منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدمن الكيف (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

كانت سيارة نقل سري هرئة تسير بنا الهوينى، وهي تشق طريقا جبلية شديدة الوعورة، فتتمايل يمنة ويسرة، ثم تهتز كأنها مارد انفلت من قمقمه، ورفاق الدرب يتيهون في بحر لجي من السهوم، وضجيج المحرك ينذر برحلة ما لها من قرار، ومشاعر مضطربة يعجز عن وصفها البيان …
في زاوية من السيارة، رأيته ممددا كأنه خشبة مسندة ، يهيم في واقعه الخاص، يهمهم ويتمتم بعبارات ما لها من معنى ولا اتجاه .. أشعث أغبر، ثيابه رثة والرجل حافية، واللعاب يسيل من تحت لسانه مدرارا ..
ثم ما لبث أن أخرج سبسيا ومطوي الكيف، وأشعل عود ثقاب وهو يرتعد، فأحرق أصبعه..ثم أعاد الكرة، ثم الثالثة، وتنفس نفسا عميقا..
كان الجو حارا، وطول الطريق ووعورتها يزيدان الهم التهابا، والسيارة تسبح في بركة من دخان الكيف، وأنا أنظر إلى زميلي ذي الجلباب القصير يجمع يده ويطلقها، ثم يجمعها، ويتأفف بأعمق جهد، ثم يلتفت إليه قائلا :
يا هذا، ألم يكفك ما نحن فيه من هم !؟
لم يأبه به..واستمر في التدخين، فهب من مجلسه ونزع منه السبسي بكل قوة وغضب، ورماه في الخارج..
لم يرد عليه، بل صمت قليلا، ثم نظر إليه نظرات ألم ويأس، وقال :
قل: الله يعفو.
رد عليه: نعم، الله يعفو .. لكن اعف عن نفسك أولا ، وابتعد عن هذا الحرام ..
طأطأ رأسه،وزفر زفرات متتالية، فانفلتت منه دمعات قليلة.. وسادت لحظة صمت نال بها شفقة الجميع، ثم رفع رأسه وسرح ببصره في الجميع، ثم نظر إليه وابتسم ابتسامة خفيفة سرعان ما انقلبت إلى غضبة وجدية، ثم قال: من قال لك بان الكيف حرام !؟
لم يرد عليه أحد، فاسترسل :
إن الكيف عشبة صالحة، وأولياء الله الصالحون كانوا يدخنونها كي تعينهم على الذكر والتفكر…
لم أتمالك نفسي، بل الجميع، وانفجرت ضحكات هستيرية، اهتزت لها السيارة، أما زميلي الملتحي فرأيته يضع أصابعه على جبهته ورأسه محني، وهو يردد :
لاحول ولا قوة إلا بالله …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.