيمانية أخرى لا غنى للمؤمن عن الإيمان بها، ومساعدتهم على فهم الضروري من مظاهر الوجود الحادث وكشف غوامضه وأسراره وقوانينه وعلى الانتفاع بما في هذا الوجود من قوى وخيرات وعلى تسخيرها لتقدم البشرية)[93]. وكذلك (نظام اجتماعي يعبر عن روح الإسلام وفلسفته ويسعى إلى تحقيقها، قوامه القرآن والسنة وأهدافه تأديب النفس، وتصفية الروح وتثقيف العقل وتقوية الجسم، فهي تعنى بالتربية الدينية والخلقية والعلمية والجسمية دون التضحية بأي نوع منها على حساب الآخر … وتبدأ التربية الإسلامية في البيت عن طريق المحاكاة والتلقين ثم تمتد خارج نطاق البيت إلى مؤسسات مثل الكتاب والمسجد والمدرسة. ومبادئ التربية الإسلامية هي: الحرية في تربية النشء، وهي حرية موجهة بالهداية والإرشاد. التطور الذي تستمده من مبدإ شمولية الإسلام لكل زمان ومكان. تكافؤ الفرص انطلاقا من المساواة بين جميع الناس)[94]. وكذا (تقوم التربية الإسلامية على النشاط الديني. والمقصود بالنشاط الديني، هو الجهد المبذول في حقلي الكلام والعمل، لغرض إبراز المفاهيم الإسلامية الصحيحة للغير بصدق وإخلاص، نابعة من عقل واع مدرك لها مؤمن بها متحسس لنشرها متأدب بها منفعل معها مضح في سبيلها مرن في عرضها فطن في الدعوة إليها، آلف ومألوف، لا حاقد ولا ممقوت! من هذا الفهم ندرك أن هذا اللون من النشاط له طابعه الخاص، إذ ليس هو مجرد نشاط! بل هو عزيمة واستقامة وحياة متدفقة وطاقة هائلة ومعين لا ينضب من الحيوية والجهد والحلم والأناة والعلم والأدب والتقوى والورع والحكمة والفراسة والصبر والمصابرة)[95]. والتربية الإسلامية لها مفهوم مدرسي تقني يفيد أنها (مادة دراسية تعنى بجانب من حياة الناشئة لا تعنى به العلوم المادية الأخرى وهو الجانب الروحي ومن أهدافها: تزود النشء بالحصانة الواقعية من كل خطر، وتعطيها السلاح القوي للدفاع عن عقيدتها وأصالتها وقيمها مما يغزوها من دعوات وإيديولوجيات مشككة. تسمو بالناشئة أخلاقا وسلوكا ومعاملة وتمنعها من الانحراف. تهذب وجدان النشء بعقيدة ثابتة يؤمن بها قلبه، ويقتنع بها قلبه وتحرر فكره من الخرافة والتقليد. تبصر النشء بالحياة وتجعله يتفاعل معها، وتعلمه أن هذه الحياة قائمة على العلم والعمل والعدل والحق)[96]. وقد عرفها المنهاج الدراسي المغربي ب: (التربية الإسلامية مادة دراسية تروم تلبية حاجات المتعلم/ة الدينية التي يطلبها منه الشارع حسب سنه وزمانه ونموه العقلي والنفسي والسياق الاجتماعي. ويدل هذا المفهوم على تنشئة الفرد وبناء شخصيته بأبعادها المختلفة الروحية والبدنية وإعدادها إعداد شاملا ومتكاملا، وذلك استنادا إلى:

المبدأ: ضرورة الاستجابة للحاجات الدينية الحقيقية.

الغاية: اكتساب القيم الأساسية للدين المتمركزة حول قيمة التوحيد.

المداخل: التزكية والاقتداء والاستجابة والقسط والحكمة.

فتزكية النفس بتعظيم الله ومحبته ودوام الاتصال به، والاقتداء بالرسول الكريم نموذج الكمال البشري تعبدا وسلوكا، من خلال الاستجابة لأوامر الله ورسوله لإخلاص العبودية لله وحده. وذلك كله يدفع بالفرد للارتقاء إلى المواطنة الصالحة من خلال تمثل حقوق الله وحقوق الفرد وحقوق المجتمع، واتخاذ مواقف ومبادرات إيجابية تهدف تحقيق النفع العام ” حيثما تكون المصلحة العامة يكون شرع الله “. على اعتبار أن المواطن الصالح حامل رسالة العمارة في الأرض وصلاحها.

والغاية من التربية الإسلامية تحقيق التوازن في كيان الإنسان بين جوانب الشخصية كلها: فالمعرفة وتمثل القيم يقودان إلى التطبيق وتغيير السلوك. وهكذا تجمع التربية الإسلامية بين تلقين المعرفة والتدريب على المهارة وبناء القيم للانتقال بالمتعلم/ة من لحظة اتخاذ المواقف الإيجابية تجاه حق الله وحق النفس وحق الغير وحق المحيط إلى المبادرة والفعل لتحقيق النفع العام والخاص. وفي هذا الإطار، يقول الإمام الغزالي “إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الحق وصلاح الخلق في تحصين مقاصدهم. لكننا نعني بالمصلحة على مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم. فكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعها مصلحة. فالتربية الإسلامية تربية مستمرة لا تقف عند حد معين. ومجالاتها متنوعة في البيت والمدرسة والمسجد والمجتمع. وهي تربية أصيلة مفتوحة على الأساليب الحسنة كلها في التوجيه والتعديل “الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها”)[97].

و ـ فلسفة التربية الاشتراكية: هذه الفلسفة طابعها العام اجتماعي تغييري، تومن بالجماعة أكثر مما تؤمن بالفرد. فهي تسخر الفرد من أجل الجماعة وتسعى إلى تأسيس المجتمع الشيوعي، وهي فلسفة طوباوية أجدها لا تتماشى مع معطيات الإنسان فردا كان أم جماعة. لأنها كثيرا ما تتناقض مع هذه المعطيات. فالتربية عند رائدها ماركس، بمعنى التعريف الماركسي للتربية يفيد بأنها إكساب الفرد صفة العضوية في الجماعة لأجل الفهم الجماعي للواقع والعمل على تغييره. فهي إذن تسعى إلى تغيير الواقع من خلال الجماعة.

                وبعيدا عن هذه الفلسفات وغيرها، نتجه إلى الفلاسفة والمفكرين والباحثين في التربية نستقي منهم بعضا من تعاريفهم لنشهد أن إشكالية تعريف التربية ستظل قائمة لاختلاف التوجهات والرؤى والأطر التي تدرس فيها التربية. فنقف على التعاريف التالية:

(1 ـ يقول أفلاطون الفيلسوف اليوناني: إن التربية هي إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال والكمال.

2 ـ ويرى أرسطو الفيلسوف اليوناني أن الغرض من التربية هو إعداد العقل لكسب العلم.

3 ـ ويعرفها جون سيمون الفيلسوف الفرنسي بقوله: إن التربية هي الطريقة التي يكون بها العقل عقلا آخر.

4 ـ ويقول جون ميلتون المربي والشاعر الإنجليزي: إن التربية الكاملة هي التي تجعل الإنسان صالحا لأداء عمل، عاما كان أو خاصا بدقة وأمانة ومهارة، في السلم والحرب.

5 ـ ويقول بستالوتزي أحد كبار المربين السويسريين: إن التربية هي تنمية كل قوى الطفل تنمية متلائمة.

6 ـ ويرى كنت الفيلسوف الألماني أن التربية تصل بالإنسان إلى الكمال الممكن.

7 ـ ويعرفها جيمس ميل العالم الإنجليزي بأنها: إعداد الفرد ليسعد نفسه أولا وغيره ثانيا.

8 ـ ويركز الإمام الغزالي في آرائه التربوية على أن الهدف الأسمى للتربية هو التقرب لله تعالى والاستعداد للحياة الأخروية. ولذلك دعا إلى تربية الصبيان تربية دينية وخلقية قوامها التقشف والزهد في الملذات حتى البريئة منها.

9 ـ ويرى ابن سينا في تعريفه للتربية أنها وسيلة إعداد الناشئ للدين والدنيا في آن واحد وتكوينه عقليا وخلقيا، وجعله قادرا على اكتساب صناعة تناسب ميوله وطبيعته وتمكنه من كسب عيشه.

10 ـ أما ابن خلدون فقد أكد في آرائه التربوية على ضرورة العناية بتنمية عقل المتعلم ومراعاة استعداداته العقلية)[98].

                وبما أن التربية فعل إنساني ممارس على الذات أو الآخر، نستقي تعريفا يتماشى مع هذا الفعل، فتكون التربية: (سيرورة تستهدف تحقيق النمو والاكتمال التدريجيين لوظيفة أو لمجموعة من الوظائف عن طريق الممارسة وتنتج هذه السيرورة، إما عن الفعل الممارس من طرف الآخر ” وهذا هو المعنى الأصلي والأكثر عمومية ” وإما عن الفعل الذي يمارسه الشخص على ذاته. وتفيد التربية، بمعنى أكثر تحديدا، سلسلة من العمليات يدرب من خلالها الراشدون ” الآباء عموما ” الصغار من نفس نوعهم ويسهلون لديهم نمو بعض الاتجاهات والعوائد. وعندما يستعمل اللفظ وحده، فإنه ينطبق، في أغلب الأحيان، على تربية الأطفال)[99]. وهذا التعريف يمتاز ب:

ـ التربية سيرورة، بمعنى الامتداد في الفعل والزمن، ولا تحصر بمرحلة معينة، ولا بفعل معين، ولا بزمن محدد. فهي كيان حدثي/ وجودي ” أنطولوجي ” يؤثر في الذات أو في الآخر قصد تحقيق هدف معين.

ـ التربية فعل متعلق بالإنسان بما يمنحه صفة التنشئة الاجتماعية التي تورث وتنشئ اجتماعية الفرد داخل أطر مجتمعه، وثقافته، وفكره، ولغته، ومعتقداته … فتكون التربية بذلك أنسنة الانسان وفق معطى مجتمعه. ولا نكون حينها أمام الترويض الذي يقع على غير الإنسان، وهو الحيوان.

ـ التربية تمتاز هنا بكونها ممارسة تخرج عن نطاق الترف الفكري إلى تطبيق النظري على الكائن البشري، وتصييرها أنشطة تربوية نفعية، تروم إدماج الفرد في مجتمعه بعد تمكينه من الكفايات المتنوعة المطلوبة في الإدماج المجتمعي على مختلف المستويات: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والفكرية، والمهنية، والعقائدية … وهي عند الاطلاق؛ يقصد بها تربية الأطفال، وعند تخصيصها بمجال معين أو تيار فكري ما أو بمدرسة ما، من خلال الإسناد إليه، نكون أمام تربية خاصة ومحددة بمجاله. فنقول مثلا: “تربية إسلامية” نسبة إلى الإسلام، فحينئذ تتحدد بمجال الإسناد إليها، وهو الإسلام … وهكذا، نقول تربية مسيحية، تربية خلقية، تربية شرقية …

ـ التربية غائية بطبيعتها، فتحدد لنفسها الغايات التي تستهدف تحقيقها من خلال مضمون اشتغاله، وهي في نفس الوقت الوسيلة والآلية والطريق التي تحقق الغايات. فلا وجود لتربية بلا غايات.

                وبهذا؛ نقف على أن تعريف التربية يتحدد في سياق ورودها”[100]. والتربية تحمل في ذاتها البعد القيمي من خلال المؤسسات المجتمعية التي تقوم بها ابتداء من الأسرة ووصولا للمدرسة ومرورا بوسائل الإعلام والشارع … ومنه؛ يرى بعض الباحثين أن التربية لا تحمل السمة التقنية فحسب بل تتعادى إلى السمة الأخلاقية والسلوكية. كما هناك من يميز بين التربية والتعليم من حيث المكان والزمان، فيزعم بأن التعليم يمارس في نطاق المؤسسة التعليمية على مختلف أسلاكها وتخصصاتها، وبذلك يحصر التعليم بالمدرسة؛ بينما التربية تمارس خارد هذا المجال المكاني والزماني. فزمن التعليم ينتهي بانتهاء مدة الدراسة بينما زمن التربية ممتد من المهد إلى اللحد. ومنهم من يدعي أن التربية مجال عام والتعليم مجال خاص يشمله مجال التربية. كما أن هناك من يقول بترادف التعليم والتربية من طبيعتهما العملية. ولأجل الخروج من هذه الإشكالية هناك من الباحثين من يوظف مصطلح البيداغوجيا ليرمز إلى كل ما يتعلق بالفعل المدرسي؛ لكنه في الحقيقة يضيف إشكالية أخرى إلى إشكالية ما بين التعليم والتربية من تداخل وانفصام.

3 ـ في مصطلح البيداغوجيا:

حيث ” البيداغوجيا تأخذ مسميات عدة في ترجمتها من قبيل التعليمية، التدريسية، طرق تدريس المادة المدرسية، فن التدريس، أصول التدريس، ديداكتيك … وهي الأخرى يشهد مفهومها إشكالية تحديده لتعدد المشتغلين عليها ورؤى النظر إليها، وكيفيات توظيفها؛ فتتعدد التعاريف وتكثر؛ (لذا، من الصعب تعريف ” البيداغوجيا ” تعريفا جامعا ومانعا، بسبب تعدد واختلاف دلالاتها الاصطلاحية من جهة، وبسبب تشابكها وتداخلها مع مفاهيم وحقول معرفية أخرى مجاورة لها من جهة أخرى. ولعل هذا ما يبرر سعي كل من غاستون ميالاري .G Mialaret وروبير لافون Lafon. R ، إلى استعمال قاموس لغوي، يحاول أن يغطي ميادين متعددة متداخلة فيما بينها تداخلا شديدا. وهذا ليس بغريب، ما دامت علوم التربية لا تزال قائمتها مفتوحة لاستقبال علوم أخرى. ولكن الفعل والممارسة لا يستطيعان انتظار استكمال القواميس واستقراء المعاجم)[101].(والملاحظ أن هذه التعاريف، وكثير غيرها، تقيم دليلا قويا على تعقد “البيداغوجيا” وصعوبة ضبط مفهومها، مما يدفع دائما إلى الاعتقاد أن تلك التعاريف وغيرها، ليست في واقع الأمر سوى وجهات نظر في تحديد مفهوم ” البيداغوجيا “، لذلك، من الصعب تعريف “البيداغوجيا” تعريفا جامعا ومانعا، بسبب تعدد واختلاف دلالاتها الاصطلاحية من جهة، وبسبب تشابكها وتداخلها مع مفاهيم وحقول معرفية أخرى مجاورة لها من جهة أخرى)[102]. ولأجله نستقي عدة تعاريف فيها من يرادف البيداغوجيا بالتربية، ومن يميزها عن التربية، وهو ما ستذهب إليه في هذا الدرس الافتتاحي. فـنبحث في مفهوم هذا المصطلح على مستوى اللغة ومستوى الاصطلاح:

ـ البيداغوجيا على مستوى اللغة: يفيد المعجم الفرنسي أن معنى البيداغوجيا يتمثل في “علم تربية الأطفال؛ طريقة التعليم؛ صفات ونوعية وجودة البيداغوجي المحنك المقتدر”. وهي عند الإغريق تتكون من شقين متلازمين هما:  Péda وAgogé  ويعني الشق الأول الطفل، والشق الثاني يعني القيادة والسوق، حيث كان العبيد يصطحبون الأطفال إلى النزهة والخرجات ثم اصطحبوهم إلى  أماكن التربية والتكوين والتوجيه. وبذلك تطلق البيداغوجيا لغويا على العبد الذي يصحب الأطفال إلى المدرسة، فيقال أن البيداغوجي “اسم يطلق أطلقه اليونانيون القدماء على شخص من طبقة العبيد كان يرافق الأطفال عند ذهابهم وعودتهم من المدرسة، كما كان يقوم بتقويم أخلاقهم ومراقبة سلوكهم وعاداتهم في الحديث والمشي والمأكل ومعاملة الناس”.  ثم أصبحت فيما بعد تطلق على تربية الأطفال عند البعض. حيث ” كان لفظ البيداغوجيا يطلق قديما على علم التربية، ولاتزال بعض اللغات الأوربية تحتفظ به كالفرنسية والألمانية “.

                ويمكن الإشارة أن المعجم العربي يخلو من هذا اللفظ، لكنه يحمل لفظة التربية. مما جلب الاختلاف في ترجمة هذا اللفظ، التي قابلتها في المعجم التربوي العربي ب: علم التربية، التعليمية، فن التربية، علم أصول التدريس، فن التعليم، تدريسية، علم التدريس … وهناك من نقلها إلى اللغة العربية على وضعيتها الأجنبية: ” بيداغوجيا ” …

ـ البيداغوجيا على مستوى الاصطلاح: تكثر الأسئلة حول البيداغوجيا ودلالاتها الاصطلاحية؛ حتى تبلغ بها صعوبة التعريف. حيث ” من الصعب تعريف كلمة ” بيداغوجيا ” ولو تعريفا عاما صوريا. فهل البيداغوجيا علم؟ أم هي صناعة؟ أم هي فن؟ أم هي فلسفة، وفلسفة عملية بوجه خاص؟ أم هي كل أولئك في وقت واحد؟ … ” .  ما أدى إلى “عدم وضوح الحدود التي تفصلها عن مفاهيم أخرى مجاورة لها مثل التربية والتعليم. ويظهر التداخل بين البيداغوجيا والتربية في صعوبة الفصل بين مجال وطبيعة كل منهما “.

                وهذه الصعوبة، هي ما أدت إلى تعدد التعاريف، نقتطف منها ما يلي، لنصهر منها في الأخير تعريفا ملائما للبيداغوجيا:

ـ حيث أن ” ” ليتري ” يفهمها] أي البيداغوجيا [بمعنى التربية الخلقية فقط ويتحدث عن “فن” البيداغوجيا. وقد رأينا أن “وليام جيمس” يطلق عليها التسمية نفسها. غير أن ” هنري ماريون ” … أن البيداغوجيا شيء مختلف عن التربية، بل حتى عن العمل العملي العفوي الذي يقوم به مرب صالح، وأنها تتصل بالجسد والعقل كما تتصل بالخلق. فهي عنده ” علم التربية، جسدية كانت أو عقلية أو خلقية “، وينبغي أن تتخذ أساسا لها جميع المعطيات الوضعية للفيزيولوجيا ولعلم النفس والتاريخ المتصلة بطبيعة الأطفال. ويبين دوركهايم أن قوام ” علم التربية”، بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، دراسة نشأة الأنظمة التربوية ووظائفها. فهو إذن ضرب من تاريخ التربية، بل ضرب من علم الاجتماع التربوي. وهكذا لا يريد دوركهايم أيضا أن تكون البيداغوجيا مجرد صناعة عملية، وفهرستا للطرائق المبنية على مختلف علوم الإنسان. وهو يصفها وصفا يجمع فيه بين ألفاظ غريبة فيقول أنها ” نظرية عملية ” أي أن موضوعها التفكير في نظم التربية وطرائقها بغية تقدير قيمتها، وبالتالي إفادة عمل المربين وتوجيهه. ولنبادر إلى القول أنه إن لم يستخدم تعبير ” الفلسفة العملية “، فما ذلك لأنه لم يجد رابطة بين التربية وبين النظرة العامة إلى الإنسان وطبيعته ومصيره، ولكن لأنه رأى أن مثل هذه النظرية العامة لا يمكن أن نصل إليها ونستخلصها إلا عن طريق العلم، وعن طريق علم الاجتماع خاصة: ذلك أن الإنسان ليس إنسانا في رأيه إلى في المجتمع وبالمجتمع. ومهما يكن من أمر فالبيداغوجيا أو النظرية العملية في التربية تقع عنده في منزلة وسط بين علم التربية أو علم الاجتماع التربوي وبين الفن التربوي الحق.

ـ أما ” ديوي Dewey ” فيطلق على هذه ” النظرية العملية ” اسم العلم، لأنها تستلزم أولا طرائق في البحث مماثلة لطرائق العلوم الأخرى، ولأنها بعد ذلك تضع نظاما من المبادئ   الموجهة المستقاة من العلوم الأخرى التي تمت إلى التربية بصلة من النسب والقادرة على أن تجعل عمليات الفن التربوي العملي أكثر انطباقا على العقل وانسجاما مع الذكاء.

ـ ويرى ” كرشنشتاينر Kerschensteiner ” على العكس أن البيداغوجيا لا يمكن أن تشبه أبدا بالصناعة ” بالعمل الفني “، لأن العمل التربوي، الذي هو عمل وعي إنساني آخر والذي يقوم على قانون المحبة، هو شيء مختلف جدا عن العمل الصناعي. والبيداغوجيا ليست إذن علما مطبقا على التربية، من علم نفس أو أخلاق أو اجتماع، وإنما هي نفسها علم مستقل قائم بذاته، لأنها تستخلص أحكامها الأساسية من مفاهيم أساسية تقيمها بالاستناد إلى تحقيق للوقائع دقيق. ولكن ينبغي أن يضاف إلى هذا أن تلك الوقائع والحوادث التي تعني بها ليست حوادث خارجة عن وعي الأفراد الذين ينطلق عندهم العمل التربوي. إنها عناصر هذا العمل نفسه مأخوذا، إلى حد ما، بمعناه الظاهراتي Phénoménologique.  والصعوبة التي نلقاها في وصف مادة البيداغوجيا وصفا دقيقا ترجع دون شك إلى تعقدها الكبير. وخير طريقة هي العودة إلى طبيعة ” التربية ” التي هي موضوعها. والتربية عمل، كما نعلم، وهي بوصفها كذلك، صناعة ترتبط بغيرها من صناعات العمل …

إن ما تمتاز به البيداغوجيا، على العكس، من سائر الصنائع، هو أن هذه ليس عليها أبدا أن تحل مسائل لها علاقة بالغايات، بينما مسائل الغايات مسائل أساسية في البيداغوجيا. ومسائل الغايات ليست أبدا من ميدان العلم، فالعلم، سواء كان علم حياة أو علم اجتماع أو علم نفس، لا يطلعنا أبدا على ما هو كائن لا على ما ينبغي أن يكون …

 وهكذا علينا إذن أن نتصور البيداغوجيا في جملتها كبناء ذي عدة طبقات، أولاها تحاذي العلم، والثانية تحادي الأخلاق، أو الفلسفة العملية والثالثة الصنائع، والأخيرة الإبداع الجمالي “.

ـ ” لفظ عام ينطبق على كل ما له ارتباط بالعلاقة القائمة بين مدرس وتلميذ بغرض تعليم أو تربية الطفل أو الراشد. وبالانطلاق من مستويات مختلفة يمكن تمييز استعمالين للفظ بيداغوجيا أكثر تحديدا وهما: 1 ـ حقل معرفي قوامه تفكير فلسفي وسيكولوجي في غايات وتوجهات الأفعال المطلوبة ممارستها، في وضعية التعليم أو التربية، على الطفل أو الراشد أو بواسطتهما. وتندرج ضمن هذا التصور، على سبيل المثال، مبادئ   التبسيط، والتدرج، والمنافسة، 2 ـ نشاط عملي يتكون من مجموع تصرفات المدرس والمتعلمين داخل القسم. وبهذا يمكن تعريف البيداغوجيا باعتبارها اختيار طريقة ما في التدريس أو إجراءات وتقنيات معينة، وتوظيفها بارتباط مع وضعية تعليمية “.

ـ ” فالبيداغوجيا حسب أغلب تعريفاتها بحث نظري أما التربية فممارسة وتطبيق … ويقترح Mialaret في معجمه تصنيفا يميز فيه بين البيداغوجيا في بعدها النظري والبيداغوجيا في بعدها التطبيقي. إذ تتعلق الأولى بمجموع التأملات النظرية التي تستنير باعتبارها جملة أفعال ونشاطات تعليمية تطبيقية “.

ـ البيداغوجيا بمفهوم التدريس ” كعلم تطبيقي يرتكز على أسس علمية، ويسمح هذا العلم التطبيقي بفهم آليات بناء الدراية والشروط الموضوعية التي تضمن للأفراد، كيفما كان نوعهم، إمكانية بناء الدراية بطريقة فعالة وذات دلالة “.

] ـ البيداغوجيا هي الاستراتيجيات التي يقوم بها المدرس كالإرشاد والوصاية والمرافقة وتيسير طرق التعلم إلخ …

ـ البيداغوجيا هي كل نشاط يقوم به المدرس من أجل تنمية تعلم محدد لدى الغير.

ـ تهتم البيداغوجيا بنجاعة طرقها في التعلم[[103].

                إن إشكال تحديد البيداغوجيا تحديدا دقيقا عند البعض ينبع من ارتباطها أو تعالقها بمجموعة من المصطلحات والمفاهيم الأخرى، ينتج عنه تقارب موضوع الاشتغال أو أدواته أو مداخله، أو تقاطعهما في مناطق معرفية معينة أو في الأجهزة المفاهيمية … إلخ. مما يؤدي إلى وجود مناطق رمادية تتطلب مزيدا من البحث والدراسة. وإن كان في كثير من الأحيان يتجاوز هذا الإشكال بالتحديد الإجرائي للمصطلح لكي نشتغل بحرية في العملية التعليمية التعلمية. فالبيداغوجيا عند أغلب مفكري التربية والتدريس تهتم بما هو مدرسي، وبما هو متعلق بالتدريس على المستوى النظري والتطبيقي. وبذلك يمكن اعتبارها ضمن التربية؛ بما أن التربية هي ” سيرورة تستهدف تحقيق النمو والاكتمال التدريجيين لوظيفة أو لمجموعة من الوظائف عن طريق الممارسة وتنتج هذه السيرورة، إما عن الفعل الممارس من طرف الآخر ” وهذا هو المعنى الأصلي والأكثر عمومية ” وإما عن الفعل الذي يمارسه الشخص على ذاته. وتفيد التربية، بمعنى أكثر تحديدا، سلسلة من العمليات يدرب من خلالها الراشدون ” الآباء عموما ” الصغار من نفس نوعهم ويسهلون لديهم نمو بعض الاتجاهات والعوائد. وعندما يستعمل اللفظ وحده، فإنه ينطبق، في أغلب الأحيان، على تربية الأطفال ” . وهي سيرورة أوسع من التدريس ومتعلقاته. كما أن من معانم التربية نجد البعد القيمي السلوكي، والممارسة الفعلية. بينما في البيداغوجيا يبقى هذا البعد موضوعا للتدريس قد يفعل من قبل المتلقي/ المدرس أم لا. بمعنى يظل سؤال التفعيل في البيداغوجيا مطروحا خلافا في التربية التي تفيد الفعل والممارسة. وبذلك ذهب البعض إلى عمومية التربية وخصوصية البيداغوجيا. فكل ما هو بيداغوجي هو تربوي، والعكس غير الصحيح، بمعنى أن كل ما هو تربوي ليس بالضرورة بيداغوجيا. ويذهب إلى خلاف هذا البعض حيث (لهذا الاعتبار، نأخذ بوجهة نظر التي تميز في لفظ ” بيداغوجيا ” بين استعمالين، يتكاملان فيما بينهما بشكل كبير، وهما:

ـ أنها حقل معرفي، قوامه التفكير في أهداف وتوجهات الأفعال والأنشطة المطلوب ممارستها في وضعية التربية والتعليم، على الطفل والراشد.

ـ إنها نشاط عملي، يتكون من مجموع الممارسات والأفعال التي ينجزها كل من المدرس والمتعلمين داخل الفصل. هذان الاستعمالان مفيدان في التمييز بين ما هو نظري في البيداغوجيا، وما هو ممارسة وتطبيق داخل حقلها)[104].

                وحسب بعض الباحثين التربويين والمفكرين تترادف عندهم التربية والبيداغوجيا، وتقعا في نفس المساحة النظرية والعملية. كما ورد في معجم علم النفس والتربية” (كان لفظ البيداجوجيا يطلق قديما على علم التربية، ولاتزال بعض اللغات الأوربية تحتفظ به كالفرنسية والألماني)[105]. لكن سنذهب في التحديد إلى مذهب من يقول: ” أن البيداغوجيا مجال نظري وتطبيقي متعلق بما هو مدرسي. وما هو خارج عنها، فهو يقع في مجال التربية “. وبذلك يتحدد مجال اشتغال كل من البيداغوجيا والتربية)[106]، حيث تشتغل البيداغوجيا في المجال المدرسي، والتربية من خارجه. فمثلا دور الشباب والأندية والمؤسسات الثقافية هي تشتغل في المجال التربوي. وإن كنت أميل إلى توظيف التربية أكثر منه البيداغوجيا، نظرا للبعد القيمي والأخلاقي في حمولة مفهوم التربية، بينما البيداغوجيا فمفهومها محمل بالتدريس والتعليم، وهما أفعال تقنية صرفة تتلاشى عندها القيم، بمعنى تكون مضمرة في أحسن الأحوال. ولكن جرى التقليد المدرسي توظيف مصطلح البيداغوجيا أكثر من مصطلح التربية، وإن كانت الوزارة تحمله! كما أن هناك من يتشبث بمصطلح التربية معتبرا إياها مجالا نظريا بينما البيداغوجيا هي صناعة التربية بما يفيد البعد العملي والتطبيقي منها؛ لذا، استعمل هذا البعض (مصطلح ” البيداغوجيا ” عوض مصطلح ” التربية ” على اعتبار أن كلمة ” البيداغوجيا ” تدل على فن التربية أو صناعة التربية أو علم التربية، لأنها تستند إلى نتائج العلوم كعلم النفس، وعلم الاجتماع، لتنطلق مستفيدة من نتائجها للتعامل مع المتعلم تربويا وتعليميا. أما كلمة ” تربية ” فهي ذات طابع نظري. أي تمثل الأسس الفلسفية والاجتماعية والإيديولوجية للتربية)[107].

4 ـ في مصطلح “الأساس”:

ـ الأساس لغة: ج أسس، وهو أصل البناء ودعامته وقاعدته ومرتكزه، كما هو أصل الشيء ومبدؤه، وهي مادة معجمية من الهمزة والسين، وتعني الأصل والشيء الوطيد الثابت، الذي تبنى عليه القواعد. وهي مادة لغوية تحمل دلالات معنوية وأخرى مادية، ما بين الحقيقة والمجاز حسب سياق الكلام وحسب الزيادة في المادة المعجمية والاشتقاق منها وصيغه اللغوية. فهي دلالة التأسيس في قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى)[108] معنوية محضة، بينما في قوله جل وعلا: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)[109]، فدلالة التأسيس معنوية في البناء على التقوى، والبناء على جرف هار أمر حسي مشبه به. ومنه؛ تنحو دلالة الأساس في هذه الورقة نحو الاتجاهين المعنوي والمادي الحسي، فحين يمكن التعليم والتربية المتعلمة والمتعلم من تنمية المعارف والمعلومات والموارد والمهارات والقدرات والكفايات والقيم وأنماط التفكير، ويبني معمارهم الفكري بكل أبعاده الأخلاقية والمعرفية والعملانية والسلوكية والثقافية والاجتماعية … يكون البناء معنويا بالدرجة الأولى، ويكون البناء حسيا حين يتمكن المتعلم والمتعلمة من ممارسة فعل ما أو مهنة أو يخترع شيئا ماديا أو حسيا ما؛ كمن يرسم لوحة ما، فهو يفعِّل حسيا ما حصله معنويا من التعليم والتربية، فيكون ذلك أساس معارفه ومهاراته مقابل أساس حالته الاقتصادية والمادية … وهكذا يعتبر التعليم والتربية أساس تنمية الفرد والمجتمع معا.

ـ الأساس اصطلاحا: لم يحظ بعد مصطلح ” أساس” بصيغة المفرد أو بصيغة الجمع بتعريف اصطلاحي محددة، ربما نتج ذلك من كون دلالته النووية اللغوية المعجمية تسكن جوهر سياقات ومجالات استعمال اللفظ في الاصطلاح، بما يدل على وجود هذه النواة اللغوية في استعمالات لفظ ” أساس/أسس” في مجالات معرفية متعددة، قد تتداخل مع مصطلحات أخرى من قبيل: المبادئ والقواعد والأصول والمداخل؛ وهي تختلف في معانيها رغم وجود معنى الأساس فيها، الذي يعني الأصل. فنقول مثلا[110]:

ـ أساس:

                مبدأ عام تعتمد عليه طائفة من الظواهر أو القضايا “تعامل الإنسان مع الآخرين هو أساس العلوم الاجتماعية ـ لم يجد المجلس أساسا مشتركا للمفاوضات ـ عقدت المفاوضات على أساس تقرير مصير الشعوب”.

ـ أساس:

                مرتكز البناء وقاعدته “انتهى العمال من وضع أساس المصنع ـ العدل أساس الملك [مثل]”. خبر لا أساس له من الصحة: كاذب.

ـ أساس:

                أصل الشيء ومبدؤه “أساس الإنسان الطين ـ العائلة أساس المجتمع البشري وخليته الأولى ـ المعاملة الحسنة أساس العلاقات الإنسانية الطيبة”. أساسا: أصلا ـ على أساسه: وفقا له.

ـ أساس:

                ” الكمياء والصيدلية” جسم كالصودا أو البوتاس مركب من امتزاج معدن بالأكسجين يتحد مع الحامض فيكون ملحا.

ـ أساس:

                أساس المتوالية: ـ ” الجبر والإحصاء” الزيادة الثابتة.

ـ أساس:

                أساس قانوني: ـ ” القانون” القاعدة القانونية التي تشكل أساسا يرتكز عليه الحل القانوني للمسائل المعروضة.

ـ أساس:

                حجر الأساس: حجر يوضع إيذانا ببدء إنشاء بناء ما.

أساس:

                دعامة أساس: دعامة تستخدم لتثبيت هيكل أو بناء.

ـ أساس:

                النظام الأساسي: ” قانون” ما يمثله دستور البلاد.

ـ أساس:

                السعر الأساسي: ” اقتصاد” السعر الأقل الذي يمكن أن يباع به جزء من الملكية في مزاد علني.

ـ أساس:

                الأس: “رياضيات” [جب] القوة التي يرفع إليها عدد أو رمز ما أو تعبير أو اصطلاح رياضي، فالتعبير “س4 ” يعني أن الكمية “س” مضروبة في نفسها أربع مرات، “س” هنا تسمى قاعدة والعدد “4” يسمى أس.  سم = س × س × س × س × … ×س

                                                                م من المرات

أساس:

                المجلس التأسيسي: “قانون” هيئة تضع دستور البلاد وقوانينها الأساسية.

                وفي سياق هذه الورقة يفيد مصطلح “أساس” مدخل التنمية بما فيها التنمية البشرية من المبادئ الأساسية المعرفية والمهارية والتطبيقية، وأدواتها العملية وخططها واستراتيجياتها، ومواردها البشرية، وبنياتها الوظيفية. ما يجعل التعليم والتربية السبب الرئيس في إحداث تنمية العباد والبلاد، وبداية تطور مختلف مجالات الحياة الفردية والجماعية؛ فهما كأساس المنزل الذي لا يرتكز تكوينه فقط على العناصر الخارجية الظاهرة للعيان؛ وإنما يعتمد على العديد من العناصر البنيوية التي تشكل هيكله من قبيل أسسه وأرضيته التحتية والقاعدية التي لا يقوم البنيان إلا عليها، فهي توفر بقاء وقوفه وصموده دون سقوط وانهدام. وتضمن استمرارية وجوده لسنوات طوال؛ وما أسس المدن القديمة والعتيقة الحية بيننا اليوم والصامدة في وجه نكبات التاريخ إلا دليلا قاطعا على مثانة تلك الأسس التي قامت عليها، سواء منها الأسس المادية الحسية أو الأسس المعنوية التي تميز تاريخها وعراقتها.

5 ـ في مصطلح التنمية:

ـ التنمية لغة من الدخلة المعجمية[111] ” ن م ي” التي تفيد الزيادة والكثرة والارتفاع والغلاء، والرفعة وعلو الشأن، والرفع في الإسناد إلى المصدر. وأما مزيد هذه الدخلة المعجمية فيفيد معاني عدة حسب السياق منها: الظهور والزيادة والاستثمار والإشاعة بمعنى الانتشار والدعاية، والصعود والانتساب والانضمام، النمو شيئا فشيئا والتناهي والإبلاغ، الرفع من المعدل وأشبع وطور والانتعاش والتقوية … وامتلاك مستوى منخفض من القدرات الصناعية أو التطور والتقدم التقني والإنتاجي الاقتصادي ومنه الدول النامية الساعية إلى تحقيق نموها الاقتصادي والاجتماعي. وأجد المعنى النووي هو ذاته للدخلة المعجمة ” ن م و “[112] التي يمكن اشتقاق مصطلح ” النمو ” منها، حيث يشتركان في معنى الزيادة والتطور، لكن يختلفان في كيفية الزيادة والتطور؛ إذ ” التنمية ” فعل خارجي بامتياز يوقعه الخارج كفاعل على الذات كمفعول به، وأما ” النماء ” فعل داخلي بامتياز توقعه الذات على الذات. وهذا ناتج عن ترجمة اللفظ من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، ويبقى مصطلح ” التنمية ” مناسبا وملائما في الترجمة لأنه يحمل معنى الفعل من الخارج نتيجة الزيادة بالتضعيف ” تضعيف العين: فعّل “[113]، التي تعني:

ـ الدلالة على التكثير والمبالغة؛ وهو ما يناسب التنمية من حيث تكثير الإنسان المتعلم المبدع والكفء والقادر على الفعل، كما تكثر نماء البلاد على مختلف الأصعدة والمجالات والقطاعات سواء الخاصة أو العامة، وتكثر من رفع البلاد والعبادة من حالة إلى حالة أخرى أرقى منها وأفضل.

ـ التعدية؛ تعدية الفعل إلى المفعول به فينميه.

ـ الدلالة على التوجه؛ والتنمية تتجه نحو التطور الفردي والمجتمع على مستويات عدة.

ـ الدلالة على أن الشيء قد صار شبيها بشيء مشتق من الفعل؛ والشبه هنا هو الزيادة والتطور والوعي.

ـ الدلالة على السلب؛ والتنمية تسلب ما في الفرد والمجتمع من رواكد الفعل والتخلف والتأخر.

ـ اختصار الحكاية؛ وحكاية التنمية هي نماء ونمو وتطور للفرد والمجتمع أو نقل الفرد والمجتمع من حالة سلبية إلى حالة إيجابية، ومن الفقر إلى الغنى والرفاهية، ومن القيمة السلبية لغياب مؤشرات التنمية إلى القيمة الإيجابية لهذه المؤشرات التي يقاس بها مدى التنمية في بلد من البلدان في العالم.

ـ التنمية البشرية اصطلاحا: تختلف من منظور إلى آخر، وقد ذهبت الأمم المتحدة في تعريفها للتنمية البشرية مذهبا متطورا، حيث كانت تعرف التنمية البشرية حسب تقريرها لسنة 1990 (على أنها نهج إنمائي محوره الإنسان)[114] ثم تطور هذا المفهوم في حمولته اللغوية ودلالاتها، وفي تطبيقاته، فأصبحت مروحته تغطي الكثير من المجالات المتعلقة بالحياة الفردية والجماعية، ونمائها وتنميتها (وحول نهج التنمية البشرية الخطاب الإنمائي من الثراء المادي إلى الرفاه البشري، من زيادة المداخيل إلى توسيع الإمكانات، من تحقيق النمو إلى توسيع الحريات. وركز على ثروة الحياة وليس ثروة الاقتصاد، فغير النظرة إلى النتائج الإنمائية وقدم نهج التنمية البشرية الأساس التحليلي لإعلان الألفية وللأهداف الإنمائية للألفية “2000”)[115] و(يعتبر مفهوم التنمية البشرية أعمق وأوسع من أن نستطيع قياسه بأي مقياس أو حصره بأدلة. بيد أن هذه الأدلة تفيد في تركيز الانتباه، وتبسيط المشكلة. هذا؛ علاوة على أن السبب الأقوى لاستخدامها هو عدم كفاية الأدلة الأخرى مثل مؤشر الناتج المحلي الإجمالي)[116]. فغدت؛ في تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشـرية لسنة 2016 (تعني التنمية البشرية توسيع الحريات للجميع، بحيث يتمكن كل إنسان من اتخاذ ما ينشده من خيارات. وفي جوهر هذه الحريات اثنتان، حرية الرفاه التي تتحقق بالوظائف والإمكانات، وحرية التصرف التي تتحقق بإعلاء الصوت والاستقلالية.

الوظائف هي ما ينشد الإنسان أن يكون عليه أو يفعله، كأن يكون سعيدا، في حالة اكتفاء غذائي، في صحة جيدة، وأن يتمتع باحترام الذات، ويشارك في حياة المجتمع. الإمكانات هي مختلف الوظائف ” أي ما ينشد الإنسان أن يكون عليه ويفعله ” التي يستطيع الإنسان تحقيقها. القدرة على التصرف ترتبط بما للإنسان من حرية للقيام بعمل أو إنجاز لما يراه هاما من أهداف أو قيم. وكلا النوعين من الحريات ضروري للتنمية البشرية)[117]. وقد صارت التنمية البشرية شاملة من حيث هي (عملية توسيع خيارات الإنسان. التنمية البشرية هي أيضاً الهدف، هي إذاً الوسيلة والحصيلة. فالتنمية البشرية تعني أن يمتلك البشر القدرة على التأثير في كل ما يكون حياتهم. النمو الاقتصادي هو وسيلة هامة لتحقيق التنمية البشرية، ولكنه ليس الغاية. التنمية البشرية هي تنمية الإنسان ببناء الإمكانات البشرية، فهي للبشر إذ تحسن حياتهم وهي من البشر إذ يشاركون بفعالية في كل ما يكون حياتهم. ونهج التنمية البشرية أوسع من نهج أخرى، كتلك التي تعنى بالموارد البشرية، أو الاحتياجات الأساسية، أو الرفاه البشر)[118]، وقيست التنمية البشرية بمؤشرات ثلاث هي: متوسط ​​العمر المتوقع ، والتعليم، والناتج المحلي الإجمالي للفرد؛ ثم توسعت لتشمل مؤشرات أخرى كمحاربة الأمية وإن كان يقع تحت بند التعليم، فجاء تقرير 2016 دامجا (الأبعاد الأساسية الثلاثة للتنمية البشرية. يعكس متوسط العمر المتوقع عند الولادة القدرة على عيش حياة مديدة وصحية. ويعكس متوسط سنوات الدراسة والعدد المتوقع لسنوات الدراسة القدرة على اكتساب المعرفة. كما يعكس نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي القدرة على تحقيق مستوى معيشي لائق. ولقياس أكثر شمولا للتنمية البشرية، يتضمن التقرير أربعة أدلة مركبة أخرى. دليل التنمية البشرية معدلا بعامل عدم المساواة يعدل قيمة دليل التنمية البشرية على أساس عدم المساواة. ودليل التنمية حسب الجنس يقارن قيمة دليل التنمية البشرية بين الإناث والذكور. ودليل الفوارق بين الجنسين يركز على تمكين المرأة. ودليل الفقر المتعدد الأبعاد يقيس أبعاد الفقر التي لا صلة لها بالدخل)[119].

والتنمية بصفة عامة تنميات ذات وجوه ومجالات متعددة، حيث تنطلق من مفهوم الزيادة والنمو والتطور والرفع من قيم مجالاتها على مستوى الموضوع، وعلى مستوى الزمن، فكانت مثلا على مستوى الموضوع التنمية الاقتصادية تهتم برفع مستوى الإنتاج والدخل الوطني الذي ينعكس على دخل الفرد إيجابا وسلبا، وتحويل الموارد الطبيعية المعطلة وغير المستثمرة أو المجمدة إلى موارد منتجة ومستثمرة من قبيل استصلاح الأراضي الصحراوية أو البور أو العناية بالمناطق الطبيعية النائية واستغلالها في الفلاحة او الصناعة بإنشاء صناعات مبتكرة وجديدة ومستجدة تحتضن العقول والسواعد الفاعلة، والتنمية البيئية التي تعتني بالبيئة حماية واستثمارا … وكانت على مستوى الزمن التنمية المستدامة أو المستمرة التي توفر لها الدول مقومات الاستمرار والنجاح، وتحيطها بالعقول المجددة والمطورة والمبدعة.

ـ في أهمية التنمية البشرية:

أصبحت التنمية البشرية من أهم المواضيع التي تهتم بها الدول ومنظماتها العالمية كالأمم المتحدة، وتصدر في شأنها تقارير تصنيفية ووصفية موضوعية ترتكز على معطيات عدة في واقع تلك الدول المعيش، وتقيس مؤشراتها، وتضع برامج تنموية لأجل تحقيق مساعدة الدول المتخلفة من الخروج من أوضاعها المأزومة، وتنبع أهمية التنمية بصفة عامة، والتنمية البشرية في وظيفتها على مستويات الصحة والتعليم والدخل فضلا عن الغايات التي تبرمجها كل دولة لبرامجها التنموية. فهي في سياق تنمية الفرد والجماعة والمؤسسات، وبطريقة ضمنية أو صريحة، تعمل على:

ـ تطوير كفاءة العاملين في الوظائف القائمة عبر الرسكلة، وتمكين الجدد منهم من الكفايات والقدرات والمهارات المهنية من خلال تكوين أساس متين يؤهلهم لممارسة مهنهم بكل اقتدار وجدارة.

ـ تحبير وتحسين جودة الأداء الفردي والجماعي والمؤسساتي على المستوى الأكاديمي والتعليمي المعرفي، وعلى المستوى العملاني التطبيقي، بما يجود الخدمة المقدمة سواء أكانت عقلية ونظرية ومعرفية أو مادية تطبيقية.

ـ توظيف المعارف والكفايات والقدرات والمهارات والمعلومات والخبرات ومعرفة التجربة المكتسبة في تحقيق الغايات والأهداف المنشودة والمرصودة للعمال والخدمات.

ـ تمكين الأفراد والجماعات والمؤسسات من امتلاك مناهج البحث العلمي، والتأمل الذاتي في الوصول إلى الحقائق والمعارف والمعلومات، والتعبير عنها بوضوح وسلاسة، وتفسيرها واستخلاص المقترحات والقوانين منها بطريقة جديدة ومبتكرة.

ـ تمكين الأفراد من القدرة على التمييز بين الحقائق الموضوعية، والمعطيات الواقعية، وبين الآراء ووجهات النظر مقابل التمييز بين المقولات المنطقية والمغالطات المنطقية؛ فضلا عن التمييز الواضح بين الأسباب والمقدمات والنتائج.

ـ خلق القدرة لدى الأفراد والمؤسسات على استخلاص الخلاصات من مختلف تجليات الحياة الفردية والجماعية الاجتماعية وظواهرها الإنسانية والتطبيقية، واقتراح مقترحات منها والتوصيات، توجه الرؤية والخطى الفردية والجماعية والمؤسساتية. وتشكل حواضن الخطط والمشاريع وتدبيرها.

ـ خلق الإنسان الناقد والمبدع الذي يفكر بطريقة مختلف عن العامة، ويحقق التطور المنشود علميا وعمليا، وينتج علميا واقتصاديا. فالدول المتقدم ترقى عن الدول المتخلفة باحتضان الإنسان الناقد والمبدع، وتشجعه على الإنتاج، وتهيئ له شروط ومتطلبات النقد والإبداع والظروف المناسبة له، التي تريحه وتحفزه على الاستمرار بدل قمعه وإحباطه كما في الدول المتأخرة. فهي لا تعرف ولا تعلم ما للنقد والإبداع في تطوير الأمم والشعوب والأفراد والمؤسسات، ولا تعرف قيمة العلم في الحياة!

ـ تمكين الأفراد والجماعات والمؤسسات من كفايات وقدرات ومهارات التفكير الخلاق في خلق البدائل للمشاكل والقضايا المعيشة، والبحث عن الأفضل منها لتطبيقها وتجريبها، وتحقيقها على أرض الواقع بما يخدم الناس والمجتمع، وفي نفس الوقت ينمي الدولة.

ـ خلق الثقة بالنفس، وتعزيز الروح الإيجابية في التوجه والرؤية والتخطيط والتدبير والأداء، وفي تحقيق الغايات والأهداف من المشاريع والخدمات … والعمل على تنمية الشخصية نحو الاستقلالية والحرية والنقد، والجرأة في مواجهة المشاكل وحلها بما يناسب حقائقها من إجراءات وآليات وأدوات.

ـ دعم أواصر العلاقات بين الأفراد والجماعات مع الدولة والنظام والمؤسسات، وخلق الشعور بالانتماء الوطني، وخلق إرادة المشاركة في البناء المجتمعي من خلال المواطنة الضامنة للحقوق والواجبات، والاطمئنان إلى المستقبل نتيجة التطور المجتمعي وأبعاده المختلفة الذي تخلقه التنمية البشرية والمستدامة.

ـ ….

                ووعيا بأهمية التنمية في الحياة العامة والخاصة، انطلق المغرب في مشروع التنمية البشرية وباقي التنميات محاولا إيجاد نقلة نوعية في تجديد المشهد الحياتي المغربي تحت سقف نموذجه التنموي الوطني، الذي يتوخى تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع بناء على ما جاء في خطاب عاهل البلاد الملك محمد السادس في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة، 12 أكتوبر 2018: ( لقد دعوت، من هذا المنبر، إلى إعادة النظر في النموذج التنموي الوطني، وبلورة منظور جديد، يستجيب لحاجيات المواطنين، وقادر على الحد من الفوارق والتفاوتات، وعلى تحيق العدالة الاجتماعية والمجالية ومواكبة التطورات الوطنية والعالمية). لأن النموذج التنموي الوطني وقتئذ لم يواكب الحاجيات ومتطلبات التغيير التي يشهدها المغرب، فكانت حتمية تجديده وتطويره ملحة وضرورية، حيث صرح بذلك القصور عاهل البلاد الملك محمد السادس، في خطابه في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة، 13 أكتوبر 2017: (إذا كان المغرب قد حقق تقدما ملموسا، يشهد به العالم، إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية)، مما دفعه في نفس الخطاب إلى دعوة (الحكومة والبرلمان، ومختلف المؤسسات والهيئات المعنية، كل في مجال اختصاصه، لإعادة النظر في نموذجنا التنموي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد). وفي سبيل ذلك ومن أجل إنجاحه، قرر بجرأة وباستباقية تكليف لجنة خاصة بالنموذج التنموي الوطني الجديد في خطابه لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة، 12 أكتوبر 2018: ( لذا قررنا تكليف لجنة خاصة، مهمتها تجميع المساهمات، وترتيبها وهيكلتها، وبلورة خلاصاتها، في إطار منظور استراتيجي شامل ومندمج؛ على ان ترفع على نظرنا السامي، مشروع النموذج التنموي الجديد، مع تحديد الأهداف المرسومة له، وروافد التغيير المقترحة، وكذا سبل تنزيله)؛ (وإننا ننتظر منها أن تباشر عملها، بكل تجرد وموضوعية، وأن ترفع لنا الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول)[120]. ( ويبقى الأهم هو التحلي بالحزم والإقدام، وبروح المسؤولية العالية، في تنفيذ الخلاصات والتوصيات الوجيهة، التي سيتم اعتمادها، ولو كانت صعبة أو مكلفة)[121]. والنموذج التنموي الوطني الجديد لن يشكل قطيعة مع ما سبقه، بل يكون نسخة متطورة مما تحقق في السابق مواكبا للمستجدات الوطنية والعالمية؛ (إن الأمر لا يتعلق بإجراء قطيعة مع الماضي، وإنما نهدف لإضافة لبنة جديدة في مسارنا التنموي، في ظل الاستمرارية)[122].

                وبالفعل انطلق النموذج التنموي الوطني من الاختيارات الأساسية للأمة المغربية وثوابتها وقيمها الناظمة لهويتها، نحو قراءة المستقبل وتجلياته القائمة على معطيات الحاضر، المستأنسة بالماضي، لبناء مغرب الغد في أفق 2035، حيث رؤية النموذج التنموي الوطني للمغرب المنشود تفيد (في أفق 2035، يتعزز المغرب كبلد ديمقراطي يمتلك فيه جميع المواطنين القدرة الكاملة على تولي زمام أمورهم وتحرير طاقاتهم والعيش بكرامة في مجتمع منفتح ومتنوع وعادل ومنصف. بلد قادر على خلق القيمة المضافة، يستثمر مؤهلاته بصفة مستدامة ومسؤولة. مستندا على التقدم المضطرد الذي يحققه على المستوى الوطني، يبرز المغرب كقوة إقليمية تضطلع بدور طلائعي في مواجهة التحديات التي تواجه العالم)[123]. وهي رؤية تنبع من الطموح المأمول الذي ينسجم (مع الاختيارات الأساسية للأمة وثوابتها، فضلا عن القيم المكونة للهوية الوطنية. كما يعكس التطلعات الرئيسة للمعاربة، سواء فيما يتعلق بازدهارهم ورفاههم كأشخاص أو فيما يخص ارتباطهم بالأمة والتزامهم حيالها بالإضافة إلى عزمهم المساهمة في تنمية البلاد بكل روح مواطنة. ويرتكز هذا الطموح أيضا على اختيار المملكة للانفتاح من خلال وضع مشروعنا الجماعي أمام أعين المنتظم الدولي)[124].

                وتوجه المغرب نحو المستقبل يضم الاختيارات التالية: (

ـ التشبث بالاختيار الديمقراطي ودولة الحق والقانون؛

ـ تثميـن الرأسـمال البشـري وقـدرات المواطنـات والمواطنيـن كرافعـة أولـى لضمـان تكافـؤ الفـرص والادمـاج الايجابـي وتفعيـل المواطنـة وتحقيـق الرفاه؛

ـ التعلـق بـكل مـا يشـكل خصوصيـة المملكـة: عمقهـا التاريخـي، هويتهـا الوطنيـة الغنيـة بروافدهـا وقيمهـا الثقافيــة والدينية؛

ـ التشــبث بالتنــوع وبالمســاواة بيــن الرجــل والمــرأة وبتكريــس مكانــة ودور المــرأة فــي الاقتصــاد وداخــل المجتمــع؛

ـ نمـط إدماجـي فـي خلـق القيمـة يثمـن كافـة الطاقـات ويضمـن التوزيـع المنصـف للثـروة وينتقـل ببادنـا إلـى مصـاف القـوى الصاعـدة بشـكل كامـل؛

ـ نمط لخلق القيمة، هاجسه المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية؛

ـ وأخيـرا، التشـبث بمغـرب منفتـح علـى العالـم ويسـاهم بشـكل فعلـي فـي رفـاه مواطنيـه وفـي التقـدم العالمـي)[125]. لذلك (يحظــى العنصــر البشــري بمكانــة مركزيــة مــع تعبئــة كافــة الطاقــات بغيــة إرســاء مشــروع جماعــي فــي خدمــة تنميــة البــلاد، ويمكــن تلخيــص ذلــك بصيغــة موجــزة وواضحــة ومعبئــة: ” المغرب قوة رائدة بفضل قدرات مواطنيه وفي خدمة رفاههم”)[126].

ـ أهداف النموذج التنموي الوطني الجديد:                  

                وتتجلى أهمية النموذج التنموي الوطني الجديد في أهدافه، التي من أجل تحقيقها (يتعيـن علـى المغـرب رفـع العديـد مـن التحديـات والقيـام بتـدارك الوضـع الحالـي عبـر إحـراز تقـدم نوعـي فـي مجـالات يطبعهـا عجـز هـام، يمكـن أن تشـكل عائقـا أمـام التنميـة إذا لـم يتـم الارتقـاء بهـا بشـكل ملمـوس، كمـا هـو الشـأن بالنسـبة لجـودة التعليـم ومشـاركة النسـاء والمحافظـة علـى المـاء، علـى سـبيل المثـال. كمـا يتعيـن أيضـا اسـتغلال جميـع الفـرص السـانحة للمغـرب بـكل جـرأة لتسـريع وتيـرة التنميـة، والرهـان علـى المسـتقبل وعلـى أهـداف تكـرس تميـز المغـرب فـي مجـالات اسـتراتيجية وحاملة للتغيير)[127]. فهي ترتكز أساسا على التنمية التي بدورها تطمح (بلـوغ خمسـة أهـداف تنمويـة متداخلـة ومتكاملـة، بشـكل مـواز، تتجلـى فـي تحقيــق الرخــاء والتمكيــن والإدمــاج والاســتدامة والريــادة الجهويــة فــي مياديــن محــددة مــن خــلال رهانــات مســتقبلية جريئــة. ونــورد فيمــا يلــي، موجــزا للأهــداف الخمســة:

ـ مغــرب مزدهــر يخلــق الثــروات وفــرص عمــل جيــدة فــي مســتوى طاقاتــه: إن طمــوح تحســين مســتوى وجــودة المعيشــة لفائــدة جميــع المواطنيــن لــن يتحقــق إلا مــن خــال الرفــع الملحــوظ لقــدرة البـلاد علـى خلـق القيمـة المضافـة وفـرص شـغل ذات جـودة للجميـع والتوزيـع المنصـف لثمـار التنميـة. وترتكــز ديناميــة خلــق القيمــة وفــرص الشــغل علــى اقتصــاد حيــوي، مقاولاتــي، متنــوع، منتــج ومبتكــر وعلـى نسـيج اقتصـادي، تنافسـي وقـادر علـى امتصـاص الأزمات ويسـتفيد مـن المزايـا التنافسـية العديدة لبلادنـا ومـن ثرواتهـا الماديـة واللاماديـة فـي جميـع المناطـق.

ـ مغـرب الكفـاءات، حيـث يتوفـر جميـع المواطنيـن علـى مؤهـلات ويتمتعـون بمسـتوى مـن الرفاه يمكنهـم مـن تحقيـق مشـاريعهم فـي الحيـاة والمسـاهمة في خلـق القيمـة المضافـة: إن تحقيق الطمـوح لا يمكـن أن يتـم إلا بواسـطة رأسـمال بشـري ذي قـدرات ومهـارات عاليـة. فالرأسـمال البشـري يعتبـر محـرك ديناميـة التنميـة والإدمـاج وتفعيـل الارتقـاء الاجتماعـي. كمـا يعتبـر المحـدد الرئيسـي لقـدرة البـلاد علـى خلـق الثـروات وتسـريع تقاربـه مـع معاييـر الـدول المتقدمـة.

ـ مغـرب دامـج يوفـر الفـرص والحمايـة للجميـع ويعـزز الرابـط الاجتماعـي: يقتضـي شـعور المغاربـة بالانتمـاء والانخـراط فـي المشـروع المجتمعـي وترسـيخ أسـس وقواعد العيش المشـترك، بشـكل منسـجم ومتناســق، اعتمــاد نمــوذجٍ دامــج. فالمغــرب مطالــب بمنــح الفــرص للجميــع، أولا وقبــل كل شــيء، مــن خـال توفيـر الاسـتقلالية الذاتيـة وتنميـة القـدرات لـكل المغاربـة نسـاء ورجـالا، وأيضـا عبـر تعزيـز حمايـة الفئـات الهشـة. وبالإضافـة إلـى ذلـك، يتطلـب إدمـاج الجميـع إيـلاء عنايـة خاصـة بالشـباب الذيـن يمثلـون %25 مـن السـاكنة، ويعتبـرون مكسـبا ديمغرافيـا للبـاد. فـي هـذا السـياق، يشـكل البعـد الثقافـي رافعـة مهيكلـة لتقبـل التنـوع والتعـدد وتعزيـز الروابـط بيـن الأوسـاط الاجتماعية وبيـن الأجيـال، بالإضافـة إلـى خلـق الثـروة.

ـ مغـرب مسـتدام يحـرص علـى المحافظـة علـى المـوارد فـي جميـع أنحـاء التـراب الوطنـي: تعتبـر اســتدامة المــوارد والمحافظــة علــى التنــوع البيولوجــي مــن مســتلزمات مواجهــة التحديــات والتهديــدات المرتبطـة بالتغيـرات المناخيـة والنشـاط البشـري. فالمغـرب معـرض بشـكل كبيـر لهـذه المخاطـر وآثارهـا، لاسـيما مـن حيـث الضغـوط القويـة علـى مـوارده المائيـة واضطـراب كل مـن الأسـس الانتاجيـة للفلاحـة والمنظومـات الأيكولوجيـة. وبالتالـي، فـإن رهـان الاسـتدامة يكـرس المسـؤولية الجماعيـة إزاء الرأسـمال الطبيعـي والمنـاخ، كخيـرات جماعيـة، وتجـاه الأجيـال القادمـة.

ـ مغـرب الجـرأة يسـعى إلـى الريـادة الإقليميـة فـي مجـالات مسـتقبلية محـددة: متشـبثا بانفتاحـه علـى العالـم وواثقـا فـي مؤهلاتـه لتعزيـز إشـعاعه الإقليمـي، يدعـم المغـرب طموحـه عـن طريـق التميـز، بتصميمــه علــى كســب خمسة رهانــات مســتقبلية جريئــة ســتجعله، مجتمعــة، قطبــا اقتصاديــا ومركــزا للمعرفـة ضمـن البلـدان الأكثـر ديناميـة وجاذبيـة علـى المسـتوى الإقليمي والقـاري. وتتمثل هـذه الرهانات الخمسـة فيمـا يلـي: 1 ـ التحـول نحـو بلـد رقمـي حيـث تعبـأ القـدرات التحويليـة للتكنولوجيـا الرقميـة تعبئـة كاملـة، 2 ـ الارتقـاء كمركـز جهـوي فـي ميـدان التعليـم العالـي والبحـث والابتـكار، 3 ـ كسـب الريـادة الجهوية فيمـا يخـص مجـال الطاقـة ذات الانبعاثـات المنخفضـة مـن الكاربـون، 4 ـ اكتساب مركـز مرجعـي كقطـب مالـي علـى المسـتوى القـاري، 5 ـ جعـل علامـة “صنـع فـي المغـرب” عامـة للجودة والتنافسـية والاسـتدامة لتسـريع الاندمـاج فـي سلاسـل القيمـة العالميـة والإقليميـة. وتشـكل هـذه المياديـن الجريئـة والتحوليـة، التــي ترتكــز علــى المزايــا التنافســية للمملكــة وإمكاناتهــا، نقــط التقــارب والتاقــي فــي المصالــح بيــن المملكـة وشـركائها الرئيسـيين بالخـارج، التـي مـن شـأنها المسـاهمة فـي تعزيـز التعـاون والشـراكات ورفـع مختلـف التحديـات الكامنـة فـي النمـوذج التنمـوي الجديـد بكيفيـة عرضانيـة)[128].

                ولقياس مدى تحقيق أهداف النموذج التنموي الوطني الجديد، اتخذ (إطـارا عامـا للنتائـج يتكـون مـن 15مؤشـرا للقيـاس معتمـدة مـن طـرف مؤسسـات وطنيـة ودوليـة، والتـي تـم اقتـراح القيـم المسـتهدفة بشـأنها فـي أفـق سـنة 2035 علـى أسـاس مقارنـات دوليـة)[129]. ويتضمنها الجدول التالي:

ـ مؤشرات تقويم النتائج وتحقيق الأهداف[130]:

مؤشرات نتائج النموذج التنموي الجديد2019 أو آخر الإحصائيات المتوفرةهدف 2035المصدر
الاقتصاد
1 ـ الناتج الداخلي الخام للفرد (بالدولار على أساس المعادل للقوة الشرائية) (على فرضية نسبة نمو سنوية متوسطة تفوق 6%).7.82616.000المندوبية السامية للتخطيط
2 ـ مؤشر المشاركة في سلاسل القيمة العالمية (مؤشران فرعيان: علوي وسفلي).43%60%منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية
3 ـ القيمة المضافة الصناعية للتكنولوجيا المتوسطة أو العالية.28%50%منظمة الأمم المتحدة للتطور الصناعي
الرأسمال البشري
4 ـ مؤشر الرأسمال البشري.0,50,75البنك الدولي
5 ـ كثافة مقدمي الخدمات الصحية بالنسبة لكل 1000 نسمة (أهداف التنمية المستدامة).1,654,5وزارة الصحة
6 ـ نسبة التلاميذ الذين يتقنون القراءة والرياضيات والعلوم في سن 15.27%75%منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية
الإدماج
7 ـ نسبة النساء النشيطات.22%45%المندوبية السامية للتخطيط
8 ـ نسبة العمل المهيكل المأجور ضمن الشغل الكلي.41%80%المندوبية السامية للتخطيط
9 ـ مؤشر ” جيني Gini “.0,3500,395المندوبية السامية للتخطيط
الاستدامة
10 ـ نسبة المياه المحلاة والمصفاة من الاستهلاك الكلي للماء.0%15%جديد
11 ـ مؤشر التنمية المحلية المتعددة الأبعاد.0,7 (المعدل الوطني لسنة 2014)0,85المرصد الوطني للتنمية البشرية
12 ـ حصة الطاقة المتجددة في إجمالي استهلاك الطاقة.11%40%البنك الدولي
الحكامة والتسيير
13 ـ مؤشر فعالية الحكومة.-0,121البنك الدولي
14 ـ مؤشر الخدمات المفتوحة عبر الأنترنيت.0,520,9استطلاع الأمم المتحدة للحكومة الالكترونية
15 ـ نسبة رضا المواطنين إزاء الخدمات العمومية.ـ80%جديد

ـ التعليم والتربية تنمية للعنصر البشري:

                لا شك اليوم بأن التعليم له أهمية كبرى وموقعا متقدما جدا في بناء المجتمع الإنساني وحضارته وتقدمه. وفي بناء هويته وثقافته واجتماعيته، وفي بناء شخصيات أبنائه وشخصيته الجمعية، وسحنته الاجتماعية، وتشكيل منظومة قيمه، وتطوير علاقات أفراده وجماعاته المتنوعة، وتمتين لحمته المجتمعية وشد بنيانه الاجتماعي بالبعد العقائدي والديني، وفي إقدار أفراده ومؤسساته على الفعل من خلال إكسابهم المعارف والمعلومات والموارد التعليمية والتكوينية والأكاديمية، والمهارات والقدرات والكفايات، والقيم فضلا عما هو في حاجة إليه في ألفية المعرفة من أنواع التفكير التي أصبحت أولوية في أعلى سلم حاجات الإنسان المعاصر، المساهمة بشكل رئيس في تنمية التفكير العقلي عند الأجيال الصاعدة، وتنمية التعلم الذاتي الذي يبقي شعلة وجذوة نار التعليم والتعلم مضيئة في المؤسسات التعليمية وفي الأفراد وفي المجتمع. التعليم الذي تجاوز مطلب تعليم المتعلم المهارات الأساسية من استماع وتعبير كتابي وتعبير شفوي وقراءة ورياضيات إلى إكسابه أنماط التفكير المختلفة؛ خاصة التفكير العاطفي، والتفكير العلمي، والتفكير الناقد، والتفكير الإبداعي إزاء مجموعة من المهارات كحل المشكلات، وصناعة القرارات، والحوار في تفهم للآخر، والتواصل الإيجابي البيني، وتقبل الذات وتقديرها، والتحكم فيها وفي انفعالاتها ومشاعرها وأحاسيسها، والتقنية والرقمنة … إلى غيرها من المهارات المطلوبة للقرن 21. (لقد أصبحت مهمة التعليم، هي تعليم التلميذ كيف يتعلم ذاتيا، وكيف يداوم عملية التعلم تلك على مدى فترات حياته العملية، لقد فقد التمدرس احتكاره الذي طال لمهمة التعليم، ويتحول تعليم الكتل تدريجيا إلى أشكال متنوعة للتعليم الذاتي، الجماعي والانفرادي، لقد تعددت مصادر اقتناء المعرفة لتشمل بجانب المدرس: الكتاب، والمراجع والبرامج التعليمية، والمناهج المبرمجة، وبنوك المعلومات)[131]. ومنه على المنظومة التربوية والتكوينية المغربية أن تنقل تركيز التعليم (من التحصيل إلى تنمية قدرات التعلم ذاتيا، والاهتمام بمؤسسات التعليم غير الرسمية من مراكز التدريب، والجامعات المفتوحة، ومدارس الهواء الطلق، وعلى جامعاتنا أن تفتح أبوابها أمام الراغبين في مواصلته)[132]، و(يحتاج توجيه الأفراد نحو التعلم الذاتي لبيئة اجتماعية مختلفة، يسهم في تكوينها المجتمع بأسره، ويتطلب ذلك تنسيقا بين مؤسسة التعليم، وأماكن العمل، وبين التعليم والإعلام)[133].

                والأدبيات التربوية المغربية والوثائق المدرسية التعليمية الرسمية القاعدية تؤسس في خطابها التربوي لمجموعة من هذه المهارات مقابل دعوتها إلى تمكين المتعلم من التفكير الناقد وصنوه الإبداعي في (احترام حرية الإبداع والفكر، والعمل على نشر المعرفة والعلوم، ومواكبة التحولات والمستجدات التي تعرفها مختلف ميادين العلوم والتكنولوجيا والمعرفة).[134] وتدعو إلى تبني مهارات القرن 21 في التعليم الابتدائي بما فيها مهارات التفكير العلمي والنقدي والإبداعي؛ حيث (مراجعة المهام المنوطة بالمدرسة تركز على تطوير المخرجات التعليمية، من خلال الاستناد إلى مهارات القرن الواحد والعشرين، والتي تعد من مرتكزات تنقيح منهاج النشاط العلمي، بحيث تساهم في تمكين المتعلمات والمتعلمين من المهارات الأكاديمية والحياتية الداعمة والتأهيلية الملائمة، وجعلهم قادرين على التأقلم والمنافسة ومواجهة التحديات والاستجابة لمتطلبات وظائف المستقبل، المستندة إلى نظام STEM.

وتهدف تنمية مهارات القرن الواحد والعشرين إلى:

 ـ التمكن من المحتوى المعرفي: مهارات القرن 21 تستلزم أولا تملك المتعلمات والمتعلمين للمادة الأكاديمية؛ ذلك أن تمكنهم من التفكير بشكل ناقد والتواصل بشكل فعال، لابد ان يبنى على المعرفة الأكاديمية، لهذا السبب فإن المضامين المعرفية عنصر الأساسي في تنمية تلك المهارات التي يمكن اكتسابها من خلالها؛

ـ التمكن من مهارات التعلم الذاتي والتفكير النقدي: فبقدر ما يحتاج المتعلمات والمتعلمون إلى تعلم المحتوى المعرفي، فهم في حاجة أيضا إلى تملك الممارسات العلمية والمهارات التي تساعدهم على الاستمرار في التعلم، واستثمار ما راكموه من تجارب ومعارف. وتتألف مهارات التعلم الذاتي والتفكير النقدي من مهارات: حل المشكلات والتفكير الناقد، والتواصل والتعاون، والابداع والابتكار؛

ـ التمكن من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ بحيث تصبح للمتعلمات والمتعلمين القدرة على استخدام التكنولوجيات الحديثة لتعلم المحتوى والمهارات؛ والتمكن من الثقافة الرقمية Littératie numérique؛ وذلك من أجل تعرف كيفية التعلم والتفكير النقدي وحل المشكلات واستخدام المعلومات والتواصل والابتكار والتعاون؛

ـ التمكن من المهارات الحياتية: تعتبر المهارات الحياتية من الأمور الهامة التي ينبغي إكسابها بشكل ضمني أو صريح للمتعلمات والمتعلمين، ذلك أنها تمكنهم من التعامل مع الحياة اليومية والتقدم والنجاح في المدرسة والعمل والحياة المجتمعية على حد سواء، كما تمكنهم من التكيف مع تعقيدات البيئة العالمية والرقمية التي غالبا ما تشكل تحديا. وتضم المهارات الحياتية القيم والمواقف التي يمكن تعلمها على مدار الحياة. تتقاطع كليا أو جزئيا مع المهارات السابقة (حل المشكلات، التفكير النقدي، الإبداع، المشاركة، التعاطف، احترام التنوع، التواصل، الصمود، إدارة الذات، اتخاذ القرارات، التفاوض، التعاون)[135]. وتؤمن بأهمية المنظومة التربوية والتكوينية في إحداث النقلة النوعية للإنسان المغربي والمجتمع من خلال التنمية المستدامة التي تعد تنمية المورد البشري أسها وأساسها وعمدتها التي تتوسل المجتمعات بها من أجل التطور والتغيير والنماء والرفاه؛ فــ (بمقدور التعليم أن يقوم بدور رئيس في التحول المطلوب إلى مجتمعات أكثر استدامة؛ ذلك أنه الأداة المثالية التي يمكن أن تساهم في إحداث التغيير والوصول إلى تنمية مستدامة في هذا العالم، بحيث أن المسار الدراسي هو الذي سيقوم بإكساب الجيل القادم المعارف والمهارات الضرورية لمواجهة التغيرات، كما أنه سيساهم في توعية المجتمع وتحسيسه ـ بشكل غير مباشرـ بالمخاطر والتحديات التي تجابه وجوده على سطح الأرض.

ويمكن لمادة النشاط العلمي ـ في إطار تنزيل الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة ـ أن تساهم بدورها في إحداث التغيير المنشود وفق مقاربة مندمجة ومنهجية، تتمثل في إدماج عدد من الموضوعات والمهارات والقيم المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة في البرنامج الدراسي، وفق المستويات التالية:

ـ معرفيا: المعرفة والفهم العلمي لعدد من الموضوعات المرتبطة بصحة الإنسان، والطاقة ومصادرها والتنوع البيولوجي في الأنظمة البيئية، والاحتباس الحراري، والتلوث البيئي، وثقافة إعادة التدوير…؛

ـ مهاريا: ويتجلى في إكساب المتعلمات والمتعلمين المهارات العلمية اللازمة للانخراط الإيجابي في إحداث التغيير المنشود، وهذه المهارات تتقاطع مع مهارات القرن الواحد والعشرين ومع مهارات التفكير العلمي؛

ـ قيميا: وتتجلى في إكساب المتعلمات والمتعلمين القيم والاتجاهات الإيجابية عبر التوعية والتحسيس بمخاطر عدد من الممارسات السلبية، وتحسيسهم أيضا بإيجابيات عدد من السلوكات والمواقف المساهمة في استدامة الحياة على سطح الأرض)[136].

كما أن هذه الأدبيات والرسميات التعليمية من توجيهات ومناهج دراسية وكتب مدرسية … وخطابها التربوي يرقى أن يغطي ما نادت به التوجهات التربوية نحو القرن 21 من كفايات ومهارات وقدرات تنمي الفرد للرقي بحياته وحياة مجتمعه ضمن ما يسمى بالتنمية البشرية في سياق التنمية المستدامة الشاملة، التي دعت إليها الأمم المتحدة، وعلى مؤشراتها تصنف الدول ودرجة تنميتها ونموها، ومن بين تلك المهارات نقف على:

ـ حل المشكلات: ( يعود الاهتمام ب “حل المشكلات” في مجال علم النفس إلى العقد الثاني من القرن العشرين، عندما بدأ ثورندايك Thornadike تجاربه المبكرة على القطط، ثم أعقبه كوهلر بإجراء تجاربه على الشمبانزي. وكان الاتجاه السائد آنذاك ينظر إلى “حل المشكلات” بين الباحثين والمربين، نظرا لارتباطه بعملية التعلم والتعليم في المجالات الدراسية المختلفة وتطورت أساليب ” حل المشكلات” بدءا من أسلوب التجربة والخطأ، مرورا بأساليب الاكتشاف واتباع القوانين ومعالجة المعلومات واستراتيجيات حل المشكلات العامة والخاصة والقياس وانتهاء بأسلوب العصف الذهني. يستخدم تعبير ” حل المشكلات” في مراجع علم النفس بمعنى السلوكات والعمليات الفكرية الموجهة لأداء مهمة ذات متطلبات عقلية معرفية، وقد تكون المهمة حل مسألة حسابية أو كتابة قصيدة شعرية أو البحث عن وظيفة أو تصميم تجربة علمية. ويعرف الباحثان كروليك ورودنيك “Krulik & Rudnick” مفهوم ” حل المشكلات” بأنه عملية تفكيرية يستخدم الفرد فيها ما لديه من معارف مكتسبة سابقة ومهارات من أجل الاستجابة لمتطلبات موقف ليس مألوفا له. وتكون الاستجابة بمباشرة عمل ما يستهدف حل التناقض أو اللبس أو الغموض الذي يتضمنه الموقف. وقد يكون التناقض على شكل افتقار للترابط المنطقي بين أجزائه، أو وجود فجوة أو خلل في مكوناته، ويرى شنك “Schunk” أن تعبير “حل المشكلات” يشير إلى مجهودات الناس لبلوغ هدف ليس لديهم حل جاهز لتحقيقه)[137]. وبما أن “حل المشكلات” مسألة تعليمية تعلمية، فإن منظومة التربية والتكوين معنية بتدريسها، وإكساب المتعلم مهاراتها وقدراتها وكفاياتها فضلا عن فرشتها النظرية، وذلك يعتبر من المهام الرئيسة للفعل التعليمي التعلمي لأن (الدور المركزي للمدارس هو تطوير عمليات التفكير العليا ] وهي المهارات ما فوق مهارة التطبيق من صنافة بلوم [ وحل المشكلات وصنع القرارات، خاصة وأن الانفجار المعلوماتي الراهن أخذ يحدث بسرعة بحيث لم يعد ممكنا حتى للخبراء في أي مجال أن يلحقوا أو يتابعوا المعارف الجديدة. لذا لم نعد نعرف ماذا نتعلم، وبدلا من ذلك ينبغي علينا أن نساعد الطلبة كيف يتعلمون. وتشير معظم التقارير والاختبارات الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية للمهارات الضرورية والشاملة أن أهداف المدارس يجب أن تتجه للتفكير الناقد ومهارات حل المشكلات … إن الطلاب الذين نعلمهم حاليا في القرن الحادي والعشرين يجب أن يطوروا عادات وأساليب بحث وطرقا لحل المشكلات كي يحققوا النجاح في عالم سريع التغيير … إننا في مدارسنا نحتاج لشيء جديد إذا ما أريد للمدارس أن تنطلق من عقال العقلية التقليدية التي تتركز على القدرات فقط، خاصة وأن تمكن الطلاب من امتلاك أنواع من عادات العقل Habits of Mind والتساؤل وحل المشكلات والتفكير حول التفكير” المهارات ما وراء المعرفية/] الميتامعرفة[[138]” يساعدهم ليعيشوا حياة منتجة ومحققة للذات. فنحن بحاجة إلى هذه العادات النشطة أو الفعالة مثلما نهتم بجزئيات عملية التفكير أو هياكل المعرفة، كذلك نحتاج إلى تطوير أهداف تعلمية تعكس الاعتقاد بأن المقدرة هي ذخيرة من المهارات يختزنها الفرد وتظل قابلة للتوسيع باستمرار، وأن الذكاء ينمو يتزايد من خلال الجهود التي يبذلها الإنسان. يعمل الأشخاص الذين ينمون قدراتهم على التفكير عادة تطبيق مهاراتهم في التنظيم الذاتي والتفكير ما وراء المعرفي كلما واجهتهم صعوبات في المهام التي يؤدونها. وقد يركزون على تحليل المهمة ومحاولة توليد استراتيجيات بديلة ومن ثم يطبقونها. وقد يحاولون تجميع موارد داخلية وخارجية من أجل حل المشكلات)[139].

                وتحصيل مهارات حل المشكلات أو ما يسمى في الأدبيات التربوية المغربية “بيداغوجيا حل المشكلات” تبنى منذ نعومة أظافر الأطفال بالتدرج، لأن (الأطفال هم براعم الحاضر وثمار المستقبل وكيفما تكون تربيتهم وتعليمهم يكون مستقبلهم ومستقبل مجتمعاتهم. وتربية وتعليم الأطفال في عالم اليوم لا تقتصر على الآباء والأمهات بل هي عملية مستمرة يفترض أن تنهض بها المجتمعات والمؤسسات عبر تأسيس الروضات والمدارس والجامعات لاسيما في عالمنا الراهن؛ عالم تحول السلطة؛ سلطة الأسرة والآباء والامهات والمدرسة والمجتمع والمربين ورجال الدين. يزداد القلق على الأطفال والتشتت والضياع في خضم السوشيال ميديا والمؤثرات الخارجية التي يصعب السيطرة عليها. فلم يعد الأبناء هم أولئك الذين يطيب لهم العيش في كنف العائلات ويتلقون التعاليم والنصائح من أمهاتهم وآبائهم كل صباح ومساء، بل صاروا يتفاعلون مع العالم ويتأثرون بسيل منهمر من المنبهات الإعلامية التواصلية الفضائية في ظل انشغال الآباء والأمهات عنهم بالجولات ومثيراتها. فالأسرة لم تعد مدرسة المشاعر الأولى في تنمية وتأهيل الأبناء كما كانت في جمهورية أفلاطون بل ثمة تحول عميق في سلطتها. ففي عالم ثورة الإنترنت والسوشيال ميديا حيث أصبح الجوال الذي يحمله كل فرد بيده ليس مجرد وسيلة تواصل واتصال، بل هو العالم كله في متناول اليد؛ مكتبة ومعرفة وأخبار وأحداث وصور ورموز وتوجهات وثقافات وقيم ومواقف ومثيرات من كل شكل ونوع، والأطفال هم أشد الفئات انجذابا وتفاعلا معها، فكيف السبيل إلى تقنينها وجعلها بنائية إيجابية خلاقة في عملية التنمية المستدامة؟ تنمية الذكاءات المتعددة في ذات الناشئة؟ “الذكاء الوجداني والذكاء المنطقي والرياضي والذكاء الاجتماعي والذكاء البصري والذكاء الايقاعي الموسيقي والذكاء اللغوي والذكاء العضلي والذكاء الوجودي”، ففي ذات كل إنسان طيف واسع من المواهب والقدرات المتعددة التي تستدعي التأهيل والتنمية. وتلك هي وظيفة الثقافة في بوصفها الرأسمال الذي يبقى بعد نسيان كل شيءٍ! يعد التعليم أهم المؤسسات الحيوية المخولة بإعادة إنتاج المجتمعات وتمكينها وتطويرها بما تقوم به من وظيفة تكوّن الأجيال الجديدة بتربية وتنمية العقول ونقل الخبرة وحفظ المعرفة وتداولها، وذلك بحسب رؤية فلسفية مدركة أو مضمرة عن النخبة المعنية بأمر تسويس المجتمع وتدبيره. والمؤسسة التربوية التعليمة هي تكوينية بالأساس، إذ تنهض بمهمة تصميم وتشكيل وتمكين النمط الثقافي المرغوب في مجتمعٍ من المجتمعات. ففي عالم شديد الانكماش والتغيير والتفاعل تبقى الثقافة هي هدف التربية والتعليم الأخير إذ تتعين وظائفها في إعادة بناء المجتمع كله بما يجعله قادر على التكيف مع الحاضر وإبداع المستقبل).[140] وهو ما تروم وتسعى إليه المنظومة التربوية والتكوينية المغربية مع النشء حين تستهدف (السعي لتلاؤم أكبر للمنهاج مع متطلبات إعداد المتعلمات والمتعلمين للانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل، وتعزيز تفاعلهم مع القيم والمعارف التي يقتضيها التعليم العصري العادل ذو الجودة والنافع، وتنمية قدراتهم وكفاياتهم الذاتية، وصقل مهاراتهم، وتفعيل الذكاء والحس النقدي وتفتح ملكات الإبداع والابتكار لديهم، وتشجيعهم على التشبع بقواعد العيش المشترك، والالتزام بقيم الكرامة والحرية والمساواة، واحترام التنوع والاختلاف)[141].

وحل المشكلات كفاية ومهارة تكبر وتتوسع بالتعلم والمران على خط مراحل نمو الطفل/المتعلم، وتنمو بالممارسة والخبرة والتجربة، وقيل عنها، هي ما تفعله حين لا تعرف ما يجب فعله، بمعنى الإبداع في حل المشكل أو التفكير بشكل مختلف، فقد قال ريشارد دايلي وزير التربية في فترة رئاسة كلينتون 1991: (نحن نهيئ طلابنا حاليا لوظائف غير موجودة الآن … باستخدام تقنيات لم يتم اختراعها بعد … لكي يحلوا مشكلات لا نعرف بعد ما إذا كانت مشكلات)[142]؛ (وقد أخذ عدد متزايد من رؤساء الولايات المتحدة والعالم يدركون أن مستوى تطور دولة ما يعتمد على مستوى التنمية الفكرية لشعبها. ويدرك قادة المؤسسات الصناعية أنه إذا ما أريد لمؤسسة ما أن تحافظ على بقائها وتقدمها يتعين عليها أن تستثمر في رأس مالها الفكري بمواصلة تعزيز الموارد العقلية لموظفيها، كذلك أخذ المربون يدركون أن حدود العملية التعلمية يقتضي إشغال وتحويل عقولنا وأجسامنا وعواطفنا، وينبغي أن نساعد الطلاب على التفكير في ما يفكرون به، وعلى تعلم نقد تفكير الآخرين أحيانا ودعمه أحيانا أخرى، وأن يصبحوا حلالي مشكلات وصانعي قرارات جيدين. لهذا فإن حل المشكلات والمهارات ما وراء المعرفية وعادات العقل الأخرى بإمكانها أن تكون جزءا لا يتجزأ من التدريس في جميع موضوعات المدرسة، وربما تكون هي التي تقرر إمكانية تحقيق أي هدف ذي بال عندما يدخل الفرد مسرح الحياة)[143]. والحياة ذاتها هي مدرسة مفتوحة وواسعة للتعلم بتجاربها وأحداثها وناسها وسيرورة أزمنتها وأمكنتها، وهي أرسخ تربية وتعليما للأفراد والجماعات والمجتمعات. وما قاد دول كانت بالأمس القريب في مصاف الدول المتخلفة إلى النمو والتقدم سوى مشاكل الحياة والاستفادة منها والاستثمار فيها! لذا قيلت فيها أقوال كثيرة تبين قيمة الحياة في التعليم، والتي تعد مصدرا للموارد التعليمية التي تمكن الإنسان من المهارات العقلية، حيث تضم من بين ما تضم من مراجع التعلم الأسرة، والعائلة، والشارع، والمحيط الاجتماعي القريب والبعيد، والمدرسة، ومجتمع الأصدقاء، والمؤسسات الرسمية والمدنية خاصة منها مؤسسة الإعلام والثقافة، ومؤسسة الدين، ومؤسسة الذات. والفكر أقوى عامل في أنسنة الإنسان وبناء شخصيته ونموه وتنميته ابتداء، وفي تنمية مجتمعه تبعا واستنتاجا، فحسب الفكر يكون الإنسان ومجتمعه إيجابا وسلبا. فللفكر برمجة (مع أن الفكر قد يكون بسيطا ولا يستغرق من الوقت أكثر من لحظات إلا أن له برمجة راسخة مكتسبة من سبع مصادر مختلفة جعلت منه قوة راسخة ومرجعا للعقل يستخدمه الإنسان داخليا وخارجيا … فبعد هذه البرمجة السابقة التي تبرمجنا بها من العالم الخارجي وأصبح عندنا قيم واعتقادات ومبادئ راسخة أصبح عندنا القدرة على إضافة سلوكيات جديدة من الممكن أن تكون سلبية أو إيجابية ويربطها العقل بالمعلومات السابقة فتصبح برمجتنا راسخة وعميقة ويصبح لدينا تكيف عصبي وعادات نقابل بها العالم الخارجي وتكون السبب في نجاحنا أو فشلنا وفي سعادتنا أو تعاستنا. كما تلاحظ، فالفكرة قد تكون بسيطة وقد تبدو ضعيفة ولكنها في الحقيقة أعمق وأقوى مما تتخيل وتسبب لما الإدراك والمعنى والقيم والاعتقادات والمبادئ. والفكرة هي بداية الأهداف والأحلام وهي مرجع العقل في التجارب والخبرات ومعنى الأشياء وكيفية ربط السعادة والألم في حياتنا. والفكرة قد تكون السبب في الأمراض النفسية وأيضا الأمراض العضوية. وفكرة السعادة تسبب الإحساس بالسعادة، وفكرة ألم تسبب الإحساس بالألم، وفكرة خوف تسبب الخوف، وفكرة شجاعة تسبب الشجاعة. وقد قال سقراط عن الفكرة: ” بالفكر يستطيع الإنسان أن يجعل عالمه من الورود أو من الشوك”. الفكرة ليس لها حدود ولا تتأثر بالوقت ولا المسافات ولا الماكن. الفكرة عندها القدرة أن تظهر في الصباح في المساء أو الظهر مهما كانت حالة الطقس أو ابلد. الفكرة هي سبب سلوكياتنا وتصرفاتنا وأيضا نتائجنا. بالفكرة قد تكون روحانيا أو لا، أن تتبنى أسلوب حياة صحية أم لا، أن تكون أبا رائعا أو أما رائعة أو لا، أن تكون عاملا أو موظفا أو مديرا ممتازا أو لا. أن تخطط لأهدافك وتحققها أو تدخل في دوامة الأحاسيس السلبية حتى تصاب بالإحباط. وقد قال عنها بلاتو: “أجداد كل سلوكياتنا هي الفكرة وبها نتقدم وبها نتأخر، وبها نسعد وبها نشقى”. الحقيقة فأنت وأنا وكل إنسان على وجه الأرض وصلنا إلى ما قد وصلنا إليه اليوم بسبب أفكار الأمس وسنصل إلى ما سنصل إليه غدا بسبب أفكار اليوم … لو أردت أن تكون ناجحا فمارس النجاح وفكر كالناجحين، وإن أردت أن تكون سعيدا فمارس السعادة وفكر كالسعداء وتذكر أن أفكارك من صنعك أنت، فقبل أن تكون فكرة في ذهنك قيمها وإن كانت لها فائدة إيجابية تبناها وضعها في الفعل وكن ملتزما ومرنا)[144]. وأقول لك:” إن كنت صنعت أفكارك فأفكارك تصنعك”. فكيف تكون أفكارك تكن أنت، وكيف تكون أنت تكون أفكارك. وأفكارك هي معرفتك بذاتك وبالآخر وبالكون ووعيك بالزمن والمكان والحدث والفعل وردة الفعل، وعيك بالماضي والحاضر والمستقبل. وهذا يتطلب درجة متقدمة من الوعي الفلسفي والتفكير الفلسفي لما تمهد الفلسفة (من سبل لتعلم حسن التفكير، بشكل أوضح، في نطاق واسع من الموضوعات. ويمكن أن تفيد مناهج الفكر الفلسفي في مواقف شتى، فمن خلال تحليل البراهين المؤيدة والمعارضة، نكتسب مهارات يمكن تطبيقها في مجالات حياتية أخرى. ويطبق العديد من دارسي الفلسفة تلك المهارات الفلسفية في وظائفهم التي تتنوع وتتباين، بدءا من القانون وحتى برمجة الحاسوب، والاستشارات الإدارية، والخدمة المدنية، والصحافة وجميع المجالات التي تحتاج إلى فكر صاف. كما يستعمل الفلاسفة قدرات التبصر] وهي مطلوبة في حل المشكلات [التي يكتسبونها في ما يتعلق بطبيعة الوجود البشري، وذلك حينما يتحولون إلى دراسة الفنون، كما برع عدد من الفلاسفة بوصفهم روائيين، ونقادا، وشعراء، ومخرجين سينمائيين، وكتابا مسرحيين)[145].

وكفاية حل المشكلات تستهدفها البيداغوجيا المغربية عند المتعلم من خلال تعليم الموارد عبر الوضعيات الديداكتيكية بمختلف أنواعها ودرجات تعقيداتها. والفعل التعليمي الذي يقوم على الوضعيات الديداكتيكية هو التعليم الأقرب من واقع المتعلم، يمركزه العملية التعليمية التعلمية، فتنطلق منه لتعود إليه، فيصير معنيا بها، تحمل دلالات لديه بما يربطه بالتعلم برباط تحقيق حاجاته وبلذة التعلم. كما يصير منغمسا في التعلم باستمرار، فتتحقق لديه تنمية مهارية وفكرية مستدامة دون انقطاع لأن الحياة الإنسانية كلها وضعيات إشكالية للتعلم مدى الحياة. وتتشكل لديه ( رؤية تتسم بالمرونة والثراء من خلال معايشة خبرات حقيقية ينغمس فيها المشارك ]المتعلم[ فتتاح له الفرصة لتنمية وعيه بما لديه من إمكانات إبداعية وتنمية ما لديه من مهارات لتوظيفها واكتسابه لمهارات جديدة ـ من هنا كان تقدمه تحت مظلة التربية السيكولوجية ـ حيث يتفق مع مبادئها وأهدافها وتناولها لمفهوم التنمية)[146]. وهذه الكفاية قابلة للتحويل من مجال اكتسابها التعليمي التعلمي إلى مجالات واسعة لتطبيقها في البيت والوظيفة والمعمل والمقاولة وورش العمل والبناء …

وكفاية حل المشكلات ذات مهارات وقدرات ومعارف ومعلومات ومناهج واستراتيجيات متنوعة، تنبع من مجموعة من معطيات أنواع التفكير، كالتفكير العلمي والمنطقي والتفكير النقدي والتفكير الابتكاري/الخلاق/الإبداعي، تنتج عند المتعلم القدرة على التفكير العميق في المشكل لإيجاد حل لها، عبر خطوات معينة مألوفة أو مبتكرة، حيث (يتألف التعليم المعتمد على حل المشكلات عادة من خمس مراحل أساسية تبدأ بتوجيه المعلم للتلاميذ نحو الموقف المشكل، وتنتهي بعرض عمل التلميذ وإنتاجه وتحليله، وحين تكون المشكلة متواضعة في مجالها، ينمكن تغطية أو معالجة المراحل الخمس للنموذج في عدد قليل من الحصص، غير أن المشكلات الأكثر تعقيدا قد تستغرق سنة كاملة لحلها)[147]، أو من خلال الملاحظة ابتداء والمرور من خلال فهم المشكل وتأطيره والتساؤل حوله، واقتراح فرضيات الحل ومناقشتها ثم اختيار المناسب منها وتطبيقه وتحصيل النتائج ودراستها وتقويمها، وانتهاء باستخلاص المفاهيم والقوانين والقواعد فضلا عن التغذية الراجعة في معالجة الأخطاء أو استثمار الإيجابيات أو عبر خطوات المنهج الإجرائي، أو عبر ما قال به (جون هيني ”  Heaney&Walts,1988″ في وصف عملية التدريس باسـتخدام أسـلوب حـل المشكلات، أن العملية تتكون من عدة خطوات متوالية تتم في عدد من المراحل هي:

1 ـ تحديد المشكلة أو توليدها وفهم معناها.

2 ـ إعادة صياغة المشكلة في صيغة تسمح بالبحث فيها.

3 ـ التخطيط المفصل للعمل التجريبي.

4 ـ تنفيذ العمل التجريبي.

.5 ـ استخلاص البيانات وعرضها على شكل تقرير.

 6 ـ تفسير البيانات واستخلاص النتائج.

7 ـ تقويم الخطوات المتبعة في حل المشكلة وتقويم النتيجة النهائية.

ويمكن اعتبار الخطوة الأولى والثانية مرحلة واحدة بينما تعتبر كل خطوة من الخطـوات الأخـرى مرحلة قائمة بذاتها. فالتقويم قد يعني إعادة صياغة المشكلة مرة ثانية أو إعادة تشكيلها بطريقة أكثر ملائمة للبحث العلمي. وقد يعني بالنسبة لخطوة التخطيط للعمل التجريبي إعادة تصـميم التجربـة في ضـوء البيانـات التي حصل عليها أو في ضوء النتائج المستخلصة. وبالنسبة لتنفيذ العمل التجريبي فقـد تصـل عمليـة التقويم إلى ضرورة تغيير الأدوات المستخدمة أو تغيير في طريقة القياس أو كيفية المشاهدات ونوعها ووقته)[148]. أو عبر خطوات منهجية مبتكرة تؤدي إلى حل المشكل ويبقى (التعليم القائم على حل المشاكل يساعد التلاميذ على الأداء في مواقف الحياة الحقيقية وليتعلموا أدوار الراشدين الهامة، والتعلم المدرسي التقليدي يختلف عن التعلم والنشاط العقلي الذي يتم خارج المدارس في أربعة جوانب هي:

1 ـ يركز التعلم المدرسي على أداء الفرد، بينما يتضمن العمل العقلي خارج المدرسة ] الأداء الفردي [ ، ويتطلب تضافرا مع الآخرين.

2 ـ يركز التعليم المدرسي على عمليات التفكير دون مساعدة، بينما يتضمن النشاط العقلي خارج المدرسة أدوات معرفية كالكمبيوتر، والحاسبات calculators وغيرها من الأدوات العملية.

3 ـ ينمي التعلم المدرسي التفكير الرمزي فيما يتعلق بالمواقف الافتراضية، بينما يدمج النشاط العقلي خارج المدرسة الأفراد دمجا في الأشياء والمواقف الحقيقية والمحسوسة.

4 ـ يركز التعلم المدرسي على المهارات العامة “القراءة، والكتابة، والحساب” وعلى المعرفة العامة “تاريخ العالم، العناصر الكيميائية”، بينما يسيطر التفكير المرتبط بمواقف نوعية ومحددة، مثل شراء سيارة جديدة أو مستعملة على النشاط الكلي خارج المدرس.

إن التعليم المستند إلى حل المشكلات أساسي لعبور الفجوة بين التعلم المدرسي النظامي أو الشكلي formal والنشاط العقلي ذي الصبغة العملية الأكبر والذي يوجد خارج المدرسة وتتطابق ملامح التعليم القائم على حل المشكلات مع النشاط العقلي خارج المدرسة في النواحي الاتية:

*يشجع التعليم القائم على حل المشكلات التضافر وإنجاز المهام بالاشتراك مع آخرين.

*يضم التعليم القائم على حل المشكلات عناصر من التلمذة الصناعية an apprenticeship إنه يشجع الملاحظة “دور العالم”، المدرس، الطبيب، الفنان، المؤرخ …إلخ”.

*التعلم القائم على حل المشكلة يدمج التلاميذ في بحوث موجهة توجيها ذاتيا يمكنهم من تفسير ظواهر العالم الحقيقي وشرحها ومن بناء فهمنا لهذه الظاهرات.

                يعمل التعلم المستند إلى حل المشكلات على مساعدة التلاميذ على أن يصبحوا متعلمين مستقلين استقلالا ذاتيا، ويتعلم التلاميذ القيام بهذه الأعمال على نحو مستقل في الحياة اللاحقة نتيجة إرشاد المدرسين لهم الذين يشجعونهم على نحو متكرر ويكافئونهم على طرح الأسئلة والبحث عن حلول لمشكلات حقيقية معتمدين على أنفسهم)[149]. كما (إن المشكلات التي يواجهها الفرد في المجتمع وفي حياتـه العمليـة مشـكلات جديـدة ولـيس لهـا طريقة حل واحدة، كما أنه ليس لها حل صحيح واحد، بـل إن مشـكلات النـاس مختلفـة ولهـا حلـول متعددة وطرق متعددة للحل كذلك. فإذا عودنا الطفل في المدرسة على أن يكـون هنالـك حـل واحـد للمشكلة وطريقة صحيحة واحدة. فإنه سيفاجأ في حياته العمليـة بعـد تخرجـه مـن المدرسـة أنـه لا يستطيع تطبيق مجموعة ثابتة من القوانين والإجراءات في جميع الظروف لحل جميع المشـكلات. بـل سيجد نفسه أمام مشكلات مختلفة لا تنطبق عليها القوانين والقواعـد التـي تعلمهـا في المدرسـة. وأن عليه أن يواجه هذه المشكلات وحـده دون وجـود أسـتاذ يرشـده إلى حلهـا. إن المنـاهج الجديـدة في معظم الدول التي طورت مناهجها عنـدما ركـزت عـلى اسـتخدام أسـلوب حـل المشـكلات في الكتـب المدرسية وفي التدريس إنما أرادت أن تـزود الطالـب بالمهـارات الضروريـة لمواجهـة مشـكلات الحيـاة وأرادت تزويد الطالب بعدد من المهـارات التـي تمكنـه مـن التفكـير في الحلـول البديلـة وفي الطـرق المختلفــة لحــل المشــكلة. إن أســلوب حــل المشــكلات يهــدف إلى إفســاح المجــال للطلبــة للتفكـيـر بحرية ويعطيهم في الوقت نفسه زمام المبادرة لاتخاذ القـرارات المتعلقـة بحـل المشـكلة. إن امـتلاك الطالب لهذه المهارة في المدرسة يسهل عليه التمكن من اتخاذ القرارات في حياته العملية. ومن الأمور المتفق عليها أن دور المعلم في أسلوب التدريس باستخدام حل المشكلات يختلف عن دور المعلم التقليدي. كما أن دور الطالب هو أيضا دور مختلف. فالطالب ينبغي أن يعطى قدرا كبيرا من الاستقلالية والاعتماد على الذات أكبر مما كان يعطى في أساليب التدريس الاعتيادية. وكذلك فـإن دور المعلم يتحول إلى دور المستشار والخبري الذي يزجي النصائح في الوقت المناسب ويقدم المسـاعدة اللازمة في الوقت المناسب. وخصوصا عندما تتعارض وتتشـابك وجهـات نظـر الطلبـة حـول الموضـوع فينبغي أن يعرف المعلم أن مثل هذه الأمور ستحدث وعليه أن يضع الاستراتيجيات التعليمية المناسبة لمواجهة هذه المواقف. من المهم أن يستفيد المعلم من هذه المواقف ويغتنم الفرصة ليشرح ويفسر ويوجه ويرشـد. ولا يجوز أن يعدها صعوبات ينبغي تجاوزها أو العمل على تجنبها وعدم ظهورها. إن اسـتخدام أسـلوب حل المشكلات في التدريس يجب أن ينظر إليه باعتباره طريقـة تمكـن الطـلاب مـن تعلـم المفهومـات العلمية وباعتباره طريقة تتحدى أبنيتهم المعرفية السابقة، وتتحـدى أطـرهم المرجعيـة المعتـادة مـن خــلال عــرض المشــكلة الجديــدة في موقــف تعليمــي تعلمــي يجــبر الطلبــة عــلى التفكـيـر ومراجعــة مفهوماتهم السابقة. إن نوع المشكلة، وطريقة عرضها، وأسـلوب حلهـا؛ قـد يختلـف حسـب الهـدف التعليمي النهائي. فبعض المشكلات قد تهدف إلى تنمية روح الابتكار والإبداع عند الطلبة، وقد تهـدف بعضها إلى تنمية الثقة بالنفس، وقد تهدف بعضها إلى تنمية القدرة على تطبيق أفكار معينة ومهارات محددة، وتقويم درجة أدائها في مواقف عملية، وقد تهدف المشكلة إلى تعلم مبادئ عمليـة معينـة وزيادة فهم الطلبة لها كما يمكن أن تصمم المشكلة بطرق مختلفة ومستويات مختلفة لتراعي الفروق الفردية بين الطلبة).[150] ومن هنا؛ نكتشف أن ” حل المشكلات ” مهارة أو كفاية تنمي الفرد وترقيه وترفعه إلى درجة تحصيل تفكير مختلف، يمكنه من حل مشاكله التي تعترضه في الحياة، بل وترقيه إلى التفكير الإبداعي الذي يخلق له السعادة والازدهار والتنمية والتطور. وبذلك يكون التعليم بابا من أبواب دخول المجتمع إلى التطور وحل مشكلاته، وخلق فرص نجاح منها. والتعليم في هذا البلد رغم ما يدعو إليه من تدريس كفاية “حل المشكلات” لا نجد له ترجمة على أرضية الواقع خلا في بعض المواد العلمية التي مجبورة بحكم طبيعتها العلمية والمنطقية أن تتخذ المنهج العلمي القائم على دراسة الظواهر الواقعية أو الافتراضية التي تعترض الإنسان حسب مجالات تدخل العلماء. أما تلك الحقول المعرفية الإنسانية قلما تجد “حل المشكلات” هدفا لها، وإنما هي المعلومة الهدف، حيث مازالت العملية التعليمية التعلمية تقليدية في مدارسنا وكتبها المقررة.

ـ الابتكار والإبداع والخلق، وهي كفاية تؤطرها نظريا وعمليا أدبيات تعليم “التفكير الإبداعي”، وتمد المتعلم بالأسس المعرفية والتطبيقية للفعل الإبداعي أهمية ومفهوما وطبيعة وخصائص وأدوارا ونماذج واستراتيجيات وأنشطة وممارسة وتحديات وقياسا. فتنبع أهمية الإبداع والابتكار في خلق الإنسان المبدع والمبتكر الذي لا يكرر نفسه عبر إعادة الإنتاج لمنتوج سابق كما كان يؤكده (جان بياجيه على أن الهدف الرئيسي من التربية هو تكوين “إنتاج” أشياء جديدة، لا تكرار ما أنتجه الآخرين من قبل أي تخريج لأفراد مبتكرين. والأفراد المبتكرون هم الذين يغيرون التاريخ ويحولون المجتمع من الصورة التقليدية إلى صورة أكثر ابتكارية. و … أن أساب الاعتمام بالابتكار ترجع إلى عوامل منها:

ـ حاجة المجتمع إلى مفكرين وقادة جدد متطلعين دائما للمغامرة والتجديد.

ـ الوصول بكل فرد إلى تنمية مواهبه وتحقيق ذاته.

ـ استمتاع التلاميذ أثناء ممارستهم للأنشطة الابتكارية.

ـ مساعدة كل التلاميذ الموهوبين، بطئي التعلم.

ـ إمكانية التغلب على الفجوة الحادثة بين الميول والقدرات.

ـ التوظيف الكامل لقوى الأفراد المبدعين.

ـ توفير الصحة النفسية للأفراد المبدعين.

ـ زيادة التحصيل الدراسي.

ـ تحقيق النجاح المدرسي.

ـ الأهمية الاجتماعية للابتكار.

                كما أن هناك العديد من الدواعي للعناية بالتفكير الابتكاري نلخصها في:

ـ إن هناك حاجات إنسانية قوية تشبع عن طريق التفكير ابتكاريا، وهل هناك قوة تدفع الفرد للتعلم أكثر من إشباع حاجاته.

ـ يعد السلوك الابتكاري قمة السلوكيات البشرية الأخرى، فالعناية به تشمل تنمية جميع السلوكيات الأخرى.

ـ تطوير حياتنا ومجتمعاتنا هو أساسا مسؤولية المبتكرين والمخترعين.

                كما أن هناك دراسات متعددة بين أن للتعليم والتدريس بطريقة ابتكارية نتائج متعددة وهامة يتلخص بعضها في تغير الدارسين على النحو التالي:

ـ من محزنين إلى بنائين.

ـ من مثيرين للشغب إلى معلمين لا معيق.

ـ من أفراد يشعرون بالاغتراب والتأخر إلى أشخاص متوافقين قادرين على التحصيل الناتج.

ـ من أفراد يسخرون من الآخرين إلى أشخاص يعاملون الآخرين برفق ولين.

ـ من أفراد لا يستطيعون تحقيق الاتصال الجيد إلى أشخاص يستطيعون ممارسة التواصل الناتج مع الآخرين)[151]. والإنسان (منذ نشأته، وعلى مدى مراحل تطوره كان مصير الإنسان، وسيظل، محكوما بمسلسل من الداروينيات، لكل منها شروط بقاء تفرضها عوامل متنوعة، بيولوجية في البداية، لا دخل للإنسان فيها، ثم بيئية، فاجتماعية، لترقى في النهاية إلى عوامل نفسية وثقافية تتوقف ـ في المقام الأول ـ على إرادة الإنسان. وهذا هو ما آلت إليه داروينية مجتمع المعرفة، حيث البقاء فيه من نصيب “الأعقل”، القادر على تنمية موارده الذهنية، وتوظيف المعرفة القائمة بالفعل لحل مشكلاته وتحقيق غاياته. ويمضي مسلسل الداروينيات ليبلغ ذروته، إذ أصبح البقاء من نصيب “الأبدع”، القادر على ابتكار معارف جديدة، أو إعادة صياغة معارف قديمة في صور غير مألوفة، فالإبداع في عصر المعلومات لم يعد مقصورا على البناء من العدم، فكثيرا ما يكون الإبداع وليد إعادة تنظيم المعلومات وتوظيف المعرفة بصورة مبتكرة. إن هذه النزعة الابتكارية، ذات التمركز المعلوماتي، قد فتحت الباب على مصراعيه أمام ممارسة الإبداع بصورة لم تعهدها البشرية من قبل، خصوصا بعد أن أتاحت الإنترنيت فرصا لا حصر لها لإقامة حوار خلاق بين الإنسان وكم هائل من المعلومات شديد التنوع دائم التجدد. تلك هي إذن داروينية مجتمع المعرفة التي تفوق في ضراوتها كل ما سبقها، والتي تتطلب ـ من جانب ـ إعداد الفرد ذهنيا ووجدانيا، وبدنيا بالطبع، بدءا من طفولته المبكرة حتى شيخوخته المتأخرة، وتتطلب ـ من جانب آخر ـ إعداد المجتمع بأسره لكي يصبح قادرا على أن يصنع من موزاييك عقول أفراده عقلا جمعيا يفوق حصيلة هذه العقول إن هي عملت منفردة)[152]. والإبداع من خلال بوابة تعليم التفكير الإبداعي أو الابتكاري أو الخلاق ضرورة راهنية في حاضرنا لأننا في أمس الحاجة إليه، لنتوسل به إلى الخروج من تخلفنا وتأخرنا المزمن، فهو مطلب عالمي، لكنه في مقام الإنسان العربي بما فيهم المغربي مطلب أساس ملح، لأسباب متعددة ودواعي مستجدة تجعل تعليم التفكير الإبداعي على رأس قائمة المطالب الفردية والجماعية والمجتمعية، لأهميته للأفراد وللمؤسسات وللمجتمع برمته من جهة أولى، ومن جهة ثانية لأهميته اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وفكريا؛ حيث (“إبداعا أو فناء” كاد يصبح هو شعار عصر المعلومات ومجتمع المعرفة، ونقصد بالفناء هنا تدني القيمة الإنسانية والانضمام إلى جحافل المسوقين إلى أقدارهم، وقد ارتضوا لأنفسهم أن توضع حياتهم تحت رحمة الآخرين. إن النظم الأتوماتية والبرمجيات المتقدمة تطارد إنسان العصر وتفرض عليه ضرورة التميز بعد أن أصبح كل عمل يمكن تحديده وتوصيف إجراءات القيام به قابلا للبرمجة، ولم يعد الأمر مقصورا على الروبوتات الصلدة التي يتزايد استخدامها بديلا لعمالة المهارات الدنيا، بل ظهرت فصائل ذكية منها تستطيع أداء مهارات أعلى، وسيتنامى ذلك باطراد مع التوسع في استخدام الروبوتات المعرفية “اللينة” التي يوكل إليها كثير من المهمات الروتينية التي تشمل ـ ضمن ما تشمل ـ مهمات التحليل والتصنيف والتصميم والتدقيق، بل والتعلم الذاتي من خلال التعامل المباشر مع البيئة التي يعمل فيها. إن العالم يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، وأصبحت المهمة الأساسية لتربية عصر المعلومات هي إعداد الفرد لمواجهة تعقد الحياة، ومن الغايات الأساسية لهذه التربية تحقيق الذات، وهو ذروة ما يتمناه الإنسان وفقا لهرم ماسلو الشهير لتحديد حاجات الإنسان من أدناها إلى أسماها، وليس هناك من سبيل أفضل من الإبداع لتحقيق هذه الغاية السامية، فالمعرفة بهجة وتوليد المعرفة الجديدة خلال الإبداع متعة لا تدانيها متعة)[153].

                وهو الإبداع تستدعيه في عالمنا العربي ـ بما فيه المغرب ـ مسوغات عدة؛ كباقي الدول، فمن ناحية الفرد؛ فــ (الإنسان العربي مثله مثل باقي مواطني الدول النامية في حاجة أكثر إلى التفكير الخلاق، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب رئيسة من أهمها:

ـ تخلي الحكومات عنه بعد أن فشلت في توفير الحد الأدنى من سبل المعيشة من خدمات التعليم والصحة وتوفير فرص العمل، وهو الوضع الذي يتطلب من الإنسان العربي قدرا أكبر من الاعتماد على الذات.

ـ الطابع الخاص الذي تفرضه الأوضاع الاجتماعية والثقافية والبيئية أحيانا ما يتعذر معه استيراد الحلول، وقد اتضح ذلك بشدة في لقاءات الشباب العربي بنظائرهم في المجتمعات الأوروبية والأمريكية التي أظهرت تباينا شديدا في طبيعة المشكلات وطرق حلها.

ـ سوق عمل شديدة التنافس في ظل عولمة سوق العمل وعولمة التعليم وعولمة الخدمات، ما يتطلب إبداعا من الإنسان العربي يقيه من شر البطالة التي باتت تحاصره، محليا بضمور الطلب، وعالميا بعمالة وافدة أحسن تأهيلها وتنمية قدراتها على التعامل مع أدوات العصر)[154].

                وأما من ناحية مؤسسات الأعمال العربية بما فيها المغربية، فهي (في حاجة أكبر إلى التفكير الخلاق، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب رئيسة من أهمها:

ـ تآكل الميزة التنافسية للأيدي العاملة الرخيصة مع زيادة الميكنة والأتمتة والروبتة، وكذلك أمام عمالة جنوب شرق آسيا، وقدرة الاقتصاديات البازغة في الصين والهند على استغلال هذه النوعية من العمالة المتوافرة لديها في إنتاج سلع رخيصة تغرق بها الأسواق العربية.

ـ شراسة اللعب مع الكبار، فمع زيادة الإندماجات، وتوحش الشركات العملاقة المتعددة الجنسية، وتنامي حجم مبادلات التجارة الإلكترونية بين الأقوياء، على حساب الضعفاء في معظم الأحيان، أصبح الأمر يحتاج إلى حركة أسرع، وقدرة أعلى على اقتناص الفرص وانتزاعها من أفواه أسود الغاب العولمي.

ـ كيفية التغلب على جمود التنظيمات ونقص التشريعات، وقلة مصادر التمويل، وعزوف المستثمرين العرب على اقتحام مجالات اقتصاد المعرفة التي تتسم بقدر عال نسبيا من المخاطرة. وقبل هذا وذاك، نقص شديد في قادة الإدارة القادرة على تحويل المؤسسات التقليدية إلى مؤسسات ذكية متعلمة)[155].

                وأما من الناحية الاجتماعية، فالدول النامية بما فيها المغرب أحوج إلى التفكير الإبداعي لأوضاعها الاجتماعية المعقدة، ولأزماتها المتنوعة؛ فــ (مجتمعات الدول النامية، مرة أخرى، أكثر حاجة إلى التفكير الخلاق ويرجع ذلك إلى عدة أسباب رئيسة من أهمها:

ـ التغلب على طيف الفجوات المعرفية والمعلوماتية والتربوية واللغوية التي ستظل تحيق بها انتظارا لحلول غير تقليدية.

ـ ضرورة توازي جهود تعويض التخلف مع السعي للحاق بالركب؛ من أمثلة ذلك التوازي التعليم العلاجي مع التعليم المستمر، وتوازي الاقتصاد التقليدي مع الاقتصاد الجديد.

ـ مواجهة مشكلة نزف العقول، وتكالب الدول المتقدمة على نهب عمالة المهارات العالية في الدول النامية، وهو ما يتطلب حلولا مغايرة تتجاوز العمل على عودة الطيور المهاجرة، فهي بما عليه الآن لا تخرج عن كونها أضغاث أحلام، والأجدى من ذلك هو استغلال ما توفره تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خصوصا الإنترنيت من قنوات تواصل عن بعد مع العلماء والخبراء العرب في الخارج.

ـ كيفية الخروج من فلك الدوائر الخبيثة ومزيج تعقدها خصوصا مع نقص الشفافية وقصور آليات التغذية المرتدة على مستوى المجتمع، وهنا يأتي دور المبدع ذي البصيرة النافذة القادرة على اختراق حجب هذه العتمة المعلوماتية)[156].

                فإذا كان التفكير الإبداعي يحتل هذه الأهمية بالنسبة للعالم وللعالم العربي، فإنه كمدخل لفعل الإبداع يظل ركنا أساسا في تنمية الفرد والمجتمع ومؤسساته. ومنه؛ (إن مصطلح الابتكار له معاني متعددة ومتنوعة، ولعل ذلك يرجع لاختلاف الأطر الثقافية وتباينها لدى العلماء والباحثين المشغلين والمهتمين بمجال التفكير وبهذا المصطلح.

أ ـ الابتكار كناتج: Creativity as a product

                عرف جيلفورد التفكير الابتكاري بأنه “التفكير في نسق مفتوح يتميز الإنتاج فيه بخاصية فريدة وهي تنوع الإجابات المنتجة التي لا تحددها المعلومات المعطاة”.

                ويعرفه روجرز بأنه “ظهور لإنتاج جديد نابع من التفاعل بين الفرد وما يكتسبه من خبرات”.

                ويعرفه علي الخطيب بأنه “إنتاج شيء ما على ان يكون هذا الشيء جديدا في صياغته، وإن كانت عناصره موجودة من قبل”.

                ولقد وضع كل من جاكسون وميك أربعة معايير للمنتج الابتكاري وهي:

ـ الجدة: أن يكون حديث وغير مسبوق.

ـ ملاءمة الحل: لكل من المشكلة وأجزاء الحل المتنوعة.

ـ القابلية للتحويل: Transformatin أي قابلية المنتج لآن يعطي أشكالا جديدة.

ـ إمكانية التخليص “قوة التخليص” The power of condensation إمكانية دمج وتنظيم الحل.

                كما يعتمد المنتج الابتكاري ثلاثة عناصر رئيسية وهي:

ـ وضع الاستراتيجيات أو المهارات الإدراكية العليا Metacognetive skills لمعالجة معلومات جديدة واستخدام قاعدة المعلومات المكتسبة لدى الفرد.

ـ سعة وطلاقة قاعدة المعلومات وتفوق المهارات لدى الفرد.

ـ وضع الميول والأمزجة والمحفزات المكتسبة التي تهيئ وتوجه الفرد للبحث عن البدائل والنظم الجديدة أو الحلول الملائمة الفريدة)[157].

                التفكير الإبداعي له مقوماته ومطالبه وشروطه وبيئته التي تحتضنه، وتظل المؤسسة التعليمية هي البيئة التعليمية التعلمية الرسمية بعد الأسرة في تنشئة الأطفال على مهارات وقدرات وكفايات وإبستيمولوجية التفكير الإبداعي[158] باستنهاض العقل وتفاعل العقول واندماج الأفكار وإعادة تدوير الأفكار السابقة، فقد انحسر دور العقل العربي عامة والعقل المغربي خاصة في الحياة المجتمعية والشخصية بكثير. وأصبح عقل الناشئة والشباب بعيدا عن تفعيل دور العقل عمليا في حياتهم، التي تتسم باللاعقلانية واللامسؤولية والاندفاع والتهور رغم ما يحيط بهم من دوافع للعقلانية والمسؤولية والجدية في تدبير حياتهم. فهم لا يهتمون بما يروج في مؤسساتهم التعليمية إلا من قل منهم. وذلك راجع لعدة أسباب منها ما هو متعلق بتمثلهم للمؤسسة وموقعها في حياتهم، وما تروجه من مناهج وبرامج ومضامين ومحتويات لا تعنيه في شيء وليس لها دلالة عنده فضلا عما يشوب شروط ومتطلبات وحاجيات وبيئة التعليم والتربية من اختلالات كبرى، وما يرتبط بأطر المنظومة التربوية والتعليمية من مشاكل وقضايا واختلالات في تكوينهم وتأطيرهم وتقويمهم. ومنها ما يتعلق بالأسرة وضعف إرادتها أمام أبنائها، وما يعتري العلاقة البينية مع المؤسسة التعليمي، كما منها ما يرتبط بالسياسة التعليمية والقرار السياسي مقابل القرارات الإدارية والتربوية والاجتهادات الخاطئة والمغالطة … ما يصب في تدني التحصيل المدرسي وضعف المخرجات المدرسية وكفاءتها. يقع كل هذا في غياب النقد التربوي الجاد والمسؤول، حيث يعتمر الأغلب منا النفاق الاجتماعي وقضاء الحوائج الخاصة ضد على مصالح أبنائنا ومستقبلهم إزاء مستقبل البلاد. فاليوم المتفحص لما يروج داخل المؤسسة التعليمية من خطاب نقلي، يدري لماذا انحسر دور الفكر العقلاني في قيادة قاطرة التغيير والتطور في منظومتنا التربوية والتكوينية، وفي المجتمع، الذي تشبع فكره النقلي السائد بالأسطورة والخرافة والكرامة والأحلام وباللامعقول، فصار أقرب إلى منطق الجهل منه إلى منطق العلم. وأصبحنا نستدعي إصلاح نظامنا التربوي والتعليمي والتكويني بما فيه نظام اللغة العربية على الوكالات الأجنبية! وكأننا نفتقد لخبراء اللغة في بلدنا وهم كثر؟!

                فقد أثار انتباهي حديثا إحدى مواضيع مباراة التوظيف الأخيرة في مجال التربية رسميا، منطقه الذي يغيب التفكير العلمي عن متعلم الابتدائي الذي يمتلك إزاء الظواهر الطبيعية والكونية والاجتماعية والثقافية وغيرها نظريات ساذجة تعرب عن تلك المهارات العقلية التي تخزنها ملكته العلمية والعقلية، والتي يجيب عن إشكالياته ومشاكله ببساطة شديدة دون تعقد، وبأسلوب بسيط يظهر استعداده للتعلم وللتفكير. فذلك الموضوع يركز على الحكي ـ وإن كان مهما تعليميا عندنا ـ ويقدمه أسلوبا لتعليم متعلم الابتدائي بطريقة سيميولوجية، تقيم له وزنا معرفيا ومنهجيا وكأنه الأسلوب الوحيد لتعليم اللغة العربية وتشكيل بنى نصوصها اللغوية ومعانيها ودلالاتها! والحقيقة هناك أساليب واستراتيجيات كثيرة في تعليم اللغة العربية، وكثيرا من الحكي يعتمد على الخرافة والأسطورة واللاواقعية نجده بين دفتي الكتب المدرسية، ودراسة تحليلية نقدية لمضامين الكتب المدرسية كفيلة بتعرية الواقع الكئيب. فلو كان بجانب الحكي أساليب أخرى كالكتابة العلمية في تدريس اللغة العربية، والمقال العلمي، والبحث الاستقصائي … لما ألفنا المتعلم راكنا لكل حكينا ولو احتوى من المغالطات المنطقية الشيء الكثير أو مخالفة الحقائق العلمية والمنطقية أو تجاوز منطق العقل. ولوجدنا المتعلم قد امتلك عدة مهارات متعلقة بأنواع التفكير حتى يصبح لديه الإبداع مألوفا واعتياديا، ينظر إلى الأشياء والظواهر وغيرها بطريقة غير مألوفة ولا اعتيادية كما يقع مع الحكي، فيغدو حريصا على الجديد من المفاهيم والأفكار والآراء والوسائل والتجارب والخبرات فضلا عن المعلومات والمعارف والقيم، باحثا في طياتها عن البدائل المستجدة والاختيار منها ما يقارب موضوعه بأقل تكلفة وبدرجة عالية من الجودة وبناتج جيد وفي زمن مناسب. قابلا بضريبة المغامرة والمخاطرة بثقة في النفس وهمة مرتفعة تنتصر على الروح السلبية والانهزامية، باستقلالية ومسؤولية تامة رأيا وموقفا وقرارا، وبروح مبادرة وعزيمة قوية. فتتشكل تنميته منذ الطفولة المساهمة في تنمية المجتمع بنماء معرفته عميقا وبمهاراته وكفاياته وقيمه وسلوكه واجتماعيته المنسجمة مع المجتمع؛ فتنمو مع نموه البيولوجي مجموعة من المهارات والاتجاهات والقيم كحب الاستطلاع والفضول، والتحدي، وعدم الرضا طلبا للتحسين والتجويد والتطوير والتحبير والبحث عن الأفضل، والإيمان بوجود الحل دائما للمشاكل والإشكاليات والقضايا، وتأجيل النقد والحكم وأن لا يكون استباقيا للحكم على كل جديد حتى تعرف عليه جيدا ويدرسه بعمق، ورؤية الجمال والحسن فيما يراه الآخرون قبيحا وبشعا، والإيمان بأن المشكلات مجالا للبحث عن الجديد وعن التحسينات، ووجود المتعة في المشكلات ورؤيتها أمرا محفزا ومشوقا وجذابا، لا انفعال تجاهها … وحتى تنمو هذه المهارات والاتجاهات عند المتعلم، حري بالتعليم تضمين المناهج الدراسية وكتبها المدرسية مهارات التفكير الإبداعي وأنشطته، وممارستها في الفعل المدرسي كالتالي:

( ـ استخدام الأسئلة ذات النهايات المفتوحة.

ـ تعريض “مواجهة” التلاميذ لمثيرات وخبرات متنوعة.

ـ تشجيع التلاميذ على اكتشاف الأشياء بأنفسهم.

ـ تشجيع التلاميذ على التفكير التباعدي] التفكير الإبداعي [.

ـ تأجيل الحكم على استجابات التلاميذ.

ـ إثارة الدهشة والاستغراب وبالتالي الفضول والتساؤل والاستقصاء.

ـ إثارة حب الاستطلاع من خلال أسئلة يوجهها المدرس مثل:

*ما المشكلات التي يثيرها هذا الموضوع؟

*ماذا بحدث لو …؟)[159]

                والعمل على تنمية مهارات تفكير المتعلم عبر مهارات الإعداد النفسي بما حوت من الانفتاح على أفكار الآخر والتعامل معه بمنظومة أفكار ونظريات ومفاهيم ومبادئ وقوانين واضحة وشفافة ومقنعة، ودالة على الوعي بضرورة الحوار مع المختلف وحتى المخالف، بثقة نفس وقدرة على الفعل والتفاعل، بما فيه من عدول عن الأفكار والمواقف التي يتضح خطأها. وكذلك تنمو مهارات التفكير باكتساب كفايات الإدراك الحسي للمشاكل والقضايا والمواضيع، والتوجه إلى تحصيل الأهداف بالتركيز عليها بمنطق الملاحظة العلمية والوعي بها، بالمعرفة والعلمية والبحث والخبرة والتبصر، وبتوسيع مروحة مقاربتها في الاتجاهات المختلفة، وبزوايا رؤية متعددة، وإثارة زوبعة من الاستفهامات، وخلق عصف ذهني دائري الاتجاهات. كما أن مهارات تنسيق التفكير ووحدته العضوية تجنب المتعلم في الوقوع في التناقضات أو الأخطاء، خاصة منها الأخطاء الاستراتيجية القاتلة كما يحصل مع إصلاح منظومتنا التربوية والتكوينية ضمن مساحة تجنب معوقات التفكير ومنهيات المسلكيات والمسارات المنهجية التي تقف متحدية التفكير كمعالجة النتائج أو أعراض المشكلات بدل معالجة أسبابها، وعدم ملاءمة التفكير مع مواضيع المقاربات، والتفكير فيها من خارجها. فالتفكير الإبداعي يرقى ويتطور وينمو من خلال تحريك الخيال المبدع عند المتعلم نحو المشاكل والقضايا والتحديات المطروحة، والتفكير فيها بشكل مختلف، فيرى المتعلم ما يراه الآخرون، ولكن يفكر فيه بشكل مختلف عن تفكيرهم. ويغير ويبدل ويضيف عما ألفه الناس لأنه يثير الكثير من علامات الاستفهام بما فيها: ماذا لو؟ كيف؟ لماذا لا نقلب المنظور والإطار؟ … في مرح ودعابة مع زمرة الأصدقاء ورفاق الدرب الدراسي متقبلا الآراء المقابلة مبينا ما فيها من رونق مناطق التقاطع، مستدمجا أفكارهم في منظومة أفكاره ومفاهيمه ومعارفه، وتجاربهم وخبراتهم في منظومة تجاربه وخبراته لأنه يستفيد منها ولا يعيد تكرار نفسه، بل هو في تجدد دائم بالاستفادة من الغير والاستزادة على تلك الحقينة الفكرية المحصلة. لأنه ـ وبصيغة المخاطب ـ (حتى عندما تقرأ فكرة قديمة لشخص آخر، سواء كانت مكتوبة في كتاب أو معروضة بصورة موجزة على موقع غوغل، فالأمر لا يتم إلا من خلال دمج تلك الفكرة في إطارك المفاهيمي الشخصي، والذي تستمد منه إدراكك لأي شيء مهما يكن. ومن ثم فإن تفسيرك، وتقييمك، وفهمك ستصبح بالضرورة خاصة بك ومختلفة عن نظيرها لدى الآخرين. ويعتبر هذا الإطار المفاهيمي أمرا يتطور منذ الصغر. لقد تراكمت جميع تجاربك، والقصص التي سمعتها من الآخرين، وتلك التي قرأتها بنفسك، والحقائق التي تعلمتها لتكون نظاما أكثر تعقيدا بكثير من الإحالة المرجعية. وقد يمثل هذا الارتباط، الذي تحقق بفعل لدونة الروابط العصبونية خلال النماء، الميزة الرئيسة التي تحدد التعلم الحقيقي، والتي تضع الدماغ البشري في مصاف أعلى من مجرد معالجة المعلومات التي يقوم بها الحاسوب. ولهذا السبب يعتبر مفهوم السياق، فيما يتجاوز الحقائق المجردة، من الأهمية بمكان)[160]. ولذا كان   فكرك امتدادا لأفكارهم بصيغة المفرد، وأفكارهم امتدادا لفكرك بصيغة الجمع. فالمتعلم المبدع يخرق ويكسر مقولات العجز وأقوال النفي من قبيل “لا أستطيع”، “لا أقدر”، ” أنا أقف عاجزا مكتوف الأيدي ومربك العقل أمام …”، ” لا؛ مستحيل”، “لا يمكن”، “لا هذا مجهول” بقدر كبير من قدرة الفعل وبجرعة قوية من التحدي والعزيمة والأمل. فالعاجزون لا يصنعون التغيير ولا التطوير ولا التقدم ولا التاريخ، وإنما يصنعون العادة والروتين والاستسلام لواقعهم البئيس! فالمتعلم المبدع يخلق لذاته قوانين ونظما وبنى فكرية خاصة به تساهم في قود تفكيره نحو الإبداع والابتكار والتجديد والنماء والتطور، ويستجمع أفكاره نحو ابتكار فكرة جديدة مبتكرة تؤسس لحل مشكلة ما أو وضع لبنة في صرح تشييد معمار مفهومي وفكري لمجال معين من مجالات العلوم أو بناء مجموعة من الرموز للحياة تخلق مساحة زائدة في التفسير السيميولوجي أو الاجتماعي … فهو دائم الملاحظة والمشاهدة والمقارنة، يستحضر خلالها مكتسباته السابقة ويطلب الجديد منها لمقاربة المشكلات وأطروحات الحياة وأحداثها وأمكنتها وأزمنتها وشخوصها وعلاقاتها وشبكة سيولة تواصلها. فالنجاح لا يتأت أبدا بالعادة والتقليد والسكون والألفة، وإنما بالنقد والإبداع والخلق والابتكار، خاصة في مجتمع المعرفة الذي نعيش تطوراته يوميا بتسارع كبير تحت حاضنة سياسية وثقافية قبل التعليمية ترعاه وتشجعه، وليس تحت راية محاربته وجفائه، واعتباره خروجا عن الإجماع والعادة والتقليد كما يقع مع قوى مناهضته وكبحه في التعليم، تلك القوى المضادة لتغيير وتطوير المجال التعليمي، وترى في كل جديد خلقا لأتعاب إضافية لأطر التربية والتعليم وحمل ثقيل عليه، وهو مرفوض عندها!؟ وما كان ليكن هذا الخطاب وهذه المقاومة لو كانت هذه العقلية واعية وقادرة على الانخراط في مسلسل التغيير والتطوير، وذات كفاءة لمقاربة الجديد بل توليد وإبداع الجديد! والأدلة كثيرة في تاريخ المنظومة التربوية والتكوينية المغربية، فالإبداع يعاني (في الوطن العربي من ثقل الماضي وسلطة التاريخ على الحاضر والمستقبل، لذلك يدور النقاش غير المنقطع عن علاقتنا بالماضي والذي أصبح يقرر شرعية أي إبداع أو تجديد. فالتغيير كثيرا ما يعتبر انحرافا عن المألوف والسائد، وهذا أهم سبب للوقوف ضد الإبداع والجديد لأنه يحكم عليه بمدى التزامه بالماضي أو المعروف وفي هذا مصادرة لأي مشروع يحاول أن يفترع طريقه الخاص. قد تعتبر ظاهرة إنسانية مسألة الركون إلى الماضي لأنه على معلوم والإنسان يخشى المجهول فهو يرتاح نفسيا لحضن الماضي مهما كانت سلبيات الماضي وصعابه. وتتحول هذه الظاهرة الإنسانية إلى وضع غير عاد حين يغلب الخوف من المستقبل أي درجة الفوبيا ” Phobia” أو السلوك المرضي. وتزخر الثقافة العربية والعقل الشعبي والحكم والقصص التي تبرز تقديس الماضي وتؤكد على قيمة الماضي المطلقة ولا تقف عند حد المطالبة بالاستفادة من التاريخ أو تراكم التجارب في صنع المستقبل. ولكن ترى في الماضي والتاريخ أو التراث النموذج الذي يجب أن يكون عليه المستقبل وهنا مقتل الإبداع في أي مجتمع. فالإبداع تجديد وتغيير وتوجه نحو الأحسن أو في مداه يوتوبي نحو الكمال، وهذا هدف لا يوجد في الماضي بل يقع في المستقبل ولا يتحقق بالعود الأبدي أو بدائرية التاريخ ورجوعه إلى عصر ذهبي ما. وهذه نظرة ـ مع تخلفها في التحليل والاستنتاج ـ متشابهة وغير مؤمنة بقدرات الإنسان، حين نقارنها بنظرة يمثلها قول الشاعر ناظم حكمت بأن أجمل الأطفال اسم يولد بعد وأجمل البحار لم نعبرها بعد وأجمل الأشعار لم نقلها بعد. فمازال المستقبل مفعما بالكثير، بينما في النظرة الأخرى كل شيء قد أنجز واكتمل في السابق وما علينا إلا أن نجتر ونكرر وننقب الماضي)[161] والماضي هو الآفة السرطانية التي تقتل عقلنا إن نضعه تحت مجهر النقد ومشرحة السؤال! كما يعاني الإبداع من الحاضنة السياسية في العالم العربي التي غلب ويغلب عليها (طوال تاريخها الموقف المعادي للإبداع لأنه يعني بالضرورة الاختلاف والتنوع والتعدد. والدولة العربية حتى اليوم تتعامل مع مواقف الاختلاف على أنها ردة، وخروج عن الاجماع، وفتنة، وفساد في الأرض، وخيانة شعبوية، وطابور خامس … إلخ وغيرها من ذخيرة الوصم والتدنيس التي يتعامل بها القاموس السياسي للسلطة في مواجهة أي معارضة واختلاف. وهذه المبالغة في الأوصاف والنعوت تبرر القسوة والغلو في العقوبة والقمع، لأن “المعارض” يختلف في توصيفه عن المفسد في الأرض أو الذي يحارب الله ورسوله أو الخائن)[162]. وواقعنا ممتلئ عن آخره بالمكائد السياسية والتهم الملفقة والمطبوخة للأشخاص والمؤسسات؟! ويؤدي ذلك إلى وأد الإبداع، فينتج تخلفا اجتماعيا وثقافيا وتربويا واقتصاديا وعلميا وسلوكيا ضمن تخلف مجتمعي عام، حيث (ينعكس التخلف المجتمعي “Societal” كما يظهر في المؤسسات الاجتماعية والعلاقات المختلفة سلبا على الإبداع وبالذات أثر الأسرة والمدرسة كنظم للتنشئة، والأوضاع العرقية والطبقية، ونمط الحياة اليومية)[163]. فالنظام التعليمي العربي بما فيه المغربي تعرض (لكثير من النقد من جهات عديدة من بينها تقدميون وسلفيون، مما يعني أنه لا يرضي أحدا أو أن كل جانب يريد استغلاله أو توظيفه حسب رؤيته. وفي كل الأحوال لم يعد التعليم يؤدي دورا في التنمية والتقدم وبناء الشخصية …] الإنسانية المواطنة [، فقد ورث أسوأ ما في النظام التعليمي الاستعماري والتقليدي وأضاف إليه قيما سلبية أخرى مثل المنافسة المطلقة والتلقين وعلاقات الخضوع والقهر، بل أصبح التعليم تجارة واستثمارا بالمعنى الانفتاحي في كثير من الأحيان. قد نجازف بالقول أن الأطفال ينشأن أذكياء ومبدعين حتى سن المدرسة، ثم تأتي المدرسة لتقوم بعملية هدر لطاقات وقدرات الأطفال الكامنة للتعلم، وتؤثر عكسيا على تطور شخصياتهم. فنظام التلقين والحفظ وتكرار النموذج لا يسمح للطفل بإعمال خياله ثم عقله وهو لا يجرب بنفسه لأنه يعطى معرفة معلبة جاهزة في الكتب المدرسية فقط … قضية التعليم ذات أهمية في التنمية عامة والإبداع بصورة خاصة فهي تستنزف أموال طائلة من الميزانية لا تعادل المردود. وأصبح التعليم دائرة شيطانية نطالب بالمزيد من التعليم ولكننا نجني تخلفا متزايدا يتمثل في جيوش الخرجين العاطلين من المواهب والقرارات، حتى الهدف المتواضع ـ الذي كان ينفذه ـ وهو تخريج مجرد موظفين، عجز التعليم الحالي عن تخريج موظفين أكفاء يديرون الجهاز البيروقراطي بفعالية واقتدار)[164]. ولعل فتح دفاتر المنظومة التربوية والتكوينية على تعليم التفكير الإبداعي يخرجها من وضعها الحالي الذي لا يرقى إلى متطلبات الحاضر والمستقبل، حيث كتبنا المدرسية محشوة بالكثير من الكلام والقليل من العمل.

ـ النقد البناء والموضوعي بعد التقصي والتحري: كفاية بقدرات متعددة ومتشعبة ومتداخلة ومتعالقة، مطلوبة ليس فقط تعليميا بل حياتيا تماشيا مع القانون الرباني الداعي إلى الحوار والمجادلة والحجاج بالتي هي أحسن مع المخالف والمختلف؛ فقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله. وهو أعلم بالمهتدين)[165] دليل على الدعوة إلى تملك هذه الكفاية، التي لا تتأتى إلا بتعليم التفكير الناقد أو النقدي وأدبياته النظرية ومقوماته ومهاراته وقدراته وطرقه العملية، وممارسته على المحتوى التعليمي قبل ممارسته على مناشط الحياة وأحداثها ومعطياتها المتنوعة. فاليوم ضمن عالم يمتلئ بالخلاف والاختلاف والتنوع والاحتراب والتناقض كما يمتلئ بمساحات واسعة للحوار والتفاوض والحجاج؛ يشهد يوميا نتيجة اجتماعية الإنسان وحركيتها وأحداثها (ظهور العديد من التصورات والمفاهيم انبنت على ثنائيات من قبل الوطنية والقومية في مقابل العالمية والعولمة، والمحلية والنسبية في مقابل الكونية والكلية، زد على ذلك ظهر معايير ومقومات جديدة للتمييز بين الطوائف والشعوب والأمم وباقي التجمعات البشرية. ومع أن مختلف هذه المفاهيم ترد تحت مسميات عدة، فهي تخفي تناقضات وتعكس صراعات بين مختلف الأطراف. وعليه يبدو أن الغائب الأساسي في عالمنا المعاصر هو اتخاذ الحوار سبيلا لفك النزاعات ووضع حد لمختلف الصراعات الدائرة بين العديد من الأمم والطوائف والقوميات. ذلك أن معظم المؤشرات التي نعاينها توحي بأنه لم يعد من الممكن قبول التطرف في النظر والعمل، وادعاء كل طرف أنه وحده يمتلك الحقيقة وعلى الأطراف الأخرى أن تمتثل لأوامره وتخضع لسلطانه وجبروته. وعلى هذا، فالأمر يتطلب أكثر من أي وقت مضى ترسيخ قواعد التفكير النقدي وشروط الحوار العقلاني، ورفض انتصاب طرف معين كممتلك وحيد للحقيقة بشكل يعطيه الحق في التصرف كما يشاء. بحيث تصبح لديه قناعة مفادها أن الأطراف الأخرى لا يجب بل لا يحق لها أن تتمتع بنفس الحقوق التي سطرها لنفسه. فله أن يبدع ويشرع ويقود ويملي، وعلى الآخر الاتباع والتنفيذ. وبذلك فهو يلغي مساحة الحوار الساعي إلى الإقناع عن طريق الحجة والبرهان)[166]. و(ما أكثر حديثنا عن أهمية التفكير النقدي وما أنذر أن نصادفه في محافلنا ومجامعنا وقاعات دروسنا وقنوات إعلامنا، وبينما يسعى الآخرون إلى جهد لتدريس التفكير النقدي الذي أصبح مقررا أساسيا في جميع التخصصات الجامعية، وعلى الرغم من كل ما يقال عن ضمور النزعة النقدية حاليا فنحن نعارض بشدة مقولة إن العقل العربي ليس ناقدا بطبيعته، فمن أعظم سمات العقل العربي في فترة ازدهاره ـ وفقا لحسام الألوسي ـ أن هذا العقل عقل تحاوري نقدي تمحيصي، مثال ذلك نقد ابن رشد للأشاعرة، ونقد المتكلمين للفلاسفة، مثل نقد الغزالي للفارابي وابن سينا في “التهافت”، ومن ثم التهافتات بعده، ونقد الفلاسفة للمتكلمين ” مثل نقد ابن رشد للغزالي” في ” تهافت التهافت”، ونقد ابن رشد للمتكلمين في “كشف عن مناهج الأدلة” وفي شروحه الكبيرة، ونقد ابن سينا للمتكلمين عبر كل كتبه. وإذا ما وثبنا بحديثنا إلى مشارف حاضرنا فها هي ثورة المدونات العربية التي اجتاحت الإنترنيت خير دليل على قدرة شبابنا على أن يمارس التفكير النقدي، وأن يوصل رسالته متى أتيح له منفذ لإيصالها بصورة فعالة ونافذة)[167]. ورغم هذا، حاليا وحسب واقع التعليم العربي والفعل العربي والتدخل العربي في مقاربة مشاكله وإشكالياته وأحداثه، ووفق ما يتابعه المهتم على شاشات الفضائيات أو وسائل التواصل الاجتماعي من حوارات وندوات ومقابلات وتحليلات سياسية وثقافية وعلمية واجتماعية واقتصادية … يلمس هشاشتها تفكيرا وتركيبا وتحليلا ونقدا واستنتاجا وتقويما، تطغى عليها نظرية المؤامرة “Conspiracy Theory” والعمالة التي تفضي إلى نتائج وهمية وتحليلات سطحية ومزاعم غير منطقية ولا واقعية ولا موضوعية! ما يدل على أن التفكير العربي يفتقد (في أغلبه وعلى مختلف مستوياته ـ معايير التفكير النقدي] الوضوح، الدقة، التحديد المحكم، المغزى، العمق، الشمولية، الاتساق، قابلية الاختبار تصديقا أو تكذيبا، المنطقية، مراعاة الأهمية [  … ـ ويرجع ذلك إلى عدد من العوامل سنكتفي منها هنا بثلاثة عوامل، لغوية ومعرفية ومنهجية:

ـ عامل لغوي: نظرة سريعة غلى ما ورد سرده من تعريفات التفكير النقدي ومعاييره، كفيلة بأن تبرز لنا الدور المحوري للغة في مساندة هذا النمط من التفكير. لقد توقفنا منذ أمد طويل عن إثراء اللغة العربية بالأدوات اللازمة لدعم التفكير النقدي فيما يخص عناصر ” البيان والتبيين” ودقة التوصيف المحكم للمشكلات والحلول، وشحذ وسائل الاستدلال، ويرجع ذلك إلى نقص الجهود في تحديد أسس الاستخدام الوظيفي للغة لأغراض الإقناع والتفنيد والتوجيه.

ـ عامل معرفي: ينقص كثيرون لدينا الخلفية المعرفية بالقدر الذي يحتاج إليه التفكير النقدي فيما يخص عنصري العمق والشمولية، فمن دون هذا القدر يتعذر القيام بجميع المهام الأساسية للتفكير النقدي فهما وتحليلا وتركيبا وتوظيفا وتقييما، ويعاني معظم العرب حاليا انعدام الرغبة في مواصلة التعلم وعزوفا عن القراءة بل تجنب معاناة التفكير أصلا.

ـ عامل منهجي: يفتقد كثير من المفكرين العرب المنهجية والمنطقية وغياب النظرة المنظومية، فتدريس المنطق مقصور على بعض أقسام كليات الآداب، ونظرية النظم على بعض أقسام كليات الهندسة ومعاهد الإحصاء وكليات الاقتصاد، وتدريس نظرية المعرفة لم يتبوأ بعد مكانته في المقررات الجامعية، في حين تدرس في البلدان المتقدمة في المرحلة الثانوية)[168].  وتبعا لهذا الواقع لا نجد تفكيرا عميقا في قضايانا ومشاكلنا وإشكالياتنا، ولا تعليم للتفكير بكل أنواعه ومهاراته وكفاياته وقدراته في منظومتنا التربوية، وإنما هو التلقين والحفظ والنقل ثم التلقين والحفظ والنقل هو السائد في أدمغتنا ومناهجنا وكتبنا المدرسية، (حتى التعليم الجامعي، الذي شمله هو الآخر داء التلقين، ما عاد يشغل نفسه بالتفكير، فلا يوجد في أي من جامعاتنا مقرر واحد للتفكير النقدي على سبيل المثال، والذي قال عنه البعض: إن مقررا واحدا لتدريس التفكير النقدي لأجدى نفعا من أربع سنوات من التعليم الجامعي، ولا نهوض بالتعليم ولن تثمر جهود إصلاحه من دون أن تتمحور حول تنمية مهارات التفكير، وهو التحدي الأكبر في إحداث النقلة النوعية إلى نظم تعليم تتمركز حول المتعلم، أحد المطالب الأساسية لتربية مجتمع المعرفة، ومن نافلة القول إن زرع التفكير في تربتنا التعليمية لابد أن يبدأ من معلم مارس بنفسه طرق التفكير المختلفة وأتقن توظيفها وكيفية تدريسها خلال مراحل إعداده المختلفة)[169].

ومهارات وقدرات التفكير الناقد مهارات ضرورة، وركن أساس يحتاج إليه كل متعلم ـ بما هو فرد في مجتمع ومستقبل البلاد في ذات الوقت ـ من متعلمي المجتمع المدرسي. كما هو المجتمع أفرادا وجماعات وطبقات اجتماعية ودولة محتاج لتلك المهارات، لما لها من عائد على تفكير الإنسان وأدائه وسلوكه في حياته الخاصة والعامة ومنه المجتمع والدولة تبعا. فقد بينت بعض الدراسات التجريبية فضلا عن تجربة سنغافورة في مجال تعليم التفكير الناقد ومهاراته وقدراته الفائدة العائدة على المتعلم/الفرد من وجوده وضروب عدة، فهي:

ـ تقود المتعلم/الفرد إلى فهم المحتوى المتعلم بعمق وتبصر.

ـ تمكن المتعلم/الفرد من الاستقلالية في تفكيره، ومن تحرره من الانحياز والتبعية، وتمكنه من الانعتاق من حب الذات والتمحور حولها.

ـ تكسب المتعلم/الفرد روح الشك والتساؤل والبحث عن الحقائق دون التسليم بها عفويا ودون تفكير وتحر.

ـ تعطي للأنشطة المدرسية وخبراتها معنى ودلالة عند المتعلم/الفرد، وتعزز عزيمته على توظيفها وتطبيقها وممارستها في الميدان، بمعنى نقلها من مجال تعلمها إلى مجالات تطبيقية متعددة.

ـ ترفع درجة المردودية التعليمية التعلمية الداخلية والخارجية للمتعلم/الفرد.

ـ تحمس وتحفز المتعلم/الفرد على المشاركة والتفاعل الإيجابي في العملية التعليمية التعلمية بمعنى في الممارسة الصفية بدرجة أعلى.

ـ تقدر المتعلم/الفرد على البحث والتفكير في حل مشكلاته والمشكلات التي تعرض عليه، واتخاذ قرارات مناسبة بشأنها.

ـ تدعم وتعزز ثقة المتعلم/الفرد في ذاته، وترفع من درجة تقديرها والافتخار بها.

ـ تسمح بتوسيع شعاع بيكار النمو والتطور والإبداع عند المتعلم/الفرد.

ـ تحسن استراتيجيات التفكير وتنشط مناطق جديدة من الخريطة الدماغية للمتعلم/الفرد.

وهذه الفوائد والعوائد وردفاؤها ومكملاتها التي ستأتي فيما بعد، ولموقعها وأهميتها إزاء أهمية التفكير الناقد/النقدي بصفة عامة في الحوار والتفاوض وقراءة الخطاب، وقراءة الواقع بمنطوق الدليل والحجة المفضي إلى الإقناع والتغيير والتعديل والتطوير، يصبح من الحتمية على المنظومة التربوية والتكوينية أن تعمل على تعليم النشء التفكير النقدي ليشب عليه وعلى ممارسته في الحياة لمسوغات عدة. (لقد بات علينا أن نأخذ التفكير النقدي مأخذ الجد؛ وذلك لعدة أسباب رئيسية من أهمها:

ـ تعليميا: التفكير النقدي هو مدخل لا بديل له لتخليص تعليمنا من وصمة التعليم بالتلقين وسلبية التلقي.

ـ إعلاميا: التفكير النقدي هو أمضى الوسائل لمواجهة حملات الخداع والتضليل والتدليس ومحو أمية المتلقي العربي إعلاميا.

ـ ثقافيا: التفكير النقدي هو أمضى أسلحتنا للتصدي للحملة الضارية التي يشنا الغرب على الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، وتفنيد ما تقوم عليه من أسانيد، وتعرية مظاهر الزيف العلمي وعدم النزاهة الفكرية.

ـ اجتماعيا: التفكير النقدي من أهم المقومات اللازمة لمواجهة ظواهر التعقد التي تتفشى في جنبات المجتمعات العربية، وتفكيك ذلك الخليط الجهنمي لتداخل الدوائر الخبيثة.

ـ معلوماتيا: التفكير النقدي مطلب أساسي للتصدي لمشكلة حمل المعلومات الزائد، والنفاذ إلى مضمون المعرفة الكامن في جوف المعلومات، فهو وحده ـ أي التفكير النقدي ـ الذي يستظهر فحوى المعلومات ويضفي عليها المعنى)[170]. فهو التفكير الناقد/النقدي يعد (ضرورة في هذا العصر الذي يتميز بالتقدم السريع في جميع المجالات، وظهور العديد من المشكلات التي تواجه الأفراد؛ مما يتطلب منهم اختيار أفضل الحلول، وهذا يلقي على عاتقهم مسؤولية الاختيار واتخاذ القرار، والقدرة على الاختيار الجيد واتخاذ القرار تتضمن بالضرورة القدرة على المفاضلة بين البدائل. وتقييمها تقييما صحيحا، ويعد هذا جوهر التفكير الناقد. ويساعد التفكير الناقد المتعلمين على أن يصبحوا منفتحي العقل وأن يحترموا وجهات نظر الآخرين وأن يكونوا على استعداد لتغيير آرائهم في ضوء المعطيات الجديدة وأن يلتفتوا إلى الأفكار غير العادية وغير الشائعة وفوق كل شيء أن يبحثوا عن أسباب لقبول الأفكار المختلفة. كما يعتبر التفكير الناقد جماعا لأنماط التفكير المختلفة، فهو يحتوي على العمليات المتضمنة في أنماط التفكير الصحيحة “حل المشكلات، تفكير علمي، إبداعي، … إلخ”، كما أنه يستبعد العمليات المتضمنة في أنماط التفكير غير الصحيحة وأساليبه “كالتفكير الخرافي، والإحيائي، والخيالي، وتفكير أحلام اليقظة، … إلخ”. ولذا يعتبر التفكير الناقد أحد أهم أنواع التفكير التي يجب أن ينال اهتماما من قبل القائمين على العملية التعليمية سواء بالنسبة للمعلم أو المنهج، حتى يستطيع المتعلم أن يميز بين الصالح والطالح من المعلومات والأفكار التي يتلقاها وعدم تقبل أي عادات وتقاليد موروثة أو وافدة إلا بعد إعادة النظر فيها وإصدار الأحكام المنطقية عليها “العقلية الجدلية” من حيث مناسبتها لقيم المجتمع وعاداته وتقاليده. وهذا يجعل من تعلم التفكير الناقد للمتعلمين ضرورة قصوى في ظل ما يعيشه العالم الآن من تقدم علمي وتكنولوجي؛ حتى يستطيعوا التعرف على المعلومات الصحيحة والمفيدة وتوظيفها في دراستهم الأكاديمية ومشكلاتهم الحياتية؛ مما يساعد في تحقيق أهدافهم وأهداف مجتمعهم “لذلك أصبح تعليم التفكير الناقد وتنمية مهاراته لدى المتعلم من الأهداف التربوية والمهام الأولية التي تسعى المؤسسات التربوية لتحقيقها بمختلف مراحل التعليم”. وعلى ذلك فإذا نشأ الطفل على أنه ذو عقل ناقد، فلن يترك تفكيره للصدفة، بل يتعلم كيف يسأل، ومتى يسأل، كما يتعلم كيف يستدل، ومتى يستدل، ومتى يستخدم الاستدلال، وأي طرق الاستدلال يستخدمها، أي يتعلم كيف يفكر تفكيرا نقديا)[171]. ولكي يصبح المتعلم كذلك، فعلى المناهج الدراسية وكتبها وأنشطتها ومواردها التعليمية، وعلى الممارس البيداغوجي تعليم كفايات ومهارات وقدرات التفكير الناقد وممارستها دخل الحجرة الدراسية، وإقدار المتعلم عليها من خلال:

ـ تمكين المتعلم من مهارة صياغة الإشكالية وطرح الأسئلة تمهيدا لمعالجتها بعد تجميع ملاحظاته حولها وتفسيرها والإفضاء إلى المقترحات والتوصيات، وقد ربط اختبار التفكير الناقد لجامعة كاليفورنيا[172] بعض الكفايات أو القدرات العليا ببعض بنودها ومنظومة أسئلتها لاكتشاف مدى تمكن الممتحن الملتحق بالجامعة من التفكير الناقد. ويمكن الاستئناس بها في تعليم المتعلم مهارة صياغة الإشكالية وطرح الأسئلة حولها، كالتالي:

1 ـ التفسير:

ـ ما يعني هذا؟ أو ما رمزيته؟

ـ ماذا يقع؟ أو ماذا يجري؟

ـ كيف نفهم هذا؟ مثاله: ماذا قال أو قالت؟

ـ ما الطريقة المثلى لتمييز/ لتصنيف/ لتفييئ هذا؟

ـ في النص؛ ما قصدية القول بذلك؟

ـ كيف أكون واعيا، متيقظا، شاعرا، بهذا؟ ” تجربة ـ إحساس ـ شعور … “

2 ـ التحليل:

ـ من فضلك؛ ادل مرة أخرى بحججك ودلائلك وبراهنك لأجل اعتراضك أو احتجاجك.

ـ ما استنتاجك؟ ما تطلب؟

ـ لماذا فكرت في هذا؟

ـ ما الحجج والدلائل والبراهين مع أو ضد؟

ـ ما الافتراضات أو التقديرات التي نضعها أو نأخذ بها من أجل القبول بهذا الاستنتاج؟

ـ ما قواعدك وأساسياتك في القول بهذا؟

3 ـ الاستنتاج:

ـ اعتمادا على المعطيات التي نعرف لحد الآن؛ ما الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها؟

ـ اعتمادا على المعطيات التي نعرف لحد الآن؛ ماذا يمكن أن نحذف أو نقصي أو لا نعتبره؟

ـ ماذا تتضمن هذه البداهة؟

ـ إذا ما تركنا أو ألغينا أو قبلنا بهذه الفرضية؛ فكيف ستتغير الأشياء أو الأمور؟

ـ ما المعلومة التي نحتاجها أو نضيفها لحل هذا السؤال؟

ـ إذا اعتقدنا بهذه الأمور أو الأشياء؛ فماذا تعني لكي نتقدم؟

ـ ما النتائج التي تحصل عند تعاطينا مع الأشياء أو الأمور بهذا الشكل أو بهذه الطريقة؟

ـ ما البدائل أو الاختيارات التي لم نستكشفها بعد؟

ـ نعتبر جميع الخيارات ونرى إلى أين ستقودنا.

ـ  هل هناك نتائج غير مرغوب فيها يمكن توقعها؟

4 ـ التقويم:

ـ إلى أي حد هذا الاعتراض قابل للتصديق؟

ـ لماذا نحن نعتقد بما يقوله هذا الشخص؟

ـ إلى أي مدى هي حججه ودلائله وبراهنه قوية؟

ـ هل ما قمنا به صحيح؟

ـ إلى أي مدى يمكن الثقة باستنتاجنا في ظل ما نعرفه الآن؟

5 ـ الشرح:

ـ ما النتائج النوعية لهذا البحث؟

ـ من فضلك؛ قل لنا كيف استنتجت هذا التحليل؟

ـ كيف وصلت إلى هذا التفسير؟

ـ من فضلك؛ قدنا مرة أخرى إلى داخل استدلالك أو عالم تفكيرك؟

ـ لماذا تعتقد بأنه الجواب الصحيح؟ ما الحل؟

ـ كيف تشرح لماذا هذا القرار الفريد اتخذ؟

6 ـ التنظيم الذاتي:

ـ وضعيتنا نحو هذا السؤال مازالت غامضة أو غير واضحة، هل يمكن الزيادة في التحديد أو التدقيق؟

ـ إلى أي مدى طريقتنا جيدة؟ كيف يمكن الاستمرار؟

ـ هل يمكن التوفيق بين هذين الاستنتاجين اللذين يبدوان متناقضين؟

ـ إلى أي مدى توضيحنا جيد؟

ـ نعم؛ قبل التسليم أو الثقة، ماذا ينقصنا؟

ـ نجد بعض التعاريف غامضة أو ملتبسة؛ هل يمكن مراجعتها وتوضيحها قبل اتخاذ القرارات النهائية؟

ـ تعليم المتعلم كيف يميز بين الحقائق والوقائع التي يمكنه إثباتها بالدليل والحجة من الادعاءات والمزاعم القيمية، التي تحمل أحكام قيمة لا يمكن إثباتها والتدليل عليها بالبرهان والحجة البينة، كمن ادعى في هذا الزمن العلمي بامتياز دوران الشمس حول الأرض، وهو لا يفقه شيئا في علم الفيزياء ولا الفلك ولا الرياضيات ولا يمتلك مرجعية علمية بعلم الفضاء والقوانين المتحكمة فيه، وقوانين الحركة والقوى، ولم يقم بتجربة فيزيائية ولا علمية في حياته قط، وإنما ينطلق من أقوال تراثية خرافية لا ترقى إلى تفسير الظواهر الكونية العلمية وقوانينها الربانية، ووسم دوران الأرض حول الشمس بالكذبة أو الجهل بالحق؟! أو كمن يحكم على بعض الأجهزة بالحلية أو الحرمة، وليس في الجهاز ما يحرمه أو يحله، وإنما هي الوظيفة التي يوظف فيها والغاية التي تحقق منها، التي تجعل تلك الوظيفة سيئة أو حسنة لا الجهاز في حد ذاته.

ـ تدريس المتعلم كيف يميز بين المعلومات والمزاعم والأسباب المرتبطة بالموضوع من غير المرتبطة به، والمتعلقة بالأثر السببي الحقيقي لا الموهوم.

ـ تعليم المتعلم كيف يدقق في صحة المعلومات والروايات والعبارات، والبناء اللغوي والمنطقي والترابط العضوي … للمسائل وغيرها من المقولات والنظريات.

ـ تدريس المتعلم مهارة تحديد ووزن مصداقية مصادر المعرفة والمعلومات وغيرها من الروايات والحكي … وتقييم درجتها ونوعيتها فضلا عن تقويم بنيتها ووظيفتها وغايتها.

ـ إقدار المتعلم على كيفية تعرف الأدلة والحجج من بين المعطيات، وتمييزها عن المعطيات الغامضة المبهمة أو المعطيات الهلامية الزئبقية ذات التفسيرات المختلف.

ـ تمكين المتعلم من كفاية اكتشاف الغير مصرح به من الافتراضات والمقولات الضمنية أو العميقة أو الماورائية.

ـ تمكين المتعلم من مهارة البحث عن التحيز وتحريه في الموضوع، وتبيانه وتوضيحه بالبينة سواء لغويا أو عمليا.

ـ إقدار المتعلم على اكتشاف المغالطات المنطقية في الموضوع وكيفية ينحرف عن مساره الموضوعي، وكيف يغالط المتتبع أو الباحث، ويوهمه بأنه يقول شيئا أو يفعله؛ في حين لا يشيء يقع من ذلك، وإنما المغالطة هي سيدة الموقف.

ـ تعليم المتعلم كيفية اكتشاف عدم الانسجام والاتساق في خط ومسار التفكير والتحليل والاستنتاج، والوقوف عليه وتبيانه بوضوح.

ـ تمكين المتعلم على تحديد قوة الحجة والدليل والبرهان والادعاء ومن ثمة تحديد قوة تماسك الموضوع وانسجامه.

ـ إقدار المتعلم على مهارة اتخاذ قراراته والبناء عليه في تحديد إجراءاته وتنفيذها عمليا مع تحمل كامل مسؤولياته تجاه النتائج.

ـ تمكين المتعلم من مهارة توقع نتائج قراراته وما يترتب عليها من مسؤوليات وتبعيات، والاعتراف بذلك نحو ذاته ونحو الآخرين بكل جرأة وواقعية وموضوعية.

ـ تمكين المتعلم من مهارة التحليل الموضوعي والمنطقي المحايد للموضوع، والتمييز بين منتجه ومنتوجه في النقد، بما لا يخلط بين الذات الباحثة والذات المبحوث فيها.

ـ تميكن المتعلم من مهارة ترجمة استراتيجيات التفكير النقدي إلى تخطيط ذهني للكشف عن الإيجابيات مقابل السلبيات، والعمل على تجويد المنتوج لأن غاية النقد هو تحسين ناتج التفكير لا هدمه.

ـ إقدار المتعلم من كفاية تعرف وتمييز الانضباط إلى شروط وضوابط النقد ومواطنه من الانحراف عن مسارها نحو الجدل أو المغالطة أو المكابرة أو المراوغة أو التضليل والتوهيم أو العنف اللغوي والمادي كما يقع مع بعض العجزين عن الدفاع عن مزاعمهم ودعاويهم ومقولاتهم. فيسلكون العنف المادي واللفظي في مواقع حشرهم في الزاوية كما يحدث في بعض المناظرات التلفزية وعلى الشاشة. و(ما أكثر سبل الضلال، وأكثر العقول منطقية يمكن أن تنساق وراء الأهواء والتحيزات، وهناك الكثير من أخطاء التفكير ما أسهل الوقوع فيها بسبب انحراف النظر إلى الأمور، وترهل التدليل والاستدلال وجموح ردود الأفعال وإساءة وسوء الحكم على الأمور. إضافة إلى كل هذا، تأتي اللغة لتزيد الأمر توترا وإرباكا بالتباسها وزيغها وحيلها وإيحاءاتها)[173]. و(لسنا في حاجة أن نؤكد حقيقة أن اللغة لا يمكن أن تتطابق مع الواقع، وأننا لا نتلقى اللغة بعقولنا فقط، بل نتمثلها أيضا بوجداننا، ومن أبرز عوائق التفكير النقدي الشائعة لدينا إساءة استخدام اللغة بغرض التهرب أو المواربة أو التأثير المغرض أو التضليل وما شابه، والكلمات كثيرا ما تغتال القصد وتجنح بالغرض وتعوق الأفكار التي تسعى إلى التعبير عنها)[174]. ويمكن تلخيص تفاصيلها في الجدول التالي[175]:

المهارةالتساؤل الذي يساعد في نقد الفكرة
فهم معنى العبارة أو الفكرةهل العبارة ذات معنى؟ ما المقصود بالفكرة؟
الحكم بوجود غموض في الاستدلالهل الاستدلال واضح؟
الحكم بوجود تناقض في العبارة. “اكتشاف المتناقضات”هل الفكرة فيها ثبات؟ ناقش النص التالي، هل هناك تناقضا فيه؟
الحكم فيما إذا كانت النتيجة تتبع بالضرورة المقدمة “عندما تكون النتائج غير متصلة أو غير منسجمة مع الأسباب”هل هي منطقية؟ هل النتيجة مبنية على مقدمة صحيحة؟
الحكم فيما إذا كانت العبارة محددة بوضوحهل الفكرة محددة بدقة؟
الحكم فيما إذا كانت الفكرة تطبق مبدءاهل تتبع قانون معين؟
الحكم فيما إذا كانت المشاهدة موثوقةهل الفكرة مبنية على الاستفادة من المصادر
الحكم فيما إذا كان الشيء عبارة عن افتراضهل الفكرة مبنية على أساس نظري علمي؟
تحري التحيزما هي المواقف والخبرات العامة للفكرة؟
تحري التظليلما هي النواحي السلبية في الفكرة؟
تحري التعميمات اللامنطقيةهل التعميم ينسحب على جميع المكونات؟
اكتشاف التشبيه والعلاقات الخاطئةهل أركان التشبيه متوافقة؟
البحث والتقصيماذا تعرف عن …؟ مع إجراء ترتيب وتنظيم
اتخاذ القراراختار أحد البدائل المطروحة لحل مشكلة ما أو ازمة أو تسيير عما معين
موثوقية المصادرهل المعلومات التي حصلت عليها من مصادر موثوقة؟
التفسير السببيفسر مع تعليل حدوث هذه الظاهرة
إدراك العلاقة بين الحدث والنتيجة] ما العلاقة أو الرابطة التي تقع بين الحدث والنتيجة؟ [
التمييز بين الهدف والأثر] ما هدف هذا الحدث؟ وما أثره؟ [

وهناك من ذهب إلى اعتبار مهارات التفكير العليا ـ كما تمت الإشارة إلى ذلك ـ هي تقريبا مهارات التفكير الناقد من حيث: (

*الاستنتاج: القدرة على إيجاد معلومات جديدة من المعلومات المتوافرة بالاعتماد على التشابه.

*المقارنة: بواسطة إيجاد التشابه والاختلاف بين مفهومين أو أكثر بعد وصف كل منها وصفا شاملا.

*التحليل: من خلال تجزئة البنود إلى أجزاء مهمة صغيرة ووصف كل منها.

*الترتيب والتصنيف: بالاعتماد على معيار معين، يتم ترتيب المفاهيم والأحداث بدلالة هذا المعيار.

*اتخاذ القرار: من خلال التعرف على القضية أو المشكلة، وفرض الفرضيات وتقييم مزايا ومساوئ كل منها، بهدف الوصول إلى الخيار الأفضل.

*البحث والتقصي: يبحث الطالب عن معلومات للإجابة عن السؤال المطروح، مع إجراء ترتيب وتنظيم للبيانات والمعلومات)[176]. فبهذه الكفايات والمهارات والقدرات يعد التفكير الناقد/النقدي أحد مداخل تنمية الفرد، وبالتالي تنمية المجتمع، فهو يجعل المتعلم بصفة خاصة والإنسان بصفة عامة متجدد المعارف والمعلومات والخبرات ومعرفة التجربة، الذي هو الثروة الحقيقية لكل مجتمع ودولة وجماعة إنسانية، التي تعمل على تقدم وازدهار الأمم. لذا سعت الدول والمجتمعات إلى تدريسه وتربية الفرد عليه، والعمل على تنميته، خاصة الأفراد الموهوبين والمبدعين والمجتهدين لكي تجدد دماء ثقافتنا في عروقهم، وعروق مثقفينا الذين أمسوا يفتقدون النقد. و(في بعض نقادنا من يعانون من أمية تحليلية وباتوا يفتقدون الأسس النظرية، خصوصا بعد أن تعددت النظريات والمناهج التي تتناول] الإشكاليات [ولا غرو ـ والحال كذلك ـ أن يسترخي الكاتب العربي، فليس هناك قراء يسائلونه ولا نقاد يحاسبونه، وقد أصبح بذلك غير خاضع لأي رقابة، اللهم إلا تلك الرقابة الذاتية التي يمارسها على نفسه خضوعا لشكل أو آخر من صنوف السلطة. لقد استسلم معظم كتابنا لفكر غيرهم ومع ذلك نراهم يمارسون نوعا من احتكار المعرفة والاستئثار بمصادر سلطتها، وهم ـ عادة ـ ما يضمرون قارئا مستسلما هو الآخر، يسلبونه القدرة على تجنب الوعي الزائف، جاعلين منه لقمة سائغة لوهم القراءة الساذجة الضحلة، ليفقدوه بذلك جدوى قراءته ومتعة النفاذ إلى أعماقها ويميتوا لديه نزعات المبادرة والنقد في زمن بات فيه تقدم المعرفة ـ وفقا لكارل بوبر ـ لا يتأتى إلا من خلال التفنيد والتكذيب، ولا سبيل لتلمس الحقيقة إلا من خلال النقد)[177]. والمؤسسة التعليمية معنية حاليا لمعطى الواقع المحلي والوطني والعالمي متسارع التطورات من أي وقت مضى بتعليم وتنمية مهارات التفكير، عبر مسالك منهجية وبيداغوجية عديدة؛ منها ما يلي: (

1ـ يمكن تسخير الجدل والنقاش الصفي والدفاع عن وجهات النظر لتعليم الطلاب مهارات التفكير خلال المواد الدراسية وخاصة التي تحتمل الرأي والرأي الآخر كالتاريخ والتربية الوطنية والعلوم واللغة.

2 ـ الاهتمام بإتقان الطالب للمادة العلمية بغض النظر عن منافسة زملائه الآخرين، وتنمية روح التعاون بين الطلاب.

3 ـ توجيه الأسئلة ذات المستويات العليا وإتاحة فترة زمنية أطول لسماع الإجابة.

4 ـ التفكير في طريقة تفكيرنا والتخطيط لها وتنظيمها أو ما يعرف بما وراء المعرفة metacognition وتعديل أهدافنا التعليمية ومناهجنا بناء على ذلك.

5 ـ تقليل محتوى المادة الدراسية والبعد عن التفاصيل المملة وبث روح الاستمتاع، وإثراء الكتاب المدرسي بأنشطة واقعية.

6 ـ توفير المناخ التعليمي الملائم للتفكير والإبداع في المدرسة، بتنمية روح التسامح والاعتدال والحكم المنطقي وتشجيع البحث والاستطلاع والتعلم المستمر، وتوفير الإمكانيات المادية اللازمة لذلك)[178].

                وممارسة النقد لها قواعد وأصول وأخلاق، حيث (يقدم “هاري ليفينسون” Harry Levenson المحلل السيكولوجي الذي أصبح مستشارا سيكولوجيا لعدد من الشركات، النصيحة التالية حول “فن النقد” الذي يتضافر مع فن الإطراء:

ـ كن محددا: التقط حدثا له دلالة، حدثا يوضح مشكلة رئيسة تحتاج إلى التغيير، أو نموذجا يمثل عدم الكفاءة، مثل عدم القدرة على أداء أجزاء معينة من العمل بصورة جيدة. هذا لأن ما يثبط معنويات الإنسان هو أن يسمع أنه أخطأ في عمل شيء ما، دون أن يعرف على وجه التحديد، ما هذا الخطأ لكي يعمل على تصحيحه. فلابد من التركيز على التحديد. نذكر الشيء الجيد الذي فعله الإنسان، وما فعله بالتحديد بصورة ضعيفة، وكيف يمكن تغييره. لا ينبغي ان تحوم حول الموضوع وتجنب أن تكون غير مباشرة ومراوغا، فذلك يشوش رسالتك التي توجهها على الآخر. وهذا تماما يماثل النصيحة التي تقدم إلى زوجين حول كيفية عرض شكواهما، وهو أن نقول بالضبط ما المشكلة، وما الخطأ فيها، وكيف يؤثر هذا في مشاعرك، وما الوسيلة لتغييره. فــ “التحديد” كما يصفه “ليفينسون”، مهم في كل من الثناء والانتقاد على حد سواء. ولا أقول إن المديح المتواري ليس له تأثير على الإطلاق، لكن تأثيره ضعيف لا يمكن التعلم منه.

ـ قدم حلا: فالنقد مثل كل تغذية مرتدة مفيدة، يجب أن يشير إلى طريقة تحدد المشكلة تماما، وإلا فسوف تترك المتلقي في حالة إحباط ومعنويات منخفضة، ودون دافع للقيام بعمل، لأن النقد قد يفتح الباب إلى إمكانات وبدائل لم يتبين الشخص نفسه وجودها، أو يثير ـ ببساطة ـ الحساسية بأوجه النقص التي تستلزم الانتباه، وما يجب أن يصاحب من اقتراحات حول أسلوب الاهتمام بهذه المشاكل.

ـ كن حاضرا: لأن النقد مثل المديح، فهو أكثر فعالية حين يقال وجها لوجه للشخص نفسه على انفراد. ونحن نلاحظ أن أولئك الناقدين غير المريحين يوجهون دائما نقدهم سلبا أو إيجابا من على بعد، كما لو أنهم يزيحون عبئا عن أنفسهم. يكتبون ـ مثلا ـ تقريرا مهما يجعل الصلة بين الطرفين غير شخصية تماما، وبالتالي يسلب من الشخص المتلقي فرصة الاستجابة لهذا التقرير أو توضيحه.

ـ كن حساسا: هذه دعوة للتعاطف مع الآخر، لتكون متناغما مع ما تقوله، وكيف يكون وقعه على الشخص المتلقي، ويلفت “ليفينسون” الانتباه هنا إلى المديرين الذين لا يتمتعون إلا بالقليل من مشاعر التعاطف مع الآخرين، يميل هؤلاء إلى تقديم التغذية المرتدة بأسلوب جارح، مثل القمع المحطم للنفسية. ومن الطبيعي أن يكون أثر هذا الأسلوب مدمرا للمعنويات وبدلا من فتح الطريق إلى تصحيح الخطأ، نراه يخلق استياء انفعاليا، ومرارة، وموقفا دفاعيا، وتباعدا.

                يقدم “ليفينسون” أيضا بعض النصائح العاطفية في آخر الأمر لمن يتلقون النقد قائلا: يجب ان ينظر الإنسان إلى النقد كمعلومة لها قيمتها حول كيفية تحسين العمل، وليس بوصفه هجوما شخصيا. والأمر الآخر أن تراقب حافزك إلى اتخاذ موقف دفاعي بدلا من تحمل المسؤولية. وإذا كان النقد مثيرا للضيق الشديد، اطلب عقد الاجتماع مرة أخرى بعد فترة لاستيعاب رسالة النقد القاسية بعد أن تكون قد هدأت بعض الشيء. وأخيرا ينصح “ليفينسون” الجميع أن ينظروا إلى النقد بوصفه فرصة للناقد والمنتقد للعمل معا بهدف حل المشكلة، وليس بوصفها حالة خصومة بينهما)[179].

ـ الذكاء العاطفي: يشكل الذكاء العاطفي مدخلا للتنمية الفردية والمجتمعية في إطار التنمية البشرية، فهو القدرة والاستطاعة التي تبحث في العواطف والمشاعر الفردية المؤدية إلى الرضا عن النفس وقبولها وتوجيهها لأجل التأثير الإيجابي في المواقف والقرارات والرؤى الهادفة تحقيق تطلعات وآمال وأوطار الفرد من خلال اجتماعية الفرد ومشاركته المجتمع تجربته مقابل معرفة مشاعر الآخرين وتقديرها والتفاعل معها من أجل التكامل والتضامن معها، واستثمارها لتحقيق الأهداف المشتركة، من حيث أن العالم الذي يعيش فيه الفرد بمعية نظائره الإنسانية عالم طبيعي واجتماعي وعاطفي وثقافي بامتياز، تغمره العواطف والمشاعر كما يستظل بالعقل بما فيه العقل الباطن، الذي يحتضن الذكاء العاطفي بما هو كفاية من كفايات النجاح في الحياة الفردية والجماعية، فقد قال تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟)[180]. لذا؛ قال سقراط قديما: ” اعرف نفسك ” حيث من عرف نفسه كشف حقيقتها بما تحمل من مكونات معرفية ومهارية وأخلاقية وعملانية وأدائية وعواطف ومشاعر ورؤى وأفكار وتجارب وخبرات … وغيرها؛ يستطيع أن ينجح في حياته لقدرته على استثمار إمكاناته في تحقيق أهدافه. فهو يضعها في مواقع ومواضع الاستطاعة والقدرة على الفعل لا مواطن العجز، ويسير وفق معطياتها المتنوعة وطاقاتها. فــ (كما أن نظرتنا لأنفسنا وذواتنا تنعكس على الأفراد من حولنا. فإذا كان لديك ثقة بنفسك، فإن الآخرين يثقون فيك. كما أن نظرتك الشخصية لنفسك توجه طريقة عملك وسلوكك. إن كل نشاط للعقل له قابلية حتمية لخلق ما يساويه ويطابقه ماديا. فعقلنا كمصنع بالنسبة لنا وأفكارنا هي أدواتنا التي ينبغي أن نستعملها بحكمة وبصورة إيجابية بناءة … ما يعتقده المرء عن نفسه وعن علاقته بالناس الآخرين، وأفكاره عن موقفه من الخلق والخالق والعالم من حوله يقرر طريقة حياته … العقل هو القوة الخلاقة في كياننا، وحين يأخذ هذا العقل أنموذجه من الروح والشرارة والنفحة الإلهية في داخلنا ويتمثلها، فإنه يتجدد أوتوماتيكيا، ويجدد الجسم ووظائفه حيوية وكمالا. ففي كيانك تكمن الروح والنفحة الإلهية والقوة المستعدة دوما لمعونتك في الأزمات وكل الأحوال، وشفاءك من الأمراض، وحفظك من مكروه. فتوجه إليها بثقة كاملة وإيمان عميق)[181]. فأنت هو نفسك ونفسك هي أنت؛ لذا، فمعرفة النفس والذات تنطلق (من الطفولة، فإن الأبوين أو من يقوم مقامهما ينهضان بمهمة كشف ذات الطفل لنفسه أو تشويش الرؤية عليه. فالبيئة النقية الصادقة الصريحة سوف تجعل الناشئ يعيش النقاء والصدق والصراحة حتى مع نفسه، فتنقشع عن عينيه سحب الأنانية المفرطة، التي يظن وهو يستظل بها أن من حقه أن يكون له كل شيء من حوله، ويبني كل تعاملاته على أساس من المصالح الشخصية المحضة، حتى تكون ذاته وراء كل حركاته وسكناته ومعاملاته، فيدفع عنها كل أضواء الحقيقة التي قد تكتشفها لعين نفسه. إنه يريد أن يحيا مغمض العينين، مغلق الأذنين، غافي القلب، ومثل هذا يعيش صغيرا، ويموت صغيرا بحجم رؤيته التي لا تتجاوز حجم تلافيف عقله البارد. وحين يتربى الناشئ في بيئة واعية، منتجة، طموحة، قادرة على أن ترقى بنفسه؛ لتصل بها إلى مدارج الكمال البشري، قد استكملت تربية كل جوانب شخصيته منذ نعومة أظافره، ثم علمته صدق الإحساس بالذات، وحساسية التعامل مع النفس البشرية. ولكن إذا عرفنا أنفسنا بالطريقة العلمية الصحيحة، وفهمناها جيدا، ثم كانت عندنا القدرة الكافية على كبح جماحها من جانب، وعدم تثبيطها إذا هي استشرفت لما يليق فإن الحياة سوف يكون لها طعم آخر)[182].

                لا شك أن العقل عقلان؛ عقل ظاهر جلي وعقل باطن مستتر، يؤثر تبادليا الواحد في الآخر انسجاما أو تعارضا، فــ (التشويش والفوضى تظهران في العالم لأن الناس لا يفهمون التفاعل والتداخل بين العقل الباطن والعقل الواعي الظاهر. فهما عندما يعملان معا باتفاق وانسجام وسلام وبتزامن وقتي سوف تحصل على السعادة والبهجة والسلام ولن يكون هناك مرض أو اضطراب. إن السر في داخلك ثم يظهر في خارجك، بمعنى إن الشيء الذي يترك انطباعات في عقلك الباطن فإنه يتم التعبير عنها واقعيا، وكل شيء تشعر أنه صادق فإنه يظهر في تجاربك والأحداث والأحوال المحيطة بك. فالشعور والحركة متوازيين. ومثلما في السماء “عقلك الخاص بك” فإن على الأرض “جسمك وبيئتك” وهذا هو قانون الحياة. إن قانون الفعل ورد الفعل يسري في كل جزء من الطبيعة. فالمشاعر الصادقة والإيجابية تظهر على شكل صحة وسعادة وأما المشاعر ذات الطبيعة السلبية فإنها تظهر باستمرار على شكل قرحات معدية ومشاكل قلبية وتشنجات من القولون وقلق وتوتر. إن جزء فيك يعبر عن فكرتك وشعورك عن نفسك. فجسدك وحيويتك وحالتك المالية والمادية والأصدقاء والحالة الاجتماعية تمثل انعكاسا لفكرتك عن نفسك وهذا هو المعنى الحقيقي ونتيجة لما يطبع في عقلك الباطن والذي يتم التعبير عنه في جميع مراحل حياتك. إنك تسبب ضررا لنفسك بتلك الأفكار السلبية التي تضمرها. فكم عدد المرات التي أحسست فيها بالألم بسبب غضبك وخوفك وغيرتك والرغبة في الانتقام وهذه هي السموم التي تدخل عقلك الباطن. الإنسان لم يولد بهذه الاتجاهات السلبية الهدامة، عليك أن تغذي عقلك الباطن بأفكار إيجابية بناءة ومشجعة والتي بها سوف تتخلص من أنماط التفكير السلبي الكامن في داخلك وباستمرارك بهذا الاتجاه من التفكير، فإن الماضي سوف يزول ولن يعد هناك ما تتذكره من هذا الماضي الغير سعيد. عند إرسالك أنماطا من التفكير المفعم بالحياة والجمال والكمال إلى عقلك الباطن، فإنك بهذه الوسيلة تطمس الخيالات السلبية وأنماط التفكير الكامنة في عقلك الباطن والتي هي السبب وراء كل مشاكلك. فلا يظهر شيء على جسمك إلا إذا كان هناك تفكير ذهني متساو أولا في عقلك. وعندما تغير عقلك بإعطائه جرعة متواصلة من التفكير الإيجابي فإنك بالتالي تغير جسمك)[183]. فالعقل الباطني يشكل وعي الإنسان بنفسه من حيث يتعرف على مشاعره معرفة جيدة وواضحة وشفافة، ويراقب ردود أفعاله على مختلف الأفعال والمواقف التي تواجهه ونواتجها الشعورية والنفسية عليه إيجابا وسلبا. ووقعها على تفكيره وسلوكه وتصرفاته. فيتعرف ويعي المثير الذي استفزه شططا وغضبا وأثار أعصابه بل أفقده صوابه، من المثير الذي أحبطه ويأسه أو ذاك الذي أسعده وأفرحه وأبهجه ونشطه؛ وكيف يواجه كل تلك المشاعر المتنوعة والمختلفة حد التناقض بحكمة ورزانة وردة فعل مناسبة. فالوعي الذاتي الذي يخلقه الذكاء العاطفي في الشخص كفيل بتنمية مهارة الفهم العميق للمشاعر لديه فضلا عن فهم وإدراك واستيعاب المواضيع والمشاكل والأحداث التي تعترضه في حينها فهما جيدا محللا إياها تحليلا عميقا يقف به على نقاط القوة والضعف في ذاته أولا وفي أدواته ومناهجه ومشاكله ومواضيعه ثانيا، وفي غيرها. ما يمنحه صحة نفسية وسلوكا اجتماعيا وأدائيا متميزا بالجودة والأفضلية والنفعية والرزانة. كما يمكنه عقله الباطني من إدارة ذاته بوعي وفطنة عبر مواجهة مواقفه شعوريا وعمليا وأدائيا، فيحدد مسافة عنها لدراستها والتمكن من تمييز الشعور بها ونحوها وتعيين ردة الفعل المناسبة لها التي سيسلكها لمعالجتها دون اندفاع أو تهور أو مغالاة أو إجحاف أو تسلط، بل بموضوعية ومنطق واضح يستجلب الحل والأهداف التي يتوخاها الإنسان من مواجهة تلك المواقف والمشاكل والمواضيع، وبتحكم تام في انفعالاته ومشاعره وردود أفعاله، وتوجيهها حيث تحقق مصالحه ومصالح الآخرين دون تفريط أو إفراط، وإعلان ذلك بكل وضوح دون تركيمها وترصيدها وكتمانها حتى لا يقع في الانفجار الأكبر، لأن المشاعر وغيرها؛ ما إن تخرج إلى العلن حتى تخفف التوتر عن الإنسان، وتفرج عن الاحتقان المضغوط في حقنة النفس والذات، وينكشف عنها ويزول. فيركز الإنسان على الحل بدل التركيز على المشكلة أو المواقف أو المواضيع التي تواجهه والتقوقع فيها لأن ذلك يغمسه فيها فلا يترك له فرصة التفكير فيها عن بعد، فتسيطر عليه كليا، وتغشي مناهجه وأدواته وعقله ضبابا. فلا يدري ما يفعل! وسأضرب مثالا بتلك المرأة التي تأتيها جارتها شاكية بابنها الذي اعتدى على ابن الأولى، فبدلا من معرفة المشكل وتحليله واتخاذ القرار والإجراء المناسب تجاه ابنها، يغشاها الشعور بالحمية والتوتر، فتستحضر سوابق إشكالية ومشاكلية وتستغل الفرصة فتهاجم الشاكية، ويتطور الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، فتندم من بعد أن تهدأ أعصابها وأمواج غضبها وفوران حميتها، فتجد ابنها ظالما لابن جارتها، فتقع في الحسرة التي لا تنفع في حل المشكل حينئذ!؟ … إن الذكاء العاطفي قادر على تمليك الإنسان التحكم في المشاعر وتوجهها حيث يريد بما يعزز الثقة في النفس والتكيف مع التغيرات والتطورات والأحداث المتنوعة والأشخاص المختلفة، فهو يدرب الإنسان على مواجهة كل ما يعترضه من أحداث وأفعال وردود أفعال ومشاعر وعلاقات بما يناسبها ما يحسن من إدارة الذات. وهذا يجب أن يكون ابتداء في الأسرة والمدرسة، وانتهاء في المجتمع بكل مؤسساته وأفراده.

فسر نجاح الإنسان ليس الموهبة أو الحظ وإنما هو التمرين والتدرب وراء ستار الركح، وركوب الصعاب والمتاعب والتحديات ومواجهتها بما يحقق تجاوزها، والاستفادة من فرصها ومن إيجابيات الحياة بما فيها حياة الآخرين، ودراسة التجارب الناجحة واستثمار نقاط قوتها وضعفها بتحويلها فرصا متاحة للنجاح أو على الأقل عدم السقوط فيها. فالنجاح يعتمد أساسا على حافزية التعلم والفعل، وعلى العزيمة والإصرار والإرادة القوية، وعلى التحكم في الذات والنفس بما يسخرها ويقودها إلى تحقيق أهدافها وأوطارها. فأحلامنا وآمالنا لا تتحقق بمجرد التفكير فيها أو مراودها؛ وإنما بالعزيمة والمثابرة والجد والعمل، وبما يعتري ذلك من نجاح أو فشل، وإعادة التجربة والمحاولة حتى تتحقق. والفشل هنا لا يعني انسحاب الإنسان من مشهد المحاولة. بل؛ زيادة الانغماس والعوم فيه لأنه ـ أي الفشل ـ هو بداية النجاح، ألا يرى الإنسان تسعة وتسعين محاولة لــ ” توماس ألفا إديسون Thomas Alva Edison ” غير الناجحة والفاشلة في تحسين وتطوير المصباح الكهربائي؟ وهو القائل: ” أنا لم أفشل، ـ ]  وبالمناسبة هو سمى المحاولة الفاشلة بالمحاولة غير الناجحة، لكي لا تترسخ حمولة هذا المصطلح السلبية في نفسه وتترسب في إرادته، فيصير إلى الفشل حقيقة في سلوكه وأفعاله وأفكاره. واليوم فقد تحول مصطلح الفشل إلى مصطلح التحدي، فالسلبيات ونقاط الضعف لم تعد توصف بالفشل وإنما صارت تحديات. لكن مع الأسف الشديد مازالنا نوظف هذا المصطلح في خطابنا التربوي، ونتداوله في كتاباتنا وبحوثنا ومقالاتنا حتى يفهم الآخر علينا ما نقول! فالخطاب التربوي الحالي تخلى عن هذا المصطلح وأصبح يوظف مصطلح التحديات بدل السلبيات ومشتقات المدخل المعجمي ” حدى”[ ـ أنا بكل بساطة وجدت 10000 طريقة لا تعمل”. فإعادة المحاولة من جديد تحبر الأداء فضلا عن الفهم العميق والوعي بالمعطيات والتفصيلات والتدقيقات والدراية بها وبمداخلها ومخارجها؛ فهي مدخل رئيس إلى معرفة التجربة التي أصبحت اليوم من أهم مصادر المعرفة والأداء. ومن أهم متحكمات إدارة الذات نحو إقدارها على مواجهة التحديات والصعوبات والمشاكل، وإثارة حافزيتها تجاه الاشتغال والفعل الجاد والمسؤول والمنضبط الذي يتجلى من خلال العقل الظاهر الجلي الواعي. الذي يتصف بأنه (مفكر، منطقي، ومحلل. تركيزه محدود. يقوم ببرمجة العقل الباطن إيجابا أو سلبا. يفكر بطريقة متابعة خطوة … خطوة)[184]، وتحت برمجة العقل الباطن الذي يتسم بسمات عاملة في الفرد تخطيطا وتوجيها وتنفيذا من حيث هو: (

ـ يصنع، يخزن، ويوزع الطاقة، ويحرك العواطف والمشاعر.

ـ يتحكم ويصون جميع الحواس. ويستخدم ويتفاعل مع الرموز.

ـ يخزن وينظم الذكريات.

ـ يصنع العادات الشخصية ويحتاج التكرار من 16 ـ 21 مرة حتى تكون العادة ثابتة.

ـ يعمل مدة 24 ساعة. ويتابع الأمور والأوامر التي أخذها من العقل الواعي ويعمل على إيجاد الحلول لها.

ـ يستجيب للمؤثرات والتأكيدات الإيجابية ويعمل بقوة الأهداف ويطلق طاقة كبيرة تكفي لتحقيقها.

ـ يعمل بفاعلية كلما قل التعب والإجهاد. لا تحاول إجبار عقلك على الإبداع. كن هادئا مسترخيا. الأفكار المبدعة والحلول تأتيك مع الاسترخاء.

ـ يصبح أنشط كلما وثقنا بقدراته واستخدمناه أكثر)[185].

ـ التواصل: التواصل كفاية استراتيجية للأفراد والمؤسسات والدول والشعوب لأنها أساس التفاهم بينها من جهة، وبين الذوات نفسها من جهة أخرى. كما هي أساس الحوار في حل المشاكل وتبليغ الرؤى والنظريات ووجهات النظر إزاء أدواتها من وسائل التواصل الرقمي والافتراضي، والشبكة العنكبوتية، ووسائط الإعلام، ومختلف مصادر المعارف والمعلومات الأخرى من مكتبات ورقية ورقمية ومخطوطات ووثائق ومحفوظات أرشيفية وآثار وحفريات …، التي غدت اليوم من الأبجديات العلمية التي تغذي الحقول المعرفية بالجديد من المعلومات والمعارف والمنهجيات والنظريات والاستراتيجيات والرؤى المتعددة، وتؤرشف الوثائق والمحفوظات والمعلومات والمعارف وغيرها في برامج ودفاتر رقمية ومواقع إلكترونية، في مقابل مساهمتها الوازنة في اتخاذ قرارات واعية ومصيرية مؤسساتية وشخصية. فهي تمكن الأفراد كما المجتمعات من التعرف على ذواتها وإمكانياتها وإمكاناتها وقدراتها ومهاراتها وكفاياتها البانية لشخصياتها وآمالها وتطلعاتها الآنية والمستقبلية فضلا عن تنمية الانتماء والارتباط الاجتماعي والثقافي بالوطن والمواطن، وتمتين البناء الاجتماعي للأسرة والوطن والشعب، وتديم فعل التعلم في هذا البناء سواء أكان فردا أو جماعة أو مجتمعا، بما يجعله كتلة واحدة متآزرة في مواجهة التحديات المتنوعة.

وبما أن كفاية التواصل كفعل بيني يتطلب اكتساب مهارات وقدرات ومعارف وتقنيات واستراتيجيات وغيرها من خلال تدريس أساسيات المعلومات والإعلام والرقميات وبرامجها وأدواتها وتجهيزها وبرمجتها ووظائفها إيجابياتها وسلبياتها … (ولذلك يحتاج المواطنون إلى المعرفة الأساسية لوظائف وسائل الإعلام وغيرها من مصادر المعلومات وإلى كيفية تقييمهم لهذه الوظائف. إن الغاية من تدريس أساسيات المعلومات والإعلام هي نقل هذه المعرفة الى مستخدمي الإعلام.

إن المعرفة الأساسية للمعلومات والإعلام تتضمن “أ” وظائف وسائل الإعلام والمحفوظات والمكتبات وغيرها من مقدمي المعلومات في المجتمعات الديمقراطية، “ب” الشروط التي تتحكم بأداء وسائل الإعلام ومصادر المعلومات لتلك الوظائف على نحو فعال، و “ت” كيفية تقييم أداء هذه الوظائف من خلال تقييم المضمون والخدمات التي تقدّمها. وفي المقابل، ينبغي أن تسمح هذه المعرفة للمستخدمين بالتعامل مع وسائل الإعلام وقنوات المعلومات بطريقة مجدية. يُمكن للكفاءات المكتسبة عن طريق معرفة هذه الأساسيات أن تزوّد المواطنين بمهارات التفكير النقدي وتُمكّنهم من المطالبة بخدمات عالية الجودة من وسائل الاعلام ومقدمي المعلومات الآخرين. وفي المحصلة، فإنها تعزّز إنشاء بيئة مؤاتية تُمكن وسائل الإعلام ومصادر المعلومات الأخرى من تقديم خدمات ذات نوعية رفيعة.

ومن الواضح أن وسائل الإعلام الإخبارية، بحكم انتشارها الجغرافي والثقافي، تحتل في هذا المنهاج وإطار الكفاءات ذات الصلة مكانة أكثر أهمية من وسائل الإعلام الأخرى. أنها تمثل نظام متعدد الأوجه لتدفّق المعلومات. كمؤسسات، فانّ لوسائل الإعلام الإخبارية وظائف محدّدة من المتوقع أن تؤديها في المجتمعات الديمقراطية. تقليديا، فقد تمّ تنظيم وسائل البث الإعلامي، نظرا إلى انتشارها وندرة الطيف المتوفّر لها- بطريقة تضمن التوازن، في حين لم يتم ذلك بالنسبة إلى وسائل الإعلام المطبوعة. وقد تطوّرت نظم التنظيم الذاتي في وسائل الإعلام الإخبارية كبديل لتنظيم الدولة بغية توفير نوع من المساءلة تجاه المصلحة العامة بمعناها الأوسع.

ويرتكز هذا التنظيم الذاتي على قيم ومبادئ أخلاقية محدّدة. وبهذا الشكل، فإن الجمهور يتوقع أمورا معيّنة من وسائل الإعلام الإخبارية، مما يجعلها عرضة لانتقادات الرأي العام في حال لم تؤد دورها بما يتوافق مع توقّعاته. يوفّر هذا الإطار بالتالي العدسة التي من خلالها يُمكن تقييم وظائف وسائل الإعلام الإخبارية، وشروط تأدية تلك الوظائف، والطرق التي يعتمدها الجمهور في تلقّي نتاجها.

إن تعزيز تدريس أساسيات المعلومات والإعلام بين الطلاب يتطلب أن يكون المعلّمون أنفسهم ملمين بهذه الأساسيات. انّ التركيز الأولي على المعلمين هو بمثابة الاستراتيجية الرئيسية لتحقيق أثر مضاعف: من المعلمين الملمين بهذه الأساسيات إلى طلاّبهم، وبالتالي إالى المجتمع برمّته. سيتمتع هؤلاء المعلمون بقدرات مضاعفة تتيح لهم تمكين الطلاب بجهودهم لتعلم كيفية تعلمهم، في تعلمهم بشكل مستقل، وفي سعيهم للتعلّم المستدام مدى الحياة. ومن خلال تثقيف الطلاب ليصبحوا ملمين بأساسيات المعلومات والإعلام، عندها يكون المعلّمون قد استجابوا أولا لدورهم كدعاة مواطنة واعية وعقلانية، وثانيا، للتحوّلات التي طرأت على دورهم كتربويين، حيث يتحوّل التعليم من كونه مركّزا على المعلّم ليصبح مركزا على المتعلم.

في أغلب الظن ] بناء على مستقبليات التربية والتعليم الذي غزى هذه المنظومة التواصلية، خاصة منه التعليم عن بعد [، سوف يتبنى المعلمون المنهاج “أ.م.أ” شرط أن يكون مرتبطا بالاستراتيجيات التربوية التي من شأنها تحسين الطريقة التي يتبعونها في تعليم المواد الدراسية التقليدية. إن تعزيز التغييرات في قطاع التعليم التي قد تنجم عن إدخال المنهاج “أ.م.أ” وتعزيز أثرها على التطوّر المهني للمعلمين)[186]. ونحن اليوم مع وباء كورونا الذي شل العالم بأسره؛ فلم يجد مفرا من توظيف منظومة التواصل الرقمية التي أصبحت أليفنا في الحياة اليومية أفرادا كنا أم مجتمعا أم مؤسسات أم دولا، واندمجت في فكرنا اليومي وحدثيات يومياتنا المعيشة التي نستقي منها معلوماتنا وأخبارنا الرسمية وغير الرسمية، بل ننغمس يوميات عميقا في شعبوياتنا القاتلة التي تروج للتفاهة والسخافة! مما يتوجب على المنظومة التربوية والتكوينية المغربية تدريس منهاج “أ.م.أ” بفكر نقدي لكي لا يسهل على ثقافة السخافة والتفاهة التسسل إلى فكرنا الفردي والجماعي والمجتمعي، ولذلك (إذا كنا نستخدم وسائل الإعلام والمكتبات والأرشيف ومصادر المعلومات الأخرى “بما في ذلك الأنترنت أو التكنولوجيات الجديدة” في الصف، علينا التفكير بالطرق التي نُعلّم بها: كيف نستخدم وسائل الإعلام ومصادر المعلومات الأخرى؟ كيف تؤثر تلك على الطرق التي يتم من خلالها إيصال المعلومات إلى الطلاب؟

يُمكن أن تُوفّر نماذج التواصل إطارا لكيفية ادخال المنهاج “أ.م.أ” أي  أساسيات المعلومات والإعلام في صلب تجربة عملية التعليم والتعلم. تُوفر هذه النماذج فرصة التفحّص عن كثب للأدوار الذي يلعبها المعلمون والطلاب ووسائل الإعلام والمكتبات والأرشيف ومصادر المعلومات الأخرى في غرفة الصف. يتضمن العديد من هذه النماذج المكوّنات المذكورة أدناه: “Shannon and weaver, 1948; Shram, 1954; Berlo, 1960”

ــ المرسل “المصدر/الموّلد”

ـ الرسالة “المضمون”

ـ القناة “الوسيلة”

ـ المتلقي “المستجيب/مفسّر المعنى”

ـ الطريق العكسي “من المتلقي إالى المرسل وبالعكس ويتم اكتمال الدورة”

حدّد الطرق التي يمكن من خلالها تطبيق هذا النموذج في مُمارسة التعليم في صفك. ما هي الأدوار التي تقوم بها كمُعلم؟ وما هي الأدوار المتاحة لتلاميذك؟ كيف تتشكّل تجربة التعليم من خلال هذه الأدوار؟ كيف تتُم إدارة الطريق العكسي في عملية التعليم والتعلم؟ كيف يُمكن لمعرفتك بـ “أ.م.أ.” أن تُحسّن دورة التواصل؟

النظر في الفرص المتاحة أمام التلاميذ ليتفحّصوا بشكل نقدي المنصّات التي يتلقون من خلالها المعلومات في الصف. وترتبط بذلك، مفاهيم التعليم المُعتمدة من خلال وعن الإعلام والمكتبات والأرشيف ومصادر المعلومات الأخرى. عبر أي وسيلة يتلقى التلاميذ معلوماتهم في غرفة الصف؟ ما هو تأثير هذه الوسائل في مجالي التعليم والتعلم؟ حدد وسائل الإعلام ومصادر المعلومات التي يستطيع التلاميذ الوصول إليها في غرفة الصف. اشرح الأساس المنطقي وعملية الاختيار التي ستعتمدها لإدراجها في المنهاج.

يتطلب تعليم المنهاج “أ.م.أ” إدراكا وتحليلا لوسائل الإعلام، والمكتبات والأرشيف ومصادر   المعلومات الأخرى، وفهما للدور الذي تلعبه في التعلم مدى الحياة ونقل وصياغة المعلومات والرسائل “مثلاً: تصبح وسائل الإعلام والتكنولوجيا بحد ذاتها موضوع دراسة في الصف”. يتطلب التعليم من خلال وسائل الإعلام ومصادر المعلومات الأخرى وعياً وتحليلاً من جانب المُعلمين حول دورهم ودور وسائل الإعلام والتكنولوجيا في عملية التعليم والتعلم. وبعبارة أخرى، ما الذي يتم تدريسه من خلال وسائل الإعلام و/أو التكنولوجيا في غرفة الصف؟ هل هناك من مسالة مُحدّدة أو موضوع مُحدّد تمّ تدريسهما من خلال استخدام التكنولوجيا أو وسائل الإعلام؟ كيف يُمكن للمعلمين تطبيق مهارات “أ.م.أ” على ما يُدرّسونه؟

حدّد أمثلة عامة تتناول التدريس “عن” “أ.م.أ” والتدريس “من خلال” وسائل الإعلام والمكتبات والأرشيف ومصادر المعلومات الأخرى. صف نشاطات مُحدّدة/أمثلة تجريها في غرفة صفك بحيث يتُم استخدام كلا المقاربتين المذكورتين. ما الذي تقدمه هاتان المقاربتين للطلاب لناحية تجربتهم التعليمية؟)[187]. ويتناول منهاج “أ.م.أ” المهارات والقدرات الأساس في قاعدة بناء المعرفة الأساسية لمنظومة المعلومات والإعلام والتكنولوجيا الرقمية التالية: (

ـ تحديد المهمة

ـ البحث عن المعلومات

ـ تحديد مكان المعلومات والوصول اليها

ـ تحليل الرسائل والمعلومات

ـ تقييم سياق الرسائل والمعلومات

ـ استخدام المعلومات

ـ الخلاصات

ـ التقييم النهائي

حدّد الطرق التي يُمكن للتلميذ من خلالها تطوير هذه المهارات واثبات اكتسابها في صفك. صف استراتيجيات تربوية أو نشاطات مُحدّدة تجعل هذا الأمر مُمكناً.

ـ طوّر خطةً درس أو الخطوط العامة لوحدة دراسية تتضمن هذه الاستراتيجيات والأنشطة. النظر في تطوير درس مُستقل/خطوط عامة من المنهاج “أ.م.أ”، أو درس/خطوط عامة يدخل المنهاج “أ.م.أ” في مادة دراسية قائمة. حدّد الاعتبارات/الظروف الرئيسية التي يجب أن يأخذها المعلمون بالاعتبار ليتمكن الطلاب من إثبات اكتسابهم لهذه المهارات.

ـ بالاستناد الى نموذج التواصل المُفصّل في الفقرة السابقة، اشرح وبرّر الأدوار التي ستلعبُها وسائل الإعلام والمكتبات والأرشيف ومصادر المعلومات الأخرى في درسك/الخطوط العامة. ما هو الدور “أو الأدوار” الذي سوف تلعبه انت كمعلم؟ وما الدور “أو الأدوار” الذي سيكون متاحاً لطلابك؟ كيف ستعزز هذه الأدوار عملية التعلم؟

ـ كي يتمكن التلاميذ من النجاح كمُتعلمين، يلعب فهمهم للمفرد “ما وراء المعرفة” وللاستراتيجيات المستخدمة لتحقيقه، دوراً هاما. يُمكن تعريف معنى “ما وراء المعرفة”، بـ”المعرفة عن المعرفة” أو “العلم عن المعرفة” ] أي الميتامعرفة[. وهذه المعرفة قد تأخذ أشكالاً عدة وتتضمن المعرفة عن كيفية استخدام الاستراتيجيات الخاصة بالتعلم أو بحل المسائل، ومتى تُستخدم هذه الاستراتيجيات. ومن الناحية العملية، تُستخدم هذه القدرات لتنظيم إدراك الشخص، واستفادته القصوى من إمكانياته في التفكير والتعلم، وتقييمه للقواعد الأخلاقية/الأدبية الملائمة.

ـ راجع قائمة مهارات المنهاج “أ.م.أ” المذكورة أعلاه. حدّد واعط توصيفا لاستراتيجية “ما وراء المعرفة، لكل من هذه المهارات”، بحيث يستطيع الطلاب استخدامها لدعم تجربتهم التعليمية. مثلاً، يُمكن دعم” تحديد المهمة” من خلال استخدام خريطة للمفهوم، في حين يُمكن توضيح “تحليل الرسائل والمعلومات” برسم بياني يُظهر الأجزاءً المختلفة لأحد نصوص المعلومات مصحوبة بأسئلة نقدية لكل منها.

ـ اختر عدة أنشطة من وحدة دراسية تختارها. حدّد المهارات التي يجب أن يكتسبها الطلاب لإنجاز كل من الأنشطة. ما هو الدور الذي يُمكن أن تلعبه “ما وراء المعرفة” في نقل التعلم المُكتسب من هذا النشاط إلى انخراط الطلاب بوسائل الإعلام ومصادر المعلومات الأخرى خارج غرفة الصف؟

ـ راجع الاستراتيجيات التربوية المُستخدمة في تعليم المنهاج “أ.م.أ”. في إطار المنهاج الدراسي الخاص بك، اختر من ضمنها استراتيجية معينة وقُم بتكييفها أو تطويرها بغية استخدامها مع طلابك. كيف تُساعد هذه المقاربة في إدخال نظرية التواصل و “أ.م.أ”  في التجربة التعلمية؟ وكيف ترتبط هذه الاستراتيجية بالنتائج التعليمية المتوقّعة في المنهاج الخاص بك؟ كيف سيعلم الطلاب إذا نجحوا بالفعل في مهمتهم؟ “مثلاً، كيف تندرج هذه الاستراتيجية ضمن المنهاج الخاص بك، ما هي العناصر المعتمدة في برنامج تقييم نجاح هذا الإدراج؟”

ـ النظر في دور المكتبات والمتاحف في تطوير مهارات المنهاج “أ.م.أ”. صمّم نشاطاً يوضح كيف يمكن استخدام استراتيجية تربوية معينة في إحدى هاتين البيئتين. خذ في الاعتبار المزايا الفريدة التي تتمتع بها هاتين البيئتين والتي يمكنها التأثير على تجربة التعليم والتعلم بشكل إيجابي.

ـ استنادا إلى أنشطة ] تعليمية … [ أو من خلال عملك الخاص، اشرح ] للمتعلمين [ السُبل التي من خلالها يُقدم المنهاج “أ.م.أ” الفرص لاستخدام أنواع تعلّمية ] تعلمية [ مُختلفة “مثلاً: التعلم الحركي أو البصري أو السمعي، إلخ”)[188].

                فالتواصل كعملية تعليمية تعلمية أو كفعل اتصال بين طرفين أو أكثر شفاهيا أو كتابيا أو إشارة أو حركيا لتبليغ معرفة معينة ومحددة أو معلومة أو خبر أو رسالة، من أجل تحقيق هدف معين، ينتج عنه فعل منعكس في دورة تواصلية كاملة. لذلك فالتواصل عملية اجتماعية بامتياز، تؤسس لعلاقات متنوعة بين أفراد المجتمع ومؤسساته على مستويات عمودية أو أفقية. ضمنها يتم تبادل المعلومات والمعارف والتجارب والخبرات والأفكار والرؤى بينهم، وإقامة علاقة فيما بينهم وتنظيمها وتأطيرها بأطر ثقافية واقتصادية واجتماعية وفكرية وإيديولوجية واثنية …

                في إطار التواصل يتعلم المتعلم إيجابية الحوار وإدارة العلاقات الصفية مع الممارس البيداغوجي والأقران والزملاء والإدارة، واحترام نتائج الحوار والعمل على تنفيذها لما لها من فوائد وعوائد على تماسك جماعة القسم وتمتين العلاقات البينية، والانفتاح على الآخر وعلى ما يمتلك من خبرات وتجارب ومعارف وأفكار وآراء، واحترام الآخر رغم الاختلاف معه. وما يقع اليوم في الأقسام من عنف مدرسي مادي ورمزي سببه الأساس غياب التواصل والحوار، مما يؤدي إلى المحاكم في بعض الأحيان أو إلى الجرائم. فالتواصل كفعل وممارسة ومعرفة ضروري تدريسه للمتعلمات والمتعلمين لكي تعي عقولهم دوره في القسم والحياة معا.

ـ من خلال فعل التواصل يتعلم المتعلم كيف يتصرف في مختلف المواقف حسب المعطيات والحيثيات والظروف والشروط بعدما يدرسها جيدا ويخرج منها متخذا مسافة عنها ليراها من خارجها بدل أن يقتحم فيها، فتسيطر عليه وتتملك، وتجنح بع عن نوع التفكير الواجب اتخاذه اتجاهها. فالتواصل مدرسة مفتوحة يتعلم من خلالها المتعلم كل يوم من الآخرين ما يساهم في بلورة شخصيته وخصوصياته الذاتية التي تميزه عن الغير بسهولة ويسر كأسلوب الفنان الذي يميزه عن باقي الفنانين الآخرين، وهو ما يوسل به أهل المعارض في بيع لوحات فنانيهم الأموات والأحياء على حد سواء؛ حيث كل فنان له بصماته المميزة من حيث تشكيل الألوان أو لطخات الصباغة أو التيمات أو أطر اللوحات وقياساتها أو نوع الصباغة … فتجد الخبير التشكيلي يقيس لوحة مجهولة من خلال معطياتها مع لوحات لفنان معروف ليستنتج هل هي لهذا الفنان أو ذاك.

ـ التواصل وسيلة من وسائل قراءة المتعلم المشاهد الحياتية قراءة حقيقية، توفر معطيات ومعلومات قمينة بإنجاح رسالته المبعوثة إلى المستقبل/المرسل إليه ضمن الوعي بتوفير شروط ومتطلبات فهم الرسالة والاستجابة لها. وهذا ليس بمقدور الجميع على حد سواء، وإنما بمقدور المتعلم الواعي الفاهم العارف بل المثقف الذي يطلب نجاح رسالته مهما كانت الأحوال، وحرص على التواصل مع الاخرين مهما اختلفوا مع لأنه يعرف جيدا أن في التواصل قيمة إنسانية بما تحمل الإنسانية من معان ودلالات لا يجوز تركها تذهب هباء منثورا.

                ولتحقيق هذا وغيره من فوائد التواصل لابد أن توفر المدرسة الظروف المناسبة لتدريس أدبيات وتطبيقات التواصل، ولممارسة التواصل الفعال في بيئتها البشرية وغير البشرية؛ حيث يرتكز ذلك على:(

ـ مهارة توفير المناخ الصفي الجيد ومواجهة حاجات الطلاب، وهذه المهارة تعتبر من المهارات الأساسية، فالمناخ الصفي الجيد يساعد على التعلم ويعمل على إشغال التلاميذ في أنشطتهم الصفية، مما يقلل من مشكلات الضبط داخل الفصل، وهي تتمثل في:

أ- توفير الجو الودي والعاطفي في الصف.

ب- تقديم الحوافز للأداء المتميز والجيد للتلاميذ.

ج- تقديم الأنشطة الصفية المناسبة وإشراك التلاميذ فيها مع مراعاة الفروق الفردية بينهم.

ـ مهارة التخطيط قبل بدء التدريس وأثناءه، وإتقان هذه المهارة يبعد المعلم عن العشوائية والتخطيط في اتصاله بالتلاميذ؛ فهي تعطي صورة واضحة وإيجابية للتلاميذ بأن المعلم متمكن من مادته، مما يساعد في جذب انتباههم وانشغالهم في الأنشطة الصفية، وهذه المهارات تتمثل في:

أ- التحضير اليومي المسبق للموقف التعليمي.

ب- التأكد من جلوس التلاميذ في أماكن مناسبة لهم.

ج- توزيع المسئوليات بين التلاميذ للقيام بأنشطة صفية ولا صفية.

ـ المهارة التعليمية وأساليبها، وهذه المهارة تعمل على شد انتباه التلاميذ وتشويقهم في المادة الدراسية، مما يقلل من الملل والمشتتات الخارجية التي تعمل على جذب التلاميذ نحوها؛ فتؤدي إلى حدوث مشكلات داخل الفصل، وإعاقة عملية الاتصال، وتتمثل هذه المهارة في:
أ- تفسير الأمور الغامضة المتعلقة بالدرس.
ب- التنوع في استخدام الوسائل التعليمية.

ج- التسلسل في عرض المادة العلمية أثناء شرح الدرس

ـ مهارة تنظيم وترتيب الصف، وهذه المهارة يتوقف عليها رغبة التلاميذ في الجلوس في أماكنهم والقيام بالمهمات التعليمية، فكلما كان الفصل منظمًا ومرتبًا، كأن أدعى لجذب انتباه التلاميذ ورغبتهم في الجلوس فيه أطول مدة ممكنة، وهذه المهارة تتمثل في:

أ- مراعاة وجود ممرات مناسبة بين المقاعد تسهل عملية التواصل بين المعلم والتلاميذ.
ب- توفير التهوية والإضاءة الجيدة للفصل الدراسي.
ج- توفير الرؤية الجيدة لدى التلاميذ.

ـ مهارة التفاعل الاجتماعي والإنساني أثناء عملية الاتصال، حيث ينبغي على المعلم أن يتقن هذه المهارة إذا أراد أن يكسب قلوب طلابه، فالإنسان اجتماعي بطبعه، فكلما كانت العلاقة قوية بين المعلم وتلاميذه كان الفصل أكثر انضباطًا، وتتمثل هذه المهارة في:

أ- استخدام المناقشات الجماعية بين التلاميذ والتعرف على آرائهم.
ب- التوسع في الأنشطة الاجتماعية التي تضم المعلم والتلاميذ خارج الصف.
ج- القدرة على تنمية العلاقات الإنسانية بين المعلم وتلاميذه وبين التلاميذ بعضهم البعض.

ـ مهارة ملاحظة الطلاب ومتابعتهم، وهذه المهارة تساعد المعلم في معرفة تلاميذه، والوقوف على مشكلاتهم، والعمل على حلها قبل استفحالها، وتتمثل هذه المهارة في:
أ- توزيع نظرات المعلم على كافة التلاميذ وإشراكهم دون استثناء في الدرس.

ب- مراعاة متطلبات التلاميذ المتفوقين وبطيئي التعلم وكذلك بقية التلاميذ.

ج- التقويم المستمر أثناء عملية التعلم للتلاميذ لمعرفة مستوياتهم.

                …

ويمكن إجمال الخصائص التي تميز الإدارة الصفية لتحقيق الاتصال الفعال على النحو التالي:

ـ سيادة العلاقات الإنسانية: يسعى المعلم الفعال إلى تنمية هذه العلاقات بين كافة أطراف العملية التعليمية، على أن يسود هذه العلاقات الاحترام والتعاون وأن تقوم على التفاعل المستمر والبناء مع جميع الأطراف التي لها صلة بالتلميذ وتنشئته.

ـ التأهيل العلمي والتربوي للمعلم: المعلم ذو التأهيل العلمي والتربوي أقدر على تفهم حاجات تلاميذه وإشباعها من المعلم غير المؤهل، وأقدر على البحث وتقصي الأسباب التي تسبب مشكلات داخل الفصل والعمل على حلها بالأساليب التربوية الصحيحة.

ـ أنها عملية شاملة: تضم عدة عمليات متداخلة وتتعامل مع جهات لها تأثيرها على الطلاب، منها أولياء الأمور، والمعلمون، والمنهج والوسائل التعليمية وحجرة الفصل بما فيها من تلاميذ وأجهزة ومعدات، بالإضافة إلى المراكز والهيئات الاجتماعية الأخرى.

ـ أنها عملية معقدة: فهي تتعامل مع عقول وذكاءات متعددة الأبعاد، وأفكار ومشاعر وأنفس مختلفة في رغباتها واحتياجاتها وقيمها الاجتماعية وعلى ذلك فإن من الضروري للمعلم أن يتعرف على كافة التلاميذ داخل الفصل وقيمهم ومستوياتهم ومخاطبتهم وفق هذه المستويات.

ـ أنها قادرة على تحديد نوع المشكلات الصفية بشكل صحيح: فهناك مشكلات إدارية: كالحديث الجانبي بين التلاميذ والعدوان والتخريب في الفصل، ومشكلات تعليمية: كعدم القيام بالواجبات المدرسية، عدم إحضار الكتب المدرسية، وكثرة الغياب، مع القدرة على التصرف بناء على نوع المشكلة التي يواجهها المعلم داخل فصله من خلال ما يقدمه من أنشطة تعليمية.

ـ أنها قادرة على تنظيم عناصر العملية التعليمية داخل حجرة الفصل: المعلم الفعال قادر على تنظيم الوقت والمواد التعليمية، والصف والتلاميذ حتى يتم التعلم بطريقة فعالة وإيجابية والهدف من ذلك هو تعديل سلوك التلاميذ وزيادة تحصيلهم الدراسي، مع إتاحة الفرصة لهم للتعلم، ويتم ذلك من خلال تهيئة الفرصة للتلاميذ لأن يعبروا عن استجاباتهم، مع مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ.

ـ أنها مضبوطة بمهارات أساسية لازمة لإدارة المواقف التعليمية: فعملية التعلم الصفي تعمل على إكساب التلاميذ العادات والتقاليد والقيم والمعلومات والمعارف الجديدة، ويعمل المعلم الفعال من خلال عملية الاتصال على تمكين التلاميذ من توظيفها في المواقف الحياتية المختلفة وذلك من خلال الأنشطة الصفية واللاصفية بهدف تشجيع المشاركة بين التلاميذ)[189].

                فالتواصل على مستوى الفعل التعليمي التربوي يقتضي شروطا ومتطلبات ومقومات لكي يكون فعالا محققا لأهدافه بالنسبة للعملية التعليمية التعلمية وبالنسبة للمتعلم من حيث بناء عدة كفايات منها السالف ذكرها. فهو يستلزم على الأقل:

*تحديد الهدف المتوخى من فعل التواصل بدقة، والعمل على تحويله إلى خطاطة تربوية وتعليمية، تستقي مادتها التدريسية من واقع التعليم ومن اهتماماته وانشغالاته وآماله وأوطاره ومرتقباته، في ارتباط وانسجام مع المنهجية التي تبني تلك المادة المدرسية المستقاة، وأدواتها ومعيناتها البيداغوجية، ومجال ومناخ العملية الصفية التي تنشط تلك المادة فعليا بين المتعلمين والمتعلمات في حجرة الدرس ضمن وضع محكات للتقويم في كل المراحل التدريسية. والحرص على أن يكون كل شيء معلنا لجماعة القسم ومعروفا مسبقا عندهم ومقبولا لديهم، يحمل دلالات معينة وواضحة، حتى يحتكموا إليها عبر التقويم الذاتي وهو أعلى مراتب أنواع التقويم. ففي ذلك تربية للمتعلم على التميز بين الأفعال الإيجابية والسلبية، وذات الجدوى وغيرها من الأفعال، وتربيته على المشاركة في الفعل والشعور بالمسؤولية اتجاهه من حيث هو معني به وبإنجاحه.

*منح المتعلمة والمتعلم كمركزي فعل العملية التعليمية الوقت الكافي ليستوعبا المادة التعليمية استشفافا للهدف التعليمي منها، من جهة أولى ومن جهة ثانية، استيعاب هدف فعل التواصل الذي يغطي مجموع الأنشطة ويحدد المهام والأدوار، وكيفية تنفيذها. ما يترك فراغات فكرية عندهما للتساؤل والاستيضاح والاستفسار عما يختفي في طيات تلك المادة التعليمية أو يغيب عنها؛ فيطلب تحصيلها لاستكمال الفهم والاستيعاب، وهو ما يحفز المتعلم على الانخراط المسؤول في الفعل التعلمي. وفي هذا تربية له على كيفية استيعاب الموضوع ـ وأي موضوع ـ والتساؤل حوله واستنطاق معطياته لإدراكه ومقاربته ببصيرة علمية. تتيح له فرصة قراءته قراءة واعية تستحضر كل أبعاده وتفصيلاته وحيثياته، وتشكل تغذية راجعة في كل تحليل وتركيب واستنتاج وخلاصة يجريها. بل، وأي قرار يتخذه. كما يشكل التواصل هنا تربية للمتعلم على عدم التسرع في المقاربة أو تعجيل الاستنتاج … والتأني في التعاطي مع الموضوع حتى يجمع جميع المعطيات ويستوعبها ويعيها ويدركها ويفهمها جيدا.

*الدعوة إلى الاتزان الإنساني بما فيه الفكري في التواصل مع المتعلمات والمتعلمين؛ ما يسمح لهم الانفتاح على الممارس البيداغوجي ومشاركته الفعل التعليمي بفعل التعلم، واعتباره أبا أو أما موجها ومرشدا ومنشطا. يتحملون بحضوره مسؤولية مقاربة المادة التعليمية من الجوانب المحددة وتحت إشرافه المنهجي. وهو ما يمنحهم الثقة في النفس وتقدير المجهودات واحترام الآخرين وآرائهم، والإيمان بالعمل الجماعي وبالجماعة المدرسية. فيدخل واو الجماعة ونون النسوة في خطابهم المدرسي وتخرج منه تاء المتكلم خلقا لروابط جماعية واجتماعية وثقافية، تغير واقع المتعلم المتمحور حول الذات الفردية والمصلحة الخاصة إلى الذات الجماعية والمصلحة العامة، وتذوب الأنانية والحقد والتشنج بينهم في إناء المحبة والتآلف والتآزر والتكامل والتعاون. وهو ما تستهدفه عملية التواصل أثرا عند المتعلم. فهي عملية تأثير وأثر، وليست عملية نقل الرسالة فحسب كما يعتقد بعض الممارسين البيداغوجيين!

                إذن؛ كفاية التواصل ذات أهمية في حياة المجتمعات، فالمجتمعات التي تفقدها تفقد الكثير من مقوماتها الذاتية التي يسهل استغلالها في هدمها كما وقع في كثير من البلدان العربية والإسلامية التي لا تعير لفعل التواصل شأنا، وتعتبره قضية ثانوية، وهو قضية أساسية ورئيسة تتطلب العمل عليها تدريسا وممارسة، وإنجاحها في المجتمع لأنها مدخله الرئيس إلى السلم الاجتماعي والالتحام المجتمعي والبناء الحضاري.

                بكفاية التواصل تقف هذه الورق دون تفصيل باقي الكفايات المطلوبة حاليا ومستقبليا لنجاح الأفراد والمجتمعات في حياتهم الخاصة والعامة وتحقيق الرفاهية والتقدم والتحضر، وتحقيق إنسانيتهم. ومن تلك الكفايات الباقية نجد: كفاية التعاون والتكامل والعمل الجماعي أي امتلاك ثقافة “نحن” في الاشتغال بدل ثقافة “أنا”، وكفاية الرقمية والعالم الافتراضي، وكفاية إدارة الوقت، وكفاية التخطيط المستقبلي وإدارة الطوارئ، وكفاية التعلم مدى الحياة، وكفاية STEM العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أي امتلاك مهارات وقدرات العلوم الحقة ذات الصلة ببناء الصناعات والاختراعات والتقنيات. كما تبقى هذه الكفايات مفتوحة على كفايات مستجدة ومستحدثة وفق التطورات الحاصلة في الحياة الإنسانية والحضارة.

                فهذه الكفايات هي الكفيلة بتنمية الإنسان بما فيه الإنسان المغربي، وتحقق نمو حياته الفردية والمجتمعية نحو الأفضل، وترقى به إلى مصاف الإنسان المتطور والمتقدم إنسانيا وحضاريا على مختلف المستويات. ولن تتحقق هذه الكفايات سوى بالتربية والتعليم أولا ثم الحياة العامة ثانيا.

ـ التربية والتعليم مدخل عملي فعال وناجع للتنمية البشرية في المغرب:

ومنه؛ تشكل التربية والتعليم مدخلا عمليا فعالا وناجعا للتنمية البشرية في المغرب، من حيث: (

ـ أهمية التعليم على الصعيد الفردي ما هي المجالات التي يسهم التعليم في بنائها لدى الفرد؟ يعدّ التعليم بشكل من الأشكال وسيلة من وسائل التنمية الإنسانية، فهو الذي يؤمّن للمتعلّمين فرصة لتحسين واقعهم من جوانب عديدة -ولا سيما الجوانب الصحية والنفسية- فمن الممكن أن يؤثر الوعي التعليمي على نمط استخدام الإنسان للغذاء، مثل كونهِ مدخِّنًا ساعيًا إلى التخلص من التدخين، أو حريصًا على الأطعمة الصحية أو متجنبًا لما يجلب الضرر لجسمهِ، ويؤثر التعليم أيضًا على نمط استخدامه للوقت وتنظيمه، ونمط نومِهِ وعاداته اليومية، كما أنه يؤدي دورًا مهمًّا في منح الثقة بالنفس، مما ينعكس بشكل إيجابيّ على حياتهم بشكل عام. لا شك بأن التعليم يعمل على توسيع المُدركات العقلية لدى الفرد ويصحح منهجية التفكير التي يعمل العقل وفقها في سائر المعالجات الذهنية، وهذا ما يؤثر إيجابًا على استقباله للمعلومات وتأدية وظائف الذاكرة بشكل أفضل، كما يسهم في إجادة تحديد الأهداف وفق ما تتطلبه الحياة من معايير.

ـ أهمية التعليم على الصعيد الاجتماعي كيف يؤثر التعليم في بناء المجتمعات وتطوير مكوناتها؟ يعمل التعليم على تأسيس الأبعاد الجذرية للموازنة الفكرية والقيمية والوجدانية في المجتمعات، وبالتالي فإن التعليم يشكل النواة الأولى واللبنة الأساسية للسلام الاجتماعي، ويكوِّن صلة وصل قويّة بين جميع أفراد المجتمع على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الفكرية، وهذا ما ينعكس إيجابًا على مقوّمات الوحدة الوطنية التي تدعم كيان المجتمع واستمراره وتطوّره نحو الأفضل، وذلك أيضًا ما يجعل أفراد المجتمع على قدر من المسؤولية الوطنية والانتماء الإيجابي للمكان الذي يعيشون فيه، لكي يتمكنوا من جني ثمار ذلك التكافل الاجتماعي على كافة الأصعدة. إن ذلك البُعد الاجتماعي بالإضافة إلى القوى الثقافية المجتمعية تُشكّل المحور الأساسي للتنمية في كافة مجالاتها، فالتعليم هو الفرصة الجوهرية بالنسبة لكل فرد للتنمية البشرية المتنامية، والعمل على تطوير وإنضاج القدرات والطاقات المختلفة لكل فرد من الأفراد بطرق مدروسة ومنظّمة وأكاديمية، وذلك ما يجعل من عملية التعليم عملية ذات قداسة في البُعد الاجتماعي بالدرجة الأولى.

ـ أهمية التعليم على الصعيد السياسي ما دور السياسة في تنمية التعليم وتطويره؟ تقوم الوزارات المسؤولة عن التعليم في كل بلد من البلاد بالتأثير على مستوى التحصيل العلمي في تلك البلاد وطريقة التغذية التعليمية فيها، والأساليب اللازمة لبث تلك التغذية والتدرّج بمستوياتها من الصفر إلى المراحل العليا، وتساهم تلك الوزارات بدورها الأساسي في تفعيل الدور القومي للتعليم وتوسيع دائرة التطوير العلمي الوطني، وبالتالي رفد الوطن بالأفراد المساهمة في الوظائف التعليمية وتطوير مستوياته الثقافية والاقتصادية، وتحسين مستوى البلد مقارنةً بالبلاد الأخرى من خلال الدعم العلمي بالوسائل اللازمة وتأمين المتطلبات الضرورية للنهوض بالحركة التعليمية المستمرة. كما يمكن القول بأنّ هناك رابطة قويّة بين ارتفاع المستوى التعليمي في بلد معين وبين تمكُّن الأفراد من الديمقراطية التي تُتيح لهم التصرف الأمثل بالموارد العلمية، كالاستثمار وتأسيس المشاريع التجارية والمشاركة في ميادين عالمية، واستخدام الصلاحيات المتعددة.

ـ أهمية التعليم على المستوى الاقتصادي كيف يُمكن للتعليم أن يتحكم باقتصاد البلاد؟ يعمل التعليم على النهوض بالمستوى الاقتصادي للمجتمع من خلال تطوير مهارات الأفراد وتمكينهم من الاستفادة من وظائف ذات مردود جيد، كما أن التطور الاقتصادي الذي يسعى التعليم إلى الاستفادة منه في المجتمعات والذي يُمكّن المتعلمين من استخدام الأدوات الحديثة والمتطورة في ميدان البحث العلمي يُسهم في إعطاء الإجابات الأكثر دقة عن التساؤلات العلمية المتشعّبة في كل مجال من المجالات، وهذا ما يجعل العلم يمشي في درب من التقدم والسموّ، ويرتقي إلى مراتب لا نهائية في ميدان من الميادين، أو في الميادين المختلفة، مما يجعل إمكانية الاختراع والابتكار متاحة بشكل أكبر لدى الأفراد، وبالتالي تعود الدائرة إلى تطوير الاقتصاد لدى ذلك المجتمع نفسه. يسهم التعليم من زاوية أخرى بزيادة الإنتاجية وزيادة اليد العاملة التي تتمتع بالخبرة والدراية المتخصصة بالعمل الذي تقوم به، مما يُتيح لكل فرد من الأفراد أن يكون في مكانه العملي المناسب، وهذا ما يعطي فرصة للاقتصاد بأن يزدهر بزيادة الدخل القومي وتحقيق التنمية الاقتصادية على الصعيد المجتمعي، فضلًا عن ازدهار حياة كل فرد من الأفراد، وتمتّعه بالرخاء المعيشي، كما أنَّ متابعة التعليم ومستوياته تُحسّن برامج التعليم الصناعي، وتعمل على إعداد المزيد من الموارد البشرية المتدربة وفق المجال التكنولوجي، والقادرة على ربط التكنولوجيا بالاحتياجات التنموية والاستفادة منها في تقديم الإنتاج الأفضل.

ـ أهمية التعليم على المستوى الثقافي هل الثقافة وليدة التعليم في محورها الأول؟ تعتمد التنشئة الاجتماعية والتعليمية في مستواها الثقافي على بناء المحاور الثقافية لدى الفرد منذ نشأتهِ وطفولته، حيث تقوم المؤسسات التعليمية برسم نمط محدد من أنماط السلوك لهذا الطفل يُطابقُ ثقافته المجتمعية السائدة، وتؤطّر الممارسات التابعة لذلك السلوك بالثقافة المجتمعية التي ينبغي أن تتحرك تصرفات الفرد خلالها من واجب أو غير واجب، مما يؤدي إلى توافق الفرد مع مجتمعه وبناء نظام القيم المتوارثة في ذاته، ويؤدي ذلك مع تقييمه الشخصي وتعامله الذاتي مع تلك القيم والمواقف إلى تكوين شخصيّته المتميزة عن غيرها بصفات محددة، وتحديد ميوله ورغباته والسير في الاتجاه المناسب لتلك الرغبات وفق مُعطياته الثقافية. ممّا تقدم يتبيّن أنّ المستوى الثقافي يتداخل بشكل كبير مع المستوى الاجتماعي ويشكل جزءًا منه، وذلك لأنّ التعليم يعمل على كافة الأصعدة، وتكوين مجتمع من المجتمعات يقوم بشكل أساسي على نمط ثقافي محدد يعتمد عليه الأفراد لعدة أجيال متعاقبة، وإن أحدثَ جيل بعد جيل بعض التغييرات عبر الزمن. يدخل التعليم في صميم حياة الأفراد والمجتمعات فيبنيها من كافة الجوانب، ويسهم في حماية أفرادها من ظلمة الجهل المؤدّية إلى الموت الفكري والثقافي)[190].

ـ للمورد آمال:

                لن يكون لهذا المورد خاتمة ولا نهاية مادام مفتوحا على التعلم مدى الحياة وعلى تطور الإنسانية، فذلك ضرب من خيال ما بقي الإنسان وبقيت الاختلافات قائمة في وسطه الإنساني والاجتماعي والفكري والثقافي والكفاياتي. وهي باقية لأنها سنة من سنن الكون وضعها الخالق سبحانه لتعميره بما يخدم الإنسان والكون من اكتشافات واختراعات وتطورات، تتغيى تحصيل رفاهيته واستمراره على وجه البسيطة. ولن يتأت له هذا سوى بالتعليم والتعلم واستدامتهما. فهما فعلان يرقيان بالإنسان إلى عنان السماء، ودونهما الحضيض والانحطاط والتخلف والتشرذم والانتحار. ويبقى هذا المورد محط نقد وبديل، واستكمال …

المـــراجـــع

(وفق ورودها في الورقة)

ـ المراجع الورقية:

ـ القرآن الكريم.

ـ المذكرة الوزارية رقم 15×134 بتاريخ 11 دجنبر 2015 في شأن الترشح لمهام الأستاذ/ة (المصاحب/ة بالمدارس الابتدائية.

ـ دليل المصاحبة والتكوين عبر الممارسة، المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، مارس 2016.

ـ د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001، عدد 265.

ـ د. فؤاد زكريا، خطاب إلى العقل العربي، كتاب العربي، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، 1987، العدد17.

ـ د. مصطفى محسن، نحن والتنوير: عن الفلسفة والمؤسسة ورهانات التنمية والتحديث وتكوين الإنسان في أفق الألفية الثالثة، مجد، بيروت، لبنان، 1426/2006، ط1.

ـ آل غور، المستقبل: ست محركات للتغيير العالمي، تر.: د. عدنان جرجس، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2015، عدد 423، ج1.

ـ د. نبيل علي ود. نادية حجازي، الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2005، عدد 318.

ـ د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1994، عدد 184.

ـ د. مصطفى محسن، رهانات تنموية، سلسلة شرفات 33، منشورات الزمن، النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 2011.

ـ التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية، المعرفة مورد استراتيجي لتحقيق النمو” ملف البحث العلمي “، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، لبنان، 1431/2010، ط 1.

ـ سنن الترمذي، دار التأصيل، القاهرة، مصر، 1435/2014، خمس مجلدات.

ـ فيليب بريتون، الحجاج في التواصل، ترجمة محمد مشبال ود. عبد الواحد التهامي العلمي، دار رؤية، القاهرة، مصر، 2022، ط1.

ـ حوار مع الأستاذ أحمد بوكوس، التربية على قيم، عالم التربية، الجديدة، المغرب، عدد 21.

ـ محمد الغزالي، مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، كتاب الأمة، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، قطر، 1402هـ،ع1، ط2.

ـ ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تح.: درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا/بيروت، لبنان، 1420/2000، ط2.

ـ د. فهد العرابي الحارثي، المعرفة قوة .. والحرية أيضا، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، 1431/2010، ط1.

ـ مولي المصطفى البرجاوي، نحو تصور وظيفي لتعلم وتعليم القيم في العلوم الاجتماعية، مجلة “التفاهم”، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، 2017، عدد:55/56.

ـ مصطفى حضران، سؤال إصلاح الفكر التربوي، مجلة “التفاهم”، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، 2017، عدد:55/56.

ـ مديرية المناهج، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، مستجدات المنهاج الدراسي برسم السنة الدراسية 2020/2021، الرباط، المغرب، يوليوز2020.

ـ لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي، وزارة التربية الوطنية، المملكة المغربية، الكتاب الأبيض، ربيع الأول 1423 يونيو 2002، الجزء1.

اـ الغزالي، إحياء علوم الدين، الدار البيضاء، المغرب، د.ط.، مج.:2.

ـ وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المملكة المغربية.

[1] مديرية المناهج، مستجدات المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي برسم السنة الدراسية 2021/2022، وزارة التربية الوطنية والتكوين والتعليم العالي والبحث العلمي، المملكة المغربية، يوليوز2020.

ـ د. مصطفى محسن، المدرسة المواطنة ومنظومة القيم الاجتماعية: المقومات والوظائف وآفاق التطوير والتجديد، عالم التربية، الجديدة، المغرب، عدد 21.

ـ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء: رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030.

ـ د. عمر محمد التومي الشيباني، فلسفة التربية الإسلامية، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ليبيا، 1985، ط5.

ـ د. عبد الله عبد الدائم، نحو فلسفة تربوية عربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2000، ط2.

ـ باتريك كاباندا، الثروة الإبداعية للأمم: هل تستطيع الفنون أن تدفع التنمية إلى الأمام؟، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2022، عدد 496.

ـ د. أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، مصر، مج3، 1429/2008، ط1.

ـ الفيروزآبادي، القاموس المحيط، دار الجيل، بيروت، لبنان، د.ت.، د.ط.، مج4.

ـ الشيخ أحمد رضا، معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1379/1960، المجلد الرابع.

ـ المنجد في اللغة والعلام، دار المشرق، بيروت، لبنان، 1987، ط 29.

ـ ذ. جورج شهلا وأخرون، الوعي التربوي ومستقبل البلاد العربية، دار غندور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1972.

ـ عبد العزيز قريش، الدرس الافتتاحي: المبحث الثاني: معالم تربوية أولية (في مفهومي التربية والبيداغوجيا)، مسلك الإدارة التربوية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، فاس، المغرب، السنة التكوينية:2015/2016.

ـ عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 و10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1.

ـ د. عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، الدار العربية للكتاب، ليبيا/تونس، د.ت.، د.ط.

ـ ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 ـ 10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1.

ـ د. عمر محمد التومي الشيباني، فلسفة التربية الإسلامية، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ليبيا، 1394/1985، ط5.

ـ د. عبد الله عبد الدائم، التربية عبر التاريخ: من العصور القديمة إلى أوائل القرن العشرين، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1978، ط3.

ـ د. عمر محمد التومي الشيباني، تطور النظريات والأفكار التربوية، دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1971.

ـ ذ. محمد الشبيني، أصول التربية، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 2000.

ـ مديرية المناهج، منهاج التربية الإسلامية بسلكي التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي العمومي والخصوصي، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، المغرب، يونيو 2016.

ـ د. علي تعوينات، التعليمية و البيداغوجيا في التعليم العالي، الملتقي الوطني الاول حول تعليمية المواد في النظام الجامعي، مخبر تطوير الممارسات النفسية والتربوية، جامعة الجزائر، أبريل 2010، pdf.

ـ نورالدين أحمد قايد وحكيمة سبيعي، التعليمية وعلاقتها بالأداء البيداغوجي والتربية، مجلَّة الواحات للبحوث والدراسات، الجزائر، 2010، العدد8.

ـ د. الحسن اللحية، موسوعة الكفايات: الألفاظ والمفاهيم والاصطلاحات، مركز حقوق الناس، فاس، المغرب، 2006، ط1.

ـ معجم علم النفس والتربية، إشراف: د. عبد العزيز السيد وإعداد: د. فؤاد أبو حطب ود. محمد سف الدين فهمي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، مصر، 1984، ج1.

ـ عبد العزيز قريش، الدرس الافتتاحي، المبحث الأول: المفاهيم مداخل، مسلك تكوين أطر الإدارة التربوية، مصوغة التدبير البيداغوجي والنجاح المدرسي، السنة التكوينية 2015/2016.

ـ ذ. محمد أولحاج، التصورات البيداغوجية الحديثة: أسسها واتجاهاتها ومناهجها، منشورات صدى التضامن، الدار البيضاء، المغرب، 2002.

ـ د. عبده الراجحي، التطبيق الصرفي، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1979.

ـ سليم جهان وآخرون، تقرير التنمية البشرية 2016، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الأمم المتحدة.

ـ د. السيد فراج السعيد محمد، دور التنمية البشرية في تحقيق التنمية المستدامة في المملکة العربية السعودية، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، جامعة عين شمس، مصر، مج.:52، العدد 1، إبريل 2022.

ـ خطاب عيد العرش، 29 يوليوز 2019.

ـ اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النموذج التنموي الجديد: التقرير العام، المملكة المغربية، أبريل 2021.

ـ د. فتحي عبد الرحمن جروان، تعليم التفكير مفاهيم وتطبيقات، دار الفكر، عمان، الأردن، 1428/2007، ط3.

ـ عبد العزيز قريش، من المعرفة إلى الميتامعرفة: أي فرصة لتصحيح أزمة التعليم، عالم التربية، منشورات عالم التربية، الجديدة، المغرب، 2014، العدد25.

ـ د. بسام عبد الله طه إبراهيم، التعلم المبني على المشكلات الحياتية وتنمية التفكير، دار المسيرة، عمان، الأردن، 1429/2009، ط1.

ـ بيرني ترلينج وتشارلز فادل، مهارات القرن الحادي والعشرين: التعلم للحياة في زمننا، جامعة الملك سعود، 1434/2013.

ـ د. إبراهيم الفقي، قوة الفكر، دار الراية، الجيزة، مصر، 1430/2009، ط1.

ـ نيغيل واربورتون، الفلسفة الأسس، تر.: محمد عثمان، مر.: سمير كرم، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2009، ط1.

ـ د. صفاء الأعسر، الإبداع في حل المشكلات، دار قباء، القاهرة، مصر، 2000.

ـ د. جابر عبد الحميد جابر، استراتيجيات التدريس والتعلم، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1999، ط1.

ـ د. إبراهيم بن أحمد الحارثي، تعليم التفكير، الروابط العالمية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2009.

ـ د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2010، ط1.

ـ د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج1، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2009، عدد 369.

ـ سوزان غرينفيلد، تغير العقل، تر.: إيهاب عبد الرحيم علي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2017، عدد 445.

ـ حيدر إبراهيم علي، الإبداع والتخلف، في “الإبداع في المجتمع العربي”، سلسلة إبداع 8، إشراف د. أمجد الطرابلسي، الرباط، المغرب، 1993، ط1.

ـ د. حسان الباهي، الحوار ومنهجية التفكير النقدي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2004.

ـ د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج2، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2009، عدد 370.

ـ زهور حسين القرافي، تعلم كيف تبدع في مهارات التفكير، سلسلة الاستراتيجيات الحديثة بين الدراسة والتطبيق، السعودية.

ـ د. أكرم صالح محمود خوالده، اللغة والتفكير الاستدلالي، دار الحامد، عمان، الأردن، 1437/2016، ط1.

ـ دانييل جولمان، الذكاء العاطفي، تر.: ليلى الجبالي، مر.: محمد يونس، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2000، عدد 262.

ـ د. أحمد توفيق حجازي، العقل الباطن، دار كنوز المعرفة العلمية، عمان، الأردن، 1434/2013، ط4.

ـ د. إبراهيم الفقي، اعرف نفسك، الحياة للدعاية والإعلان، دبي، الإمارات.

ـ المراجع الرقمية:

ـ د. قاسم المحبشي، الفهم هو غاية التعليم والتربية، صحيفة المثقف الالكترونية، العدد 5903: المصادف : الخميس 03 – 11 – 2022م، https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=965995&catid=323

ـ د. قاسم المحبشي، الأطفال هم براعم الحاضر وثمار المستقبل، صحيفة المثقف الالكترونية، العدد: 5871 المصادف: الأحد 02 – 10 – 2022م، https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=965396&catid=323

ـ التواصل، المنهاج “أ.م.أ” ، ?lang=ar /الوحدة-التاسعة-التواصل،-المنهاج-أ-م/الفقرة-1-التواصل،-التعليم،-والتعلمhttp://unesco.mil-for-teachers.unaoc.org/modules/ ” ، دورة تكوينية “.

ـ الاتصال الفعال وأهميته في التعليم، الاتصال-الفعال-وأهميته-في-التعليم https://almuajih.com/2020/09

ـ هبة خير الله، أهمية التعليم في بناء المجتمع، موقع سطور، أهمية-التعليم-في-بناء-المجتمع/ https://sotor.com


[1] سورة النمل، آ. 39 ـ 40.

[2] انظر: ـ المذكرة الوزارية رقم 15×134 بتاريخ 11 دجنبر 2015 في شأن الترشح لمهام الأستاذ/ة (المصاحب/ة بالمدارس الابتدائية.

          ـ دليل المصاحبة والتكوين عبر الممارسة، المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، مارس 2016.

[3] د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001، عدد 265، ص.: 308.

[4] نفسه، ص.:309.

[5] ما يقع داخل مجال رياضياتي خارجي هو من إضافة الباحث.

[6] د. فؤاد زكريا، خطاب إلى العقل العربي، كتاب العربي، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، 1987، العدد17، ص.: 32.

[7] مصطفى محسن، نحن والتنوير: عن الفلسفة والمؤسسة ورهانات التنمية والتحديث وتكوين الإنسان في أفق الألفية الثالثة، مجد، بيروت، لبنان، 1426/2006، ط1، صص.: 49 ـ 51.

[8] آل غور، المستقبل: ست محركات للتغيير العالمي، تر.: د. عدنان جرجس، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2015، عدد 423، ج1، صص.:11 ـ 12.

[9] د. نبيل علي ود. نادية حجازي، الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2005، عدد 318، ص.:13.

[10] د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1994، عدد 184، صص.:394 ـ 395.

[11] نفسه، ص.:58.

[12] د. قاسم المحبشي، الفهم هو غاية التعليم والتربية، صحيفة المثقف الالكترونية، العدد 5903: المصادف : الخميس 03 – 11 – 2022م، https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=965995&catid=323

[13] سورة النحل، آ.: 92.

[14] د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص.: 395.

[15] د. مصطفى محسن، رهانات تنموية، سلسلة شرفات 33، منشورات الزمن، النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 2011، صص.: 149 ـ 150.

[16] التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية، المعرفة مورد استراتيجي لتحقيق النمو” ملف البحث العلمي “، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، لبنان، 1431/2010، ط 1، ص.: 20.

[17] التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية، المعرفة مورد استراتيجي لتحقيق النمو” ملف البحث العلمي “، مرجع سابق، ص.: 20.

[18] د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، مرجع سابق، صص.: 395 ـ 396.

[19] التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية، المعرفة مورد استراتيجي لتحقيق النمو” ملف التأليف والنشر “، مرجع سابق، ص.: 314.

[20] نفسه، ص.: 315.

[21] سورة البقرة، آ.: 125.

[22] سورة آل عمران، آ.: 97.

[23] سورة يوسف، آ.: 99.

[24] سورة الحجر، آ.: 82.

[25] سورة الحجر، آ.: 46.

[26] سورة قريش، آ.: 3و4.

[27] أخرجه الترمذي في سننه.

[28] فيليب بريتون، الحجاج في التواصل، ترجمة محمد مشبال ود. عبد الواحد التهامي العلمي، دار رؤية، القاهرة، مصر، 2022، ط1، ص.: 137

[29] حوار مع الأستاذ أحمد بوكوس، التربية على قيم، عالم التربية، الجديدة، المغرب، عدد 21، صص.:5 ـ 24.

[30] حوار مع الأستاذ أحمد بوكوس، التربية على قيم، مرجع سابق، صص.:5 ـ 24.

[31] محمد الغزالي، مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، كتاب الأمة، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، قطر، 1402هـ،ع1، ط2، ص.:33.

[32] ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تح.: درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا/بيروت، لبنان، 1420/2000، ط2، صص.: 116 ـ 117.

[33] ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، مرجع سابق، ص.139.

[34] ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، مرجع سابق، ص: 345.

[35] د. فهد العرابي الحارثي، المعرفة قوة .. والحرية أيضا، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، 1431/2010، ط1، صص.:15 ـ 16.

[36] مولي المصطفى البرجاوي، نحو تصور وظيفي لتعلم وتعليم القيم في العلوم الاجتماعية، مجلة “التفاهم”، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، 2017، عدد:55/56، صص.: 375 ـ 392.

[37] مصطفى حضران، سؤال إصلاح الفكر التربوي، مجلة “التفاهم”، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، 2017، عدد:55/56، صص.: 325 ـ 346.

[38] مصطفى محسن، نحن والتنوير: عن الفلسفة والمؤسسة ورهانات التنمية والتحديث وتكوين الإنسان في أفق الألفية الثالثة، مرجع سابق، صص.: 58 ـ 59.

[39] مديرية المناهج، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، مستجدات المنهاج الدراسي برسم السنة الدراسية 2020/2021، الرباط، المغرب، يوليوز2020، ص.:6.

[40] نفسه، ص.:21.

[41] انظر: لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي، وزارة التربية الوطنية، المملكة المغربية، الكتاب الأبيض، ربيع الأول 1423 يونيو 2002، الجزء1، صص.:12/13.  وكذلك: مديرية المناهج، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، مستجدات المنهاج الدراسي برسم السنة الدراسية 2020/2021، الرباط، المغرب، يوليوز2020، ص.:21.

[42] سورة التوبة، آ.:119.

[43] سورة الشعراء، آ.:215.

[44] سورة الشورى، آ.:37.

[45] سورة الشورى، آ.:40.

[46] سورة الشورى، آ.:43.

[47] سورة ال عمران، آ.:134.

[48] سورة الزخرف، آ.:89.

[49] الغزالي، إحياء علوم الدين، الدار البيضاء، المغرب، د.ط.، مج.:2، صص.:329ـ333.

[50] أخرجه مسلم.

[51] وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المملكة المغربية، ص.: 7.

[52] مديرية المناهج، مستجدات المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي برسم السنة الدراسية 2021/2022، وزارة التربية الوطنية والتكوين والتعليم العالي والبحث العلمي، المملكة المغربية، يوليوز2020، صص.:21 ـ 22.

[53] مديرية المناهج، مستجدات المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي برسم السنة الدراسية 2021/2022، مرجع سابق، صص.:22 ـ 23.

[54] مديرية المناهج، مستجدات المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي برسم السنة الدراسية 2021/2022، مرجع سابق، ص.:23.

[55] د. مصطفى محسن، المدرسة المواطنة ومنظومة القيم الاجتماعية: المقومات والوظائف وآفاق التطوير والتجديد، عالم التربية، الجديدة، المغرب، عدد 21، صص.:119 ـ 132.

[56] نفسه، صص.: 119 ـ 132.

[57] د. مصطفى محسن، المدرسة المواطنة ومنظومة القيم الاجتماعية: المقومات والوظائف وآفاق التطوير والتجديد، مرجع سابق، صص.:119 ـ 132.

[58] د. مصطفى محسن، المدرسة المواطنة ومنظومة القيم الاجتماعية: المقومات والوظائف وآفاق التطوير والتجديد، مرجع سابق، صص.:119 ـ 132.

[59] المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء: رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030، صص.:70 ـ 71.

[60] د. عمر محمد التومي الشيباني، فلسفة التربية الإسلامية، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ليبيا، 1985، ط5، صص.:319 ـ 320.

[61] فيليب بريتون، الحجاج في التواصل، مرجع سابق، ص.:136.

[62] أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن،

[63] د. عبد الله عبد الدائم، نحو فلسفة تربوية عربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2000، ط2، ص.:126.

[64] نفسه، ص.:127.

[65] باتريك كاباندا، الثروة الإبداعية للأمم: هل تستطيع الفنون أن تدفع التنمية إلى الأمام؟، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2022، عدد 496، ص.:82.

[66] د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، مرجع سابق، صص.: 386 ـ 387.

[67] ”  “، الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، مرجع سابق، صص.:289 ـ 290.

[68] سورة فاطر، آ.: 28.

[69] د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، مرجع سابق، ص.: 291.

[70] د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، مرجع سابق، ص.:307.

[71] وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مرجع سابق، ص.: 10.

[72] د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، مرجع سابق، ص.: 307.

[73] نفسه، ص.: 308.

[74] انظر المادة في المعاجم اللغوية العربية، فعلى سبيل المثال:

ـ د. أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، مصر، مج3، 1429/2008، ط1، صص.:1541 ـ 1545.

ـ الفيروزآبادي، القاموس المحيط، دار الجيل، بيروت، لبنان، د.ت.، د.ط.، مج4، صص.:155.

ـ الشيخ أحمد رضا، معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1379/1960، المجلد الرابع، صص.: 194 ـ 195.

ـ المنجد في اللغة والعلام، دار المشرق، بيروت، لبنان، 1987، ط 29، صص.: 526 ـ 527.

[75]  ذ. جورج شهلا وأخرون، الوعي التربوي ومستقبل البلاد العربية، دار غندور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1972، ط3، ص.:29.

[76] عبد العزيز قريش، الدرس الافتتاحي: المبحث الثاني: معالم تربوية أولية (في مفهومي التربية والبيداغوجيا)، من محاضرات مسلك الإدارة التربوية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، فاس، المغرب، السنة التكوينية:2015/2016، صص.:31 ـ 42.

[77] عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 و10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1، ص.: 102.

[78] نفسه، ص.:102.

[79] نفسه، ص.:102.

[80] نفسه، صص.: 102 ـ 103.

[81]  أنظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، دار الجيل، بيروت، لبنان، د.ت.، د.ط.، ج4، صص.: 333 ـ 334. والمنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، لبنان، 1987، ط29، ص.: 247.

[82]  د. عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، الدار العربية للكتاب، ليبيا/تونس، د.ت.، د.ط.، ص.:23.

[83]  ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 ـ 10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1، ص.: 89.

[84]  نفسه، ص.: 264.

[85]  د. عمر محمد التومي الشيباني، فلسفة التربية الإسلامية، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ليبيا، 1394/1985، ط5، صص.:13 ـ 14.

[86]  د. عمر محمد التومي الشيباني، فلسفة التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص.: 14.

[87]  ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص.: 265.

[88]  د. عبد الله عبد الدائم، التربية عبر التاريخ: من العصور القديمة إلى أوائل القرن العشرين، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1978، ط3، ص.:15.

[89]  د. عمر محمد التومي الشيباني، تطور النظريات والأفكار التربوية، دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1971، ص.:37.

[90]  نفسه، صص.:37 ـ 38.

[91]  نفسه، ص.:26.

[92]  ذ. محمد الشبيني، أصول التربية، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 2000، ص.:146.

[93]  د. عمر محمد التومي الشيباني، فلسفة التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص.:37.

[94] ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص.: 94.

[95]  ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص.: 95.

[96]  [96]  ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص.: 95.

[97]  مديرية المناهج، منهاج التربية الإسلامية بسلكي التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي العمومي والخصوصي، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، المغرب، يونيو 2016، ص.:7.

[98]  د. عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، مرجع سابق، صص.:23 ـ 24.

[99]  ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص.: 89.

[100] عبد العزيز قريش، الدرس الافتتاحي: المبحث الثاني: معالم تربوية أولية (في مفهومي التربية والبيداغوجيا)، مرجع سابق، صص.: 31 ـ 42.

[101]  د. علي تعوينات، التعليمية و البيداغوجيا في التعليم العالي، الملتقي الوطني الاول حول تعليمية المواد في النظام الجامعي، مخبر تطوير الممارسات النفسية والتربوية، جامعة الجزائر، أبريل 2010، pdf، ص.:6.

[102]  نورالدين أحمد قايد وحكيمة سبيعي، التعليمية وعلاقتها بالأداء البيداغوجي والتربية، مجلَّة الواحات للبحوث والدراسات، الجزائر، 2010، العدد8، صص.: 33 ـ 49.

[103]  د. الحسن اللحية، موسوعة الكفايات: الألفاظ والمفاهيم والاصطلاحات، مركز حقوق الناس، فاس، المغرب، 2006، ط1، ص.:247.

[104]  د. علي تعوينات، التعليمية والبيداغوجيا في التعليم العالي، مرجع سابق، pdf. وكذلك: نورالدين أحمد قايد وحكيمة سبيعي، التعليمية وعلاقتها بالأداء البيداغوجي والتربية، مرجع سابق، صص.: 33 ـ 49.

[105] معجم علم النفس والتربية، إشراف: د. عبد العزيز السيد وإعداد: د. فؤاد أبو حطب ود. محمد سف الدين فهمي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، مصر، 1984، ج1، ص.:77.

[106]  عبد العزيز قريش، الدرس الافتتاحي، المبحث الأول: المفاهيم مداخل، مسلك تكوين أطر الإدارة التربوية، مصوغة التدبير البيداغوجي والنجاح المدرسي، السنة التكوينية 2015/2016، صص.: 29 ـ 30.

[107]  ذ. محمد أولحاج، التصورات البيداغوجية الحديثة: أسسها واتجاهاتها ومناهجها، منشورات صدى التضامن، الدار البيضاء، المغرب، 2002، ص.:7.

[108] سورة التوبة، آ.108.

[109] سورة التوبة، آ. 109.

[110] د. أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، مرجع سابق، مج1، صص.:91 ـ 93.

[111] د. أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، مرجع سابق، مج3، صص.:2289 ـ 2290.

[112] الفيروزآبادي، القاموس المحيط، دار الجيل، بيروت، لبنان، د.ت.، د.ط.، مج4، ص.: 400.

[113] د. عبده الراجحي، التطبيق الصرفي، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1979، صص.: 33 ـ 35.

[114] سليم جهان وآخرون، تقرير التنمية البشرية 2016، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الأمم المتحدة، ص.:2.

[115] نفسه، ص.:2.

[116] د. السيد فراج السعيد محمد، دور التنمية البشرية في تحقيق التنمية المستدامة في المملکة العربية السعودية، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، جامعة عين شمس، مصر، مج.:52، العدد 1، إبريل 2022، صص.: 549-606.

[117] نفسه، ص.:2.

[118] نفسه، ص.:2.

[119] د. السيد فراج السعيد محمد، دور التنمية البشرية في تحقيق التنمية المستدامة في المملکة العربية السعودية، مرجع سابق، ص.:3.

[120] عاهل البلاد الملك محمد السادس، خطاب عيد العرش، 29 يوليوز 2019.

[121] نفسه.

[122] نفسه.

[123] اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النموذج التنموي الجديد: التقرير العام، المملكة المغربية، أبريل 2021، ص.: 47.

[124] نفسه، ص.: 47.

[125] نفسه، صص.: 47 ـ 48.

[126] نفسه، ص.: 48.

[127] نفسه، ص.: 48.

[128] اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النموذج التنموي الجديد: التقرير العام، مرجع سابق، صص.:48 ـ 49.

[129] نفسه، ص.: 50.

[130] نفسه، ص.: 51.

[131] د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص.: 405.

[132] نفسه، صص.: 405 ـ 406.

[133] نفسه، ص.: 406.

[134] مديرية المناهج، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المغرب، يوليوز 2021، ص.:23.

[135] نفسه، صص.: 349 ـ 350.

[136] نفسه، صص.: 350 ـ 351.

[137] د. فتحي عبد الرحمن جروان، تعليم التفكير مفاهيم وتطبيقات، دار الفكر، عمان، الأردن، 1428/2007، ط3، ص.: 86.

[138] انظر: عبد العزيز قريش، من المعرفة إلى الميتامعرفة: أي فرصة لتصحيح أزمة التعليم، عالم التربية، منشورات عالم التربية، الجديدة، المغرب، 2014، العدد25، صص.: 454 ـ 503.

[139] د. بسام عبد الله طه إبراهيم، التعلم المبني على المشكلات الحياتية وتنمية التفكير، دار المسيرة، عمان، الأردن، 1429/2009، ط1، صص.: 91 ـ 93.

[140] د. قاسم المحبشي، الأطفال هم براعم الحاضر وثمار المستقبل، صحيفة المثقف الالكترونية، العدد: 5871 المصادف: الأحد 02 – 10 – 2022م، https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=965396&catid=323

[141] مديرية المناهج، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مرجع سابق، ص.:5.

[142] بيرني ترلينج وتشارلز فادل، مهارات القرن الحادي والعشرين: التعلم للحياة في زمننا، جامعة الملك سعود، 1434/2013، ص.:3.

[143] د. بسام عبد الله طه إبراهيم، التعلم المبني على المشكلات الحياتية وتنمية التفكير، مرجع سابق، ص.: 94.

[144] د. إبراهيم الفقي، قوة الفكر، دار الراية، الجيزة، مصر، 1430/2009، ط1، صص.: 11 ـ 16.

[145] نيغيل واربورتون، الفلسفة الأسس، تر.: محمد عثمان، مر.: سمير كرم، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2009، ط1، صص.: 18 ـ 19.

[146] د. صفاء الأعسر، الإبداع في حل المشكلات، دار قباء، القاهرة، مصر، 2000، ص:7.

[147] د. جابر عبد الحميد جابر، استراتيجيات التدريس والتعلم، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1999، ط1، ص.:141.

[148] د. إبراهيم بن أحمد الحارثي، تعليم التفكير، الروابط العالمية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2009، صص.: 156 ـ 157.

[149] د. جابر عبد الحميد جابر، استراتيجيات التدريس والتعلم، مرجع سابق، صص.:139 ـ 140.

[150] د. إبراهيم بن أحمد الحارثي، تعليم التفكير، مرجع سابق، صص.: 153 ـ 154.

[151] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2010، ط1، صص.: 70 ـ 71.

[152] د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج1، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2009، عدد 369، صص.:14 ـ 15.

[153] د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج1، مرجع سابق، صص.:77 ـ 78.

[154] نفسه، صص.: 82 ـ 83.

[155] نفسه، صص.: 83 ـ 84.

[156] نفسه، ص.: 84.

[157] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين لدى المتعثرين دراسيا، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2011، ط1، صص.: 67 ـ 68.

[158] للتوسع انظر: د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج1، مرجع سابق، صص.:88 ـ 95.

[159] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين لدى المتعثرين دراسيا، مرجع سابق، صص.: 83.

[160] سوزان غرينفيلد، تغير العقل، تر.: إيهاب عبد الرحيم علي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2017، عدد 445، صص.:265 ـ 266.

[161] حيدر إبراهيم علي، الإبداع والتخلف، في “الإبداع في المجتمع العربي”، سلسلة إبداع 8، إشراف د. أمجد الطرابلسي، الرباط، المغرب، 1993، ط1، صص.: 33 ـ 34.

[162] نفسه، صص.: 30 ـ 31.

[163] نفسه، ص.: 38.

[164] نفسه، صص.: 40 ـ 41.

[165] سورة النحل، آ. 125.

[166] حسان الباهي، الحوار ومنهجية التفكير النقدي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2004، ص.: 5.

[167] د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج2، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2009، عدد 370، ص.:26.

[168] نفسه، صص.: 27 ـ 28.

[169] نفسه، ص.: 17.

[170] د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج2، مرجع سابق، ص.: 27.

[171] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين لدى المتعثرين دراسيا، مرجع سابق، ص.: 47.

[172]  نقدم الشكر للسيدة الأستاذة الفاضلة لطيفة صديق التي قامت بترجمة مقال ” Critical Thinking: What It is and Why it Counts إلى اللغة الفرنسية. فسنحت لي ترجمته إلى اللغة العربية.

[173] د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج2، مرجع سابق، ص.:28.

[174] د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج2، مرجع سابق، ص.:39.

[175] زهور حسين القرافي، تعلم كيف تبدع في مهارات التفكير، سلسلة الاستراتيجيات الحديثة بين الدراسة والتطبيق، السعودية، ص.:37.

[176] د. أكرم صالح محمود خوالده، اللغة والتفكير الاستدلالي، دار الحامد، عمان، الأردن، 1437/2016، ط1، صص.: 236 ـ 237.

[177] د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة ج2، مرجع سابق، ص.: 49.

[178] د. أكرم صالح محمود خوالده، اللغة والتفكير الاستدلالي، مرجع سابق، صص.: 243 ـ 244.

[179] دانييل جولمان، الذكاء العاطفي، تر.: ليلى الجبالي، مر.: محمد يونس، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2000، عدد 262، ص.:222.

[180] سورة الذاريات، آ.: 21.

[181] د. أحمد توفيق حجازي، العقل الباطن، دار كنوز المعرفة العلمية، عمان، الأردن، 1434/2013، ط4، صص.: 129 ـ 130.

[182] د. إبراهيم الفقي، اعرف نفسك، الحياة للدعاية والإعلان، دبي، الإمارات، ص.: 6.

[183] د. أحمد توفيق حجازي، العقل الباطن، مرجع سابق، صص.: 22 ـ 23.

[184] د. أحمد توفيق حجازي، العقل الباطن، مرجع سابق، صص.: 11.

[185] نفسه، ص.: 11.

[186] التواصل، المنهاج “أ.م.أ” ، ?lang=ar /الوحدة-التاسعة-التواصل،-المنهاج-أ-م/الفقرة-1-التواصل،-التعليم،-والتعلمhttp://unesco.mil-for-teachers.unaoc.org/modules/ ” من دورة تكوينية “.

[187] التواصل، المنهاج “أ.م.أ” ، مرجع سابق.

[188] التواصل، المنهاج “أ.م.أ” ، مرجع سابق.

[189] الاتصال الفعال وأهميته في التعليم، الاتصال-الفعال-وأهميته-في-التعليم https://almuajih.com/2020/09

[190] هبة خير الله، أهمية التعليم في بناء المجتمع، موقع سطور، أهمية-التعليم-في-بناء-المجتمع/ https://sotor.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.