منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاقتصاد/ أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

0

الاقتصاد/ أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي
الدكتور حسن محمد أحمد محمد

يمكنكم تحميل الكتاب من الرابط التالي: 

“الاقتصاد الإسلامي وأثره في ترسيخ مفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية”

إن رأس المال الحقيقي يكمن في الثروة البشرية وفي قيمة ما عند الفرد من كم معرفي وفي حجم خبراته وكيفية الافادة منها والانتفاع بها، أي أن القيمة الجوهرية للإنسان تتمثل وتتجسد في القدرة على التفكير الخلاق والابداع المبتكر وليست في كم وحجم الموارد المادية المخزونة لديه[1]، وتمثل أفريقيا أكبر دليل على ذلك عند مقارنتها بأوربا، على سبيل المثال، فالقارة الأوربية تكاد تكون خالية من الموارد (الخام)، ولكنها غنية بل وفاحشة الثراء من حيث تدفق الأفكار والابتكارات والابداعات البشرية التي تشكل معينًا اقتصاديًا لا يكاد ينضب ورافدًا علميًا لا ينفد.

الاقتصاد، كما يُعرِّفه الاقتصاديون المتخصصون في علم الاقتصاد، بأنه العلم الذي يُعنَى بـدراسة كيفية إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها. ويعني الاقتصاديون بالسلع والخدمات كل ما يمكن أن يقوَّم، أي أن تكون له قيمة مادية، بينما يعنون بالإنتاج العمليات التي تتم لمعالجة السلع والخدمات وتصنيعها، أما عن مفهوم التوزيع فيعنون به الشكل أو الأسلوب الذي يتم به تقديم السلع والخدمات وتوصيلها للناس. وتنقسم دراسة الاقتصاد، عادة، إلى فرعين: الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي؛ ويُعّرف الاقتصاد الكلي بأنه ذلك الجزء من الاقتصاد، الذي يبحث في شؤون النظام الاقتصادي بمجمله بدلاً عن القطاعات المنفردة الموجودة فيه، فعلى سبيل المثال، فإن دراسة الاقتصاد الكلي لأمة من الأمم ستبحث، على الأرجح، في الناتج القومي الإجمالي وتحلله، وستنظر تلك الدراسة في العلاقات التي تربط بين هذه المؤشرات الاقتصادية المهمة، وتحاول أن توضح التغييرات التي تمر بها تلك المؤشرات خلال فترة زمنية معينة، ربما تمتد لخمس سنوات. أما دراسات الاقتصاد الجزئي فهي تُركز على قطاع منفرد من الاقتصاد، وتبحث في التأثيرات المتعلقة بذلك القطاع بكثير من التفصيل، وقد يتكون هذا القطاع من مجموعة من المستهلكين، أو من شركة معينة أو من سلعة من السلع، ومن الأهداف الرئيسية للدراسة الاقتصادية الجزئية تحديد الكيفية التي تؤثر بها قرارات المستهلك وأنشطته، أو الشركة، أو أي وحدة أخرى مدروسة، على الأسعار الخاصة بسلعة أو خدمة معينة. ويدرّس علم الاقتصاد، في الجامعات، على اعتبار أنه العلم الاجتماعي الذي يهتم بتحليل الأنشطة التجارية، كما يهتم بمعرفة كيفية إنتاج السلع والخدمات، ويَدرس علم الاقتصاد الطريقة التي تُنتج بها الأشياء التي يرغب فيها الناس وطريقة توزيعها، كذلك يدرس علم الاقتصاد اختيارات الناس والأمم للأشياء التي يشترونها من بين الحاجات المتعددة التي يرغبون فيها، وهذا يقود، بدوره، إلى دراسة العلاقة الوطيدة التي تجمع بين أصحاب الثروات الاقتصادية، وبين ذوي العقول العلمية والمعرفية، التي تعمل على تنمية وبناء الاقتصادات لدى الأمم والشعوب.

ويسعى الاقتصاد إلى حل المشكلات الناجمة عن حاجات الفرد أو الجماعة؛ وذلك بغرض المواءمة بين الموارد أو الإمكانات المادية أو الاقتصادية المتاحة والمتوفرة، وبين الاحتياجات؛ أي أنه يسعى إلى التوفيق بين الاستهلاك والدخل (الناتج المحلي)، حيث يجتهد الاقتصاديون لحل مشكلات توزيع السلع والخدمات المتعددة والبديلة؛ بغرض تحقيق أهداف معينة يسعى إليها المجتمع[2]. وبذلك يمكن القول بأن الاقتصاد هو العامل الأكثر أهمية في تسيير وتصريف شؤون المجتمع، حيث يشكل الاقتصاد رافعة رئيسة للقوة الشاملة لأي دولة؛ لأنه، ببساطة، هو المحدد لمستويات المعيشة ولأسس الاستقرار الاجتماعي والسياسي الداخلي، وهو الممول للقوة العسكرية ولبناء النفوذ الخارجي[3]، وهو يلعب الدور الأهم والأبرز في تشكيل السلوك الإنساني. قال تعالى:

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ قريش:1-4.

هذه الآيات تشير، إشارة واضحة، إلى أهمية الحركة التجارية، وقد منَّ الله، تعالى، على قريش بنعمتي الطعام والأمن، حيث جمعت الآيات بين غريزتي الجوع والخوف، وفي ذلك دلالة بأنه لا سلام ما لم يتوفر الطعام والأمن؛ ولذلك يُطمئن الحق، عزَّ وجل، الإنسان على رزقه وأنه سيتكفل به نيابة عنه فلا يجب أن يخشى الفقر:

﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً الإسراء:31.

ولننظر إلى دعوة نبينا إبراهيم، عليه السلام، ونأخذ العبرة منها، حين قال:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ القرة: 126.

فلم يقتصر الأمر على قبول دعوة إبراهيم، عليه السلام، بل رد رب العزة تبارك وتعالى:

﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ البقرة: 126.

وفي قصة سيدنا يوسف (عليه السلام) مع عزيز مصر الكثير من العبر والدلائل على أهمية الاقتصاد، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ يوسف:54،55.

إن التالي للآيتين الكريمتين تتجلى له أهمية الجانب الاقتصادي بوضوح شديد، في اختيار سيدنا يوسف (عليه السلام) لوظيفة تعد من أهم الوظائف في المجتمع البشري وهي وظيفة التحكم في ضبط المال وإدارته (وزير المالية). إذ إن يوسف (عليه السلام) لم يأت بموارد اقتصادية جديدة تزيد من حجم الناتج القومي المحلي أو دخل الدولة، بقدر ما أنه سعى إلى تغيير مفاهيم الناس حول  كيفية إدارة الموارد الاقتصادية التي كانت متاحة، لهم، في حينها، ومن هنا نستخلص العبرة والحكمة من هذا النموذج القصصي والتعليمي في آن واحد، فالاقتصاد، بشكل مبسط، ما هو إلا عبارة عن تنظيم يستهدف اشباع حاجات الإنسان مستخدمًا كل ما هو متاح من وسائل الانتاج الممكنة[4]. وكذلك سار الخليفة الأموي، عمر بن عبد العزيز، الذي تولى الخلافة بين عامي(99 – 101هـ)، على ذات النهج وسلك نفس الدرب، حيث كان لهذا الخليفة الأموي، موقف نادر وفكر ثاقب بعيد النظر؛ في محاربته للفقر، الذي يشكل الضلع الثالث في مثلث أعداء الإنسانية الثلاثة: الفقر، الجهل، المرض؛ فكيف استطاع أن يدرك تلك الغاية السامية الرفيعة، والتي عجز عن بلوغها، كل الاقتصاديين، على الرغم مما توفر لهم من: مال وعقل وتقنيات …، وغير ذلك من وسائل دفع الفقر!!؟[5].

لقد عمد عمر بن عبد العزيز إلى تقسيم المجتمع إلى فئات ثلاث: فئة الأثرياء، وهم الذين يدفعون الزكاة عن أموالهم، وفئة الفقراء، وفئة المساكين، وهما من مصارف الزكاة، بعد هذا عمد عمر إلى تقسيم الفئتين الأخيرتين إلى فئتين (فقراء ومساكين)، والمساكين هم الفئة الأكثر والأشد حوجة للمال، ولكن قريحة عمر ركزت كل جهده على الفئة الأولى (وهم الأفضل حالاً)؛ فقدم لهم جل مال الزكاة، في العام الأول، الأمر الذي دفع عنهم ضائقة الفقر وذله، فما كان من تلك الفئة الفقيرة إلا أن أخرجت زكاة مالها في العام التالي، بعد ذلك صوب سهام جهده إلى فئة المساكين فدفع إليهم أموال الزكاة فأغناهم بها فعملوا هم أنفسهم على إخراج زكاة أموالهم في العام التالي، وبذلك لم يوجد من يقبل الزكاة في العام الذي تلاه.

إن المتأمل لهذه القصة، وما حوته من عبر ودروس، يرى أن عمر قد استقرأ الأحاديث النبوية الشريفة واهتدى بهديها القويم، واستفاد من حديث رسولنا الكريم، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم،:(…عن أنس أن رجلا سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، غنما بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: أي، قوم أسلموا فوالله إن محمدا ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر…)[6]. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم)، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إذا أعطيتم فأغنوا)[7].


[1]/ عبد الرحمن العيسوي: موسوعة ميادين علم النفس، ص: 18، علم النفس الإعلامي ج7، دار الراتب الجامعية (مصر) 2004م

[2]/ عبد الله طاهر وآخرون – الاقتصاد السياسي، ص: 19، دار الأوائل للنشر، عمان 2002م

[3]/ أحمد محمود الزنفلي: التخطيط الاستراتيجي للتعليم الجامعي، ص: 520، مكتبة الآنجلو المصرية، (مصر) 2012م.

[4]/ حسين عمر: مبادئ علم الاقتصاد، ص: 527، دار الفكر العربي، (القاهرة) 1989م.

[5]/ الموسوعة العلمية العربية 2009م

[6]/ مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري، صحيح مسلم ج4/ص1806، دار إحياء التراث العربي (بيروت).

[7]/ أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي: سنن البيهقي الكبرى، ج:7، ص:23، مكتبة دار الباز (مكة المكرمة) 1994م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.