منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التقاسيم بوصفها أحد أهم تقاليد الأداء في الموسيقى العربية

التقاسيم بوصفها أحد أهم تقاليد الأداء في الموسيقى العربية/ الأستاذ شعيب البطار

0

التقاسيم بوصفها أحد أهم تقاليد الأداء في الموسيقى العربية

الأستاذ شعيب البطار

 

يعتبر قالب التقسيم من القوالب الموسيقية العربية الأصيلة والعريقة؛ فما زالت صورة الراعي العربي الذي يترنم بألحان الناي وهو يسوق غنمه، أو صورة الآخر الذي ترقص الأفعى على وقع أنغام مزمارِه، من الصور القابعة في مخيال الإنسان العربي، بل هي خير تجسيد لعراقة قالب التقسيم في الموسيقى العربية.

ويعرف محمود كامل التقاسيم بكونها “عزف انفرادي على الآلات المختلفة، وهي ترجمة للغناء بلفظ يا ليل يا عين، وتعد اختبارا لبراعة العازف في الأداء وقدرته على الابتكار ومهارته في الانتقال من مقام موسيقي إلى آخر وتفهمه لخصائص النغمة”1.

ويحظى قالب التقسيم بمكانة كبيرة في الموسيقى العربية، فلا شك أن له خصوصية تميزه عن باقي القوالب الآلية الأخرى؛ فهو عزف انفرادي وارتجالي في نفس الوقت، ولذا فإنه يعتمد على إحساس العازف ومخيلته التي يستقي منها جمله الموسيقية، فضلا عن الرصيد الموسيقي الذي يمتلكه العازف وما راكمه من ثقافة موسيقية كوَّنها انطلاقا من كثرة استماعه لبعض التقاسيم المشهورة من أنامل الموسيقيين المجيدين لهذا القالب الموسيقي أمثال القصبجي ورياض السنباطي على آلة العود ومحمود عفت على آلة الناي .

ويقوم التقسيم على رُكنين أساسيين: أحدهما نظري يرتبط بملكة الارتجال والإلمام بالمقامات الموسيقية وحسن توظيفها، وآخر عملي يتعلق بمهارات العازف وتمكنه الجيد من استعمال آلته الموسيقية.

أولا: الجانب النظري المرتبط بالثقافة الموسيقية للعازف.

أ- الارتجال :Improvisation

إذا كان الارتجال عامة هو أداء عفوي لفكرة معية دون إعداد وتصميم مسبق أو هو “ابتداء الخطبة أو الشعر من غير تهيئة2″، فإن ملكة الارتجال في الموسيقى وخاصة في الموسيقى العربية الآلية تمثل الجانب النظري والمحور الأساس الذي يقوم عليه قالب التقسيم، فهو المصدر الذي يمتح منه عازف التقسيم ويستقي أفكاره وجمله الموسيقية .

فالقدرة على الارتجال لحظة التقسيم تُكسب لا شك العازف شخصية متميزة باعتبار أن هذا القالب الموسيقي يقوم على الابتكار والخيال، لذا يُعد الارتجال من أهم الأسس التي يعتمد عليها العازف في هذا القالب الموسيقي؛ وإن كان العازف يلجأ إلى استحضار جمل كان قد استمع إليها سابقا أو حفِظها في ذاكرته ووجدانه، فإنه يعمل على إعادة صياغتها وتقديمها بأسلوبه الخاص، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى استحضار الجانب الوجداني والحدسي في كل لحظة من لحظات هذا التقسيم، ويسعى عازف التقسيم من خلال الارتجال إلى توليد جمل موسيقية جديدة لم تُسمع أبدا من قبل؛ مما يجعل هذا النوع من التقاسيم من أصعب أنواع التقسيم باعتبارها ارتجالية وآنية في نفس الوقت، فهو يجسد لحظات ابتكار لجمل موسيقية جديدة، وهي في الحقيقة لحظات من الإلهام والفيض الجمالي الموسيقي الذي يحتاج لا شك إلى تدخل خبرة عازف التقسيم أحيانا من أجل تشذيب الجمل وحسن توظيفها، ويزداد الموقف صعوبة إذا كان العرض مباشرا، لأن العرض يغدو حينها لحظة يجتمع فيها قالب التقسيم بملكة التلحين، لذا فإن المتأمل في قالب التقسيم يرى فيه المدرسة الأولى والأساسية في إذكاء روح الابتكار والتجديد ويجعل العازف قادرا على الانتقال من مرحلة العزف إلى طور التأليف والتلحين.

وإذا كان الارتجال في قالب التقسيم يمثل المحور الأساس الذي يقوم عليه التقسيم ويستقي منه العازف أفكاره، فيمكن كذلك الإشارة إلى مجموعة من الآليات التي تساعد العازف على تنشيط وتحفيز ملكة الإلهام عنده، ونذكر من بينها الاستعانة بعزف لدولاب على مقام موسيقي معين، يكون كتوطئة يمهد بها العازف دخوله في مقام التقسيم، ويهيئ المستمع للدخول في جو التقسيم، أو قد يكون التقسيم أحيانا مصاحبا بآلة إيقاعية؛ إذ غالبا ما يستعمل إيقاع البمب ذو الثمانية أزمنة والذي تبتدأ دورته بزمن قوي أو ثلاثة أزمنة قوية، لتتوالى بعدها الأزمنة الضعيفة مع السكتات، هذا التعاقب في قوة الأزمنة مخالفة القوة تتراقص حوله نوطات التقسيم مكونة تشابكا وتعالقا نغميا؛ مما يجعل التقسيم أكثر جمالا وبهاء ويبعث الحياة في عازف التقسيم ويجعله أكثر تفاعلا وإقبالا على العزف.

وقد يكتفي عازف التقسيم بآلته من غير أن يتقيد بأي آلة إيقاعية، فيكون التقسيم حينها تقسيما مطلقا كما أشار محمود كامل، عندما ميز بين نوعين من التقاسيم قائلا: “والتقاسيم نوعان، مطلقة لا يتقيد فيها العازف بإيقاع معين، وهو النوع الشائع، وموزونة يلتزم فيها العازف بإيقاع معين كالبمب مثلا.3

ب/ إلمام العازف بالمقامات الموسيقية العربية مع حسن توظيفها:

 تعتبر المقامات الموسيقية بالنسبة لعازف التقسيم الفضاء الذي يحدد الإطار النغمي والذي يسعى العازف من خلاله أن يعبر عن أفكاره وأحاسيسه. وإذا كانت المقامات الموسيقية تختلف عن بعضها البعض، ولكل مقام شخصيته الخاصة التي تميزه، فإن وعي العازف بثقافة كل مقام يجعله مُدركا لكيفية التعامل مع هذا المقام، كمعرفته لكيفية الانتقال بين درجات المقام وطريقة التسلسل بين فروعه وأجناسه.

وإذا كانت المقامات الموسيقية تمثل الإطار الكبير الذي يتحرك فيه عازف التقسيم، فإن التركيبات أو المسافات البعدية للمقام تمثل الجانب الأصغر والأكثر دقة؛ والوعي بها لا شك يساعد عازف التقسيم على حسن تركيب الجمل اللحنية كتوظيف المسافات الصوتية للسلم الموسيقي كمسافة الثالثة الكبيرة أو مسافة الثالثة الصغيرة أو مسافة الخامسة بشكل مناسب، فضلا عن حسن اختيار القفلات؛ الذي يساعد على استدراج المستمع للانتقال من جو نغمي إلى آخر.

يتميز التقسيم في الموسيقى العربية بتنوع جمله اللحنية، ويقوم هذا التنوع على الانتقال بين المقامات الموسيقية؛ لذا يلزم عازف التقسيم أن يكون عارفا ومُلمّا كذلك بالمقامات المشتقة للمقام الأساسي ومعرفة الوقت المناسب للانتقال إليها، إذ يجب أن يتم ذلك بطريقة انسيابية لا تخدش أذن المستمع حتى ينأى بالمتلقي عن كل ملل ويبعث فيه روحا جديدة ليظل المستمع من خلالها مشدودا إلى التقسيم حتى إذا عاد العازف في تقسيمه من المقامات المشتق إلى المقام الأساسي يكون هذه التجوال النغمي بمثابة لحظات جمالية لم يتحصلها المستمع دفعة واحدة، بل استقطرها عازف التقسيم إلى المستمع قطرة قطرة؛ الشيء الذي يجعل متعة الجمال والإطراب الناتجة عن التقسيم تدوم أطول في وجدان المتلقي.

إن معرفة عازف التقسيم بالمقامات الموسيقية وخصوصياتها يتيح لعازف التقسيم توجيه مسار التقسيم بشكل منتظم كما يساعده على رسم خطة مسبقة ترسم له الطريق التي سيسلكها أثناء التقسيم، ويحتاج ذلك لا شك إلى سرعة البديهة والخبرة والقدرة على بناء الجمل مع ملكة حسن التخلص، فضلا عن مجموعة من الملكات والتقنيات التي يكتسبها العازف من طريق التجربة و كثرة اشتغاله على هذا القالب الموسيقي.

ثانيا؛مهارات وتقنيات العازف ومدى تمكنه من استعمال آلته الموسيقية:

إن تمكن العازف من استعمال آلته الموسيقية والتحكم فيها بشكل جيد يجعله قادرا على إخراج الأصوات والجمل الموسيقية بشكل واضح بواسطة آلته الموسيقية لحظة التقسيم،  ويحتاج ذلك إلى امتلاك المهارات والتقنيات التي تساعد العازف على إخراج الجمل الموسيقية المراد عزفها؛ وخاصة في قالب التقسيم، وهذه التقنيات والمهارات مطلوبة جدا باعتبار أن التقسيم عزف حر وارتجالي؛ فقد تباغت العازف بعض الأفكار والجمل الموسيقية في أي لحظة؛ لذا فعلى العازف أن يكون مستعدا ومحيطا بأسرار آلته الموسيقية، واعيا بقدراته التقنية حتى تطاوعه الآلة في التعبير عما يخالجه من أفكار ومن جمل موسيقية بكل سهولة. إن الآلة الموسيقية في الحقيقة، وهي بين أحضان العازف الذي يقوم بالتقسيم، أداة يُعرب من خلالها العازف عما يشعر به من أحاسيس وما يخالجه من أفكار.

إضافة إلى تمكن العازف من آلته الموسيقية وقدرته على الارتجال، وباعتبار أن قالب التقسيم يمثل لحظة وجدانية، فإنّه يمكن الحديث عن مجموعة اعتبارات أخرى يمكن رصدها إذا نظرنا إلى قالب التقسيم من منظور سيكولوجيي ومن أهمها:

مزاج العازف لحظة التقسيم، ونوع المتلقي  “المستمع أو الجمهور”.

لا شك أن للحالة النفسية للعازف لحظة التقسيم تأثير كبير على نوع الجمل الموسيقية التي يميل إليها العازف، بل حتى على اختيار المقامات الموسيقية لحظة التقسيم.

وليس بالضرورة أن تكون هذه الانفعالات النفسية عائقا للعازف،  بل يمكن استثمارها بالعمل على توجيها وحسن توظيفها، وباستعمال الانتقالات النغمية المناسبة واختيار المقامات المناسبة مع فسح المجال للقريحة والخيال دون تكلف، حتى يكون التقسيم أكثر تلقائية وعفوية؛ ولعل هذا هو المطلوب في قالب التقسيم، لأن العفوية تقود إلى الارتجال الذي هو جوهر أداء هذا القالب الموسيقي.

أما بخصوص نوع المستمع أو الجمهور،  فلاشك أن له هو الآخر تأثيرا على طريقة الأداء لحظة التقسيم، ولذا فعلى العازف أن يتلمس ذوق المستمع بالحدس أحيانا،  وجَس نبضه أحيانا أخرى، كمراقبة ردود أفعال الجمهور منذ لحظة استهلال العازف للعزف ودخوله في التقسيم، أو ربما قبل البدء وخاصة في حالة ما إذا كانت للمُقْدِم على التقسيم فكرة مسبقة على نوع الجمل التي يُطرَب إليها هذا النوع من الجمهور أو ذاك، فإن كان هذا المستمع يميل إلى الجمل الطربية مثلا سعى إلى استمالتهم بعزف يحرك به مشاعرهم، أو قد يكون الجمهور من صنف آخر يحبذ المهارات فلا ضيْر في هذه الحالة أن يتخلل التقسيم بعض الجمل الموسيقية ذات طابع استعراضي  من شأنها أن تبعث على الإبهار والاعجاب، كأن يلجأ عازف التقسيم أحيانا إلى تلوين التقسيم ببعض الجمل الموسيقية أو المقطوعات الغربية مما يثير الإعجاب والمتعة في نفوس المستمعين، كتوظيف الأستاذ فريد الأطرش لمقطوعة أستورياس للمؤلف الاسباني إسحاق ألبينيز في التقسيم الذي استهل به أغنيته أول همسة.

يبقى قالب التقسيم من أهم القوالب الموسيقية العربية على الإطلاق، باعتباره تجلي من تجليات الحالة الانسانية لدى الموسيقي العربي باعتباره عزف ارتجالي وآني، ولذا فهو يعتبر أهم ورشة موسيقية لمن أراد أن يدخل غمار التلحين، ذلك أنّ التقسيم هو مجال للخيال وتوليد الأفكار.


1: تذوق الموسيقى العربية، محمود كامل ص46.

2: لسان العرب.

تذوق الموسيقى العربية، محمود كامل، ص 46.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.