منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جِناية “الشَّهادات”

اشترك في النشرة البريدية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، المبعوث رحمة للعالمين معلما وهاديا، وعلى آله وصحبه ومن سلك منهاجه إلى يوم الدين، وبعد:

فلا يخفى على الأعشى بَلْهَ البصير الناقد ما تعانيه “العملية التعليمية التعلمية” من إشكالات واختلالات على جميع مستوياتها النظرية والتنزيلية، وإذا أمعنّا النظر في “المُخرجات” وجدناها ناطقة عن عُمق الأزمة مُعبِّرة عن التّيه، خَجْلى من نفسها، تتوارى عن الأنظار على استحياء. فقد تمخّض جَملُ العُدّة و”التّرسانة” النظرية التصورية (سياسة تعليمية، ومنهاج دراسي، وتشريع…) فوَلد فأرا هزيلا.

ولستُ هنا بصدد التقيييم الدقيق المفصّل للأعطاب الكامنة في منظومة التربية والتعليم على مستوى السياسات والبرامج والرؤى والمكونات والمتدخلين… فذاك مَهْيَع آخر.

وحسبي إشارات منبّهة موجَّهة إلى صنف من “الخرّيجين” حاملي الشهادات، وتحديدا إلى رافعي لواء النّقد واللّوم والتّبخيس لتراث السابقين على مستوى المناهج والمقررات المعتمدة خصوصا فيما يتعلق بالمعرفة الفقهية.

ففي أذن هؤلاء أهمس، وإليهم بكلماتي أنبِس، نتلمّس معا طريق الهدى وسبيل الرشاد.

المزيد من المشاركات
1 من 24

فـ”أصحابنا” يعيبون منهج “القُدامى” ويَنبِزونه ويَلمزونه باعتباره منهجا تلقينيا يمجد الحفظ والتكرار، ولا يُنتج إلا نُسَخا جديدة لا حظَّ لها من الدّراية والفهم، بعيدة عن واقعها، معطِّلة لنعمة “العقل”، بعيدة عن “روح الشريعة ومقاصدها”…ولائحة الاتهام لا تنتهي.

ويَسِمون “المقرّرات” بالاختصار المخلّ الذي جعل من بعضها رموزا وألغازا استعصت على أصحابها أنفسهم…أو بالإطناب المملّ الذي يستغرق في الافتراضات والتفريعات عبر الشروح والحواشي والطُّرر…

مما نتج عنه بالضرورة تعطل مسيرة الفقه، وفُشوّ الجمود والتقليد، والانسحاب من ساحة “الوغى” المعاصرة، وترك “النِّزال” للتشريعات البشرية تحسمه بـــ”الضربات القاضية”…

وهذه “الدّعوة” من الأصحاب قولٌ فَصل وحُكم باتٌّ لا يقبل نَقضا ولا إبراما، ترقى إلى المسلّمات العقلية، وكأنّي بالقاضي المناصر يُعلنها مُدوّية:

وإذا قالت حذامِ فصدِّقوها   فإنّ القولَ ما قالت حذامِ

والحقّ أنّ هذه “الدعوة” تبقى في ميزان العلم مجرّد “دعوى” تحتاج إلا بيّنة تُصدّقها ودليل يقيمها.

إن الناظر في تراثنا التربوي التعليمي في زمن من سبقونا بإيمان يرى بأن مخرجات العملية “التعليمية التعلمية” كانت في مستوى التطلعات إلى حد كبير، منسجمة مع “الأهداف المسطرة”، و بـ“جودة” لا تخفى على الناقد البصير. فليست تلك القامات العلمية والهامات الفكرية في مختلف ضروب المعرفة – الشرعية منها على الخصوص – إلا خَراجا طيّبا وثمارا يانعة لتلك “المدرسة” المباركة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

لقد كان “المنهاج الدراسي” واضح المعالم جَلِيّ الصّوى، له أهدافه، ووسائله، و“طرائقه البيداغوجية”، ومقرراته…

وكان “المثلث الديداكتيكي” مَرعيّا معتبرا، فالمعلّم مُعلّما، والمتعلِّم مُتَعلّما، والمعرفةُ مَعْرِفة. وتكفينا رُباعية الإمام زرّوق – رحمه الله – للتدليل على ذلك حيث قال: ” آلات العلم أربع: شيخ فتّاح، وعقل رَجّاح، وكُتب صِحاح، ومداومة وإلحاح”[1]. وهي آيلة إلى ثلاث، فالعقل الرجاح والمداومة والإلحاح شرطان في المتعلم.

و“مستويات الدراسة” كانت معروفة مقررّة، فالابتدائي يليه المتوسط ثم يليه النهائي. والطالب يشرع مبتدئا ثم متوسطا ثم منتهيا في منحى تصاعدي نحو المعالي.

و” المقررات الدراسية “ محسومة متَّفقٌ بشأنها، ولكل مستوى “كتبه المدرسية” ومراجعه، جَرْيا على سُنّة التدرج المطلوبة، ومراعاة لحال الطالب وقدراته وإمكاناته…في تراتبية محكمة.[2]

ومن رام القفز والتسلُّق كان الفشل حليفه ويكون “كمَن تزَبَّبَ قبل أن يَتَحصْرَم”، وفي هذا قالوا: من قرأ “الحواشي” في بداية الطلب ما حَوى شيء، ومن قرأها عند الانتهاء حوى كل شيء.

وأساليب التدريس وخطواته منتقاة محكمة، فالسماع من المعلّم أولا، ثم الكتابة على الكرّاس، ثم التصحيح على المعلّم دفعًا لكلّ تصحيف، ثم القراءة والمدارسة والمفاكرة مع الأقران ترسيخا للمعلوم وحَلاّ للمشكلات، وتمرينا على النظر والمناظرة.

وهذا ما عبّر الشناقطة بقولهم:

كَتْب، إجازة، وحفظُ الرّسم ++++ قراءة، تدريس، أخذ العلم

ومَن يُقدّم رُتبة عن المحَــل ++++ مِن المراتب المرامَ لم يَنَــل

كل ذلك بمنهج واضح يزاوج بين ما حقّه الحفظ فيُحفظ عن ظهر قلب، وما يحتاج إلى فهم وتقليب نظر وجولان فكر فيُعطى حقّه من ذلك. ويقررّ هذا المنهج حُجة الإسلام الغزالي – رحمه الله – الذي خبر العلوم نقلا وعقلا في وصفه لمنهجه في كتاب الفريد ” المستصفى من علم الأصول” قائلا: ” جمعت فيه بين الترتيب والتحقيق، الترتيبُ للحفظ والترتيبُ لفَهم المعاني، فلا مندوحة لأحدهما عن الثاني“.[3]

كما كان “التقويم” حاضرا مرعيّا، له أساليبه ووسائله وأشكاله… والنجاح في كل مستوى شرط صحة الانتقال للذي يليه.

بعد هذا أقول لأصحابنا إن تشخيصكم كان معبّرا دقيقا، لكن ليس لمسار “الدرس الفقهي” ومخرجاته،  وإنما لهوامش جانبية ومظاهر ثانوية أغفلت أو تغافلت الأبعاد “البيداغوجية” للعملية التعليمية منهجا ومقررات، فأتاحت – بقصد أو بغير قصد – لــ “أصحاب القرار” فرصة تحريف البوصلة وتغيير وجهة الشّراع.

وإلا فالساهرون على “الدرس الفقهي” كانوا واعين أشد الوعي بما تتطلبه “المعرفة الفقهية” على مستوى كل قطب من أقطاب “المثلث الديداكتيكي”، واجتهدوا في توفير ما يقتضيه منهم الواجب وما تتطلبه المرحلة وما تسمح به الظروف من وسائل وطرائق.

فليس العيب في “الحفظ” والاستظهار، ولا في الجمع و“الاختصار”، ولا في الاستطراد و“التّحشية”، فتلك “طرائق بيداغوجية” و“مقاربات” منهجية علمية معتبرة في حقل التربية والتعليم، وأيّ عاقل نبيه ينكر مزاياها وضرورتها في مختلف صنوف المعرفة !!!

إنّ العيب كل العيب في سوء الفهم والاستيعاب لتلك “الطرائق” و”المقاربات” وسوء توظيفها وتنزيلها على مستوى المرحلة والطالب والحقل المعرفي من بعض القدامى والمحدثين على حدّ سواء.

فشتّان بين طالب درس سنوات معدودات فصار مؤهلا للجلوس مجلس شيخه في دورة مربوطة الحلقات متصلة الأسانيد، وبين طالب درس ودرس… سنوات طوال وحصّل أعلى الشهادات، لكنه لم يبرح مستواه الابتدائي، فمعرفته خداج.

فصارت “الشهادة” جناية في حقّه.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 

[1] أحمد زروق، اغتنام الفوائد في شرح قواعد العقائد ص 34

[2] وما زالت المدارس العتيقة محافظة على تلك التراتبية، فطالب الفقه المالكي على سبيل المثال يقرأ في الابتدائي “متن العشماوية” ثم “نظم ابن عاشر”، ثم يقرأ في المتوسط “متن الرسالة”، ثم ينتهي إلى “المختصر”. ولكل متن مما سبق كتب شارحة مبينة.

 

[3]  أبو حامد الغزالي، المستصفى  من علم الأصول 1/6، تحقيق: حمزة  بن زهير حافظ. شركة المدينة المنورة للطباعة.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.