منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“ابتلاء عظيم – سيدنا ابراهيم –

0
اشترك في النشرة البريدية

تعددت أساليب ابتلاء الأنبياء ارتباطا بأقاربهم حيث  التمرد والعصيان طبع قلوب بعضهم ” أب ابراهيم عليه السلام ، ابن نوح عليه السلام …” وضعت الأنبياء في موقف حرج ألزم  التعقل واستحضار الوظيفة الموكولة إليهم رغم الإحساس الفطري كبشر تحكمهم غريزة الأبوة والبنوة.

في مقابل ذلك  ورد الاختبار من جنس الطاعة والاستجابة لأمر الله ، ذلك بأن العبادة تتحقق بإقامة الأوامر والصبر عليها ، بقدر الامتناع عن فعل المعصية والصبر عن اقترافها.

من  ذلك قصة ابراهيم عليه السلام التي اتخذت جوانب عدة في القرآن الكريم ، وأود من خلال هذه المقالة أن أسلط الضوء  على مقطع  عاشه ابراهيم عليه السلام وتعايش معه فترجم  فلاحه في اختبار عظيم  مر به، والذي قدم عبره للبشرية درسا  عقديا غاية في الأهمية بحيث لا يمكن أن يتحمله إلا من أوتي إيمانا حقا وصبرا جميلا ، يتعلق الأمر بموقف ذبح ابراهيم عليه السلام لابنه اسماعيل عليه السلام.

لا ينكر أحد العلاقة الغريزية التي تربط الآباء بأبنائهم والشحنة العاطفية التي يقدمها الوالدان ، وهو شعور ينتبه إليه من حرم نعمة الأبناء أو منح إياها بعد سن متقدم ، كما حال سيدنا ابراهيم عليه السلام ، فكيف إذا ذاق الأب هاته النعمة وطلب بأمر رباني أن يذبح ابنه بعدما بلغ السعي ، إنه حقيقة لاختبار غاية في العسر ، فليست هناك لحظة أفضل من أن ترى ابنك يسعى بين يديك ، يخدمك ويستجيب لأوامرك لا سيما إذا تقدم بك السن واشتعل الرأس منك شيبا ، فيأتيك ابن على كبر، وفجأة يطلب منك فعل واجب شرعي يحتاج قدرا كبيرا من الصبر الجميل ، ذبح من ترغب في أن تراه امتدادا لنسبك ، فرصة لمغرفة ذنوبك ، مقامه في ذلك مقام الصدقة الجارية والعمل الصالح ، موقف يضع تربية  الابن ” اسماعيل عليه السلام “على المحك من خلال النظر في المسألة ، مسألة الذبح وفق الأمر الإلهي ، ويضع الأب ” ابراهيم عليه السلام”  بين مهمته كنبي وبين علاقته بإسماعيل كأب له تربطهما علاقة تفوق التصور من حيث سن الابن الذي بلغ السعي في مصالح أبيه ، {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } -الصافات  102-

اختبار لم يكن كالسابق عندما ابتلي في نفسه فألقي به في النار ، أو إلى ما تعرض له عليه السلام من محن مع قومه ، لكن حين ابتلي في ابنه كان امتحانا عظيما  ، لذلك قال تعالى : {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ } الصافات 106  أن يكون الابن مذبوحا والأب ذابحا  فيسلما أمرهما للفعل المطلوب منهما” {فَلَمَّا أَسْلَمَا} – الصافات 103-{ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}- الصافات ص 103- ووضع وجهه للأرض حتى لا تقع عيناه على عيني ابنه وهو يذبح ، فينظر إليه وهو في جزع ، ومن المعلوم الذبح عملية تأخذ وقتا في ظاهر العين ” ذبح ، اضطراب ، سيلان دم ” إجراء سيقوم بها أب تجاه ابنه ، ما أصعب الموقف وما أخطره! لذلك أكد ربنا سبحانه حقيقة هذا البلاء بثلاث مؤكدات  ” إن” لام التأكيد ” لهو” ” البلاء المبين ” مسند ومسند إليه.

المزيد من المشاركات
1 من 21

قد يظهر الأمر الإلهي مخالفا للطبيعة البشرية  ومسيئا لها ، إذ كيف يمنح الله ابنا وفي مقابل ذلك يؤمر الأب بذبحه ، بل وكيف يعقل أن يستجيب الابن لأمر مخالف لما خلق الإنسان لأجله ، وهو إقامة النفس من حيث العدم كإحدى الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة لإقامتها والدفاع عنها وجودا وعدما.

الواقع أن تمت أمورا لا يمكن تفسيرها إلا من زاوية الطاعة والامثتال لأمر الله  ولحكمة هو مدركها.

ولا شك أن استجابة اسماعيل  دون أن يراجع نفسه لأمر ربه ودون الخوض في الجدال والتنطع  دليل على  حسن ظنه بما أمر به  ، كما أن أساليب الحوار لها دلالة كبيرة  على العلاقة التربوية  الحسنة التي تربط الابن بأبيه ” أبتي ، بني ”  فكلمة  ” بني ” عند اللغويين  تفيد إظهار شحنة العطف على قدر الحاجة ، ولذلك لما سئلت العربية أي بنيك أحب إليك ؟ قالت :  ” المريض حتى يشفى ، والغائب حتى يعود ، والصغير حتى يكبر “فالعاطفة الأبوية تبقى على قدر الحاجةكما ذكرت.

إن المحن التي مر بها ابراهيم عليه السلام بوأته  الرفعة والعزة” وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ”، النجم الآية 37 ، “وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ” فاستحق بذلك أن يكون إماما للخلائق ، وذلك أمر نستوعب من خلاله درسا يكمن في أن الله تعالى لا يبتغي من الابتلاء إلا الخير كما ورد في الحديث ” الخيرُ كلُّه في يدَيْكَ والشَّرُّ ليس إليكَ” ابن حبان في صحيحه الحديث رقم 1773.

نستطيع من خلال هذه القصة الماتعة والمواقف التاريخية العظيمة أن نستخلص كذلك  دروسا غاية في الأهمية ، منها ماهو عقدي يتأسس على مبدأ الطاعة والامتثال لأمر الله مع حسن الظن به سبحانه وتعالى ، ومنه ماهو تربوي يدعونا إل مساءلة علاقتنا بأبنائها ومدى تمكنهم من التربية الإسلامية التي تؤهلهم إلى الاستجابة لأوامره عزوجل وقدرتهم على التحمل عند الابتلاء ، كما أن هناك جانبا آخر نعتبره ضمنيا مرتبطا بجانب الأخلاقيات وأدبيات التواصل بين الاباء والأبناء ” ياأبتي ، يابني ” واستحضار جانب الشورى من باب التودد في الطلب رغم إلزاميته ” فانظر ماذا ترى؟ ” وهي أدوات تغيب على الكثير منا لا سيما في لحظات التوتر والغضب  .

نحن في حاجة اليوم إلى استحضار مفهوم الابتلاء من جميع زواياه في وقت لم تعد تتسع صدورنا لأدنى مستويات الاختبارات ، ملزمون بالعودة إلى المواقف الحرجة التي تعرضها لها الأنبياء والمرسلون والسابقون من الصحابة والتابعين للتزود بشحنة الصبر الجميل التي لم يعد لها مكان في صدورنا إلا من زاوية الصبر على المصالح الدنيوية التي لا نحصل منها إلا ماكتبه المولى عزو جل لنا، فقد تأتي الأشياء على ضد ما نرجوه وفي ذلك الخير كله ، فيحدث خلل في التقدير فنسيئ الظن به عزو جل لنقع في الخسران المبين.

إن ما تمر به البشرية اليوم من نكبات وأزمات وابتلاءات لأهون من الموقف التي ابتلي به ابراهيم عليه واسماعيل عليهما السلام ، لذلك  يجب إعادة النظرة في مفهوم الابتلاء لأجل أن نصحح اعتقادنا حتى يتناسب مع مراد الله ، لتستقيم عبادتنا لله حيث صحة العبادة  من سلامة الاعتقاد ، والابتلاء  وكيفية التعامل معه هو جزء من العبادة التي خلق الإنسان لأجلها، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}  – الملك ، الآية 2-

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.