منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البلاغة العربية بين الإعجاز القرآني والبيان النبوي

اشترك في النشرة البريدية

فهرس المحتويات

ـ مقدمة.

ـ المحور الأول: فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ المحور الثاني: البلاغة العربية بين الإعجاز القرآني والبيان النبوي، وفيه مبحثين:

ـ المبحث الأول: علاقة السنة النبوية بالقرآن الكريم.

المزيد من المشاركات
1 من 27

ـ المبحث الثاني: أسباب انشغال العلماء عن البلاغة النبوية.

ـ خاتمة


مقــــدمة:

الحمد لله الذي جعل اللسان على الجنان دليلا، واصطفى من فصحاء خلقه محمد بن عبد الله سيدا ورسولا، وخصه بأشرف كتاب جعله تنزيلا؛ أنقذ به من الضلالة عبدا ذليلا، وبصر به من الجهالة الكثير والقليل.

وبعد:

فإن المتصفح للمكتبة العربية القديمة والحديثة؛ بحثا عن مصنفات في البلاغة النبوية، مستقلة بذاتها، لن يظفر بمادة تشفي غليله، وتروي ظمأه وتشوفه، ولعل السبب في ذلك راجع إلى انشغال العلماء ـ منذ انبلاج فجر الإسلام ـ بالنص القرآني؛ لكونه معجزة النبي الخالدة؛ فما كان من النقاد، وعلماء الشريعة إلا أن انبروا، ولم يدخروا وسعا، في سبيل البحث وإبراز أوجه إعجاز القرآن الكريم، والذود عن حياضه.

والحصيلة والغريب في آن، أن البيان النبوي ـ مع ما له من شرف ومنزلة فى دنيا الناس ـ لم يحظ بدراسات بلاغية كثيرة، فى تاريخ التراث العربي الإسلامي الحافل ـ وبخاصة، خلال المراحل الأولى لتأسيس علم البلاغة ـ تتناسب مع مكانته ومنزلته، اللهم إلا شذرات متناثرات في تضاعيف بعض المصنفات، الشيء الذي شدني، ولفت انتباهي إلى البحث في جوهر الأسباب، والدواعي التي حالت دون ذلك؛ فعقدت هذه الورقات؛ لاستكشافها بقليل من الاجتهاد، متتبعا في ذلك خطى المنهج الوصفي، إلى جانب المنهج الاستقرائي.

ولمقاربة هذا الموضوع، بنيت قسمات المقالة على مقدمة، ومحورين؛ الأول خصصته للحديث عن بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني عقدته للحديث عن البلاغة العربية بين الإعجاز القرآني والبيان النبوي؛ فقسمته بدوره إلى مبحثين مهمين: الأول، لبيان العلاقة الجامعة بين القرآن الكريم، والحديث النبوي. والثاني، للكشف عن الأسباب التي حادت بالعلماء إلى الانشغال بالبلاغة القرآنية على حساب البلاغة النبوية. ثم في الأخير ذيلت العرض بخاتمة حوت نتائج البحث.

 المحور الأول: فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم

 لقد تناقلت المصنفات، واعترفت الجماجم والمخيلات، على أن محمد بن عبد الله، هو أفصح العرب لسانا، وأقواهم حجة وبيانا، مصداقا لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن نفسه:”أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر “[1]. كما يخبرنا عن الحقيقة نفسها يونس بن حبيب[2]، حين قال: «ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»[3]، علاوة على ذلك، نجد أبا عثمان الجاحظ ـ بمزيد من البسط والإيضاح والكشف ـ يصف كلام النبي بما فيه من قمة البيان وسماقة الجمال؛ إذ نعته بقمة الفصاحة، وقبة البلاغة، بقوله: «وأنا ذاكرٌ بعد هذا فَنّاً آخرَ من كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونُزِّه عن التكلف، وكان كما قال تبارك وتعالى: قل يا محمد: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}[4]. فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعيب، استعمل المبسوط في موضع البسط؛ والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي؛ فلم ينطق عن ميراث حكمه، ولم يتكلم إلا بكلام قد حُف بالعصمة، وشُدَّ بالتأييد، يُسِّر بالتوفيق، وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه وغشاه بالقبول، وجمع بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام، هو مع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المؤاربة، ولا يَهمز ولا يَلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر؛ ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا،ً ولا أصدق لفظاً، ولا أعدل وزناً، ولا أجمل مذهباً، ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه – من كلامه – صلى الله عليه وسلم»[5]. ومع هذا كله، فإن كلام النبي عليه الصلاة والسلام، يقع دون كلام الله تعالى، سموا وبراعة وغنى، تحكمه سمة البشرية (النقص)، وقد كفانا مؤونة تبيان هذا شيخ الإعجاز الباقلاني؛ بقوله: «إن هناك فرقا بين القرآن وكلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان النبي أفصح العرب؛ فالفرق بين القرآن وكلامه عليه الصلاة والسلام، مثل الفرق بين كلام الله وكلام الناس)[6]، الشيء الذي من شأنه أن يجعل العدو اللدود يطمع في مضاهاته، والطمع في الإتيان بمثله. فإذا كان ذلك كذلك، أمكن لنا أن نقول: (إن بلاغة النبي صلوات الله وسلامه عليه، تقع على القنطرة الواصلة بين إعجاز القرآن وبلاغة البلغاء..وإن شئت قلت: بلاغة المرسلين)[7]. وهو ما أكد عليه عباس محمود العقاد ـ وهو يصف بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف أن الله اصطفاه عن سائر المرسلين ـ بقول: «كان محمد صلى الله عليه وسلم فصيح اللغة، فصيح اللسان، فصيح الأداء، وكان بليغا مبلغا عن أسس ما تكون بلاغة الكرامة والكفاية، وكان بلسانه وفؤاده من المرسلين، بل قدوة المرسلين»[8].

 وخلاصة القول، فإن محمد بن عبد الله ـ الرسول الخاتم ـ أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء، لم تلد أم مثله، ولم يجد صقع ولا مصر بشبهه؛ لا خَلْقًا ولا خُلُقًا، لا بيانا ولا تبينا.

المحور الثاني:  البلاغة العربية بين الإعجاز القرآني والبيان النبوي

إن الحديث عن البلاغة العربية في علاقتها بالشريعة الإسلامية، يثير العديد من الإشكالات، ويضع الدارس أمام ترسانة من التساؤلات، علما أن الشريعة ـ بمتنيها قرآنا وسنة ـ وحي من الله تعالى بدون منازع، فإذا كانت البلاغة العربية قد نشأت في أحضان العقيدة الإسلامية، وبنيت حصنا من حصون النبوة المحمدية، فما حظ الحديث النبوي في التأسيس لهذا العلم الشريف؟ وهل إذا كان القرآن الكريم معجزا بنظمه وتأليفه، ألا يعد كلام النبي معجزا كذلك، وهو القائل ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن نفسه، فيما رواه البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب)[9]؟
أليست هذه البراعة في الجمع، والإعجاز في الإيجاز، وقلة اللفظ مع كثرة المعاني، قمة ما تكون عليه بلاغة الكلام؟ أليست العلاقة بين القرآن والحديث الشريف علاقة تكامل وتلازم؟

غني عن البيان، أن العلوم الإسلامية؛ من أصول وفقه وقراءات ونحو وصرف وبلاغة…وغيرها، قد نشأت وتربعت على عرشها، خدمة للقرآن الكريم، وشكلت حصنا منيعا للدفاع عن حياض الشريعة الإسلامية السمحة، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[10]، وإذا ما أمعن الدارس النظر، في تاريخ نشأة علم البلاغة بخاصة، وجدها عالقة بالتنزيل الرباني؛ فقد كان للقرآن الكريم الأثر البالغ في ترتيب وجوه الكلام، واستجماع وجوه أساليب العرب في القول والبيان، إذ بلسانهم نزل القرآن، بل وأعجزهم عن الإتيان بمثله، مع توفرهم على الدواعي.

لقد كانت للبلاغة العربية علاقة جوهرية بالعقيدة الإسلامية، بل إنها قضية أسالت الكثير من مداد العلماء؛ فلم يتركوا منفذا لمغرض، ولا ملجأ لمشكك، هذا بالإضافة إلى أنها قضية أدبية، استأثرت باهتمام النقاد؛ لما يجمعها من وشائج بالنقد الأدبي منذ نعومة أظافره، علاوة على ذلك؛ فالبلاغة ركن متجذر في الثقافة العربية الإسلامية منذ بزوغ فجر الإسلام إلى يوم الناس هذا؛ ولما كان ذلك كذلك، ارتأينا ـ في تقديرنا ـ أن نلخص أهم الأسباب والمسوغات، التي حادت بالعلماء إلى الانشغال بالإعجاز القرآني دون السنة النبوية ـ القولية فقط ـ في تأسيسهم لهذا العلم، في سببين كبيرين هما: السبب الديني، والسبب الأدبي النقدي. وقبل تفصيل الكلام في شأنهما، لابد من تسليط الضوء على قضية مركزية في الموضوع، تكمن في العلاقة الجامعة بين القرآن الكريم والسنة النبوية.

المبحث الأول: علاقة السنة النبوية بالقرآن الكريم:

لقد زبر علماءنا الجلة في الأصول وعلوم القرآن كتبا جمة، خصوا فيها أبوابا لبيان أوجه علاقة السنة النبوية بالقرآن الكريم، فحددوا تلك العلاقة في ثلاثة أوجه هي:

ـ إما مبينة ومفسرة لما أجمل في القرآن الكريم: قال تعالى: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[11]، فهذا واضح بمنطوق الآية الكريمة، ومن الأمثلة على ذلك، ما يتعلق بأحكام الصلاة والزكاة، لقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ }[12].

ـ إما مؤكدة لما ورد في القرآن الكريم، وموافقة له: من نحو قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }[13]، فجاء الحديث النبوي الصريح، ليؤكد هذه الحقيقة، بقول النبي عليه صلاة الله وتسليماته: “إن الله لا يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته”[14].

ومثال آخر، قوله عليه الصلاة والسلام: “ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكبن، الذي ليس له غنى ويستحيي، ولا يسأل الناس إلحافا”[15]. فهذا الحديث ورد على لسان رسول الله، تأكيداً لقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}[16].

ـ وإما مخصصة لعموم: أي أن السنة النبوية، تصرف الحكم الوارد في القرآن الكريم عن بعض أو جزء الكلام، وبذلك يصير الحكم العام في القرآن مخصصا في السنة، والأمثلة على ذلك متكاثرة، نكتفي منها بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ}[17]. فالآية الكريمة متضمنة لحكم عام، يشمل الكافر والمؤمن، فجاءت السنة النبوية لتخصصه، لقوله عليه الصلاة والسلام: “لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم”[18].

وبهذا التفصيل، نقول إن السنة المطهرة في عمومها، تدور في فلك القرآن الكريم في عمومه أيضا، حتى إن الباحث (كمال عز الدين) يقول مبينا حاجة القرآن الكريم إلى السنة النبوية: (احتاجت إشارات القرآن وإجماله إلى البيان والتفصيل، فكانت السنة هي الشارح لما أوجز، والمفصل لما أجمل، والمبين لما تحت العموم، من هيئات وصفات وفروع وجزئيات)[19].

ومما لا خفاء فيه على ذي نهية، أن الأحاديث من حيث روايتها عن النبي عليه صلوات الله وتسليماته، تنقسم إلى قسمين أساسيين، هما:

ـ الحديث القدسي: وهو الذي رواه النبي عليه السلام عن ربه جل وعلا لفظا ومعنا، بواسطة جبريل عليه السلام، أي أن اللفظ والمعنى من الله تعالى. وقيل: إنه سمي بالقدسي نسبة إلى القدس، وهو الطهر، لإضافتها إلى رب العزة جل شأنه وهو القدوس، الموسوم بصفات الكمال والجلال، منزه عن كل عيب ونقص، ومن تلك الأحاديث نذكر ما يلي:

روى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه”[20]

ـ الحديث النبوي: وهو كل حديث رواه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه، بحيث يكون المعنى من الله، واللفظ من عند النبي عليه صلوات الله وتسليماته، وغالبية الأحاديث من هذا الضرب.

المبحث الثاني: أسباب انشغال العلماء بالبلاغة القرآنية دون البيان النبوي

سبقت الإشارة أعلاه، إلى أن الدواعي التي اتكأ عليها العلماء في انشغالهم بالقرآن، بمكنتنا تقسيمها إلى قسمين كبيرين هما: الأسباب الدينية، والأسباب الأدبية النقدية، وهي ما سنحاول بسط القول فيها كالآتي:

1ـ الأسباب الدينية:

هذه الأسباب، منها ما هو متعلق بالقرآن الكريم، ومنها ما هو ذاتي في الحديث النبوي، وإليكم التفصيل:

أ ـ الأسباب المتعلقة بالقرآن الكريم:

ـ القرآن الكريم هو معجزة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الخالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مصداقا لقوله تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون”[21]. وقد انبرى جم غفير من علماء الأمة، للذود عن حياض هذه الحقيقة الدامغة، والآية الباهرة، كيف لا، والأمر متعلق بعقيدة المسلمين، وقد كثر المشككون، وامتلأت بهم الأقطار والأمصار.

ولما كان القرآن معجزة النبي الخاتم الخالدة، لم يدخر العلماء جهدا، في سبيل البحث عن وجوه إعجازه، فقاموا قومة رجل واحد، ليقرنوه بالكلام البشري ـ شعرا ونثرا ـ من حيث فصاحته وبلاغته، علما أن العرب أفصح الخلق، ميزهم الله بالبيان عن سائر الإنس والجان، والقرآن بلغتهم نزل على النبي العدنان، فانتهت السفينة بالعلماء، أن أجمعوا على أن القرآن معجز من جهة بلاغته، ولذلك وجدنا علماءنا قد تكلموا في إعجازه البلاغي، فأسهبوا وأطنبوا، بل وأكدوا على أنه ما انبثق علم البلاغة إلا من رحم الإعجاز القرآني، إذ سحر عقول العرب قبل قلوبهم، وجعل من حاول مجاراته موضع الهزل والضحك، حتى إن الجاحظ قال في هذا المضمار: “لأن رجلاً من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها.

ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها. وليس ذلك في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين. ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربنا الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع؛ ولو أراد أنطق الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، على نظم القرآن وطبعه، وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع قحطان، ومعد بن عدنان”[22]. ولعل ما يؤكد هذا المعنى، قول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[23].

يقول عصام البشير المراكشي: (وهذا لب الإعجاز البلاغي القرآني، الذي لا مطمع لأبلغ البلغاء في متابعته فضلا عن مجاراته. ومَن تجشم عناء معارضته من أهل الشقاق، ما زاد على أن فضح نفسه، وأتى بما جعله هزؤا أبد الدهر، كما ذكروا عن مسيلمة الكذاب وأضرابه. أما كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه – على بلوغه أعلى مراتب الفصاحة – فيه من آثار النفس الإنسانية ما يجعل البلغاء يطمعون في محاكاته، لما يلمسونه من الصلة البشرية بينهم وبينه)[24].

ومن ثمة، فالحصيلة أن العلماء؛ سواء القدماء منهم أو المحدثين ـ على اختلاف مذاهبهم، وتباعد أقطارهم ـ قد ألفوا كتبا كثيرة، في سبيل إنارة الطريق للباحث عن وجوه إعجاز القرآن الكريم، فألفوا في نظم القرآن ما نيف عن عشرات المؤلفات، إلا أن الكثير منها أضحى مفقودا، أو ظل قابعا في جبة النسيان؛ لم تتمتع به رفوف المكتبات العربية الإسلامية. ذكر السيد أحمد صقر[25] بعضا منها، من مثل:

ـ تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة؛

ـ جامع البيان في وجوه تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري؛

ـ الحجة في تثبيت النبوة لأبي عثمان الجاحظ؛

ـ نظم القرآن لأبي بكر السجستاني؛

ـ نظم القرآن لأبي زيد البلخي؛

ـ إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه لمحمد بن يزيد الواسطي؛

ـ بيان إعجاز القرآن لمحمد الخطابي؛

ـ النكت في إعجاز القرآن لأبي عيسى الروماني؛

ولعل أبرزها وأشهرها في الساحة العلمية هو”إعجاز القرآن للباقلاني”، وقد قال عنه الدكتور أحمد جمال العمري: (ويعدّ كتابه هذا أول كتاب يصنفه عالم من علماء السلف، في الرد على مزاعم الملحدين والمخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم، لذلك بلغ بهذا الكتاب مكانة مرموقة، وشهرة ذائعة، لم يصل إليها أحد غيره)[26].

لقد تصدى الباقلاني لموضوع الإعجاز، بنوع من التفصيل والدقة في الطرح أكثر ممن تقدمه، تبدى ذلك من خلال كتابه “إعجاز القرآن”، إذ نجده عقد فصلا “في جملة وجوه إعجاز القرآن”، فذكر الوجوه الثلاثة التي سبق وأن أشار إليها العلماء الذين سبقوه؛ بما فيهم الواسطي، والروماني، والخطابي، وهي:

ـ الوجه الأول: ما يتضمنه القرآن من الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه.

ـ الوجه الثاني: أنه كان معلوما من حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان أميا لا يكتب، ولا يحسن أن يقرأ.

ـ الوجه الثالث: أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.

وهذا الأخير، وقف معه الباقلاني وقفة مستفيضة، وفصل فيه الكلام تفصيلا، نفهم ذلك من قوله: (فالذي يشتمل عليه نظمه، المتضمن للإعجاز وجوه)[27]. فبدأ باستعراض تلك الوجوه، وفسرها وتوضيحها أجل ما يتطلب الإيضاح.

وفي السياق نفسه، يعمد ابن خلدون إلى تبيان ثمرة البيان العربي في علاقته بالقرآن الكريم، ليومئ إلينا بالمكانة السامقة التي يكتسيها الأسلوب القرآني، حيث يقول: “واعلم أن ثمرة الفن (البيان) إنما هي في فهم الإعجاز من القرآن؛ لأن إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال، منطوقة ومفهومة، وهي أعلا مراتب الكلام من الكمال فيما يختص بالألفاظ في انتقائها، وجودة صفها وتركيبها، وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه، وإنما يدرك بعض الشيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي، وحصول ملكته، فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه”[28].

إن الإعجاز القرآني، عالق بكنه الإسلام، ولب لباب الشريعة السمحة، فقد أتى العلماء في تأكيد هذه الحقيقة بالعجب العجاب. يقول عباس رحيلة في هذا الصدد: (الإعجاز القرآني قضية ترتبط بجوهر الإسلام، عقيدة وفكرا ولغة، إذ كان إثبات هذا الإعجاز، هو البرهان القاطع، على صحة النبوة الإسلامية، وفي سبيل استيعاب ذلك الإعجاز، والكشف عن أسراره، كانت رحلة الفكر العربي الإسلامي، مع الخطاب السماوي عبر الأجيال المتلاحقة، يتقصى مراميه، ويتملى روحانيته، ويهتز لروعه بيانه” ثم يقول ” وأرى أن إقامة الدليل على الإعجاز القرآني بشقيه الكلامي والبلاغي، كانت تهدف إلى ترسيخ النص القرآني في البيئة الحضارية الجديدة، وترسيخ الكيان العربي الإسلامي، في وجه كل غزو فكري، يرمي إلى إضعافه)[29].

وجنبا إلى جنب، يذكر المهدي صالح السامرائي في كتابه “تأثير الفكر الديني في البلاغة العربية” أن قضية الإعجاز كانت الفكرة الرئيسة في تكوين المباحث البلاغية، وتلوينها تلوينا جماليا، فالوجه الجمالي للبلاغة، نشأ أول ما نشأ، في مباحث الإعجاز، وعن هذه المباحث استمدت مباحث البلاغيين وجودها الجمالي[30].

ولو لا خشية الإطالة، لأوردنا أقوال الكثير من علماء الأمة في شأن الإعجاز، ولكن حسبنا ـ في هذه المقالة ـ أن يدل القليل على الكثير، ويكفي من در القلادة ما أحيط بالعنق، ومن السوار ما أحيط بالمعصم، فهذه إلمامة عجلى، نأمل منها أن تبين للقارئ معالم الطريق بخصوص البلاغة العربية وعلاقتها بالإعجاز القرآني.

ـ القرآن الكريم قطعي الثبوت:

فقد تناقلت الأمة الميمونة القرآن الكريم، جماعة عن جماعة عن جماعة، يستحيل معه تواطؤهم عن الكذب، بل، وأكثر من ذلك، هو محفوظ بحفظ الله له، لا يطاله تحريف، ولا يمسه تزييف، هو القول الفصل، ليس بالهزل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[31].

ـ القرآن الكريم هو المصدر الأول لرسالة الإسلام:

لا غرابة إذن، أن يولي العلماء كبير اهتمامهم للقرآن الكريم، وألا يدخروا وسعا في سبيل مدارسته، واستكناه عجائبه التي علينا تترى، علما أنه المصدر الأول للرسالة السماوية الخالدة، نزل به الروح الأمين على قلب صفوة المرسلين، وخير من نطق بالضاد، إبان طمست الجاهلية الجهلاء عقول العرب، وهم من هم في الفصاحة والبيان، فقد كانوا عبادا للأوثان، بل كان الواحد منهم يصنع معبوده من الطعام، حتى إذا ما أخذه الجوع أكله، فما كان من هذا النور الرباني إلا أن جَلَّى لهم الحقيقة، وأعجزهم عن الطريقة، فصار منهم الراعي للأغنام، قائدا للدول والأقوام، ولما كان ذلك كذلك، انبرى الدارسون ـ جماعات ووحدانا ـ للبحث في إعجازه، والذود عن حياضه. إنه كلام رب العالمين.

ـ القرآن الكريم هو آخر الرسالات السماوية إلى البشر:

ومن ثمة، كان من الطبعي جدا، أن ينشغل الناس به، قراءة ودراسة وتعبدا أيضا، فكأني بالعلماء يقولون: إذا كانت الرسالات السماوية السابقة، قد ضُيِّعت وحُرفت وبُدلت من قبل أصحابها، وأطالتها كل ألوان الأذى، فإن رسالتنا (القرآن الكريم) خالدة، وستظل محفوظة محمية، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهي مجد حضارتنا، وأصل عزنا وشرفنا وسؤددنا، ومنبع خيريتنا، لقوله سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[32]

ـ النص القرآني منهج محروس بمعجزة بيانية:

في الوقت الذي كانت فيه الرسالات السماوية السابقة منهجا ربانيا تحرسه معجزة مادية صرفة، على نحو ما كان مع قوم موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، جاءت الرسالة الخالدة منهجا ربانيا محروسا بمعجزة بيانية؛ فكان القرآن منهجا ومعجزة في آن معا، كل منهما يحرس الآخر[33].

ب ـ الأسباب المتعلقة بالحديث النبوي:

كثيرة هي الأسباب التي حادت بالعلماء، إلى الانشغال بالإعجاز القرآني عن البلاغة النبوية، علما أن القرآن كلام الله تعالى، والحديث النبوي كلام بشري صرف، تحكمه النسبية؛ ولذلك فإن من تلك المسوغات ما يلي:

ـ السنة منها القطعي والظني:

لقد أجمع علماء الحديث قاطبة، على أن الحديث النبوي، من جهة ثبوته وصحته عن النبي صلى الله عليه وسلم، على ضربين هما:

ـ قطعي الثبوت: وهو كل حديث نقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن طريق التواتر، بحيث روته جماعة عن جماعة، يستحيل تواطؤهم عن الكذب.

ـ ظني الثبوت: وهو كل حديث لم تبلغ روايته حد التواتر، وهو يشمل الحديث الصحيح والحسن والضعيف، وهذه الأنواع الثلاثة كلها ظنية الثبوت، ولا ترتقي إلى درجة القطع بثبوتها، وبذلك يكون حديثا قد اعترى سنده إحدى العلل المعروفة عند علماء الحديث.

ـ مسألة الرواية بالمعنى:

تعتبر الرواية بالمعنى، من أهم الأسباب التي صرفت العلماء إلى الاهتمام بالبلاغة القرآنية على حساب البلاغة النبوية؛ فهذه المسألة لها الأثر الكبير، في التفريق بين القرآن الكريم والبلاغة النبوية، ولذلك فهي سامقة الشأن، وذات شأو عظيم، جديرة بأن تخصص لها وقفة تأملية تجلي غوامضها، وتسفر عما يكتنفها من أسرار ونكت؛ وقاصمة الظهر فيها، أنها ـ الرواية بالمعنى ـ ثابتة في طائفة كبيرة من الأحاديث النبوية الشريفة.

قال الدكتور جواد علي: (يذكر العلماء أن”الأحاديث لم تنقل كما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما رويت بالمعنى”. وسبب ذلك، أنهم وجدوا أن من غير الممكن إثبات النص بالرواية من غير تبديل ولا تغيير قد يقع عليه، وخشية وقوع هذا الخطأ في كلام الرسول، وهو أعز كلام، وعليه تترتب الأحكام في الحلال والحرام، جوّزوا الرواية بالمعنى. ولهذا تركوا الاستشهاد بالحديث “على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب)[34]، ولو وثق العلماء من أن لفظ الحديث هو لفظ الرسول حقًّا، لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية. وإنما كان ذلك لأمرين:

ـ أحدهما، أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى، فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يقل بتلك الألفاظ جميعها، نحو ما روي من قوله: زوجتكها بما معك من القرآن[35]، ملكتكها بما معك من القرآن[36]، خذها بما معك من القرآن[37]، وغير ذلك من الألفاظ الواردة، فتعلم يقينًا أنه صلى الله عليه وسلم، لم يتلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا يجزم بأنه قال بعضها؛ إذ يحتمل أنه قال لفظًا مرادفًا لهذه الألفاظ؛ فأتت الرواية بالمرادف، ولم تأت بلفظه؛ إذ المعنى هو المطلوب، ولاسيما تقادم السماع وعدم ضبطها بالكتابة والاتكال على الحفظ. والضابط منهم من ضبط المعنى. وأما من ضبط اللفظ فبعيد جدًّا، لاسيما في الأحاديث الطوال. وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت، فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى)[38].

أمام هذه الحقيقة، يقف الدارسون في حيرة من أمرهم، بخصوص الاستدلال بالحديث النبوي، وقد حاول الدكتور عصام البشير المغربي، تسليط الضوء على هذه القضية، لاستجلاء ما غمض منها، وتوضيح ما استشكل منها على الأذهان، وبذلك يكون قد ذلل للدارس العقبة الكأداء، يتضح أمر ذلك من خلال قوله: (لا يكون ذلك مانعا في الاستدلال بالحديث على الأصول العامة للبلاغة النبوية، وذلك للأوجه التالية:

ـ الوجه الأول: أن الأصل عند المحدثين، الاعتناء بضبط ألفاظ الحديث، ومنهم من كان يتشدد في ذلك على ما هو مقرر. فالرواية بالمعنى أمر عارض لا ينبغي أن يسوى بالأصل الثابت.
ـ الوجه الثاني: وهو أن من قال من الحفاظ بجواز النقل بالمعنى، إنما قاله من باب التجويز العقلي، الذي لا يتنافى ـ في الغالب ـ مع وقوع عكسه. فالغالب على الظن أن الألفاظ الأصلية للنبي صلى الله عليه وسلم لم يطرأ عليها تبديل البتة، أو لم يساورها غير شيء من التبديل يسير.

ـ الوجه الثالث: أن الرواية بالمعنى ـ على فرض كونها محل اتفاق ـ لا تعم كافة أصناف الحديث، وإنما الغالب وقوعها في الأحاديث الطويلة، أما الأحاديث القصار، أو حِكم النبي صلى الله عليه وسلم وأمثاله، ونحو ذلك، فإن الرواة يحافظون على نصها، ولا يعدلون عنه، لانعدام الحاجة إلى ذلك.

ـ الوجه الرابع: أن التبديل الواقع في الحديث بسبب الرواية بالمعنى، إنما يكون في اللفظة الواحدة بعد اللفظة، أو في بعض دقائق التركيب، مع بقاء الهيكل العام للحديث، وهو– في الأعم الأغلب – موضع حكم الذوق بالبلاغة.

ـ الوجه الخامس: أن للمحدثين – خاصة منهم أهل العلل – طرقا خاصة يجمعون بها روايات الحديث الواحد؛ فيظهر من جمعها إن وقع في نص الحديث تصرف من الرواة أم لا. ثم إن كان الحديث مما اختلفت فيه ألفاظ رواته، من غير سبيل للترجيح بينها، فالمتعينُ تنكبُه في مبحثنا هذا.

ـ الوجه السادس: أن الشك المتطرق إلى بعض الأحاديث بسبب من احتمال الرواية بالمعنى، لا ينفي صحة الأصول العامة المأخوذة بطريق الاستفاضة والتواتر، من مجموع الأحاديث النبوية.

وفي الجملة، فإن هذه المسألة ـ وإن صح عدّها سببا في تأخر بحث البلاغة النبوية مقارنة ببلاغة القرآن الكريم-لا ينبغي أن تصرف الباحث في الموضوع عن مراده)[39].

2ـ السبب الأدبي النقدي:

إن ثمة، ظاهرتين وثيقتي الصلة بالحياة الأدبية العربية، استجدتا داخل الثقافة العربية الإسلامية ـ كما يرى خلف الله ـ كان لهما الإسهام الكبير، في اهتمام الأدباء والنقاد بالبلاغة القرآنية على غرار البلاغة النبوية، وهما ظاهرتان قد برزتا منذ بدء الدعوة الإسلامية، تمثلتا في ما يلي:

ـ نزول القرآن الكريم؛ الكتاب المبين، الذي تبوأ مركز الصدارة بين جميع ما أنتجته العرب العاربة من فصيح الكلام؛ منظومه ومنثوره.

يقول محمد خلف الله أحمد: (من الطبيعي أن تتجه أذهان المسلمين أول ما تتجه، إلى العناية بهذا النص لشرح ألفاظه، وتفسير آياته، وتعرف أساليبه، وتَبَيُّنِ معانيه…وكثير من هذه النواحي، يدخل في صميم ما تسميه الآداب الأخرى ‘نقد الأدب’.

ثم يقول: ومن باب التأدب مع القرآن الكريم، كان من الأسباب التي حادت بالمسلمين الذين ألفوا في صناعة الأدب، إلى العدول عن لفظة ‘النقد’، لما تتضمن هذه اللفظة من ذكر المحاسن والمساوئ، وإصدار الحكم على النص المنقود)[40].

ـ ظاهرة الإعجاز البلاغي:

لا أحد يماري في أن قضية الإعجازـ إلى جانب ارتباطها الوثيق بالعقيدة الإسلامية ـ تعتبر ظاهرة أدبية صرفة، اختص بها الأدب العربي دون غيره من الآداب العالمية الأخرى. يقول محمد خلف الله أحمد: (من الطبيعي أن يستعينوا[النقاد]على هذه الدراسة، بكل ما يلزمها من أدوات، وبكل ما يستحدثون من مناهج وثقافات، وظاهر أنها في صميمها دراسة نقدية من الطراز الأول؛ فهي تعتمد على بحث الأساليب، وتعمق أسرار البلاغة، والموازنة بين ألوان الكلام الرفيع)[41].

فلا غرابة إذن، أن يكون القرآن الكريم، هو الأس الأول والمعتمد الأسبق، الذي يحتكم على ضوئه الأدباء والنقاد، في الحكم على النصوص البشرية، والتاريخ الأدبي الإسلامي أدل دليل على ذلك، حيث إن دراسات القرآن، كانت الدافع الأساس، والمحرك القوي في العناية بجمع اللغة وتدوينها، مع جمع الشعر، والبحث في طرق اللغة في التعبير، واستخلاص أساليبها في البيان.

خــاتمة

إن الحديث عن الحديث النبوي الشريف، ليحتاج منا إلى وقفات ووقفات، نستجلي من بلاغته الجواهر والدرر، لنستضيء بها في خُطبنا وخِطاباتنا ورسائلنا؛ لعلنا نكون قد أخذنا بقبس من نوره، وقد حاولنا من خلال هذه الورقات، أن نستجمع أطراف الحديث ـ ولو بإلمامة عجلى ـ في سبيل الكشف عن المسوغات التي فرضت ؛ بشكل أو بآخر على علمائنا القدامى، العدول إلى الخطاب القرآني، وأن يتخذوه أُولى أولوياتهم في التأسيس لعلم البلاغة؛ فكانت النتيجة، أن نبتت البلاغة العربية في تربة القرآن، وسُقِيَتْ بماء القرآن؛ لتكون في النهاية، أمًّا رأوما على البلاغة النبوية، وأبًا حريصا على اللسان العربي بعامة، حينها تكتلت سلالة البيان العربي، وظلت وافية وفية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ سيد فصحاء الشرق والغرب، وشامة بلغاء هذا الضرب في هذا الدرب. فقد تبين لنا بعد هذه الجولة السريعة، أن الأسباب الرئيسة، في انشغال العلماء بالنص القرآني دون البلاغة النبوية، قد تلخصت في: الأسباب الدينية، والأسباب الأدبية النقدية، برزت تجلياتها وسماتها على نحو ما بينا في تضاعيف العرض، وهي ـ في جوهرها ـ أسباب متناغمة متكاملة، كل منها يؤدي إلى الآخر في صورة يصعب على الباحث فك طلاسيمها، وتمييز عناصرها، نظرا لما تتسم به الثقافة العربية الإسلامية في عمومها من التكامل والتداخل بين مكوناتها وفنونها المختلفة.

قائمة المصادر والمراجع:

ـ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.

ـ أثر القرآن في تطور النقد العربي، محمد زغلول سلام، مكتبة الشباب، ط1.

ـ أبو بكر ومفهومه للإعجاز، محمد جمال العمري، المدينة المنورة، الجامعة الإسلامية، ط 3، ج1.

ـ إعجاز القرآن، أبو بكر الباقلاني، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار المعارف، ط7، ص32ـ35.

ـ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مصطفى صادق الرافعي، بيروت ـ دار الكتاب العربي، ط 8، 1425هـ/2005م.

ـ بيان المعاني، عبد القادر بن ملا حويش السيد محمود آل غازي،ج4.

ـ البيان والتبيين، للجاحظ، بيروت ـ دار ومكتبة الهلال، 1423هـ، ج2.

ـ البحوث الإعجازية والنقد الأدبي إلى نهاية القرن الهجري الرابع، د.عباس أرحيلة.

ـ الحديث النبوي الشريف من الوجهة البلاغية، كمال عز الدين، دار إقرأ.

ـ سيمات البلاغة النبوية بين الجاحظ والرافعي والعقاد، عدنان محمد زرزور.

ـ شرح صحيح البخاري، ابن بطال، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الراشد، السعودية، الرياض، ط2، ج7.

ـ صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1.

ـ رسائل الجاحظ، أبي عثمان الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة ـ مكتبة الخانجي.

ـ مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت ـ المكتب الإسلامي، ط3، 1985،ج2.

ـ المفصل في تاريخ أدب العرب قبل الإسلام، جواد علي، دار الساقي، ط 4، ج1

ـ مقال ” أصول البلاغة النبوية”، عصام البشير، ملتقى أهل الحديث.

ـ المقدمة، لابن خلدون، ط دار الفكر، ج1.


[1]: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مصطفى صادق الرافعي، بيروت ـ دار الكتاب العربي، ط 8ـ 1425هـ 2005م، ص196.

[2]: هو يونس بن حبيب الضبي بالولاء، ولد سنة 84هـ،عالم بالأدب، وإمام نحاة البصرة في عصره، أخذ عنه سيبويه، والكسائي، والفراء، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وخلف الأحمر، وأبو زيد الأنصاري.. قال بن النديم: “كانت حلقته بالبصرة ينتابها طلاب العلم، وأهل الأدب، وكانت مجمع فصحاء العرب ووفود البادية”. كان عالم بالشعر مجيد له. من كلامه: (ليس لعيي مروءة ولا لمنقوص البيان بهاء، توفي رحمه الله سنة182هـ.

[3]: البيان والتبيين، الجاحظ، دار ومكتبة الهلال ـ بيروت، 1423هـ، ج2، ص14.

[4]: سورة ص، الآية: 86.

[5]: البيان والتبيين، للجاحظ، بيروت ـ دار ومكتبة الهلال، 1423هـ، ج2، ص13ـ14.

[6]: إعجاز القرآن للباقلاني،

[7]: سيمات البلاغة النبوية بين الجاحظ والرافعي والعقاد، عدنان محمد زرزور، ص 2.

[8]: عبقرية محمد، عباس محمود القعاد، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الفجالة ـ القاهرة، ص78.

[9]: عبقرية محمد، عباس محمود القعاد، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الفجالة ـ القاهرة، ص78.

[10]: سورة الحجر: الآية9.

[11]: سورة النحل: الآية 44.

[12]: سروة البقرة: الآية 42.

[13]: سورة هود: الآية 102.

[14]: رواه البخاري ومسلم، صحيح الجامع وزيادته، الألباني، ب ـ ألف، ج1،ص373.

[15]: نفسه ـ تخريج مشكلة الفقر، ص77.

[16]: سورة البقرة: الآية 273.

[17]: سورة النساء: الآية 11.

[18]: مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، بيروت ـ المكتب الإسلامي، ط3ـ 1985، ج2، ص917.

[19]: الحديث النبوي الشريف من الوجهة البلاغية، كمال عز الدين، دار إقرأ، ص12.

[20]: كتاب بيان المعاني، عبد القادر بن ملاَّ حويش السيد محمود آل غازي، ج4، ص209.

[21]: سورة الحجر: الآية 9.

[22]: رسائل الجاحظ، ج3، ص229.

[23]: سورة الإسراء: الآية 88.

[24]: مقال ” أصول البلاغة النبوية”، عصام البشير، ملتقى أهل الحديث.

 

[25]: هو محقق كتاب “إعجاز القرآن” لأبي بكر الباقلاني.

[26]: أبو بكر ومفهومه للإعجاز، محمد جمال العمري، المدينة المنورة ـ الجامعة الإسلامية، ط 3، ج1، ص7.

[27]: إعجاز القرآن، أبو بكر الباقلاني، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف، ط7، ص32ـ35.

[28]: المقدمة، ابن خلدون، ط دار الفكر، ج1، ص764.

[29]: البحوث الإعجازية والنقد الأدبي إلى نهاية القرن الهجري الرابع، ص14.

[30]: نفسه، ص14.

[31]: سورة الحجر، الآية9.

[32]: سورة آل عمران، الآية 110.

[33]: البحوث الإعجازية، ص39ـ40.

[34]: المفصل في تاريخ أدب العرب قبل الإسلام، جواد علي، دار الساقي، ط 4، ج1، ص5.

[35]: شرح صحيح البخاري، ابن بطال، ت أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الراشد، السعودية، الرياض، ط2، ج7، ص166.

[36]: نفسه، باب تزويج المعسر، ص181.

[37]: نفسه.

[38]: المفصل في تاريخ أدب العرب قبل الإسلام، ص370.

[39]: مقال ” أصول البلاغة النبوية”، عصام البشير، ملتقى أهل الحديث.

[40]: مقدمة كتاب “أثر القرآن في تطور النقد العربي”، محمد زغلول سلام، مكتبة الشباب، ط1، ص10.

[41]: المصدر السابق.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.