منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة الثالثة: الكافية البديعية في المدائح النبوية؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي

هشام كمال

0

الحلقة الثالثة: الكافية البديعية في المدائح النبوية

شعراء مبدعون في المديح النبوي

بقلم: هشام كمال

 

الحلقة الأولى: الوتريات في مدح سيد الكائنات؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
الحلقة الثانية: المعشرات الحبية؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي

 

لصفي الدين الحلي المتوفى سنة 750 هـ. أطال في ترجمته عصريه الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات وعنه نقل كل من ترجم له بعده، فقال:

عبد الْعَزِيز بن سَرَايَا بن عَليّ بن أبي الْقَاسِم بن أَحْمد بن نصر بن أبي الْعِزّ ابْن سَرَايَا بن بَاقِي بن عبد الله بن العريض هُوَ الإِمَام الْعَلامَة البليغ المفوه النَّاظِم الناثر شَاعِر عصرنا على الْإِطْلَاق صفي الدّين الطَّائِي السنبسي الْحلِيّ شَاعِر أصبح بِهِ رَاجِح الْحلِيّ نَاقِصا وَكَانَ سَابِقًا فَعَاد على عقبه ناكصاً أَجَاد القصائد المطولة والمقاطيع وأتى بِمَا أخجل زهر النُّجُوم فِي السَّمَاء فَمَا قدر زهر الأَرْض فِي الرّبيع تطربك أَلْفَاظه المصقولة ومعانيه المعسولة ومقاصده الَّتِي كَأَنَّهَا سِهَام راشقة وسيوف مسلولة

مولده يَوْم الْجُمُعَة خَامِس شهر ربيع الآخر سنة سبع وَسبعين وست مائَة دخل إِلَى مصر أَيَّام الْملك النَّاصِر فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسبع مائَة تَقْرِيبًا وَأَظنهُ وردهَا مرَّتَيْنِ وَاجْتمعَ بِالْقَاضِي عَلَاء الدّين بن الْأَثِير كَاتب السِّرّ ومدحه وَأَقْبل عَلَيْهِ وَاجْتمعَ بالشيخ فتح الدّين ابْن سيد النَّاس وَغَيره وَأثْنى فضلاء الديار المصرية عَلَيْهِ وَأما شمس الدّين عبد اللَّطِيف فَإِنَّهُ كَانَ يظنّ أَنه لم ينظم الشّعْر أحد مثله لَا فِي الْمُتَقَدِّمين وَلَا فِي الْمُتَأَخِّرين مُطلقًا….

وقال ابن تغري بردي في المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ج7ص 275: وقال أبو محمد الحسن بن حبيب:؛ شاعر المشرق، ورحلة المشيم والمعرق، تقدم على كثير من الأول، وبين تقصير أرباب السبع الطول، وبرع في فنون الأدب، وجمع أشتات أقوال العرب، وسار في الأقطار ذكره، واشتهر في الأمصار نظمه ونثره، وكان حسن الأخلاق، مديد الأوراق، جميل المحاضرة بديع المحاورة، ذا نسب ورئاسة، وكسب وحماسة وفضائل عديدة. ومصنفات مفيدة، رحل إلى البلاد والبقاع، وخالط أهل الصغار والنزاع، وارتفع بحسن السلوك، واجتمع بالأكابر والملوك، وأظهر أسرار ما لديه من حقائق الدقائق، فقيل له إن المغارب أصبحت حواسد ما نالت منك المشارق.

البديعية عموما قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم يتضمن كل بيت منها شاهدا على نوع من أنواع البديع (البيان والمعاني والبديع هي فنون البلاغة الثلاثة) ، وربما تتم التورية باسم هذا النوع أيضا ضمن البيت ، وبديعية صفي الدين الحلي هي ميمية من بحر البسيط من 145 بيتا تضمنت 151 نوعا بديعيا ، قال الحلي في مقدمة شرحه لبديعيته المسمى “النتائج الإلهية في شرح البديعية “:… فجمعت ما وجدت في كتب العلماء، وأضفت إليه أنواعا استخرجتها من أشعار القدماء، وعزمت أن أؤلف كتابا محيطا بجلّها، إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلها، فعرضت لي علة طالت سوأتها، وامتدت شدّتها واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبي عليه السلام يتقاضاني المدح، ويعدني البرء من السقام ، فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات أنواع البديع، وتتطرّز بمدح مجده الرفيع، فنظمت مائة وخمسة وأربعين بيتا من بحر البسيط، تشتمل على مائة وواحدا وخمسين نوعا من محاسنه، ومن عدّ جملة أصناف التجنيس واحداكانت العدة عنده مائة وأربعين نوعا فإن في السبعة الأبيات الأوائل منها اثني عشر صنفا منه. وجعلت كل بيت منها مثالا شاهدا لذلك النوع وربما اتفق في البيت الواحد منها النوعان والثلاثة. بحسب انسجام القريحة في النظم.

والمعتمد منها على ما أسس البيت عليه.

ثم أخليتها من الأنواع التي اخترعتها، واقتصرت على نظم الجملة التي جمعتها، لأسلم من شقاق جاهل حاسد، أو عالم معاند، فمن شاقق راجعته إلى النقل، ومن وافق وكلته إلى شاهد العقل، وألزمت نفسي في نظمها عدم التعنف، وترك التكلف، من رقة اللفظ وسهولته، وقوة المعنى وصحته، وبراعة المطلع والمنزع، وحسن المطلب والمقطع، وتمكن قوافيها، وعدم الحشو فيها، بحيث يحسها السامع غفلا من الصنائع. ولم أرسل هذه الدعوى عارية عن بينة فقد قالت الحكماء: «الأخير يتعقب النظر » فانظر أيها الناقد الأديب والعالم اللبيب إلى غزارة الجمع ضمن الرياقة في السمع، فإنها نتيجة سبعين كتابا، لم أعد منها بابا، فاستغني بها عن حشو الكتب المطوّلة، ووعر الألفاظ المقلقلة:

ودع كلّ صوت بعد صوتي فإنني… أنا الصائح المحكي والآخر الصدى

 وأعوذ بالله أن أكون ممن زكى نفسه، أو مدح فهمه وحدسه، وإنّما أشرت إلى حسن الاختيار، لا إلى حسن الاختبار ؛ فقد قيل: «اختيار المرء شاهد عقله وشعره شاهد فضله» اهـ

وهذا مثال من بديعيته رحمه الله:

إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم… وأقر السّلام على عرب بذي سلم (براعة المطلع+تجنيس المركب: سلعا=سل عن)

فقد ضمنت وجود الدمع من عدم… لهم ولم أستطع مع ذاك منع دمي(تجنيس التلفيق: من عدم*منع دمي)

أبيت والدمع هام هامل سرب… والجسم في اضم لحم على وضم (المذيل واللاحق)…

ولعلك لاحظت الشبه ببردة البوصيري رحمه الله، فهي الأصل ميمية من البسيط في مدح النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم كانت برأة من فالج أصاب البوصيري وشفاء من علة أتعبت الحلي، ولا تلتفت إلى تكذيب د.زكي مبارك القائل:…فليس من المعقول أن يبرأ مريض من مرضه لآية يتلوها أو قصيدة ينشدها -كما برئ البوصيري بقصيدته، ولو مرض مفتي الديار المصرية -لا سمح الله- ما استغنى بالبردة عن الطبيب،….ونلاحظ كذلك أن البوصيري كرر عبارة “صلى الله عليه وسلم” خمس مرات في هذه الفقرة القصيرة، وتكرار الصلاة على النبي (أقول صلى الله عليه وسلم رغم أنفك) كلما ذكر اسمه من وساوس المتأخرين…(المدائح النبوية ص148) وحسبك هذا من جهله وقلة علمه وأدبه.

ثم تتابعت البديعيات بعد صفي الدين الحلي (750)، فلابن جابر الأندلسي (780) “الحلة السيرا في مدح خير الورى” ولعز الدين الموصلي (787) “التوصل بالبديع إلى التوسل بالشفيع”، وعبد الرحمن العلوي الزبيدي (803) “الجوهر الرفيع ووجه المعاني في معرفة أنواع البديع”، ولابن حجة الحموي (837) “تقديم أبي بكر” معرضا بما نسب للحلي والموصلي من تشيع وهي التي شرحها في خزانة الأدب،

وللجلال السيوطي (911) “نظم البديع هي مدح خير شفيع” ، ولعائشة الباعونية (922) “الفتح المبين في مدح الأمين”، ولابن معصوم المدني (1120) “أنوار الربيع في أنواع البديع”….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.