منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين الحقيقة والخيال (قصة قصيرة)

محمد بوعنونو

0
اشترك في النشرة البريدية

كان منشغلا بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، متنقلا بين هذا الموضوع وذلك، واضعا علامة الإعجاب لهذه وتلك، متأملا قسمات الإناث المعروضة أمام المتصفحين، صور مختلفة الأشكال متنوعة المشارب بيد أنها قد اختيرت بعناية فائقة وبوضعيات جذابة، إمعانا في استمالة هذا أو ذلك، يبتسم بين الفينة والأخرى غير آبه بما يجري حوله.

فجأة يقرأ خبر موته على صفحة حسابه الشخصي، ويجد الخبر متدوالا بين أصدقائه مرفقا بصورته الشخصية، راعه الأمر وأفزعه فاستوى جالسا، ظن أن الأمر لا يعدو كونه مزحة من أحد الأصدقاء…

بيد أن ظنه قد خاب عندما وجد جميع أصدقائه ينعونه ويشاركون خبر موته راجين له واسع الرحمة والمغفرة على صفحاتهم الشخصية، حينئذ أدرك أن الأمر ليس على ما يرام، ثم فكّر في والديه، ماذا إن وصلهما الخبر؟ هل سيصدقانه؟ حتما سيصدقان.

نهض بسرعة، دخل المنزل، فوجد أمه تنتحب، وأباه يداري الدموع وفؤاده تكاد النار تضطرم بين جوانحه، والناس والجيران يعزّون ويذكرون الأم الثكلى بآيات الصبر وفائدة السلوّ، يكاد صاحبنا يجنّ، يصرخ بأعلى صوته: هو ذا أنا حي! ماذا يحصل هنا؟ ومن أسف ألا أحد يسمع صراخه أو يشعر به، يجري نحو أمه: أمي هو ذا ولدك أمامك! أنا حي يا أماه، أنظري أرجوك… فكأنه يا سادتي نادى العدم!

يقصد أباه، يحاول أن يعانقه، يحاول أن يمسك يده بيد أن حاجزا رهيبا حال بينهما! بدأ صاحبنا يصدق أنه قد مات فعلا.

المزيد من المشاركات
1 من 49

كيف مات؟ متى؟ بأي طريقة سلبت روحه؟ ألم يكن الآن فقط يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي؟ وتظل أسئلته معلقة دون إجابة. هو الآن في عالم غريب، يسمع ويرى، لكن لا أحد يسمعه أو يراه، وبينما هو في تلك اللحظة تائها في عالم البرزخ بين الحقيقة والحياة، لمح شخصا ممدا على الأرض مدرجا في أكفان بيض، مجهزا للدفن، اقترب منه فإذا الجثة له، وإذا الميت هو! صرخ صرخة سمعها كل مخلوق عدا الثقلين، ثم سلا عن أمه وأبيه، وسائر محبيه، وتحول تفكيره بشكل كلي إلى ما قدم من أعمال البر والإحسان، فلم يجد بين يديه إلا أعمالا مزجاة، تذكر الصلاة، فوجد أنه كان من المقصرين التاركين لها، الساهين عنها، فراعه الأمر.

طاف بسرعة البرق حول من كان يعطيها كل وقته، ويسربلها بحبه وماله، فوجد أنها تأسفت لوفاته، ثم تزينت لرجل آخر، طاف حول معارفه، فلم يجد من جاد عليه بدمعة واحدة، الوحيد الذي بكى عليه حقا أمه، والوحيد الذي تمزق قلبه عليه أبوه…

طاف على شواهده الدراسية والتقديرية والفخرية، نظر إلى ألقابه وما تعب في جمعه من حطام الدنيا وزينتها، تأمل في سيارته وملابسه وأمواله، فإذا هي بيد غيره، ممن لم يتعب في تحصيله ولا بذل جهدا في امتلاكه.

وفجأة سيقت الجثة إلى القبر، وإذا بسفينة حياته ترسو أخيرا على ساحل الأجداث، وليس في مركبه زاد ليوم المعاد، أحس بشيء قوي يجذبه ليتبع جثته إلى القبر، وهو يحاول جاهدا التخلص من تلك القوة القاهرة، ثم سمع صوتا مألوفا يطرق أذنيه: “حي على الفلاح، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم…” فتح عينيه، فوجد نفسه في بيته وعلى فراشه وأنه لا زال حيا وأنه فقط كان يحلم، والمؤذن ينادي لصلاة الفجر…

أدرك أنه كان حلما ليس كباقي الأحلام بل تنبيه إلهي عظيم، استوى واقفا كأنشط ما يكون، وتوضأ كأفضل وأحسن ما يكون الوضوء، ثم شرع في الصلاة، شاكرا الله عز وجل أن وهبه فرصة أخرى….

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.