منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بباب المستشفى (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

كان حلم رَحُّو أن يكون ابنه السالمي فقيها يؤم المصلين ويعطي الدروس في المسجد ..وكان حلم الابن أن يكون جنديا مثل عمه إذ كانت تبهره البدلةالعسكرية..
ألحق رحو ابنه السالمي بالكتّاب ( المسيد ) وهو ابن السابعة من عمره ..ثم تدرج في الزاوية حتى تخرج منها حافظا لكتاب الله و الألفية وكل ما احتوى عليه كتاب البخاري و مسلم من أحاديث نبوية..
ظل يتنقل بين القرى و المداشر و الواحات إماما و محدثا في المساجد ..لكن طموحه كان أكبر من ذلك..بعد وفاة والده ..قرر أن يحقق حلمه ، والتحق بالجندية دون أن يستشير أهله أو يأخد رأيهم..
في مدينة تمارة استكمل تداريبه في التكنة العسكرية..وتسلم تعيينه جنديا بمدينة كلميم..
عاد إلى مسقط رأسه نواحي مدينة الراشدية..تزوج ابنة عمه خلال أسبوع وسافر بعروسه إلى مقر عمله ..استقر بأحد البيوت المقررة للجنود و انطلق في عمله بكل حيوية و بروح وطنية ..
حين أنجبت له زوجته ابنته الأولى كانت فرحته لا حدود لها ..ولم تَقِل فرحته عند إنجاب الابنة الثانية ..ولم يَسْوّد وجهه عند استقباله الابنة الثالثة..تكررت العملية ست مرات ..وفي كل مرة كانا يبحثان عن الولد ..وفي كل محاولة كانا ينتظران مجئ ولي العهد..لكنه لم يشرف إلا في المرة السابعة..واستطاع الرضيع أن يبعد عن بيتهم هالة الحزن والكآبة و أن يُزِيل عن والده ” لقب أبو البنات ”
ظل السالمي بحكم عمله يتنقل من مدينة إلى أخرى ومن تكنة عسكرية إلى أخرى وخلفه أسرته تتنقل بتنقله الى المدن التي يعمل بها ..و كلما اندمجوا في بيت أو انسجموا مع منزل بجيرانه إلا وانتقلوا إلى غيره بمدينة أخرى حسب انتقال رب الأسرة ..والبنات بدورهن في تنقل دائم من مدرسة إلى أخرى.. ومَنْ تتعثر فيهن تتوقف عن الدراسة..
مع السنين بلغت البنات سن الرشد..ثلاث تزوجن في مدن متفرقة ..وفي انتظار زواج الأخريات توفت الأم بمرض سرطان الرحم ..فتولى السالمي دور الأب و الأم في البيت وخارجه..ولم يفكر إطلاقا في الزواج ..وقل راتبه كثيرا ..عندما أُحيل على التقاعد..وأصبح معاشه هزيلا..
تفرغ لشؤون البيت عند زواج الرابعةوالخامسة من بناته ..كما عاد إلى حرفته الأولى فقيها في المآتم و بعض المناسبات مثل العقيقة والختان ..وغسل الموتى..أما يوم الجمعة فيخصص لقراءة القرآن على قبور الموتى ..
نجح ابنه شرف الدين في امتحان البكالوريا بامتياز ..وسافر لمتابعة دراسته في فرنسا على نفقة الدولة..أحس الفقيه السالمي بفراغ كبير خصوصا بعد زواج ابنته الصغرى ..فقرر العودة الى مسقط رأسه والاستقرار هناك حتى يدفن بجوار والديه..
وأصبح كلما جمع مبلغا ماليا من معاشه التقاعدي ومن حرفته الدينية و فلاحته البورية ..يبعث بعضه إلى ابنه بفرنسا و البعض الآخر يخصصه لزيارة بناته بمدنهن ..حاملا لهن من خيرات قريته إضافة إلى هدايا و فواكه..
كانت من عادات الفقيه السالمي أن يطوف مصليا بمساجد أي مدينة يزورها ..فلا يترك مسجدا من مساجدها إلا و يصلي فيه فرضا من فروض الصلوات الخمس..وكل همه ألا يضيع منه فرض في وقته.. مخلفا وراءه كل هموم الدنيا إلى أن أصيبت ابنته الوسطى بمرض السرطان..أدرك ساعتها أن هذا المرض اللعين وراثي في أسرته وأن بناته مهددات به..لازم ابنته في البيت ورافقها الى المستشفى كظلها أثناء العلاج الكيميائي الإشعاعي..ساندها طوال مرضها ..كان يتألم في صمت.ويئن بلا صوت..وهو يرى السرطان ينخر جسد ابنته قطعة..قطعة..ويأكل أعضاءها عضوا..عضوا..وهي تقاوم وتهزل في غياب الزوج..تقاوم وتهزل بمفردها..حتى فارقت الحياة ..تاركة خلفها ولدا وبنتا ..
أصر الفقيه السالمي اصطاحبهما معه و العناية بتربيتهما بناء على وصية ابنته خوفا عليهما من الأذى ..لأن والدهما كان يرغب في الزواج ..معلنا لزوجته عن رغبته في ذلك ..حتى قبل مرضها..
ظل السالمي يعتني بحفيديه تربية ورعاية ..حتى تفوقا في دراستهما بالإبتدائي والإعدادي..ذات ظهيرة عاد من صلاة الجمعة ليجد رسالة مع اختفاء الحفيدَيْن ..تمعن في الرسالة وهو يقرأها مصدوما..مكتوب فيها :
“معذرة جدي لا نستطيع العيش في القرية بعد نجاحنا في الاعدادي..سنسافر إلى المدينة بحثا عن مستقبلنا و متابعة دراستنا في بيت والدنا..وداعا يا جدي “..
ظل يفكر مترددا..أيلحق بهما ويتشبث بالوصية أم يتركهما يُجَربان حظهما..وفي الأخير فضل أن يتركهما بِضْعة أشهر ثم يزورهما مستطلعا أخبارهما..
بعد سفرهما بسبعة أشهر ..حلت جائحة كورونا و أغلقت الدولة الحدود والمدن و المدارس..وانتشر الوباء عبر تنقلات المسافرين ..
اختفى الفقيه السالمي بعد غسل صديقه الحاج علال شيخ القبيلة إثر وفاته بنزلة برد شديدة .. حيث مشى في جنازته و شارك في دفنه ..ثم اختفى ولم يظهر له أثرا..
تفقدت الساكنة الفقيه السالمي عند احتياجهم له ..طرقوا بابه بلين..لكن عند سماعهم هاتفه يرن و أنينا ضعيفا يُسْمَعُ ..طرقوا الباب طرقات متتالية بعنف..بقوة.. و بلهفة تمكنوا من الدخول بعد نزع قفل الباب .. وجدوا الفقيه السالمي ملقى على ظهره لا يستطيع الكلام و لا الوقوف و لا الأكل ..مخنوقا..شبه مغمى عليه ..نقلوه على جناح السرعة إلى المستشفى ..بباب المستشفى كانت صدمتهم أكبر ..طاقة المستشفى لم تعد تستحمل ..إذ لم يجدوا له سريرا و لا اوكسجينا ..حل الهرج وعلا الانتقاد و الاحتجاج بين الحاضرين ..
وفي انتظار سيارة الإسعاف لنقله إلى مستشفى آخر بمدينة أخرى ..تمدد الفقيه السالمي على ظهره بعتبة باب المستشفى..في النزع الأخير ..نسي نفسه و وضعه ..نسي بناته والمرض اللعين الذي يطاردهن..نسي ابنه و غربته ..وحصر تفكيره في الوصية وفي حفيديْه ورغم أنه يحتضر .. بكلمات متقطعة.. كان يوصي أقرباءه وأبناء عمومته للإعتناء بحفيدَيْه إنْ عادا الى القرية ..وظل يوصيهم بحفيديْه حتى فارق الحياة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.