منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قيمة التعايش من خلال السيرة النبوية الوقائع والدلالات

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

تعد السيرة النبوية مصدرا للقيم والمبادئ التي تعبر عن روح الشريعة ومقاصد التشريع، ومن هذه القيم قيمة التعايش التي تبرز الخاصية المميزة للتفاعل الايجابي للمسلمين مع الآخر في ظل الاختلاف الثقافي والعقدي وغيره من مجالات الاختلافات الأخرى، مصداقا لقوله تعالى “يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”[1] .

لقد فتح الرسول ﷺ صدره لكل المنتمين إلى الإسلام وإلى غيرهم من أهل الشرائع الأخرى سواء في العهد المكي الذي برزت فيه قيمة التعايش لدى الرسول ﷺ مع مشركي قومه بالرغم مما لاقاه من أنواع العذاب، ومع نصارى الحبشة الذين أرسل إليهم أتباعه للاحتماء بهم من بطش قومه، أو العهد المدني الذي انتشر فيه الإسلام، وتأسست خلاله الدولة الإسلامية وحصل في ظلها التعايش بين مكوناتها من أوس وخزرج وغيرهم  من القبائل اليهودية المجاورة للمدينة، أو مع شعوب شتى انتمى الكثير منها إلى الإسلام.

وانطلاقا مما شهده التاريخ الإسلاميي منذ عصر النبوة، تبلورت كيانات ثقافية إقليمية متغايرة في إطار الوحدة الإسلامية، مصداقا لقوله تعالى ” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”[2]  .

ويبدو لي أن القيمة العليا التي أصبحت ضرورية لحل العديد من الإشكالات المعاصرة بين الأمم والشعوب أو داخل القطر الواحد هي قيمة التعايش ، وأن من يتابع سياسات المنتظم الدولي يلحظ أن قيمة التعايش صارت أصلا مرجوعا إليه ومسلمة مبدوءا بها في معالجة الغالب من قضايا المجتمعات،لذلك آثرت أن اشارك بهذه الورقة في الندوة محاولا إبراز قيمة التعايش من خلال السيرة النبوية واستخلاص الدروس والعبر منها لاستشراف الحلول الممكنة للكثير من القضايا المعاصرة.

المزيد من المشاركات
1 من 29

إننا نعلم أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مرت بمرحلتين مختلفتين المرحلة المكية والمرحلة المدنية، كل منهما عرفت تمثل الرسول صلى الله عليه وسلم لمنظومة من القيم المتعددة في تعايشه مع الآخر سواء كان من بني جلدته أو من الأقوام والقبائل المخالفة لثقافته ، بل أكثر من ذلك أن تمثل الرسول للعديد من القيم سواء في أخلاقه أو سلوكه حتى قبل نزول الوحي عليه.

وعند النظر في واقعنا المعاصر نلحظ كثرة الحروب والصراعات والاقتتال بين الدول وحتى داخل الدولة الواحدة أسباب ذلك متعددة لكن معظمها يرجع إلى الاختلاف في العقيدة أو الثقافة أو غيرها من أنواع الاختلافات السياسية أو الايديولوجية، مع استشكال إيجاد حلول ناجعة للحد منها.

وإذا كان غاية المسلم البحث في تراثه عن أجوبة لقضايا عصره فإنه يستوقفنا سؤال كبير، ألم يتعايش رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المخالفين له سواء في موطنه ومع قومه قبل الرسالة وبعدها أو بعد تأسيسه لدولته مع القبائل المخالفة لعقيدته وثقافته وأخلاقه وقيمه، وبعضها يعيش تحت رايته.

فكيف تغلب صلى الله عليه وسلم على إشكالات عصره في تعايشه مع الآخر وما هي منظومة القيم التي تمثلها صلى الله عليه وسلم للتغلب على القضايا الشائكة المرتبطة بالعلاقة مع الآخر، وهل تصلح للإسهام في حل إشكالاتنا المعاصرة.

التعايش في القرآن والسنة

قبل الحديث عن قيمة التعايش من خلال السيرة النبوية لا بد من تحديد مفهوم التعايش.

وقفت على أن التعايش ليس قيمة واحدة بل هي منظومة من القيم المتعددة تحقق قيمة التعايش .

تعدد قيم التعايش في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي دليل على أن هذه القيم قيم إنسانية عرف بها بين قومه ومنها: القوة والشجاعة وتحمل المسؤولية و النجابة والحكمة والتعاون والمشاركة في أعمال الخير، كل هذا مع الحفاظ على المبادئ والقيم دون الانجرار في الشهوات والملذات والشركيات.

أما بعد نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم وانتقال الدعوة من السرية الى الجهرية فقد استمر الرسول صلى الله عليه وسلم في تعايشه مع قومه معتمدا على قيمة الصبر كأساس للتعايش ولم يكتف بتمثله لوحده بل دعا إليه قومه ، ثم اعتمد قيمة الانفتاح على أهل الشرائع الأخرى للحد من الاذاية التي يتعرض لها أتباعه حيث طلب منهم الهجرة إلى الحبشة وهي آنئذ على دين النصارى والاحتماء بملكها النجاشي ، وفي ذلك تاسيس لعلاقة المسلمين بأهل الكتاب التواصل والتعاون معهم والزواج منهم …

أما في المرحلة المكية فرض الوضع نفسه على الرسول صلى الله عليه وسلم لإيجاد حلول لتعايش قبائل دخل بعضها في الإسلام ولازال البعض على وثنيته والبعض الآخر من القبائل اليهودية، بالإضافة إلى مجموعة من المنافقين الذين ادعوا الإسلام .

برزت مجموعة من القيم تؤسس لتعايش المسلمين فيما بينهم ومنها قيمة التآخي بين الأنصار والمهاجرين،

ونبذ العصبية القبلية خصوصا بين الأوس والخزرج التي كانت بينهم عداوة شديدة لسنين ،

والأكثر من ذلك انضمام مجموعة من القبائل اليهودية تحت دولة الإسلام محافظين على شرائعهم ومؤتمنين على حقوقهم.

إن الدولة الاسلامية تسع الجميع باختلاف الاعراق والديانات والعقائد والملل والنحل.

 

المبحث الأول :قيمة التعايش من خلال السيرة النبوية في المرحلة المكية ودلالاتها.

ولد الرسول  ﷺ من أشرف الفروع وأشرف القبائل العربية وأعلاها مكانة ونسبا، في وسط يغلب على سكانه عبادة الأوثان وشرب الخمر وممارسة الزنا والفواحش، كما يطغى فيه الظلم والجور والقهر ويباع فيه العبيد والإيماء في الأسواق، و تتحكم فيه العصبية والقبلية والعرقية، ويبين هذا جعفر بن أبي طالب حينما خطب أمام النجاشي فقال:” أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف”[3] .

بالرغم من اختلاف طبع الرسول ﷺ  وأخلاقه عن  الحالة التي كان يعيش عليها قومه فقد كان ﷺ متعايشا معهم يقوم بأعمال البر مسهما ومتعاونا في كل خير، يبين ذلك ما ذكرت زوجته خديجة رضي الله عنها حين أخبرها بنزول الوحي عليه حيث قالت:” كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق” [4] .

كما أنه ﷺ منذ صغره كان شغوفا بالجلوس مع كبار قومه وقد حكي عن جده عبد المطلب أنه لم يكن يسمح بالجلوس في موضعه إلا رسول الله ﷺ كما يخبرنا أنه رعى الغنم لقومه قال ” ما من نبي إلا رعى الغنم” قالوا : وأنت يا رسول الله قال ” وأنا” كما حضر حلف قبائل من قريش تعاهدوا على نصرة المظلوم قبل البعثة، قال ﷺ ” لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الاسلام لأجبت”[5]

امتاز بالنجابة المبكرة وظهر ذلك جليا عند حسمه للخلاف بين القبائل العربية بحسن اختياره لصيغة مشاركة جميع القبائل في وضع الحجر الأسود مكانه في الكعبة.

بالرغم من تعايش الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه إلا أن الله عز وجل عصمه من الوقوع فيما هم فيه مما ذكر ، وبقي محافظا على قيمه ومبادئه يشهدون له بالأمانة والصدق ورجاحة العقل وأصالة الرأي ، ولم ينكر عليه أحد حياته وخصوصياته إلا بعد نزول الوحي عليه ودعوته إلى الإسلام.

  المطلب الأول :قيمة التعايش مع مشركي قريش من خلال السيرة النبوية .

رفضت قريش التعايش مع الرسول ﷺ بعد نزول الوحي عليه ولحقت به من آمن بدعوته ” فلما رأت قريش أن الإسلام يفشو في القبائل اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم و لا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم ، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم”[6] ، في ظل هذه القطيعة  كان ﷺ يذهب إلى الكعبة ويتعبد فيها ولم يمنعه وجود الأصنام داخلها وحولها من ارتيادها ، وهذا الإصرار على التعايش مع المشركين جعل الرسول ﷺ يتعرض لمحن وابتلاءات كثيرة منها ما رواه ابن عمروا بن العاص قال : ” بينا النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ قال:أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ” ”

كما تعرض أصحابه  ﷺ لألوان من العذاب ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر ، ما تعرض له بلال بن رباح على يد أمية بن خلف ” كان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يامر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى ، فيقول وهو في ذلك البلاء : أحد احد” وبقي في هذا العذاب حتى أعتقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

كما نذكر آل ياسر فقد صبرت سمية على عذاب المشركين حتى مر بها أبو جهل فطلب منها سب النبي فرفضت فطعنها في حيائها فاستشهدت ، فكانت أول شهيدة في الإسلام ، واستشهد كذلك زوجها ياسر، أما عمار فلم يتركوه المشركون حتى سب النبي  ﷺ وذكر آلهتهم بخير ونزل في شانه قوله تعالى ” من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم”[7]

كل أنواع العذاب التي تعرض لها رسول الله ﷺ وأصحابه من طرف قومه لم تبح له التفكير في الانتقام أو المواجهة بل تعايش معهم بقوة صبره ودعوة أصحابه إلى ذلك كقوله ﷺ “صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”، ويؤكد هذا ما رواه خباب حيث قال : أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت : ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ،ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله”[8]

المطلب الثاني : قيمة التعايش مع نصارى الحبشة من خلال السيرة النبوية.

لما رأى الرسول ﷺ ما يصيب أتباعه من الابتلاءات والمحن أمرهم بالهجرة نحو الحبشة قال لهم ” لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا عظيما لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا”

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شيئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قريشًا ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَيْهِ الأَدَمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كثيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ وَعمرو بن العاص بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثمَّ قَدِّمُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسْلِمَهُمْ إِلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إِلَّا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، ثمَّ قَالَا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ فَتُشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُمْ إِلَيْنَا وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ. ثمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَهُمْ. فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا فَلْيَرُدَّاهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ. قَالَتْ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثمَّ قَالَ: لَا هَا اللهِ ايْمُ اللهِ إِذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلَا أُكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي وَنَزَلُوا بِلَادِي وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَاذَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي. قَالَتْ: ثمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا ثمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللهِ مَا عَلَّمَنَا وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا جَاءُوهُ وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَمِ؟ قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جعفر بن أبي طالب فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شيئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ. قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإِسْلَامِ. فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شيئًا، وَحرَّمنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ كهيعص. قَالَتْ: فَبَكَى وَاللهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ، ثمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا فَوَاللهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمْ أبدًا، وَلَا أُكَادُ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ لأُنَبِّئَنَّهُمْ غَدًا عَيْبَهُمْ عِنْدَهُمْ ثمَّ أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ -وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا-: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا. قَالَ: وَاللَّهِ لأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ. قَالَتْ: ثمَّ غَدَا عَلَيْهِ الْغَدَ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عظيمًا؛ فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ. قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهُ، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللهِ فِيهِ مَا قَالَ اللهُ وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا، هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ. فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللهِ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي -وَالسُّيُومُ الآمِنُونَ- مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ ثمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا ذَهَبًا وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ -وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ- رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهَا، فَوَاللهِ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ. قَالَتْ: فَوَاللهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ. يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ، قَالَتْ: فَوَاللهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ. قَالَتْ: وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ. قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزبير بن العوام: أَنَا. قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا. قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ. قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِمَكَّةَ. ”

ولما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة التحق به بعض الصحابة ممن هاجروا إلى الحبشة واستقر آخرون بها لما وجدوا بها من حماية لأمنهم وعقيدتهم ، واستمر اتصال الرسول ﷺ بالنجاشي حيث أرسل إليه رسالتين يدعوه في أحدها إلى الإسلام  ويطلب في الأخرى أن يزوجه بأم حبيبة ، فاستجاب النجاشي لرسول الله وأعلن إسلامه وخطب له أم حبيبة.

خلاصة المبحث:

يتبين لنا من خلال سيرة الرسول ﷺ في العهد المكي أن قيمة التعايش ترتبط بمنظومة قيم متعددة برزت مع قومه في قيمة الصبر والتعاون على الخير وحسن الجوار والحفاظ على المبادئ في ظل مجتمع يعج بالانحرافات والمنكرات ، كما برزت مع نصارى الحبشة في الانفتاح على أصحاب الشرائع الأخرى واللجوء إليهم كأقلية مسلمة مضطهدة وهاربة تبحث عن الأمن والعدل والحرية في ظل دولة غير إسلامية ، ومن خلال هذين النموذجين في التعايش مع الآخر سواء كان فردا أو دولة  نستخلص أن رسول الله ﷺ أسس قيما للتعايش تصلح في مرحلة الضعف .

 

المبحث الثاني :قيمة التعايش من خلال السيرة النبوية في المرحلة المدنية ودلالاتها.

لما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وأقرهم على دينهم وأموالهم، كما تضمن أهم المبادئ التي قامت عليها أول دولة في الإسلام، وسمي ب”صحيفة المدينة” أو وثيقة المدينة” جاء فيها:

“بسم الله الرحمن الرحيم: هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُم،إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاس،الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ، وَبَنُو عَوْف عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، كُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهِمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو النّجّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ،َبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ،وَبَنُو النّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْل ،وَأَلَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ،وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ أَوْ إثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا ، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ،وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ، وَإِنّ ذِمّةَ اللّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ،وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ دُونَ النّاسِ،وَإِنّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ،وَإِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ، وَإِنّ كُلّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يُعْقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا،وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ يُبِيءُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ،وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ، وَإِنّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسَهَا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ،وَإِنّهُ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنّهُ قَوَدٌ بِهِ إلّا أَنْ يَرْضَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافّةٌ وَلَا يَحِلّ لَهُمْ إلّا قِيَامٌ عَلَيْهِ، وَإِنّهُ لَا يَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرّ بِمَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا وَلَا يُؤْوِيهِ وَأَنّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .ولا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَإِنّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّار مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ،وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ،وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف،وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ،وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ،وَإِنّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ،وَإِنّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم،وَإِنّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَبَرّ هَذَا، وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ،وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ، وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ،وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ، وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ، وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا،
وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ،وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا،وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ،
عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُم،وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ . مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ،وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلّا عَلَى نَفْسِهِ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ،وَإِنّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِم ،وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ، إلّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ وَإِنّ اللّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرّ وَاتّقَى ، وَمُحَمّدٌ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم”[9].

  المطلب الأول :قيمة التعايش بين المسلمين داخل الدولة الإسلامية .

شملت هذه الوثيقة النبوية عدة قيم مرتبطة بالتعايش بين المسلمين وخصوصا بين الأوس والخزرج الذين كانت بينهما عداوة شديدة،  حيث أعلن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أسس ومبادئ حكم الدولة وواجبات مواطنيها والعلاقة بينهم وبين رئاسة الدولة، وجاءت هذه القيم متضمنة ل:
ــ المساواة والعدالة بين الناس بمختلف مللهم ونحلهم.
ــ حق الأمة في العدل والأمن و التناصر والتعاون.

ــ مبدأ الشورى بين الحاكم والمحكومين والراعي ورعيته .
ــ التكافل بين رعية الأمة وجماعتها في مختلف الميادين سواء المادية أم المعنوية (المعاهدة على نصرة المظلوم، وحماية الجار، مساعدة المدين، ورعاية الحقوق الخاصة والعامة..).

  المطلب الثاني : قيمة التعايش مع اليهود داخل الدولة الإسلامية.

فالصحيفة أو الوثيقة تم بموجبها تنظيم العلاقات في هذا المجتمع الإسلامي الجديد سواء بين مكوناته أم بين من انضوى تحته وخاصة من كان بالمدينة من اليهود لذا جاءت بمجموعة من الحقوق خاصة بهم، ومنها:
حق الجوار:أعطت الوثيقة لليهود حقوقهم كاملةً، كحق الجوار ما التزموا ببنود الصحيفة.
حق المساواة : نصت الصحيفة على أن الناس أمة واحدة، للمساواة بين جميع الأطراف في المواطنة، فالمؤمنون والمسلمون أمة واحدة، واليهود أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.
ووافقت كل فئات المجتمع على نصوص هذا الدستور الجديد، بما فيهم يهود المدينة بمختلف قبائلهم.

خلاصة:

لقد وضعت الصحيفة المبادئ الأساسية لهذا المجتمع الإسلامي، باعتبار المسلمين أمةً واحدةً، بعضهم أولياء بعض، يتعاونون بينهم ويتحابون ويتراحمون، واضعين النُّعرات القبلية وحمية الجاهلية تحت أقدامهم، لا فرق بين أسود وأبيض ولا بين عربي وعجمي إلا بالتقوى.
كما بيّنت هذه الوثيقة وطن هذه الأمة التي يشملها هذا الدستور، وأنه حرم آمن لرعية الدولة، كما قررت في نفس الوقت، أن لا حصانة لظالم أو آثم، حتى ولو كان معتصماً «بيثرب» عضوًا برعية دولتها.
وأسست هذه الوثيقة للعيش المشترك بين مواطني ” دولة المدينة” التي أقامها الرسول ﷺ  والتي تتشكل من المسلمين واليهود وبعض المشركين، مما يعني أن أديان وعقائد هؤلاء المواطنين في الدولة الجديدة متعددة وأن قبائلهم متنوعة وأن ثقافاتهم متفاوتة، وفيها الصياغة البليغة للعلاقات الدولية بين مختلف الطبقات الاجتماعية بمختلف عقائدها وأصولها.

 القرآن الكريم برواية ورش عن نافع بطريق الأزرق ، سورة الحجرات، الآية 13.[1]

 سورة هود،الآيات 118ـ119.[2]

 سيرة ابن هشام[3]

 سيرة ابن هشام[4]

 سيرة ابن هشام[5]

 سيرة بن هشام[6]

 سورة النحل، الآية 106.[7]

 البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب : ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة [8]

 سيرة ابن هشام[9]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.